Indexed OCR Text

Pages 301-320

سنة سبعين وأربعمائة
· فيها توفي أبو صالح المؤذِّن، أحمد بن عبد الملك بن علي
النيسابوري الحافظ، مُحَدِّث خراسان في زمانه. روى عن أبي نُعيم
الإِسفراييني، وأبي الحسن العَلَوي، والحاكم، وخلق، ورحل إلى أصبهان،
وبغداد، ودمشق، في حدود الثلاثين وأربعمائة، وله ألف حديث عن ألف
شيخ، وثّقه الخطيب وغيره، ومات في رمضان، عن اثنتين وثمانين سنة، وله
تصانيف ومسؤَّدات.
· وفيها أبو الحسين بن النَّقُور، أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي
البَزَّاز، المُحَدِّث الصدوق. روى عن علي الحربي، وأبي القاسم بن حَبَابة،
وطائفة. وكان يأخذ على نسخةٍ طالوت ديناراً، أفتاه بذلك الشيخ أبو إسحاق،
لأن الطلبة كانوا يفوتُونه الكسب لعياله، مات في رجب عن تسعين سنة.
· وفيها أبو نصر بن طَلّب الخطيب، الحسين بن أحمد بن محمد
القُرشي مولاهم الدمشقي، خطيب دمشق. روى عن ابن جُميع
((معجمه)) (١)، وعن أبي بكر بن أبي الحديد. وكان صاحب مالٍ وأملاكٍ، وفيه
عدالة وديانة، توفي في صفر، وله إحدى وتسعون سنة.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((مجمعه)) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) (١٥٣/١٧)
و((الأعلام)) (٣١٣/٥) وفيه قال العلامة الزركلي: منه الجزآن الأول والثاني في الأزهر، باسم
((معجم الغسَّاني)) في تراجم شيوخه الذين أجازوه وأخذ عنهم.
٣٠١
٠٠٠

● وفيها عبد الله بن الخلال(١) أبو القاسم بن الحافظ أبي محمد
الحسن بن محمد البغدادي. سمَّعه أبوه من أبي حفص الكَتَّاني، والمُخَلّص،
ومات في صفر، عن خمس وثمانين سنة.
قال الخطيب(٢): كان صدوقاً.
● وفيها أبو جعفر بن أبي موسى، شيخ الحنابلة، عبد الخالق بن
عیسی بن أحمد.
كان ورعاً، زاهداً، علَّمةٌ، كثير الفنون، رأساً في الفقه، شديداً على
المبتدعة، نافذ الكلمة. روى عن أبي القاسم بن بِشْرَان، وقد أُخذ في فتنة
ابن القشيري، وحُبس أياماً. قاله في ((العبر))(٣).
وقال ابن السمعاني: كان إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة، مليح
التدريس، حسن الكلام في المناظرة، ورعاً، زاهداً، متقناً، عالماً بأحكام
القرآن والفرائض، مرضي الطريقة.
وقال ابن عقيل: كان يفوق الجماعة من مذهبه وغيرهم في علم
الفرائض، وكان عند الإِمام - يعني الخليفة - معظماً، حتَّى إنَّه وصّى عند موته
بأن يغسله تَبَرُكاً به، وكان حول الخليفة ما لو کان غيره لأخذه، وكان ذلك
كفاية عمره، فوالله ما التفت إلى شيء منه، بل خرج ونسي مئزره، حتَّى
حمل إليه، قال: ولم يشهد منه أنه شرب ماءً في حلقته مع شدة الحَرِّ، ولا
غمس يده في طعام أحد من أبناء الدُّنيا.
وقال ابن رجب: له تصانيف عدّة، منها ((رؤوس المسائل)) و((شرح
(١) في ((آ)) و((ط)): ((ابن الحلال)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٢٧٥/٣) و((سير أعلام
النبلاء)) (٣٦٨/١٨).
(٢) انظر ((تاريخ بغداد)) (٤٣٩/٩).
(٣) (٢٧٥/٣ - ٢٧٦).
٣٠٢

المذهب)) وله جزء في أدب الفقه، وفي فضائل أحمد وترجيح مذهبه، وتفقه
عليه طائفة من أكابر المذهب، كالحلواني، والقاضي أبي الحسين، وغيرهم.
وكان معظماً عند الخاصة والعامة، زاهداً في الدُّنيا إلى الغاية، قائماً في إنكار
المُنكرات بيده ولسانه، مجتهداً في ذلك.
وتوفي رحمه الله ليلة الخميس سحراً، خامس شهر صفر، وصُلِّ عليه
يوم الجمعة ضحى بجامع المنصور، وأَمَّ الناسَ أخوه الشريف أبو الفضل،
ولم يسَعْ الجامع الخلقَ، ولم يتهيأ لكثيرٍ منهم الصلاة، ولم يبق رئيس ولا
مرؤوس إلّ حضره إلّ مَن شاء الله، ودفنوه في قبر الإِمام أحمد، وما قدر أحد
أن يقول للعوام: لا تنبشوا قبر الإِمام أحمد، وادفنوه بجنبه. فقال أبو محمد
التميمي - من بين الجماعة -: كيف تدفنونه في قبر الإِمام أحمد، وبنت أحمد
مدفونة معه؟ فإن جاز دفنه مع الإِمام لا يجوز دفنه مع ابنته. فقال بعض
العوام: اسكت، فقد زوّجنا بنت أحمد من الشريف، فسكت التميمي.
ولزم الناس قبره، فكانوا يبيتون عنده كل ليلة أربعاء، ويختمون
الختمات، فيقال: إنه قرىء على قبره تلك الأيام عشرة آلاف ختمة.
ورآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: لما وضعتُ في
قبري، رأيت قُبةً من دُرَّةٍ بيضاء، لها ثلاثة أبواب، وقائل يقول: هذه لك،
أدخل من أيّ أبوابها شئت.
· وفيها أبو القاسم بن مَنْدَة، عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن
محمد بن يحيى بن إبراهيم بن الوليد بن مَنْدَة بن بطة بن استندار، واسمه
الفيرزان بن جهان بخت العبدي الأصبهاني، الإمام الحافظ، ابن الحافظ
الكبير أبي عبد الله بن مَنْدَة. ومَنْدَةُ لقب إبراهيم جَدّه الأعلى.
ذكره ابن الجوزي في ((طبقات الحنابلة)) وترجمه في ((تاريخه)) (١) فقال:
(١) انظر ((المنتظم)) (٣١٥/٩).
٣٠٣

ولد سنة ثلاث وثمانين(١) وثلاثمائة، وسمع أباه، وأبا بكر بن مَرْدَوَيه، وخلقاً
كثيراً، وكان كثير السماع، كبير الشأن، سافر [إلى] البلاد، وصنَّف
التصانيف، وخرَّج التخاريج، وكان ذا وقارٍ وسمت وأتباع، فيهم كثرة، وكان
متمسكاً بالسُّنَّة، مُعرضاً عن أهل البدع، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المُنكر،
لا يَخَافُ في الله لومة لائم.
وقال ابن السمعاني: كان كبير الشأن، جليل القدر، كثير السماع،
واسع الرواية، سافر إلى الحجاز، وبغداد، وهمذان، وخُرَاسان، وصَنَّف
التصانيف .
وقال سعد بن محمد الزّنجاني: حفظ الله الإِسلام برجلين، أحدهما
بأصبهان، والآخر بهَرَاة، عبد الرحمن بن مَنْدَة، وعبد الله الأنصاري.
وقال يحيى بن مَنْدَة: كان عمي سيفاً على أهل البدع، وهو أكبرُ من
أن ينبّه عليه مثلي، كان والله آمراً بالمعروف، ناهياً عن المُنكر، وفي الغُدو
والآصال ذاكراً، ولنفسه في المصالح قاهراً، أعقب الله من ذكره بالشرِّ
الندامة، وكان عظيم الحِلْمِ ، كبير العلم، قرأت عليه قول شعبة: مَن كتبتُ
عنه حديثاً فأنا له عبدٌ، فقال: مَن كتب عنّي حديثاً، فأنا له عبدٌ.
وقال ابن تيمية: وكان أبو القاسم بن مَنْدَة من الأصحاب، وكان يذهب
إلى الجهر بالبسملة في الصلاة.
وقال ابن مَنْدَة في كتابه ((الرد على الجهمية)): التأويل عند أصحاب
الحديث نوع من الكذب.
وقال في ((العبر))(٢): كان ذا سَمْتٍ ووقار، وله أصحاب وأتباع، وفيه
(١) في ((المنتظم)): ((سنة ثمان وثمانين)) وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٠/١٨): ((سنة إحدى
وثمانين)) وانظر التعليق عليه.
(٢) (٢٧٦/٣).
٣٠٤

تَسَنُّنُ مُفْرِطٌ، أوقعَ بعض العلماء في الكلام في مُعْتَقَدِهِ، وتوهّموا فيه
التَّجْسِيم، وهو بريء منه فيما علمت، ولكن لو قصّر من شأنه لكان أولى به،
أجاز له زاهر بن أحمد السَّرَخسي، وروى الكثير عن أبيه، وأبي جعفر
الأبهري، وطبقتهما، وسمع بنيسابور من أصحاب الأصمِّ، وبمكَّة من ابن
جَهْضَم، وبهمذان، والدِّينور، وشيراز، وبغداد، وعاش تسعاً وثمانين سنة.
انتهى كلام ((العبر)).
· وفيها أبو بكر بن حُمُّدُويَةً(١)، أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب
الرزَّاز(٢) المقرئ الزاهد.
ذكره ابن الجوزي في ((الطبقات)) و((التاريخ))(٣). ولد يوم الأربعاء لثمان
عشرة ليلة خلت من صفر سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، وحَدَّث عن خلق
كثير، منهم: ابن بِشْرَان، وابن القَوَّاس، وهو آخر مَن حَدَّث عن أبي
الحسين بن سَمْعُون، وتفقه على القاضي أبي يعلى (٤)، وكان ثقةً زاهداً
متعبداً، حسن الطريقة، وحَدَّث عنه الخطيب في ((تاريخه))(٥) وتوفي يوم
السبت رابع عشري ذي الحجة.
قال ابن نُقطة(٦): حُمُّدُويَةَ: بضم الحاء والميم المشددة أيضاً وبالياء.
(١) تحرّف في ((تاريخ بغداد)) إلى ((حمدوه)) فيصحح.
(٢) في ((آ)): ((الدرار)) وفي ((المنتظم)): ((الوزان)) وأثبت لفظ ((ط) و((تاريخ بغداد)).
(٣) انظر ((المنتظم)) (٣١٣/٨).
(٤) في ((آ)): ((أبو علي)).
(٥) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٨١/٤).
(٦) في ((الاستدراك)) (باب حُمُّدُويَةَ، وحَمْدُونَةَ، وحَمْدَوَيةَ، وحَمَدَيَّةً) مصور عن مخطوطة دار
الكتب الوطنية الظاهرية بدمشق.
٣٠٥

سنة إحدى وسبعين وأربعمائة
● فيها توفي أبو علي بن البنّا، الفقيه الزاهد، الحسن(١) بن أحمد بن
عبد الله الحنبلي البغدادي، الإِمام، المُقرئ، المُحَدِّث، الفقيه، الواعظ،
صاحب التصانيف.
ولد سنة ست وتسعين وثلثمائة، وقرأ القراءات السبع على أبي الحسن
الحمامي وغيره، وسمع الحديث على القاضي أبي يعلى، وهو من قدماء
أصحابه، وحضر عند ابن أبي موسى، وناظر في مجلسه، وتفقه أيضاً على
أبي الفضل التميمي، وأخيه أبي الفرج، وقرأ عليه القرآن جماعة، مثل
عبد الله البارع، وأبي العز القَلَانِسي، وغيرهما. وسمع منه الحديث خلق
كثير، وقرأ عليه الحافظ الحُمَيدي كثيراً. ودرَّس الفقه كثيراً، وأفتى زماناً
طويلاً، وصنّف كتباً في الفقه، والحديث، والفرائض، وأصول الدِّين، وفي
علوم مختلفات.
قال ابن الجوزي: ذُكر عنه أنه قال: صنَّفت خمسمائة مصنَّفٍ. وتراجم
کتبه مسجوعة .
وقال ابن شافع: كتبت الحديث عن نحو من ثلثمائة شيخ، ما رأيت
فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البنّا. قال: وقال لي هو رحمه الله: ما رأيت
(١) تحرّف في ((آ)) إلى ((الحسين)).
٣٠٦

بعيني مَن كَتَبَ أكثر مني. قال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة،
محبًّ لأهل العلم، مُكْرِمَاً لهم، وتوفي رحمه الله ليلة السبت خامس رجب،
ودفن بباب حرب، رحمه الله.
● وفيها أبو يعلى حمزة بن الكيال البغدادي، الفقيه الحنبلي. ذكره
ابن(١) أبي يعلى في ((طبقاته))(٢) وأنه ممّن تردد إلى والده زماناً مواصلاً،
وسمع منه علماً واسعاً، وكان عبداً صالحاً. وقيل: إنه كان يحفظ الاسم
الأعظم.
وقال ابن شافع في ((تاريخه)): كان رجلاً صالحاً مُلازماً لبيته ومسجده،
حافظاً للسانه، معتزلاً عن الفتن، توفي يوم الأربعاء، سابع عشري شهر
رمضان، ودفن بمقبرة باب الدیر.
· وفيها أبو علي الوَخْشِي - بالفتح والسكون، نسبة إلى وَخْش، بلد
بنواحي بلخ - الحسن بن علي البلخي، الحافظ، الثقة، المكثر الكبير، رحل
وطوَّف، وجمع وصنَّف، وعاش ستاً وثمانين سنة. روى عن تَمَّام الرَّازي،
وأبي عمر بن مَهْدي، وطبقتهما، بالشام، والعراق، ومصر، وخُرَاسان، وكان
من الثقات .
، وفيها أبو القاسم الزّنْجَاني، سعد بن علي بن محمد بن علي بن
الحسين، شيخ الحرم والحفّاظ، كان حافظاً، قدوةً، علماً، ثقةً، زاهداً،
نزيل الحرم، وجار بيت الله. روى عن أبي عبد الله بن نظيف الفرَّاء،
وعبد الرحمن بن ياسر، وخلق.
وسئل محمد بن طاهر المقدسي عن أفضل مَن رأى؟ فقال: سعد
(١) لفظه ((ابن)) سقطت من ((آ)).
(٢) انظر ((طبقات الحنابلة)) (٢٥٢/٢).
٣٠٧

الزَّنْجَاني، [وشيخ الإِسلام الأنصاري، فقيل له: أيُّهما أفضل؟ فقال:
الأنصاري كان متفنناً(١)، وأما الزَّنْجَاني](٢) فكان أعرف بالحديث منه.
وسئل إسماعيل التّيمي عنه، فقال: إمام كبير، عارف بالسُّنَّة.
وقال ابن الأهدل: كان صاحب كرامات وآيات، يزدحم الناس عليه عند
الطواف كازدحامهم على الحجر.
وقال غيره: توفي في أول سنة إحدى وسبعين، أو في آخر سنة سبعين،
عن تسعين سنة .
● وفيها عبد الباقي بن محمد بن غالب أبو منصور الأزْجي العَطَّار،
وكيل القائم والمقتدي، صدوق، جليل، روى عن المُخَلّص وغيره، وتوفي
في ربيع الآخر.
● وفيها أبو القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي، ابن [بنت السُّكّري.
روى عن المُخلّص.
قال عبد الوهاب الأنماطي : هو ثقة.
وآخر مَن روى عنه ابن الطَّلَاية](٣) الزاهد، وتوفي في رجب.
● وفيها عبد القاهر بن عبد الرحمن الجُرْجَاني، أبو بكر النحوي،
صاحب التصانيف، منها ((المُغني في شرح الإِيضاح)) ثلاثون مجلداً، وكان
شافعياً أشعرياً. قاله في ((العبر)) (٤).
وقال ابن قاضي شهبة(٥): كان شافعي المذهب، متكلماً، على طريقة
الأشعري، وفيه دينٌ، وله فضيلة تامة في النحو، وصنّف كتباً كثيرة، فمن
(١) في ((مرآة الجنان)) (١٠١/٣): ((كان متقناً)).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من (ط)) و((العبر)).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من ((آ)) وأثبته من ((ط)).
(٤) (٢٧٩/٣).
(٥) انظر ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢٧١/١).
٣٠٨

أشهرها كتاب ((الجمل)) وشرحه(١)، وكتاب ((العمدة)) في التصريف وكتاب
((المفتاح)) و((شرح الفاتحة)) في مجلد، وغير ذلك. أخذ النحو بجُرجان عن
أبي الحسين محمد بن الحسن الفَارِسي، ابن أخت الشيخ أبي علي
الفارسي، وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفَصيحي .
وذكره السِّلفيُّ في ((معجمه))(٢) فقال: دخل عليه لص وهو في الصلاة،
فأخذ جميع ما وجد، والجُرْجَانيُّ ينظر إليه، ولم يقطع صلاته.
وله نظم فمنه:
ومِل إلى الجَهْلِ مَيْلَ هَائِمْ
كَبِّر عَلَى العَقْلِ لَا تُرْضِهِ(٣)
فَالسَعْدُ فِي طَالِعِ الْبَّهَائِمِْ
وعِش حِمَاراً تَّعِش سَعِيدَاً
انتهى ملخصاً.
· وفيها أبو عاصم الفُضَيلي الفقيه، الفُضَيل بن يحيىُ الهَرَوي، شيخ
أبي الوقت، توفي في جمادى [الأولى] وله ثمان وثمانون سنة. قاله في ((العبر))(٤).
وقال الإِسنويُّ في ترجمة والد هذا(٥): أبو محمد إسماعيل بن الفُضَيل
الهَرَوي المعروف بالفُضيلي، نسبة إلى جدٍّ له يُسمى الفُضَيْل، تصغير
الفَضْل. ذكره أبو نصر عبد الرحمن الهَرَوي في ((تاريخ هَرَاة)) فقال: هو
الفحل المُقْرَم(٦) والإِمام المُقَدَّم في فنون الفضل وأنواع العلم، توفي سنة
ثمان وثمانين وأربعمائة .
(١) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة، أنه سمى شرحه ((التلخيص)).
(٢) قلت: واسم معجمه ((معجم السفر)) وقد طبعه - فيما أعلم - المكتب الإسلامي ببيروت منذ
سنوات بتحقیق الدكتور حسن عبد الحمید رحمه الله، ولیس بین یدي نسخة منه.
(٣) في ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة: ((لا ترمه)).
(٤) (٢٧٩/٣) وما بين حاصرتين مستدرك منه.
(٥) انظر ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٢٧١/٢).
(٦) في ((آ)) و((ط)): ((المقدَّم)) والتصحيح من ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي والمُقْرَمُ: المُكْرَم. انظر
((مختار الصحاح)) (كرم).
٣٠٩

قال: وهو والد الإِمام أبي عاصم الصغير الهَرَوي، كذا نقله ابن
الصلاح في ((طبقاته)) وأنشد له:
فَنِعْمَ جَوَابُ مَن آَذَاكَ ذَاكَا
تَعَوَّدْ أيُّها المِسْكِين صَمْتَاً (١)
وإِن عُوفيت مما عِبْتَ فَافْتَح بحَمدٍ للذي عَافَاكَ فَاكَا
وذكر الذهبي أن أبا عاصم الفُضَيلي الفقيه، واسمه الفُضَيل، ممّن
توفي سنة إحدى وسبعين، فإن كان كذلك، فيكون الابن قد مات قبل والده
بنحو العشرين. انتهى كلام الإِسنوي.
قلت: وعلى هذا، فالأب جاوز المائة بلا ريب، والله أعلم.
• وفيها أبو الفضل القُوْمَسَاني، نسبة إلى قُوْمَسَان، من نواحي هَمَذَان،
محمد بن عثمان بن زِيْرَك(٢)، شيخ عصره بهمذان، فضلاً، وعلماً، وجلالةً،
وزهادةً، وتفنناً في العلوم، مات عن بضع وسبعين سنة. روى عن علي بن
أحمد بن عَبْدَان، وجماعة.
● وفيها محمد بن أبي عِمْرَان، أبو الخير المَرَنْدي - بفتحتين، وسكون
النون ومهملة، نسبة إلى مَرَند بلد بأذربيجَان(٣) الصَفَّارِ(٤) آخر أصحاب
الكُشْمِيْهَني، ومَن به خُتم سماع البخاري عالياً، ضعفه ابن طاهر.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((صما)) وما أثبته من ((طبقات الشافعية)) للإِسنوي.
(٢) في ((آ) و((ط)): ((ابن زبرك)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) (٢٧٩/٣) و((سير أعلام
النبلاء)) (٤٣٣/١٨) و((الوافي بالوفيات)) (٨٤/٤).
(٣) تنبيه: كذا نسبه المؤلف رحمه الله تعالى وهو خطأ، إنما هو ((المروزي)) كما جاء على
الصواب في ((الأنساب)) (٤٣٧/١٠) ضمن ترجمة شيخه محمد بن مَكِّ بن محمد
الكُشمَيْهَني، وفي ((العبر)» (٢٧٩/٣).
(٤) تحرّف في ((ط)) إلى ((الصغار)).
٣١٠

سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة
· فيها توفي أبو علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي المَكِّي الحَنَّاط
المُعَدّل. روى عن أحمد بن فِراس العَبْقَسي، وعُبيد الله بن أحمد السقطي،
وتوفي في ذي القعدة.
● وفيها محمد بن أبي مسعود عبد العزيزبن محمد، أبو عبد الله
الفَارِسي ثم الهَرَوي. روى جزء أبي الجهم وغير ذلك، عن أبي محمد
السُّرَيْجي(١) في شوال.
● وفيها أبو منصور العُكْبَري، محمد بن محمد بن أحمد الأخباري
النديم، عن تسعين سنة، وهو صدوق. روى عن محمد بن عبد الله الجُعفي،
وهِلال الحَفَّار، وطائفة، وتوفي في شهر رمضان.
• وفيها هَيَّاجُ بن عُبَيد، الزاهد القدوة، أبو محمد الخَطِيبِي(٢)، نسبة
إلى جَدٍّ كان خطيباً(٢).
قال هبة الله الشيرازي: أما هَيَّاج الزاهد الفقيه، ما رأت عيناي مثله في
الزهد والورع.
(١) في ((العبر)): ((الشُّرَيحي)).
(٢) تنبيه: كذا نسبه المؤلف رحمه الله تعالى وهو خطأ، إنما هو ((الحِطِّينِي)) نسبة إلى ((حِطيْن))
الواقعة الآن في شمال فلسطين العزيزة - ردّها الله تعالى إلى أيدي المسلمين بفضله وكرمه -
إلى الشرق من عكا. وانظر ((الأنساب)) للسمعاني (١٧٠/٤) والعبر (٣٣١/٢) وكلام المؤلف
في الصفحة التالية.
٣١١

وقال ابن طاهر(١): بلغ من زهده، أنه يوالي [بالصوم] ثلاثة أيام، لكن
يفطر على ماء زمزم، فإذا كان اليوم الثالث مَن أتاه بشيء أكله، وكان قد نَيَّف
على الثمانين، وكان يعتمر في كل يوم ثلاث عُمَرٍ على رجليه، ويدرِّس عدة
دُروس لأصحابه، وكان يزور النَّبِيَّ نَّهَ في كل سنة من مَكَّة حافياً ذاهباً
وراجعاً. روى عن أبي ذر الهَرَوي وطائفة.
وقال السخاوي في ((طبقاته)): هَيَّاج بن عُبيد بن الحسين أبو محمد
الفقيه الحِطِّينِي الزاهد المُقيم بالحرم. كان أوحد عصره في الزهد والورع،
وكان يصوم ويفطر بعد ثلاث، ولم يكن يَدَّخر شيئاً، ولا يملك غير ثوب
واحدٍ، وكان يزور النَّبِيَّ نَّهَ في كل سنةٍ ماشياً حافياً، وكذلك عبد الله بن
عَبَّاس بالطائف، ويأكل بمكَّة أكلةً وبالطائف أخرى. ولم يلبس نعلاً منذ دخل
الحرم، وأقام بالحرم نحو أربعين سنة، لم يُحَدِّث بالحرم، وإنما كان يُحَدِّثُ
بالحلِّ حين يخرج للإِحرام بالعمرة، وكان قد ناف على مائة سنة. استشهد
بمكة في وقعة وقعت بين أهل السُّنَّة والرافضة، فحمله أميرها محمد بن هاشم
وضربه ضرباً شديداً على كبر السنِّ، ثم حُمِلَ إلى منزله بمكّة، فمات.
قيل: إنه مات يوم الأربعاء بين الصلاتين. انتهى ملخصاً.
(١) انظر ((الأنساب المتفقة)) ص (٤٣ - ٤٤) وقد نقل المؤلف كلامه بتصرف، وما في كتابنا قريب
مما عند الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٩٤/١٨) فراجعه.
٣١٢

سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة
· فيها توفي أبو القاسم الفضل بن عبد الله المُحب، الواعظ
النيسابوري، آخر أصحاب أبي الحسن الخَفَّف موتاً. روى عن العَلَويّ وغيره.
· وفيها أبو الفِتْيَان بن حَيُّوس، الأمير مصطفى الدولة، محمد بن
سُلْطَان بن محمد بن حَيُّوس بن محمد بن المرتضى بن محمد بن القاسم بن
عُثمان، اللّغوي الشاعر المشهور. كان يُدعى بالأمير، لأن أباه كان من أمراء
العرب، وهو من فُحول الشعراء الشاميين المُجيدين. له ديوان شعر كبير.
لقي جماعة من الملوك والأكابر، ومدحهم وأخذ جوائزهم، وكان منقطعاً إلى
بني مِرْدَاس أصحاب حلب، وله فيهم قصائد نفيسة، وكان قد أثری وحصلت له
نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى داراً بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره:
في نِعْمَةٍ مِنْ آلِ مِرْدَاسٍ
دَارٌ بَنِينَاهَا وعِشْنا بِهَا
عَلَيَّ للأيامِ مِنْ باسِ
قومٌ نَفَوْا بُؤسي ولم يتركوا
فَلْيَصْنَعِ النَّاسُ مَعَ النَّاسِ
قُل لَبَنِي الدُّنيا أَلَا هَكذَا
ومن غرر قصائده السائرة قوله من قصيدة:
واسأل مَصِيفاً عافياً عن مربعٍ
هُوَ ذَاكَ رَبعُ المالكيةِ فَارْبَعِ
غُرَّ السحائِب واعتذر عن أَدمُعي
واستسق للدَّمنِ(١) الخوالي بالحمِى
في قُربه، ووراء ناءٍ مزمِعِ
فَلَقَدْ فَنِينَ أمام دانٍ هاجرٍ
(١) في ((آ)) و((ط)): ((للأمن)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)) (٤٤٢/٤) مصدر المؤلف.
٣١٣

عن مُقْلةٍ عَبْرَىُ وقلبٍ مُوجَعٍ
لو تُخبر الركبانُ عني حَدَّثوا
زمنٌ متى يَرْجِعْ وِصالَّكَ يَرجِعِ
رُدِّي لنا زَمَنَ الكثيب فَإِنّهُ
لَوْ كُنتِ عالمةً بأدنى لوعةٍ
لرددتِ أقصى نيلك المسترجِعِ
عَنْ مُضمرٍ بين الحشا والأضْلِعِ
بَل لو قنعتِ منَ الغرامِ بمظهرٍ
ـبَّ(١) تَجَنُّبِ وَبَذَلْتِ بعد تَمَنُّعِ
أَغْنَيْتِ إثْرَ تَعَثُّبٍ وَوَصَلْتِ غَ
ولو أنني أنصفتُ نفسيَ صُنْتُهَا
عَنْ أنْ أكونَ كطالبٍ لم يَنْجَعِ
فلََّشكُرنَّ نَدَّى أجاب وما دُعي
إني دعوتُ ندى الكِرام فلم يجب
شكري بطيءٌ عن ندَّى متسرعٍ
ومِنَ العَجَائِبِ والعَجَائِبُ جَمَّةٌ
وله بيت مفرد في شرف الدولة سالم بن قريش:
أَنْتَ الذي نَفَقَ الثناء بسوقِهِ وجَرى الندى بعُرُوقِهُ قَبْلَ الدَّمِ
ولما وصل ابن الخيَّاط الشاعر إلى حلب، كتب لأبي الفِتْيان
المذکور:
وكَفَاكَ مِنِي مَنْظَرِي عَنْ مَخْبَرِي
لَمْ يَبْقَ عِنْدي ما يُبَاعُ بِدِرْهَمٍ
إلّ بقية ماءِ وجهٍ صُنْتُهَا عَنْ أن تُبَاعَ وَقَدْ وجَدْتُكَ مُشْتَري
فقيل له: لو قال: وأنت نِعْمَ المُشْتَري كان أحسن.
وكانت ولادة ابن حُيُّوس يوم السبت سلخ صفر، سنة أربع وسبعين(٢)
وثلثمائة، فيكون عمَّر تسعة وتسعين سنة (٣) وهو شيخ ابن الخَيَّاط الشاعر المشهور.
وحَيُّوس: بالحاء المهملة، والياء التحتية المشددة، وفي شعراء
المغاربة ابن حُبُّوس بالباء الموحدة.
(١) في ((آ)) و((ط)): ((عقب)) وما أثبته من ((وفيات الأعيان)).
(٢) في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٩/١٨): ((توفي سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة)).
(٣) الذي في ((العبر)) أنه توفي عن ثمانين سنة (ع).
٣١٤

سنة أربع وسبعين وأربعمائة
● فيها توفي أبو الوليد الباجي، سليمان بن خَلَف بن سعد بن أيوب
التُّجيبي القرطبيّ (١) بالمرِيّة في رجب، عن إحدى وسبعين سنة. روى عن
يونس بن عبد الله بن مغيث، ومَكِّ بن أبي طالب، وجاور ثلاثة أعوام، ولازم
أبا ذَرِّ الهَرَوي، وكان يَمضي معه إلى السَرَاة، ثم رحل إلى بغداد، وإلى
دمشق. وروى عن عبد الرَّحمن بن الطُّبَيْز(٢) وطبقته بدمشق، وابن غيلان
وطبقته ببغداد، وتفقه على أبي الطيب الطبري وجماعة، وأخذ الكلام
بالموصل عن أبي جعفر السِّمْنَاني، وسمع الكثير، وبرع في الحديث،
والفقه، والأصول، والنظر، وردّ إلى وطنه بعد ثلاث عشرة سنة بعلمٍ جمٍّ،
مع الفقر والقناعة، وكان يضرب ورق الذهب للغزل، ويعقد الوثائق، ثم
فُتحت عليه الدُّنيا، وأجزِلت صِلاته، وولي قَضاءَ أماكن، وصنَّف التصانيف
الكثيرة .
قال أبو علي بن سُكَّرة: ما رأيت أحداً على سَمْتِهِ وهيئته وتوفير
مجلسه. قاله في ((العبر))(٣).
(١) انظر ((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (٥٢).
(٢) في ((آ)) و((ط)): ((ابن الطيوري)) والتصحيح من ((العبر)) (٢٨٢/٣) و((سير أعلام النبلاء))
(١٨/ ٥٣٧).
(٣) (٢٨٢/٣ - ٢٨٣).
٣١٥

وقال ابن خَلِّكان(١): كان من علماء الأندلس وحُفّاظها. سكن شرق
الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فأقام بمكّة مع
أبي ذرِّ الهَرَوي ثلاثة أعوام، وحَجَّ فيها أربع حجج، ثم رحل إلى بغداد وأقام
بها ثلاثة أعوام يدرّس الفقه، ويُملي الحديث، ولقي بها سادة من العلماء،
كأبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي، وأقام بالموصل مع أبي جعفر
السِّمْنَاني عاماً يَدْرُس عليه الفقه، وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة أعوام،
وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب، وروى الخطيب أيضاً عنه.
وقال أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه:
بأَنَّ جَمِيْعَ حَيَاتِي كَسَاعَهْ
إِذَا كُنْتُ أَعْلَمِ عِلْمَاً يَقِيْنَاً
وأجْعَلُهَا في صَلَاحٍ وطَاعَهْ؟!
فِلِمَ لا أَكُونُ ضَنِيْنَاً بِهَا
وصنَّف كتباً كثيرة، منها ((التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري
في الصحيح)» وغير ذلك.
وممّن أخذ عنه أبو عمر بن عبد البَرِّ صاحب ((الاستيعاب)). وبینه وبین
ابن حزم الظاهري مناظرات ومجالس. انتهى ملخصاً.
وقال ابن ناصر الدِّين(٢): أنكروا عليه في [إثباته] قصة الحُدَيْبِية(٢)
الكتابة وشنعوا عليه ذلك وقبحوا عند العامة جوابه، وقال قائلهم :
بَرِثْتُ ممّن شَرَىْ دُنيا بآخرة وقَالَ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ قَدْ كَتَّبًا
انتهى .
· وفيها أبو القاسم بن البُسْري، علي بن أحمد البغدادي البُندَار.
(١) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤٠٨/٢ - ٤٠٩).
(٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٢/ب) ولفظة ((إثباته)) مستدركة منه، ولفظة ((الحديبية))
تحرفت في ((آ)) و((ط)) إلى ((حديثه)).
٣١٦

قال أبو سعد السمعاني: كان صالحاً، ثقةً، فهماً، ورعاً، مخلصاً،
عالماً. سمع المُخَلِّص وجماعة، وأجاز له ابن بَطة، ونصر المَرْجِي، وكان
متواضعاً حسن الأخلاق، ذا هيبةٍ ووقار(١). توفي في سادس رمضان.
● وفيها - وجزم ابن رجب أنه توفي في التي قبلها - علي بن محمد بن
الفرج بن إبراهيم البزَّار الحنبلي، المعروف بابن أخي نصر العُكبري.
ذكره ابن الجوزي في ((الطبقات)) وقال: سمع من أبي علي بن بابشاد،
والحسن بن شهاب العُكْبَري، وكان له تقدم في القرآن، والحديث، والفقه،
والفرائض، وجمع إلى ذلك النّسك والورع.
وذكر ابن السمعاني نحو ذلك، ثم قال: كان فقيه الحنابلة بعُكْبَرًا،
والمفتي بها، وكان خَيِّراً، ورعاً، متزهداً، ناسكاً، كثير العبادة. وكان له ذكر
شائع في الخير، ومحلٌ رفيع عند أهل بلده. وروى عنه إسماعيل بن
السَّمرقندي، وأخوه، وغيرهما.
● وفيها أبو بكر محمد بن المُزَكِّي أبي زكريا يحيى بن إبراهيم بن
محمد النيسابوري المُزَكَّي المُحَدِّث، من كبار الطلبة. كتب عن خمسمائة
نفس، وأكثر عن أبيه، وأبي عبد الرحمن السّلمي، والحاكم. وروى عنه
الخطيب مع تقدمه، وتوفي في رجب، رحمه الله.
● وفيها، وجزم ابن خَلَّكان(٢) وابن الأهدل أنه في التي قبلها.
قال ابن الأهدل: وفي سنة ثلاث وسبعين، أبو الحسن علي بن محمد
الصُّليحي القائم باليمن. كان أبوه قاضياً باليمن سيء العقيدة، وكان الدّاعي
عامر بن عبد الله الرَّواحي يتردد إليه لرئاسته وصلاحه، فاستمال الدّاعي ولده
المذكور، وهو دون البلوغ، قيل: إنه رأى حليته في ((كتاب الصور)) وتنقل
حاله وما يؤول إليه، وهو عندهم من الذخائر القديمة المظنونة، فأطلعه على
(١) في ((العبر)): ((ذا هيئة ورواء)). (ع).
(٢) انظر ((وفيات الأعيان)) (٤١٣/٣ - ٤١٤).
٣١٧

ذلك، وكتمه عن أبيه وأهله، ومات الرّواحيُّ على القرب من ذلك، وأوصى
له بكتبه، فعكف على درسها مع فطنته، فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علوم
الباطنية الضلالية الأوهامية الإسماعيلية متبصراً في علم التأويل المخالف
لمفهوم التنزيل، ثم صار يحجُّ بالنَّاس دليلاً في طريق السّرَرات(١) والطائف
خمس عشرة سنة، وشاع في الناس أنه يملك اليمن بأسره، وكان يكره مَن
يقول له ذلك، فلما كان سنة تسع وعشرين وأربعمائة، ارتقى جبل مَسْوَر وهو
أعلى جبال اليمن ذِرْوَةً ومعه ستون رجلًا قد حالفهم بمكّة على الموت، فلما
صعده لم ينتصف النهار حتَّى أحاط به عشرون ألف ضارب، وقالوا: إن نزلت
وإلّ قتلناك بالجوع، فقال لهم: لم أفعل ذلك إلّ خشية أن يركبه غيرنا
ويملكونكم، فإن تركتموني وإلّ نزلت، فانصرفوا عنه، فبنى فيه بعد هذا
واستعد بأنواع العدّة، واستفحل أمره، وكان يدعو للمنتصر العُبيدي الباطني
صاحب مصر خِفيةً، ويخاف من نجاح صاحب تِهَامَةِ اليمن ويداريه، حتّى
قتله بالسم مع جاريةٍ جميلة أهداها له بالكَدْرَاءِ، ثم استأذن المنتصر في
إظهار الدعوة فأذن له، فطوى البلاد، وافتتح الحصون سريعاً، وقال في
خطبته في جامع الجَنَدِ: في مثل هذا اليوم يخطب على منبر عَدن، ولم يكن
ملكها بعد، فقال بعض مَن حضر: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ(٢) فالله أعلم، قالها استهزاءً
أو تعظيماً، وكلا الأمرين لا ينبغي، وإن كان أحدهما أهون من الآخر، فكان
(١) كذا في (آ)) و(ط)): ((السررات)) وفي ((مرآة الجنان)) (١٠٣/٣): ((السَّرَاة)) ولعل الصواب
((السُّرَر) وهو موضع قرب مكة على أربعة أميال منها. انظر ((معجم ما استعجم)) للبكري
(٤٢٧/١) أثناء الكلام على (الحَجُون) و((تاج العروس)) للزبيدي (سرر) (١٢/١٢) طبع
الكويت.
(٢) قلت: وذلك اقتباس من حديث صحيح رواه مسلم رقم (٤٨٧) في الصلاة: باب ما يقال في
الركوع والسجود، وتمامه: عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّر، أن عائشة رضي الله عنها
نَبَّته، أن رسول اللّه وَّ كان يقول في ركوعه وسجوده «سُبُّوحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ
وَالرُّوحِ)).
٣١٨

كما قال. فقام ذلك الإِنسان، وغَلَا في القول، ودخل في بيعته ومذهبه،
واستقر مُلكه في صنعاء، وولّى حصونَ اليمنِ غيرَ أَهْلِهَا، وحَلَفَ أن لا يُولِّي
تِهَامَةَ إلّ من وزن له مائة ألف دينار، فوزنتها زوجته أسماء بنت شهاب عن
أخيها سعد بن شهاب، فولّآه، وقال: يا مولاتنا! أنّى لك هذا؟ قالت: هُو
من عند الله، إن الله يَرْزُقُ مَن يشاءُ بغير حسابٍ(١)، فتبسم وقال: هذه بضاعتنا
رُدَّت إلینا.
وعزم على الحجِّ في سنة ثلاث وسبعين في ألف فارس، منهم من آل
الصُّليحي مائة وستون شخصاً، واستخلف ولده أحمد المكّرم، فننزل بقرب
المَهْجَم بضيعة تسمى أُمُّ البهم، وبئر أُمِّ مَعبد، فهجمه سعيد الأحول بن
نجاح، الذي كان قتله بالسم، ولم يشعر عسكره ونواحي جيشه إلّ وقد قُتل،
فانزعروا(٢) وفزعوا، وكان أصحاب الأحول سبعين رجلاً رجالةً، بيد كل واحد
منهم جريدة في رأسها مسمار حديد، وتركوا جادة الطريق وسلكوا الساحل،
فوصلوا في ثلاثة أيام، وكان الصُّليحي قد سمع بهم وأرصد لهم نحو خمسة
آلاف من الحبشة، فاختلف طريقهم، ولما رآهم الصُّليحيُّ مع ما هم فيه من
التعب والجوع والحفاء، ظنَّ أنهم من جملة عسكره، فقال له أخوه: اركب
فهذا والله الأحول، فلم يبرح الصُّليحيُّ من مكانه، حتَّى وصل إليه الأحول،
فقتله وقتل أخاه وسائر الصُّليحيين، وصالح بقية العسكر، وقال: إنما أخذت
بثأري، ثم رفع رأس الصُّليحيِّ على رأس عود المَظَلَّة، وقرأ القارىء:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعِ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾
الآية [آل عمران: ٢٦] ورجع الأحول إلى زَبِيْد سالماً غانماً.
(١) قلت: وذلك أيضاً اقتباس من سورة آل عمران، الآية (٣٧) أثناء ذكر قصة مريم بنت عمران
عليها السلام.
(٢) ((انزعروا)): أي تفرَّقوا. نقول: زَعِرَ الشَّعْرُ والريشُ والوبرُ زَعْراً: قلَّ وتفرَّق حتى يبدوَ الجِلْدُ.
ويُقال: زَعِرَ المكان: إذا كان قليل النبات، متفرّقه. انظر ((لسان العرب)) (زعر).
٣١٩

وكان قد قام بالدعوة الباطنية قبل الصُّليحي علي بن فضل من ولد
خَنْفَر بن سبأ(١) سنة سبعين ومائتين، وملك تِهَامَة وجِبالها، وطرد الناصر بن
الهادي، والله أعلم. انتهى ما أورده ابن الأهدل اليمني في ((تاريخه)).
• وفيها قُتَيْبَةُ الْعثماني، أبو رجاء النّسفي، قُتِبَة بن محمد بن محمد بن
أحمد بن عُثمان. كان حافظاً مشهوراً. قاله ابنُ ناصر الدِّين(٢).
(١) في ((آ)) و((ط)): ((جنفر بن سبأ)) وهو خطأ، والتصحيح من ((مرآة الجنان)) (١٠٧/٣) وفيه قال
اليافعي: خنفر: بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الفاء في آخره راء، ابن سبأ.
(٢) في ((التبيان شرح بديعة البيان)) (١٥٢/ب).
٣٢٠