Indexed OCR Text
Pages 381-400
وخمسين، وزكّاهما شيخهما القاضي، وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج، والشهادة سنة اثنتين وسبعين، ثم عَزَلَ نفسه عنهما، ثم عاد إليهما سنة ثمانٍ وسبعين، واستمر إلى موته، وكان ذا معرفةٍ تامةٍ بأحكام القضاءِ وإنفاذ السجلات، متعففاً في القضاء، متشدداً في السُّنَّةِ. وقال ابن عقيل: كان أعرف قضاة الوقت بأحكام القضاء والشروط، وله المقامات المشهودة بالديوان، حتّى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة في معرفة الرأي . وذكره ابن السمعاني(١) فقال: كانت له يدٌ قويةٌ في القرآن، والحديث، [والفقه]، والمحاضرة. قرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به، وكان حسن السيرة جميل الطريقة. ● وفيها أبو يوسف القَزْوِيني، عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، شيخ المعتزلة وصاحب التفسير الكبير، الذي هو أزيد من ثلثمائة مجلد. درس الكلام على القاضي عبد الجَبَّار بالرَّيِّ، وسمع منه، ومن أبي عمر بن مهدي الفارسي، وتنقل في البلاد، ودخل مصر، وكان صاحب كتب كثيرة، وذكاءٍ مفرط، وتبحر في المعارف واطّلاع كثير، إلّ أنه كان داعيةً إلى الاعتزال. مات في ذي القعدة، وله خمس وتسعون سنة وأشهر. ● وفيها أبو الحسن الحصري، المقرئ الشاعر، نزيل سَبْتَة، علي بن عبد الغني الفِهْرِي، وكان مُقرئاً محقّقاً وشاعراً مُغلقاً. مدح مُلوكاً ووزراء، وكان ضريراً. قال ابن بسام في حقه(٢): كان بحر براعةٍ، ورأس صناعةٍ، وزعيم (١) انظر ((الأنساب)) (١٤٧/٢) وما بين حاصرتين مستدرك منه. (٢) انظر ((الذخيرة)) (٢٤٥/١/٤ - ٢٤٦). ٣٨١ جماعةٍ، بلرداً على جزيرة الأندلس منتصفَ المائة الخامسة من الهجرة، بعد نظرابِ مَنوط ه من القيروان، والأدب يومئذ بأفقِنَا نافقُ السُّوقِ، معمور الطريق، شهادته مُلواعن طوائفها تهادي الرياض بالنَّسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، على أنه كان فيما بلغني ضيق العَطَن، مشهور اللّسن، يتلفتُ إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء، ولكنه طُويَ على غَرِّه، واحتُمِلَ بين زمانهِ) وبعد قُطرِه، ولما خُلِعَ ملوك الطوائف بأفقنا، اشتملت عليه مدينة طنجة، وقد ضاق(٢) ذرعه، وتراجع طبعه . د مشبس، وقال ابن خَلَّكان(٣): وهذا أبو الحسن - أي صاحب الترجمة - ابن خالة أبي إسحاق المخصري صاحب ((زهر الآداب)). وذكره ابن بشكوال في كتاب ((الصلة))(٤) - والحميدي (٤) أيضاً - وقال: كان عالماً بالقراءات وطرقها، وأقرأ الناس القرآن الكريم بسبتة وغيرها، وله . قصيدة نظمهل في قراءة نافعٍ ، عدد أبياتها مائتان وتسعة. وله ديوان شعر، فيين قصائدو السائرة القصيدة التي أولها: أَقِيَامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ بنا بيَعَاللَّيْلُ لَالصَّبّ مَتَى غَدُهُ أسفٌ للبينِ يُرَدِّدُهُ رأ! شُيِوَقَدَارِ المُّمَّارُ فَأَرَّقَهُ. وله أيضاًا: لها من مِسْكِ ريقتِهِ ختامُ زبا سطعَقُولُ لَهُ وَقَدْ حَيًّا بكاسٍ دهاعن أمنَّ يَّيْكَ تُعْصَرُ؟ قَالَ: كَلَّ مَتَى عُصِرَتْ من الوردِ الْمُدَامُ؟ ولما كان بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب (١) في ((آ)) و((ط)): ((زمانية)) والمثبت من ((الذخيرة)) و((وفيات الأعيان)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((وقد ضاقت)) والمثبت من ((الذخيرة)) و((الوفيات)). (٣) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٣٢/٣). (٤) انظر ((الصلة)) (٤٣٢/٢) و((جذوة المقتبس)) ص (٣١٤). ٣٨٢ ؟ إشبيلية واسمها في بلادهم حمص، فأبطأ عنه وبلغه أن المعتمد ما احتفل به فقال : ولُمِ الدَّهْرَ الفَجُوْعَا نبِّهِ الرَّكبَ الهُجُوعا لغُلامي لا رُجُوعَا حِمْصُ الجَنَّة قَالَتْ مَاتَ في الجَنَّةِ جُوْعًا رَحِمَ اللّهُ غُلَمي وقد التزم في هذه الأبيات لزوم ما لا يلزم، رحمه الله تعالى. ● وفيها المعتمد على الله، أبو القاسم محمد بن المعتضد عَبَّاد بن القاضي محمد بن إسماعيل اللَّخْمي الأندلسي، صاحب الأندلس. كان ملكاً جليلاً، وعالماً ذكياً، وشاعراً محسناً، وبطلًا شجاعاً، وجواداً مُمَدَّحاً. كان بابه مَحَطَّ الرِّحَالِ، وكعبة الآمال، وشعره في الذِرْوَةِ العليا، مَلَكَ من الأندلس، من المدائن، والحصون، والمعاقل مائة وثلاثين سوراً(١)، وبقي في المملكة نيفاً وعشرين سنة، وقبض عليه أمير المسلمين ابن تاشفين، لما قَهَره، وغلب على ممالكه، وسجنه بأُغْمات، حتَّى مات في شوال بعد أربع سنين من زوال ملكه(٢)، وخلع من ملكه عن ثمانمائة سُرّيّة، ومائة وسبعين ولداً(٣)، وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم. قاله جميعه في ((العبر))(٤). وقال ابن خَلِّكان(٥): جعل خواص الأمير يوسف بن تاشفين يعظّمون عنده بلاد الأندلس - لأنهم كانوا بمراكش، وهي بلاد بربر وأجلاف العربان - فجعلوا يحسِّنون له أخذ الأندلس، ويُوَغِرُونَ(٦) قلبه على المعتمد بأشياء (١) في ((العبر)): ((مسوراً)). (٢) في ((!)) و((ط)): ((بعد أربع وستين سنة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) مصدر المؤلف. (٣) في ((العبر)): ((ومائة وثلاثة وسبعين ولداً)) (ع). (٤) (٣٢٣/٣ - ٣٢٤). (٥) انظر ((وفيات الأعيان)) (٣٠/٥). (٦) تحرّفت في ((وفيات الأعيان)) إلى ((ويغرون)) فتصحح فيه. جاء في ((لسان العرب)) (وغر): وغِرَ صدره عليه ... إذا امتلأ غيظاً وحقداً. ٣٨٣ نقلوها عنه، فتغير عليه وقصده، فلما انتهى إلى سَبْتَة، جهز إليه العساكر، وقدَّم عليها سِيْر(١) بن أبي بكر الأندلسي، فوصل إلى إشبيلية وبها المعتمد، فحاصره أشد محاصرة، وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأسه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله، والناس بالبلد قد استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع، يقطعون سبلها سياحةً ويخوضون نهرها سباحةً، ويترامون من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الأحد عشري رجب سنة أربع وثمانين، هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنّوا فيه الغارات، ولم يتركوا لأحد شيئاً، وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم، وقبض على المعتمد وأهله، وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك، أحدهما المأمون، كان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه، والثاني الرَّاضي، كان أيضاً نائباً عن أبيه في رُنْدَة وهي من الحصون الممتنعة، فنازلوها وأخذوها، وقتلوا الرَّاضي، ولأبيهما المعتمد فيهما مرات كثيرة. وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه. ولما أُخذ المعتمد قيدوه من ساعته، وجعل مع أهله في سفينة. قال ابن خاقان في ((قلائد العقيان)): ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت، وضمّتهم كأنهم أموات، بعدما ضاق عنهم القصر، وراق منهم العصر، والناس قد حُشروا بضفتي الوادي، ييكون(٢) بدموع الغوادي، فساروا والنوح يحدوهم، والبوح باللوعة لا يعدوهم، وفي ذلك يقول ابن اللبانة : عَلَى الْبَهَالِيلِ مِنْ أَبْنَاءِ عَبَّادِ تَبْكي السَّماءُ بدمعٍ رائحٍ غَادي فِي ضَم رَحْلِكَ واجْمَعْ فَضْلَةَ الَّادِ يا ضَيفُ أقْفر بيت المَكْرُمَاتِ فَخُذْ (١) تحرّف في ((آ)) و((ط)) إلى (سيرين)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) وانظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (١٨٩/١٠ و١٩٠ و١٩٣). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((وبكوا)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)). ٣٨٤ وقال في هذه الحال وصفتها ابن حَمْدِيس الصِّقلي: وقُلقل رَضوىْ مِنْكُمُ وثَبِيرُ ولما رَحَلْتُم بالنَّدي في أُكُفِكُمْ فَهَذِي الجِبَالُ الراسِيَاتُ تَسِيرُ رَفَعْتُ لِسَانِي بِالقِيَامَةِ قَدْ دَنَتْ وهي أبيات كثيرة. وتألم المعتمد يوماً من قيده وضيقه وثقله، فأنشد: بذُلِّ الحَدِيْدِ وثِقْلِ القُيُودِ تَبَدَّلْتَ مِنْ ظِل عِزِّ الْبُنُودِ وعضباً رقيقاً صقيلَ الحديدِ وكَانَ حَديدي سِناناً ذَلِيقاً يُعَضْعِضُ(١) ساقَيَّ عَضَّ الأسودِ وقَدْ صَالاَ ذَاكَ وَذَا أدهما ثم إنهم حملوه إلى الأمير يوسف بمراكش، فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة أغمات، واعتقله بها، فلم يخرج إلى الممات. قال ابن خاقان: ولما أُجلي عن بلاده، وأُعري من طارفه وتِلاده، وحمل في السفين، وأحل في العُدْوة مَحَلَّ الدَّفين، تندبه منابره وأعواده، ولا يدنو (٢) منه زُوَّاره ولا عُوَّاده، بقي آسفاً تتصعد زفراته، [وتطرد اطّراد المذانب عبراته، ويخلو بمؤانسٍ، ولا يرى إلا عريناً بدلاً من تلك المكانس، ولما يجد سلوّاً ولم يؤمل دنوّاً، ولم يَرَ وجه مسَرَّة مجلوًّاً، وتذكر منازله فشاقته](٣) وتصوَّر بهجتها [فراقته](٤)، وتخيَّل استيحاش أوطانه، وإجهاش قصره ورأى(٥) إظلام جوّه من أقماره، وخُلوه من حُرَّاسِهِ وسمَّاره. (١) كذا في ((آ)) و(ط)): ((يعضض)) وفي ((وفيات الأعيان)): ((يَعَضُّ بساقيّ)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((ولا تدنو)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)). (٣) ما بين حاصرتين تأخر في ((آ) و((ط) إلى عدة أسطر فأعدته إلى مكانه كما في ((وفيات الأعيان)) (٣٢/٥) ولفظة ((فشاقته)) مستدركة منه. (٤) لفظة ((فراقته)) مستدركة من ((وفيات الأعيان)). (٥) لفظة ((رأى)) لم ترد في ((وفيات الأعيان)) الذي بين يدي. ٣٨٥ وفي اعتقاله يقول أبو بكر الدِّاني قصيدته المشهورة التي أولها: وللمُنى مِنْ مناياهُنَّ غَايَاتُ لكُلِّ شيءٍ مِنَ الأشياءِ مِيْقَاتُ ألوانُ حالاته فيهَا اسْتِحَالَاتُ والدَّهُرُ فِي صِبْغَةِ الحَرْبَاءِ مُنْغَمِسٌ وربما قُمرت بالبيدقِ الشاةُ ونَحْنُ مِنْ لُعَبِ الشطرنج في يده فالأرْضُ قَدْ اْفَرَتْ والنَّاسُ قَدْ ماتُوا انفُضْ يَدَيكَ مِنَ الدُّنْيَا وسَاكِنَها سَرِيرَةَ الْعَالَمِ العُلوي أَغَمَاتُ وقُل لعَالِمِهَا الأرضي قَدْ كَتَمَتْ وهي طويلة . ودخل عليه يوماً بناته السجن، وكان يوم عيد، وكنّ يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتَّى إن إحداهنّ غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهنّ في أطمارٍ رَثَّة وحالةٍ سيئةٍ، فَصَدَعْنَ قلبه، وأنشد: فَسَاءَكَ العيدُ في أغماتَ مأسورا فِيما مَضىْ كُنْتَ بِالأعْيَادِ مُسْرُوراً يَغْزِلْنَ للنَّاسِ لا يَمْلكْنَ قِطْمِيرًا(١) تَرىُ بناتكَ فِي الأَطْمَارِ جَائِعَةً أبْصَارُهُنَّ حسيراتٍ مَكَاسِيرا بَرَزْنَ نَحْوَكَ للَّسليم خَاشِعَةً كَأَنَّهَا لَمْ تَطَأُ مِسْكاً وَكَافُوراً يَطَأَنَ في الطّينِ والأَقْدَامُ حَافِيةٌ ومنها: فردَّكَ الدَّهْرُ مَنْهِيَّاً ومَأمُورا قَد كَانَ دَهْرُكَ إِنْ تَأْمُرُهُ مُمُتَثِلاً فإنما بَاتَ بالأحْلَامِ مَغْرُورَا مَنْ بَاتَ بَعْدَكَ فِي دَهْرٍ (٢) يُسَرُّ بِهِ (١) تحرّفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((قمطيرا)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) (٣٥/٥). والقطمير: الفوفة التي في النُّوَاة، وهي القِشرة الرقيقة، وقيل: هي النَّكْتَةُ البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة. انظر ((مختار الصحاح)) (قطمر). (٢) في ((وفيات الأعيان)): ((في ملك)). ٣٨٦ وله : قَالَتْ لَقَدِ هِنَّا هُنَا مَوْلاَي أينَ جَاهُنَا صَيَّرَنَا إِلَهُنَا قُلْتُ لَهَا إلى هُنَا ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عَضَّتْ بساقيه عض الأسود، والتوت عليه التواء الأساور السود، وهو لا يطيق إعمال قدم، ولا يُريق دمعاً إلّ ممتزجاً بدم، بعدما عهد نفسه فوق منبر وسرير، ووسط جَنَّةٍ وحرير، تَخْفِق عليه الألوية، وتشرق منه الأندية، فلما رآه بكى وأنشد: أَبَيْتَ أنْ تُشْفِقَ أَوْ تَرْحَمَا قَيْدي أما تعلمني مُسلماً أَكَلَتَهُ لا تُهَضِّمِ الأَعْظُمَا دَمي شَرَابٌ لَكَ واللّحْمُ قَدْ فينثني والقَلبُ قد هُشِّما يُبْصِرِنِي فِيْكَ أُبُو هَاشمٍ لم يخشَ أن يأتيكَ مُسْتَرْحِمَا ارْحَمْ طُفَيلا طائشاً لُبُّهُ جرعتَهُنَّ السّمَّ والعَلْقَمَا وارحم أَخَيَّاتٍ لَهُ مِثْلَهُ خِفْنَا عليهِ للبُكَاءِ العَمى مِنْهُنَّ مَنْ يَفْهَمُ شيئاً فقد والغير لا يَفْهَمُ شيئاً فما يَفْتَحُ إلَّ للرضاعِ الفَمَا وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء وألحّوا عليه في السؤال، وهو على تلك الحال فأنشد: بسؤالهم لأحقُّ مِنْهُم فاعجَبِ سَأَلُوا الْيَسِيْرَ مِنَ الأسِيرِ وإنه طَيَّ الحشالحكاهمُ في المطلبِ لَوْلا الحياءُ وعِزةٌ لخميّةٌ وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة، وكانت ولادته في ربيع الأول، سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس، وملك بعد وفاة أبيه هناك، وتوفي في السجن بأغمات حادي عشر شوال، وقيل: في [ذي] الحجة، رحمه الله. ٣٨٧ ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظم سلطانه وجلالة شأنه، فتبارك مَن له البقاء والعِزَّةُ والكِبرياء، واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء، الذين كانوا يقصدونه بالمدائح، ويجزل لهم المنائح، فرثوه بقصائد مطولات، وأنشدوها عند قبره، وبكوا عليه، فمنهم: أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به، رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها وأولها: أَمْ قَدْ عَدَتْكَ عن (١) السماعِ عَوَادي مَلِكَ المُلُوكِ أَسَامِعُ فأُنادي فيها كَمَا قَدْ كُنْتَ بالأعيَادِ لمّا نُقِلْتَ عَنِ القُصورِ وَلَم تَكُن وجَعَلْتُ قَبْرَكَ مَوضِعَ الإِنْشَادِ أَقْبَلتُ(٢) فِي هَذَا الثَّرِىْ لَكَ خَاضِعَةً ولما فرغ من إنشادها قبَّل الثرى، ومرغ جسمه، وعقَّر خده، فأبكى كل من حضر. ورأى أبو بكر الدَّاني حفيد المعتمد - وهو غلام وسيم - قد اتخذ الصياغة صناعةً، وكان يلقب في أيام دولتهم فخر الدولة، وهو من الألقاب السلطانية عندهم، فنظر إليه وهو ينفخ في الفحم بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة: والرزءُ يَعْظُمُ فيمن قَدْرُهُ عَظُمَا شَكاتنا فيك يا فَخْرَ العُلى عظمتْ ضَاقَتْ عَلَيْكَ وَكَمْ طَوَّقْتَنَا نَعَمَا طَوَّقتِ من نائِبَاتِ الدَّهْرِ مخنقةً من بعدما كُنْتَ في قصرٍ حكى إرَما وعَاد طَوْقُكَ في دُكانِ قَارِعِةٍ (٣) لم تدْرِ إلا النَّدى والسيفَ والقَلَما صرفت في آلة الصّيَّاغ أُنملةً فتستقلُّ الثريا أن تكون فَمَا يدٌّ عَهِدْتُكَ للَّقْبِيلِ تُبْسِطُهَا حُلياً وَكَانَ عليه الحليُّ مُنتظمًا يا صائِغاً كانت العُليا تُصَاغُ له (١) في ((آ)) و((ط)): ((من)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)) (٣٧/٥). (٢) تحرفت في ((آ)) و(ط)) إلى ((قبلت)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). (٣) تصحفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((فارغة)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). ٣٨٨ للنفخ في الصور هولٌ ما حكاه سوی وددتُ إذ نَظَرَتْ(١) عيني إليك به ما حطَّكَ الدَّهْرُ لما حطَّ عن شرفٍ لُحْ في العُلا كَوكباً إن لم تَلُحْ قمراً والله لو أَنْصَفَتْكَ الشهبُ لانكسفتْ أبكىْ حَدِيْثُكَ حتَّى الدَّهَرَ حِينَ غدا أني رأيتك فيهِ تنفخ الفَحْمَا لو أن عينيَ تشكو قبل ذاك عمى ولا تحيَّفَ من أخلاقكَ الكرمَا وقُمْ بها ربوةً إن لم تقم عَلَمَا وَلو وفى لك دمع العين لانْسَجَمَا يحكيك رَهطاً وألفاظاً ومبتسما ويكفي هذا المقدار، ولولا خوف الإِطالة لبيَّضتُ الليالي بلّآلىء نظامه، ولسوَّدت سطور الطّروس بمصابه ونكبة أيامه، فرحمة الله عليه، وعوَّضه بنعیم الفردوس لدیه. ● وفيها محمد بن علي بن أبي صالح البغوي الدبَّاس، آخر مَن روى ((الترمذي)) عن الجراحي، توفي ببغشور(٢) في ذي القعدة، وكان من الفقهاء. ● وفيها قاضي القضاة الشامي(٣) أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الحَمَوي الشافعي. كان من أزهد القضاة، وأورعهم، وأتقاهم لله، وأعرفهم بالمذهب. ولد بحماة سنة أربعمائة، وسمع ببغداد من عثمان بن دُوست وطائفة، وولي بعد أبي عبد الله الدامغاني، وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري. لم يأخذ على القضاء رزقاً، ولا غَيَّر ملبسه. ولي القضاء سنة ثمانٍ وسبعين، بعدما امتنع، فألحوا عليه، فاشترط عليهم أن لا يأخذ عليه معلوماً، (١) في ((آ)) و((ط)): ((أن نظرت)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)). (٢) في ((آ)) و((ط)): ((ببشفور)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) (٣٢٤/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٦/١٩). (٣) تحرّفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((المشامي)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٢٤/٣) و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٩٧/١). ٣٨٩ وأن لا يقبل من أحد شفاعةً، ولا يغيّر ملبسه، فأجابوه، فأجابهم إلى ذلك، وكان يقول: ما دخلت في القضاء حتَّى وجب عليَّ . وقيل: إنه لم يتبسم قطّ، وكان له أُجور من أملاكه تبلغ في الشهر ديناراً ونصفاً ينتفع بذلك. قال أبو علي بن سكرة: أما العلم فكان يقال: لو رفع المذهب أمكنه أن یملیه من صدره. وقال السمعاني: هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي، وله اطّلاع على أسرار الفقه، وكان ورعاً، زاهداً، جرت أحكامه على السداد. وقال ابن النجار: صنَّف كتاب ((البيان في أُصول الدِّين)) وكان على طريقة السلف. وقال غيره: لم يقبل من سلطان عطيةً، ولا من صديق(١) هديةً، وكان يُعاب بالحدّة وسوء الخلق. توفي عاشر شعبان ودفن قرب ابن سُرَيج. ● وفيها أبو عبد الله الحُميدي محمد بن [أبي] نصر(٢) فَتَّوح بن عبد الله بن فتُّوح بن حميد بن يَصِل(٣) المُيُورَقي - بفتح الميم وضم التحتية، وسكون الراء، وقاف، نسبة إلى مَيُوْرَقَة، جزيرة قرب الأندلس - الأندلسي الحافظ الحُجَّة العلاّمة، مؤلف ((الجمع بين الصحيحين)) توفي في ذي الحجة، عن نحو سبعين سنة. وكان أحد أوعية العلم، وكان ظاهري المذهب، أكثر عن ابن حزم، وابن عبد البرِّ، وحَدَّث عن خلق، ورحل في حدود الخمسين، فسمع بالقيروان، والحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وكتب عن خلقٍ كثير، وكان دؤوباً على الطلب للعلم، كثير الاطّلاع، ذكياً، (١) ي ((آ)) و((ط)): ((ولا من صديقه)) وما أثبته من ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة. (٢) في ((آ)) و((ط)): ((محمد بن نصر)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأنساب)) (٢٣٣/٤) و((العبر)) (٣٢٥/٣). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((ابن بطل)) وما أثبته من ((العبر)) (٣٢٥/٣). ٣٩٠ فطناً، صيِّناً، ورعاً، أخبارياً، مُتقناً(١)، كثير التصانيف، حجةً، رحمه الله تعالى (٢). • وفيها نجيب بن ميمون(٣) أبو سهل الواسطي ثم الهروي. روى عن أبي علي الخالدي وجماعة، وعاش بضعاً وتسعين سنة. · وفيها هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عمر أبو نصر البغدادي الحافظ. سمع وألّف، وجمع وصنّف، ومات كهلاً عن ست وأربعين سنة . (١) في ((العبر)): (متفننا)). (ع). (٢) قال العامري في ((غربال الزمان)) ص (٣٩١) في آخر ترجمته: قال أبو بكر بن طرخان: أنشد في نفسه: فأقللْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إِلّ لَأَخْذِ العِلْمِ أَوْ إِصْلَاحِ حَالٍ (٣) في ((أ)) و((ط)): ((محبب بن ميمون)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) (٣٢٦/٣) وانظر ((الأنساب)) (٢٥/٥) ضمن ترجمة شيخه (الحسين بن علي الخالدي النيسابوري). ٣٩١ سنة تسع وثمانين وأربعمائة ● فيها توفي أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد البَاقِلاني الكرخي ثم البغدادي، توفي في ربيع الآخر، وله ثلاث وسبعون سنة. تَفَرَّد بسُنَن سعيد بن منصور، عن أبي علي بن شَاذَان، وكان صالحاً، زاهداً، منقضباً (١) عن الناس، ثقةً، حسن السيرة. ● وفيها أبو منصور الشِّيحِي، عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي، المُحَدِّث التاجر السفَّار. روى عن ابن غَيْلان، والعَتِيقي، وطبقتهما . ولد سنة إحدى وعشرين(٢). وسمع بدمشق، ومصر، والرحبة، وكتب وحصّل الأصول. ● وفيها عبد الملك بن سراج، أبو مروان الأموي، مولاهم القرطبي، لغويُّ الأندلس بلا مدافعة. توفي في ذي الحجّة عن تسعين سنة. روى عن يونس بن مغيث، ومَكِّي بن أبي طالب، وطائفة، وكان أحد أوعية العلم. ● وفيها أبو عبد الله الثقفي القاسم بن الفضل بن أحمد، رئيس أصبهان ومسندها، عن اثنتين وتسعين سنة. روى عن محمد بن إبراهيم الجُرْجَاني، وابن مَحْمِش، وطبقتهما بأصبهان، ونيسابور، وبغداد، والحجاز. (١) تحرفت في ((آ) إلى ((متقبضاً). (٢) تحرفت في ((ط)) إلى ((إحدى وعشر)). ٣٩٢ ● وفيها أبو بكر بن الخاضِبة، محمد بن أحمد بن عبد الباقي البغدادي الحافظ، مفيد بغداد. روى عن أبي بكر الخطيب، وابن المُسْلِمَة وطبقتهما، ورحل إلى الشام، وسمع طائفة، وكان كبير القدر، نقَّداً، علاّمةً، محبباً إلى الناس كلهم، لدينه، وتواضعه، ومروءته، ومسارعته في قضاء حوائج الناس، مع الصِّدق، والورع، والصِّيانة التامة، وطيب القراءة. قال ابن طاهر: ما كان في الدنيا أحدٌ(١) أحسن قراءة للحديث منه. وقال أبو الحسن الفَصِيحي: ما رأيت في المُحَدِّثين أقوم باللغة من ابن الخاضبة . توفي في ربيع الأول. • وفيها أبو أحمد القاسم بن مظفَّ الشَّهْرَ زُوري(٢). ولي قضاء إِرْبِل، ثم سنجار(٣)، وله أولاد وحفدة أنجبوا(٤). ومن شعره: قَدْ عَلَتْ جُهْدَهَا فَمَا تَتَوَانَى(٦) هِمتي دُوْنَهَا السُّهَا وَالثُّرَيَا(٥) وقيل: إنه(٧) لولده قاضي الخافقين، وقيل له: قاضي الخَافِقِين لسَعَة ما تولی . وشهرزور: من أعمال إربل، مات بها الإِسكندر ذو القرنين، وقيل: مات (١) في ((ط)): ((أحداً) وهو خطأ. (٢) مترجم في ((الأنساب)) (٤١٩/٧) و((مرآة الجنان)) (١٥٠/٣). و((غربال الزمان)) ص (٣٩١). (٣) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((سيحان)) والتصحيح من ((مرآة الجنان)) و((غربال الزمان)). (٤) يعني صاروا علماء نجباء. انظر («مرآة الجنان)). (٥) تحرّفت في ((1)) و((ط)) و((مرآة الجنان)) إلى ((الزبانا)) والتصحيح من ((غربال الزمان)). (٦) في ((مرآة الجنان)): ((فما ابتدأنا)). (٧) يعني البيت المتقدم. ٣٩٣ بمدائن كِسْرى، وحمل إلى الإسكندرية فدفن عند أمه، والله أعلم. • وفيها الإِمام العَلَّمة أبو المُظَفَّر السَمْعَاني، منصور بن محمد التميمي المَرْوَزِي الحنفي، ثم الشافعي. تفقه على والده وغيره، وكان إمام وقته في مذهب أبي حنيفة، فلما حجَّ ظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الشافعي، ولما عاد إلى مرو لقي أذىً عظيماً بسبب انتقاله، وصنَّف في مذهب الشافعي كتباً كثيرةً، وصنَّف في الردّ على المخالفين، وله ((الطبقات)) أجاد فيه وأحسن، وله تفسير جيد حسن، وجمع في الحديث ألف جزء عن مائة شيخ وسَمعان بطن من تميم، ويجوز كسر السين. · وفيها أبو عبد الله العَمِيري - مكبراً، نسبة إلى عميرة، بطن من ربيعة - محمد بن علي بن محمد الهَرَوي العبد الصالح. توفي في المحرم، وله إحدى وتسعون سنة، وأول سماعه سنة سبع وأربعمائة، وقد رحل إلى نيسابور، وبغداد، وروى عن أبي بكر الحِيري وطبقته، وكان من أولياء الله تعالی . قال الدقاق: ليس له نظير بهَرَاة. وقال أبو النضر الفامي: توحّد عن أقرانه بالعلم، والزهد في الدُّنيا، والإتقان في الرواية، والتجرّد من الدُّنيا. ٣٩٤ سنة تسعين وأربعمائة · فيها قُتل أرسلان أرغون بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي، صاحب مرو، وبلخ، ونيسابور، وترمذ، وكان جبَّاراً عنيداً، قتله غلام له، وكان بَرْكْيَارُوق قد جهز الجيش مع أخيه سنجر لقتال عمّه أرغون، فبلغهم قتله بالدامغان، فلحقهم بَرْكْيَارُوق، فتسلم نيسابور وغيرها بلا قتال، ثم تسلم بلخ، وخطبوا له بسمرقند، ودانت له الممالك، واستخلف سَنْجَر على خُراسان، وكان حَدَثاً، فرتب في خدمته مَن يسوس المملكة، واستعمل على خوارزم محمد بن أَفُشْتِكين(١) مولى الأمير ميكائيل السلجوقي، ولقبه خوارزم شاه، وكان عدلاً، محباً للعلماء، وولي بعده ابنه أتسِزِ(٢). · وفيها توفي أبو يعلى العَبْدي، أحمد بن محمد، من ذرية الحسن البصري، ويعرف بابن الصوَّاف، شيخ مالكية العراق، وله تسعون سنة. تفقه على القاضي علي بن هارون، وحَدَّث عن البَرْقَاني وطائفة، وكان علَّمَةً، زاهداً، مجتهداً في العبادة، عارفاً بالحديث. قال بعضهم: كان إماماً في عشرة أنواع من العلوم، توفي في رمضان بالبصرة . (١) تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى (محمد بن أتستكين)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٢٩/٣) وانظر ((الكامل في التاريخ)) (٢٦٧/١٠). (٢) تحرف في ((أ)) و((ط)) إلى ((أسر)) والتصحيح من ((العبر)) (٣٢٩/٣) وانظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٠٩/١١). ٣٩٥ ● وفيها الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن(١) جعفر القاسمي ، أبو محمد السمرقندي، قوّام السنّة. كان إماماً، حافظاً، جليلاً، رخَّالاً، ثقة، نبيلاً، ومن مصنفاته ((بحر الأسانيد في صحاح المسانيد)) يشتمل على مائة ألف من الأخبار، وهو في ثمانمائة جزء كبار. قاله ابنُ ناصر الدِّين(٢). · وفيها أبو نصر(٣) السِمْسَار، عبد الرحمن بن محمد الأصبهاني، توفي في المحرم، وهو آخر مَن حَدَّث عن محمد بن إبراهيم الجُرْجَاني . · وفيها أبو الفتح عبدوس بن عبيد الله بن محمد بن عبدوس، رئیس هَمَذَان ومُحَدِّثُها. أجاز له أبو بكر بن لال، وسمع من محمد بن أحمد بن حمدويه الطَّوسي، والحسين بن فتحويه، مات في جمادى الآخرة، عن خمس وتسعين سنة. وروى عنه أبو زُرْعَة . · وفيها الفقيه نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود، أبو الفتح المقدسي النابلسي الزاهد، شيخ الشافعية بالشام، وصاحب التصانيف. كان إماماً، عَلَّمَةً، مفتياً، مُحَدِّثاً، حافظاً، زاهداً، متبتلاً، ورعاً، كبير القدر، عديم النظير. سمع بدمشق من عبد الرحمن بن الطََّيز، وأبي الحسن السِمْسَار، وطائفة، وبغزة من أبي جعفر المِيماسي (٤)، وبآمِد، وصور، والقدس، وأملى وصنَّف، وكان يقتات من غَلْةٍ تحمل إليه من أرض له بنابلس، وهو بدمشق، فيخبز له كل ليلة قرص في جانب الكانون، وعاش أكثر من ثمانين سنة، وتوفي يوم عاشوراء. قاله في ((العبر))(٥). (١) لفظة ((ابن)) سقطت من ((آ)). (٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٦/آ). (٣) في ((ط)): ((أبو نصر)) وهو خطأ. (٤) في ((آ)) و((ط)): ((الميماشي)) والتصحيح من ((العبر)) مصدر المؤلف. (٥) (٣٣١/٣). ٣٩٦ وقال ابن شهبة(١): تفقه على سليم بن أيوب الرازي، وصحبه بصور أربع سنين، وعلّق عنه تعليقه - قال الذهبي في ثلثمائة جزء - وسمع الحديث الكثير وأملى وحَدَّث. أقام بالقدس مدة طويلة، ثم قَدِمَ دمشق سنة ثمانين فسكنها وعظم شأنه، مع العبادة، والزهد الصادق، والورع، والعلم، والعمل. قال الحافظ ابن عساكر: لم يقبل من أحد صلة بدمشق، قال: وحكى بعض أهل العلم قال: صحبت إمام الحرمين، ثم صحبت الشيخ أبا إسحاق، فرأيت طريقته أحسن طريقة، ثم صحبت الشيخ نصر، فرأيت طريقته أحسن منها . ولما قَدِمَ الغزالي دمشق اجتمع به واستفاد منه، وتفقه به جماعة من دمشق وغيرها، ودفن بباب الصغير، وقبره ظاهر یزار. قال النووي(٢): سمعنا الشيوخ يقولون: الدعاء عند قبره يوم السبت مستجاب . ومن تصانيفه ((التهذيب)) و((التقريب)) وكتاب ((المقصود)) له وهو أحكام مجردة وكتاب ((الكافي)) وله شرح متوسط على كتاب ((الإِشارة)) لشيخه سليم، وله كتاب ((الحُجَّة على تارك المَحَجَّة)) وغير ذلك، رحمه الله. · وفيها أبو القاسم يحيى بن أحمد السِّيْبِي (٣) القَصْري، المقرئ ببغداد، وله مائة وسنتان، قرأ القرآن على أبي الحسن الحَمَّامي، وسمع أبا (١) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٠٢/١ - ٣٠٣). (٢) انظر ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٦/٢). (٣) في ((آ)) و((ط)): ((السبتي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأنساب)) (٢١٦/٧) و((العبر)) (٣٣٢/٣). ٣٩٧ الحسن بن الصَّلْت، وأبا الحسين بن بِشْرَان، وجماعة، وختم عليه خلق، وكان خَيِّراً، ثقةً، توفي في ربيع الآخر، وكان يمشي ويتصرف في مصالحه في هذا السنِّ. * ٣٩٨ سنة إحدى وتسعين وأربعمائة ● فيها خرج الفرنج في ألف ألف وحاصروا أنطاكية سبعة أشهر، وأخذوها(١) عنوة، وخرج إليهم المسلمون وانكسروا، وتبعهم الفرنج إلى المَعَرَّة، وقتلوا، وفتكوا، وأقاموا بها، وقتلوا فيها مائة ألف مسلم، وبعد أربعين يوماً ساروا إلى حمص، فصالحهم أهلها، ثم توجهوا إلى القدس. · وفيها توفي أبو العَبَّاس أحمد بن عبد الغفَّار بن أُشْتَه الأصبهاني. روى عن علي بن ميلة، وأبي سعيد النقاش، وطائفة، وعاش اثنتين وثمانين سنة . ● وفيها سهل بن بشر، أبو الفرج الإِسفراييني، ثم الدمشقي، الصُوفي المُحَدِّث. سمع بدمشق من ابن سَلوان وطائفة، وبمصر من الطفَّال وطبقته. ولد ببسطام في سنة تسع وأربعمائة، ومات بدمشق في ربيع الأول. ● وفيها أبو الفَوَارس، طَرَّاد بن محمد بن علي، النقيب الكامل، الهاشمي العبّاسي الزَّينبي البغدادي، نقيب النقباء، ومسند العراق. روى عن هِلَال الحَفَّار، وابن رِزْقَوَيْه، وأبي نصر النَّرْسي، وجماعة، وأملى مجالس كثيرة، وازدحموا عليه، ورحلوا إليه، وكان أعلى الناس منزلةً عند الخليفة، توفي في شوال، وله ثلاث وتسعون سنة. (١) في (()) و((ط)): ((وأخذوا)) وما أثبته يقتضيه السياق. ٣٩.٩ ● وفيها أبو الحسن الكرجي(١) مَكّي بن منصور بن محمد بن عَلّان الرئيس [السَّلَّار]، نائب(٢) الكرخ ومعتمدها، توفي بأصبهان في جمادى الأولى، عن بضع وتسعين سنة. رحل، وسمع من الحِيري، والصَّيْرفي، وأبي الحسين بن بِشْرَان، وجماعة، وكان محمود السيرة، وافِرَ الحُرْمَةِ . • وفيها هِبَةُ الله بن عبد الرزاق، أبو الحسن الأنصاري البغدادي، رئيس، جليلٌ، خَيِّرُ، توفي في ربيع الآخر، عن تسع وثمانين سنة. روى عن هِلال وجماعة، وهو آخر مَن حَدَّث عن أبي الفضل عبد الواحد التميمي. ● وفيها محمد بن الحسين بن محمد الجَرْمي أبو سعد المكِّي، نزيل هَرَاة، كان إماماً، حافظاً، من العلماء، قدوة، معدوداً من الأولياء. قال ابن ناصر الدین في «بدیعته»: تم صَلَاحُ أَمْرِهِ الأشم مُحمدٌ فتى الحُسين الجَرْمي (١) في ((آ)) و((ط)): ((الكرخي)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٣٣٣/٣) و((سير أعلام النبلاء)) (٧١/١٩) وما بين حاصرتين زيادة منهما. (٢) تحرفت في ((آ)) و(ط) إلى ((باب)) والتصحيح من ((العبر)) مصدر المؤلف. ٤٠٠