Indexed OCR Text

Pages 101-120

أخي أبي زُرْعَة الرَّازي(١). روى عن يُونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن
منصور الرَّمادي، وطبقتهما.
وفيها أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْرِيّ(٢) صاحب
البخاري، وقد سمع من علي بن خشرم لمَّا رَابَط بفَرَبْر، وكان ثقةً ورعاً،
توفي في شوال، وله تسع وثمانون سنة. وكانت ولادته سنة إحدى وثلاثين
ومائتين، ورحل إليه الناس، وسمعوا منه ((صحيح البخاري)) وهو أحسن مَن
روى الحديث عن البخاري .
وفَرَبْر: بفتح الفاء(٣) والراء وسكون الباء الموحدة، وفي آخره راء ثانية،
وهي بُليدة على طرف جيحون مما يلي بخارى. قاله ابن خلِّكان(٤).
● وفيها أو قبلها أو بعدها، توفي القاضي الحافظ محمد بن يحيى
العَدَني(٥) قاضي عدن، ونزيل مكة. سمع منه مسلم بن الحجّاج،
والترمذي. وروى عن سفيان بن عيينة وطبقته. روى عنه الترمذيُّ أنه قال:
حججت ستين حجَّة ماشياً على قدمي. قاله ابن الأهدل(٦).
· وفيها الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد
النيسابوري(١) الثقة الإِمام. روى عن الذهلي، وعيسى بن أحمد، والربيع
(١) ((العبر)) (١٨٩/٢) و((الأنساب)) (٤٣/٦).
(٢) ((العبر)) (١٨٩/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٠/١٥ - ١٣).
(٣) قلت: وبكسرها أيضاً. انظر ((تاج العروس)) للزبيدي (فربر).
(٤) في ((وفيات الأعيان)) (٢٩٠/٤).
(٥) («مرآة الجنان)) (٢٨٠/٢) و((غربال الزمان)) ص (٢٨٥).
(٦) قلت: قاله ابن الأهدل في ((مختصر تاريخ اليافعي)) وهو مخطوط كما ذكرت من قبل، وقد
اختصر فيه ((مرآة الجنان)). ولكن إيراد هذه الترجمة هنا خطأ تبع فيه ابن الأهدل اليافعي
صاحب ((مرآة الجنان)) وتبعهما اليافعي صاحب ((غربال الزمان)) وقد تابعهم على هذا الخطأ
المؤلف ابن العماد، فالصواب أن وفاة الحافظ محمد بن يحيى العَدَني كانت سنة (٢٤٣) هـ
كما ذكر المؤلف في حوادث السنة المذكورة من المجلد الثالث ص (١٩٩) نقلاً عن ((العبر))
للذهبي (٤٤١/١) فتنبّه، وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٩٦/١٢ - ٩٨).
(٧) نقل المؤلف هذه الترجمة عن كتاب ((نظم وفيات تذكرة الحفاظ)) لابن بَرْدِس، وهو مخطوط =
١٠١

المرادي. وعنه محمد بن صالح بن هاني، وأبو علي الحافظ. ووثقه
الحاكم. قاله ابن بَرْدِس(١).
• وفيها قاضي القضاة أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن إسماعيل
الأزدي مولاهم البغدادي (٢) وكان من خيار القضاة حلماً، وعقلاً، وجلالة،
وذكاءً، وصيانةً.
ولد بالبصرة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وروى عن زَيْد بن أَخْزَم (٣)،
والحسن ابن أبي الربيع، وجماعة حمل عنهم في صغره، وولي قضاء مدينة
المنصور في خلافة المعتضد، ثم ولي قضاء الجانب الشرقي للمقتدر، ثم
ولي قضاءَ القضاة سنة سبع عشرة وثلثمائة، وكان له مجلس في غاية الحسن
كان يقعدُ للإِملاء، والبغويُّ(٤) عن يمينه، وابن صاعد عن يساره، وابن زياد
النيسابوري بين يديه. وقد حفظ من جده حديثاً وهو ابن أربع سنين.
• وفيها مَيْمُون بن عُمر الإفريقي(٥) المالكي، أبو عمر، الفقيه قاضي
القَيْروان، وقاضي صِقِلِّيَّة. عاش مائة سنة أو أكثر، وكان آخر من روى
بالمغرب عن سَحْنُون، وعن أبي مُصعب الزُّهريّ (٦) وزَمِنَ(٧) في آخر عمره وهَرِم(٨).
لم يطبع بعد كما ذكرت من قبل. وانظر ((تذكرة الحفاظ)) (٨٠٧/٣ - ٨١١) و((سير أعلام
=
النبلاء)) (٦٠/١٥ - ٦١).
(١) في الأصل والمطبوع: ((ابن برداس)) وهو خطأ.
(٢) ((العبر)) (١٨٩/٢ - ١٩٠) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٥/١٤ - ٥٥٧).
(٣) في الأصل: ((يزيد بن أخرم)) وفي المطبوع: ((يزيد بن أحزم)) وفي ((العبر)): ((زيد بن أخرم))
وكله خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) و((تقريب التهذيب)) ص (٢٢١).
(٤) يعني أبا القاسم عبد الله بن محمد البغوي، المتوفى سنة (٣١٧) هـ. انظر ترجمته في
ص (٨٣) من هذا المجلد.
(٥) ((العبر)) (١٩٠/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٤ /٣٥٥ - ٣٥٦).
(٦) في الأصل والمطبوع: ((الزهرة)) وهو خطأ والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٧) أي: ابتلي. انظر ((لسان العرب)) و((مختار الصحاح)) (زمن).
(٨) في ((العبر)): ((وزمن وانهزم)).
١٠٢

● وفيها أبو علي الحسين بن صالح بن خَيْرَان البغدادي(١).
قال الإِسنوي: كان إماماً جليلاً وربما كان يُعيب على ابن سريج في
القضاء ويقول: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا إنما كان في أصحاب أبي
حنيفة. وطلبه الوزير ابنُ الفرات بأمر الخليفة للقضاء فامتنع فوكل ببابه وخَتّمَ
عليه بضعة عشر يوماً حتَّى احتاج إلى الماء فلم يقدر عليه إلا بمناولة بعض
الجيران، فبلغ، الخبر إلى الوزير، فأمر بالإِفراج عنه، وقال: ما أردنا بالشيخ
أبي علي إلا خيراً، أردنا أن يُعلَم أن في مملكتنا رجلاً يُعرض عليه قضاء
القضاة شرقاً وغرباً وفُعِل به مثل هذا وهو لا يقبل، توفي - رحمه الله تعالى -
يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة. انتهى ملخصاً.
وتفقه به جماعة.
• وفيها أبو عمرو(٢) الدمشقي(٣) الزاهد من كبار مشايخ الصوفية
وساداتهم. رُوي عنه أنه قال: كما فرض الله تعالى على الأنبياء إظهار
[الآيات و](٤) المعجزات، [كذلك] (٤) فرض الله على الأولياء كتمان
الكرامات، لئلا يفتتنوا بها(٥).
(١) ((العبر)) (١٩٠/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٨/١٥ - ٦٠).
(٢) في الأصل والمطبوع و((العبر)): ((أبو عمر)) وهو خطأ والتصحيح من ((طبقات الصوفية)) و((حلية
الأولياء)».
i
(٣) ((العبر)) (١٩٠/٢) وانظر ((طبقات الصوفية)) ص (٢٧٧ - ٢٧٩) و((حلية الأولياء)) (٣٤٦/١٠ -
٣٤٧).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع و((العبر)) واستدركته من ((طبقات الصوفية)) و((حلية
الأولياء)».
(٥) في ((طبقات الصوفية)): ((حتى لا يفتتن الخلق بها)).
١٠٣

سنة إحدى وعشرين وثلثمائة
فيها بَدَت من القاهر شهامة وإقدام، فتحيَّل حتَّى قبض على مُؤنس
الخادم وبُلَيْق، وابنه علي بن بُلَيْق، ثم أمر بذبحهم، وطيف برؤوسهم
ببغداد، ثم أمر بذبح يُمن، وابن زيرك (١) فاستقامت بغداد، وأُطلقت أرزاق
الجند، وعظمت هيبة القاهر في النفوس، ثم أمر بتحريم القِيَان والخمر،
وقبض على المغنِّين، ونَفَى المخانيث، وكسر آلات الطرب، إلا أنه كان لا
يكاد يصحو(٢) من السُّكْرِ ويسمع(٣) القَيِّنَات. قاله في ((العبر))(٤).
• وفيها توفي أبو حامد، ويقال: أبو تُراب، أحمد بن حَمْدُون بن أحمد بن
عمارة بن رستم الأعمشي النيسابوري(٥) الحافظ، وأبوه حَمْدُون القَصَّار كان
أعمى من الموثقين، وكان قد جمع حديث الأعمش كله وحفظه، فلُقب بذلك.
سمع محمد بن رافع، وأبا سعيد الأشج، وطبقتهما. ومنه: أبو الوليد الفقيه (٦)
وأبو علي الحافظ، و[أبو أحمد] الحاكم.
(١) في الأصل: ((ابن برك)) وفي المطبوع: ((زبرك)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((العبر))
(١٩١/٢) وانظر ((دول الإِسلام)) (١٩٥/١).
(٢) في ((دول الإِسلام)) للذهبي: ((لا يكاد يصبر)).
(٣) في ((العبر)): ((وسماع)) وما جاء في الأصل والمطبوع موافق لما في ((دول الإِسلام)).
(٤) (٢/ ١٩١).
(٥) ((العبر)) (١٩١/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٣/١٤ - ٥٥٥).
(٦) في الأصل والمطبوع: ((أبو الوليد الثقة)) وهو خطأ والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)) و((تذكرة
الحفّاظ)» (٨٠٦/٣).
١٠٤

قال ابن بَرْدِس(١): لا بأس به، وكان صاحب بَسطٍ ودُعابة .
● وفيها أحمد بن عبد الوارث بن جرير الأُسْواني العَسَّال (٢) في جمادى
الآخرة، وهو آخر من حدَّث عن محمد بن رُمْح، ووثّقه ابن یُونس.
● وفيها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطَّحاويّ الحنفي(٣)
الأزديّ الحجريّ المصري (٤) شيخ الحنفية، الثقة الثّبْت. سمع هارون بن
سعيد الأيْلي، وطائفة من أصحاب ابن عيينة، وابن وَهْب، ومنه: أحمد بن
القاسم الخَشَّاب (٥)، والطبراني (٦)، وصنَّف التصانيف، منها ((العقيدة السُّنَّة
السَّنِيّةِ))(٧)، وبَرَعَ في الفقه والحديث. توفي في ذي القعدة وله اثنتان وثمانون
سنة .
قال ابن يونس: كان ثقةً ثَبْتاً لم يخلف مثله.
وقال الشيخ أبو إسحاق (٨): انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وقرأ
أولاً على المُزني .
قيل: وكان ابن أخته، فقال له يوماً: والله لا جاء منك شيء. فغضب
وانتقل إلى جعفر بن عمران الحنفي، ففاق أهل عصره، وكان يقول بعدُ:
(١) في الأصل والمطبوع: ((ابن برداس)) وهو خطأ.
(٢) ((العبر)) (١٩١/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٤/١٥).
(٣) لفظة ((الحنفي)) لم ترد في المطبوع و((العبر)).
(٤) ((العبر)) (١٩٢/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٧/١٥ - ٣٣).
(٥) في الأصل والمطبوع: ((الحساب)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي
(٨٠٩/٣) و((النجوم الزاهرة)) (٢٤٠/٣).
(٦) قوله: ((ومنه أحمد بن القاسم الخشاب والطبراني)) لم يرد في ((العبر)).
(٧) وقد شرحها شرحاً وافياً نافعاً الإِمام القاضي محمد بن علي بن أبي العز الحنفي الصالحي
المتوفى سنة (٧٩٢) هـ وسمى شرحه ((شرح العقيدة الطحاوية)) وقد طبع هذا الشرح عدة
مرات في عدة بلدان إسلامية، ويُعدّ هذا ((الشرح)) من خيرة المصنفات التي تحدثت عن
العقيدة الإسلامية عند أتباع أهل السُّنّة والجماعة.
(٨) يعني الشيرازي. انظر ((طبقات الفقهاء)) ص (١٤٢).
١٠٥

رحم الله أبا إبراهيم - يعني المُزني - لو كان حيّاً لكفَّر عن يمينه. وصنّف
كثيراً. ونسبته إلى طَحًا، قرية بصعيد مصر(١).
● وفيها أبو علي أحمد [بن محمد] بن علي بن رَزِيْن الباشاني(٢)
بهَرَاة. روى عن علي بن خَشْرم، وسفيان بن وكيع، وطائفة من الثقات.
• وفيها الأمير تَكِيْن الخاصة(٣) ولي دمشق ثم مصر وبها مات، ونقل
إلى بيت المقدس.
· وفيها أبو يَزِيْد، حاتم بن محبوب الشامي (٤) بهراة. حج وسمع
محمد بن زنبور، وسَلَمَة بن شبيب وكان ثقة.
• والحسن بن محمد بن النَّضر(٥) أبو علي بن أبي هريرة(٦) بأصبهان.
روى عن إسماعيل بن يزيد القطان، وأحمد بن الفُرات. وعنه: ابن مندة وهو
من أکبر شیوخه(٧).
● وفيها أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب البصري
الجُبَّائي(٨) شيخ المعتزلة وابن شيخهم. توفي في شعبان ببغداد.
● وفيها أبو بكر محمد بن الحسن بن دُريد بن عَتَاهِيَة الأزدي البصري(٩)
اللغوي العلامة، صاحب التصانيف. أخذ عن الرِّياشي، وأبي حاتم
(١) انظر ((معجم البلدان)) (٢٢/٤).
(٢) ((العبر)) (١٩٢/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٣/١٤) وما بين حاصرتين مستدرك منهما.
(٣) ((العبر)) (١٩٢/٢) وانظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٧٣/٨).
(٤) (العبر)) (١٩٣/٢) وانظر ((تهذيب الكمال)) (٥٢٤/١) مصوّرة دار المأمون للتراث (ضمن
ترجمة سلمة بن شبيب).
(٥) في ((العبر)): ((الحسن بن محمد البصري، أبو علي)).
(٦) (العبر)) (١٩٣/٢) و((ذكر أخبار أصبهان)) لأبي نعيم (٢٧٠/١).
(٧) في ((العبر)): ((وهو من كبار شيوخ ابن مندة)).
(٨) ((العبر)) (١٩٣/٢) وانظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٤٢/٣) و((غربال الزمان)) ص (٢٨١).
(٩) ((العبر)) (١٩٣/٢) وانظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٤٠/٣ - ٢٤١).
١٠٦

السِّجِستاني، وابن أخي الأصمعي. وعاش ثمانياً وتسعين سنة.
قال أحمد بن يوسف الأزرق: ما رأيتُ أحْفَظَ من ابن دُريد، ما رأيته
قُرىء عليه ديوان إلّ وهو يسابق في قراءته.
وقال الدَّارقطني: تكلموا فيه. قاله في ((العبر)).
وقال ابنُ خلِّكان(١): إمام عصره في اللغة، والآداب، والشعر الفائق.
قال المسعوديُّ في كتاب ((مروج الذهب))(٢) في حقه: كان ابن دريد
ببغداد ممّن بَرَعَ في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، لم يوجد مثله
في فهم كتب المتقدمين، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب
بالشعر كل مذهبٍ، فطَوراً يُجزل، وطوراً يرق، وشعره أكثر من أن نُحصیه،
فمن جيِّد شعره قصيدته المقصورة التي أولها:
طُرَّةَ صبحٍ تحت أذيالِ الدُّجى
إمَّا تَرَيْ رأسيَ حاكى لونُهُ
مثلَ اشتعالَ النَّار فِي جَمْرِ (٣) الغَضَا
واشتعل المبيضُّ في مُسْوَدِّهِ
وكان مَن تقدم من العلماء يقول: إن ابن دريد أعلم الشعراء وأشعر
العلماء.
ومن مليح شعره قوله:
للشمس عند شروقها (٥) لم تُشرقٍ
غرَّاء لَوْ جلتِ الخدور (٤) شعاعها
قمرٌ تَألَّقَ تحت ليلٍ مطبقٍ
غصنٌ على دِعْصٍ تأوَّدَ فوقه
(١) في ((وفيات الأعيان)) (٣٢٣/٤).
(٢) (٣٢٠/٣ - ٣٢١).
(٣) في ((مروج الذهب)) و((وفيات الأعيان)): ((في جَزْلٍ)). والجزل ما عظم من الخطب ويبس.
انظر ((مختار الصحاح)) (جزل).
(٤) في الأصل والمطبوع: ((عزراء لو جلت الخدور)) وأثبت لفظ ((وفيات الأعيان)).
(٥) في ((وفيات الأعيان)): ((طلوعها)).
١٠٧

أو قيل خاطِب غَيرَها لم يُنْطقِ
لو قيل للحُسنِ احتكم لم يَعْدُها
وكأننا من وجهها في مَشرقٍ
فكأننا من فرعها في مغربٍ
الوَيل حلَّ بمقلةٍ لم تُطبقِ
تبدو فيهتفُ بالعيون ضياؤها
وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين،
ونشأ بها وتعلم فيها، وسكن عُمَّان وأقام بها ثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى
البصرة وسكنها زماناً، ثم خرج إلى نواحي فارس، وصحب ابني ميكال،
وكانا يومئذٍ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب ((الجمهرة)) وقلداه ديوان
فارس، فكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد
معهما أموالاً عظيمة، وكان لا يُمسك درهماً سخاءً وكرماً، ومدحهما بقصيدته
المقصورة، فوصلاه بعشرة آلاف درهم، ثم انتقل إلى بغداد، وعرف الإِمام
المقتدر بالله خبره ومكانه من العلم(١)، فأمر أن يُجرى عليه خمسون ديناراً في
كل شهر، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته.
وكان واسع الرواية، لم يُرَ أحفظ منه. وسُئِل عنه الدارقطني أثقة هو أم
لا؟ فقال: تكلموا فيه.
وقيل: إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له.
وقال أبو منصور الأزهري(٢): دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه.
وقال ابنُ شاهين: كنّا ندخل عليه فنستحي(٣) [مما نرى] من العيدان
المعلَّقة والشراب المصفَّى. وذكر أن سائلاً سأله شيئاً فلم يكن عنده غير دَنَّ (٤)
(١) في المطبوع: ((بالعلم)).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((البغوي)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) (٣٢٦/٤) وقد
نقل ابن خلكان كلام الأزهري باختصار وتصرف. انظر ((تهذيب اللغة)) (٣١/١) بتحقيق
العلامة الأستاذ عبد السلام هارون.
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((ونستحي)) وما بين حاصرتين زيادة منه.
(٤) الذَّنُّ: وعاء شبيه بالجرَّة. انظر ((لسان العرب)) (دنن) و(حبب).
١٠٨

من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه أحد غلمانه، وقال: تتصدق بالنبيذ؟ فقال: لم
يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشر دِنان من النبيذ، فقال
لغلامه: أخرجنا دَنّاً فجاءنا عشرة. وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير.
وعَرَضَ له فالج، فسقي الترياق فشفي [منه] ثم عاوده الفالج بعد حَوْلٍ
لغذاء ضارِّ تناوله، فبطل من محزمه إلى قدميه، وكان مع هذا الحال ثابتَ
العقل صحيح الذهن (١) يردُّ فيما يُسأل ردّاً صحيحاً.
وقال المرزباني: قال لي ابنُ دُريد: سقطت من منزلي بفارس،
فانكسرت ترقوتي، فسهرت ليلتي، فلما كان آخر الليل غمضت عيني فرأيت
رجلاً طويلاً أصفر الوجه كَوْسَجاً(٢) دخل عليَّ وأخذ بعضادتي الباب وقال:
أنشدني أحسن ما قُلت في الخمر، فقلتُ: ما ترك أبو نُواس لأحدٍ شيئاً،
فقال: أنا أشعرُ منه، فقلت: مَن أنت؟ فقال: أنا أبو نَاجِيَة من أهل الشام،
وأنشدني :
أتت بين ثَوْبَيْ نرجسٍ وشقائقٍ
وحَمْرَاء قبل المزجِ صفراء بعدهُ
عليها مزاجاً فاكتست لون عاشقٍ
حَكَتْ وجنَةَ المعشوقِ صِرْفاً فسلّطوا
فقلت له: أسأت. فقال: ولِم؟ قُلتُ: لأنك قُلتَ: ((حمراء)) فقدمتَ
الحمرة، ثم قلت: ((بين ثوبي نرجس وشقائق)) فقدمت الصفرة، فهلا قدَّمتها
على الأخرى. فقال: وما هذا الاستقصاء يا بغيض؟.
وتوفي يوم الأربعاء لثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان.
ودُرَيْد: بضم الدال المهملة، وفتح الراء، وسكون الياء المثناة من
تحتها، وبعدها دال مهملة، وهو تصغير أدرد، والأدرد: الذي ليس فيه سن،
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((ثابت الذهن كامل العقل)).
(٢) قال ابن منظور: الكوْسَج: الأثَطُّ، وفي ((المحكم)): الذي لا شعر على عارضيه. ((لسان
العرب)) (کسج).
١٠٩

وهو تصغير ترخيم لحذف الهمزة من أوله، كما تقول في تصغير أسود: سويد،
و[تصغير] أزهر زهير. انتهى ما أورده ابن خلِّكان ملخصاً.
● وفيها محمد بن هارون أبو حامد الحضرمي(١) مُحدِّث بغداد في
وقته، وله نيِّف وتسعون سنة. روى عن إسحاق بن أبي إسرائيل، وأبي هَمَّام
السّگوني .
● وفيها محمد بن مكحول البيروتي(٢) وهو أبو عبد الرحمن محمد بن
عبد الله بن عبد السلام الحافظ الثقة الثّبْت. سمع محمد بن هاشم البَعْلَبكي،
وأبا عُمير بن النَّحَّاس، وطبقتهما بمصر، والشام، والجزيرة، وعنه: أبو
سُليمان بن زين، وأبو محمد بن ذكوان البَعْلَبكي، والحاكم.
● وفيها محمد بن نوح الحافظ أبو الحسن الجُنْدَيْسَابوري(٣) الثقة.
روى عن الحسن بن عَرَفَة وغيره، وعنه: الدارقطني وغيره.
• وفيها مُؤنس الخادم(٤) الملقب بالمُظَفَّر، عن نحو تسعين سنة. وكان
أميراً معظَّماً شجاعاً منصوراً، لم يبلغ أحد من الخُدَّام منزلته، إلا كافور
صاحب مصر.
(١) ((العبر)) (١٩٤/٢) وانظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٤٢/٣).
(٢) ((العبر)) (١٩٣/٢ - ١٩٤) وانظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٤٢/٣).
(٣) ((تذكرة الحفاظ)) (٨٢٦/٣ - ٨٢٧) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٤/١٥ - ٣٥)، وقد تحرفت
نسبته في الأصل إلى ((الجند النيسابوري)) وأثبت ما في المطبوع.
(٤) ((العبر)) (١٩٤/٢) وانظر ((النجوم الزاهرة)) (٢٤٢/٣).
١١٠

سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة
فيها انفرد عن مَرداويج الدَّيلمي أحد قواده، الأمير علي بن بُوَيْهِ،
والتقى هو ومحمد بن ياقوت أمير فارس، فهزم محمداً واستوى على مملكة
فارس، وهذا أول ظهور بني بُوَيْه، وكان بُوَيْه من أوساط الناس، يصيد
السمك بين الدَّيلم، فملك أولاده الدُّنيا، وكنية بُوَيْه أبو شجاع، ونسبه متصل
إلى أَزْدَشِيْر بن بَابك(١) من الأكاسرة، وكان له ثلاثة أولاد شجعان في خدمة
ابن كالي الدَّيلمي، وأسماؤهم: عماد الدولة أبو الحسن علي، ورُكن الدولة
الحسن، ومُعِزُّ الدولة الحُسين.
· وفيها قتلَ القاهرُ الأمير أبا السَّرايا نصر بن حَمْدان، والرئيس
إسحاق بن إسماعيل النُّوْبَخْتي - بالضم، نسبة إلى نُوبَخْت جَد - وقيل: قتلهما
ابن أخيه أبو أحمد بن المكتفي بلا ذنب، وتَفَرْعَنَ وطغى، وأخذ أبو علي بن
مُقلة وهو مختفٍ يراسل الخَوَاصَّ من المماليك ويُجَسِّرهم(٢) على القاهر،
ويُوحِشهم منه، فما بَرِحَ على أن اجتمعوا على الفتك به، فركبوا إلى الدار
والقاهر سكران نائم، وقد طلعت الشمس، فهرب الوزير في إزارٍ، وسلامة
(١) كذا في الأصل والمطبوع: ((أزدشير بن بابك)) وفي ((تاريخ الطبري)) و((الكامل في التاريخ)»
لابن الأثير، و «وفيات الأعيان)» (٤٥٧/٢) و((أرْدَشِيرْ)) بالراء، وكلاهما صواب، انظر ((تاج
العروس» (أرد) (٣٨٢/٧) طبع الكويت.
(٢) في الأصل والمطبوع: ((ويحشدهم)) وأثبت لفظ ((العبر)) مصدر المؤلف، والجسارة: الجراءة.
انظر («لسان العرب)) (جسر).
١١١

الحاجب، فوثبوا على القاهر، فقام مرعوباً وهرب، فتبعوه إلى السَّطْح، وبيده
سيف، فقالوا: انزل، فأبى، فقالوا: نحن عَبِيْدُك، فَلِمَ تَسْتَوْحش منّ، فلم
ينزل، ففوَّق واحد منهم سهماً وقال: انزل وإلا قتلتك، فنزل، فقبضوا عليه في
جمادى الآخرة، وأخرجوا محمد بن المقتدر ولقُبوه الراضي بالله ووزر ابن
مُقلة.
قال الصولي: كان القاهر أهوجَ سفّاكاً للدماءِ، قبيح السيرة، كثير
الاستحالة، مُدمِنَ الخمر، كان له حربة يحملها، فلا يضعها حتّى يقتل
إنساناً، ولولا جَوْدة حاجبه سلامة لأهلك الحرثَ والنسل، وستأتي بقية ترجمته
عند ذكر وفاته في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة (١) إن شاء الله تعالى.
• وفيها هلك مَرداويج الدَّيلمي بأصبهان، وكان قد عَظُم سلطانه،
وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وكان له ميل إلى المجوس، وأساء إلى
أصحابه، فتواطؤا على قتله في الحمام، وبعث الراضي بالعهد إلى علي بن
بُوَيه على البلاد التي استولى عليها، والتزم بحمل ثمانية آلاف ألف درهم في
العام.
• وفيها اشتهر محمد بن علي الشَّلْمغَاني ببغداد، وشاع أنه يدَّعي
الإِلَهية، وأنه يُحيي الموتى، وكثر أتباعه، فأحضره ابن مُقلة عند الراضي
بالله، فسمع كلامه، وأنكر الإِلَهِيَّة، وقال: إن لم تنزل العقوبة بعد ثلاثة أيام
وأكثره تسعة أيام، وإلاّ فدمي حلال، وكان هذا الشقي قد أظهر الرفض، ثم
قال بالتناسُخ والحلول، ومَخْرَقَ على الجُهَّال، وضلَّ به طائفة، وأظهر شأنه
الحسين بن روح زعيم الرافضة، فلما طُلب هرب إلى الموصل، وغاب سنين
ثم عاد وادعى الإِلَهِيَّة، فتبعه فيما قيل الذي وزر للمقتدر، الحسين بن الوزير
القاسم ابن الوزير عبيد الله بن وهب، وابنا بسطام، وإبراهيم بن أبي عون، فلما
قبض عليه ابن مُقلة كَبَسَ بيته فوجد فيه رقاعاً وكتباً مما قيل عنه يخاطبونه في
(١) انظر ص (٢٠٨ - ٢٠٩) من هذا المجلد.
١١٢

الرِّقاع بما لا يخاطب به البشر، وأحضر فأصرَّ على الإِنكار فصفعه ابن
عَبْدُوس، وأما ابن أبي عون فقال: إلّهي وسيدي ورازقي. فقال الراضي
للشَّلْمَغَاني: أنت زعمت أنك لا تدَّعي الربوبية، فما هذا؟ فقال: وما عليَّ
من قول ابن أبي عون، ثم أحضروا غير مرَّة، وجرت لهم فصول، وأحضرت
الفقهاء والقضاة، ثم أفتى الأئمة بإباحة دمه، فأحرق في ذي القعدة، وضربت
عنق ابن أبي عَوْنٍ، ثم أحرق، وهو فاضل مشهور صاحب تصانيف أدبية،
وكان - أعني ابن أبي عون - من رؤساء الكُتَّاب.
وشَلْمَغَان: بالشين والغين المعجمتين من أعمال واسط.
· وقتل الحُسين بن القاسم الوزير(١)، وكان في نفس الراضي منه.
· ولم يحج أحد من بغداد إلى سنة سبع وعشرين خوفاً من القرامطة.
● وفيها توفي أبو عمر أحمد بن خالد بن الجبّاب(٢) القرطبي(٣) حافظ
الأندلس، وكان أبوه يبيع الجِبَاب (٤). روى عن بقي بن مَخْلَد وطائفة. وعنه:
ولده محمد، ومحمد بن أبي دُلَيْم(٥) .
قال القاضي عياض: كان إماماً في فقه مالك، وكان في الحديث
لا ينازع، وارتحل إلى اليمن فأخذ عن إسحاق الدَّبَري، وعاش بضعاً وسبعين
سنة، وصنّف التصانيف.
● وفيها قاضي مصر، أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة (٦).
(١) ((العبر)) (١٩٨/٢) وانظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٢٩٤/٨).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((ابن الحَبَّاب)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام
النبلاء)» .
(٣) ((العبر)) (١٩٨/٢ - ١٩٩) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٤٠/١٥) و((غربال الزمان)) ص (٢٨٢).
(٤) في الأصل والمطبوع: ((الحِبَاب)) وهو تصحيف والتصحيح من ((العبر)) و((سير أعلام النبلاء)).
(٥) في الأصل والمطبوع: ((محمد بن أبي وليم)) وهو خطأ، والتصحيح من ((سير أعلام النبلاء)).
(٦) ((العبر)) (١٩٩/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٦٥/١٤ - ٥٦٦).
١١٣
١

حدَّث بكتب أبيه كلُّها من حفظه بمصر، ولم يكن معه كتاب، وهي أحد
وعشرون مصنّفاً، وولي قضاء مصر شهراً ونصفاً(١).
،وفيها العارف الزاهد القدوة خَيْرِ النَّسَّاج(٢) أبو الحسن البغدادي،
وكانت له حلقة يتكلم فيها، وعمّر دهراً، فقيل: إنه لقي سَرِيًّاً السقطي، وله
أحوال وکرامات.
· وفيها المهديُّ عبيد الله (٣) والد الخلفاء الباطنيّة العُبَيْدية الفاطمية.
افترى أنه من ولد جعفر الصادق، وكان بسَلَمِيَّة((٤) فبعث دُعاته إلی الیمن،
والمغرب، وحاصل الأمر أنه استولى على مملكة المغرب، وامتدت دولته
بضعاً وعشرين سنة، ومات في ربيع الأول بالمهدية التي بناها، وكان يُظهر
الرَّفْض ويُبطن الزندقة.
قال أبو الحسن القابسي صاحب ((الملخّص))(٥): الذي قتله عُبيد الله
(١) في ((العبر)) و((حسن المحاضرة)) (٣٦٨/١): ((شهرين ونصف شهر)).
(٢) ((العبر)) (١٩٩/٢) وانظر ((طبقات الصوفية)) للسلمي ص (٣٢٢ - ٣٢٥) و((سير أعلام النبلاء))
(٢٦٩/١٥ - ٢٧٠).
قلت: وقد ذكر السُّلَميُّ أن اسمه الصحيح هو محمد بن إسماعيل السَّامَري، وأنه إنما سُمِّي
خيراً النَّسَّاج لأنه خرج إلى الحج، فأخذه رجل على باب الكوفة، فقال: أنت عبدي،
واسمك خير - وكان أسود - فلم يُخالفه، فأخذه الرجل، واستعمله في نسج الخزِّ سنين، وكان
يقول له: يا خيرُ! فيقول: لَبَّيْك !. ثم قال له الرجل - بعد سنين -: أنا غلطت !. لا أنت
عبدي، ولا اسمك خير، فلذلك سُمِّي خير النساج. وكان يقول: لا أُغيِّر اسماً سمّاني به
رجل مسلم، وعاش مائة وعشرين سنة.
(٣) ((العبر)) (١٩٩/٢ - ٢٠٠) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (١٤١/١٥ - ١٥١) و((غربان الزمان))
ص (٢٨٢).
(٤) بلدة كبيرة بين حمص وحماة من جهة المشرق وتتبع محافظة حماة إدارياً في أيامنا. أنجبت
فيما مضى جمهرة من العلماء الأفاضل. انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٢٤٠/٣ - ٢٤١).
(٥) قلت: جمع فيه ما اتصل به إسناده من حديث الإِمام مالك في ((الموطأ)). قال أبو عمرو
الداني: وهو خمسمائة حديث وعشرون حديثاً، وهو مخطوط لم ينشر بعد. انظر ((كشف
الظنون)» (١٨١٨/٢).
١١٤

وبنوه بعده، في دار النّحر التي يعذب فيها في العذاب، ما بين عالم وعابد،
ليرُدَّهم عن الترضِّي على (١) الصحابة، فاختار الموت أربعة آلاف رجل، وفي
ذلك يقول بعضهم من قصيدة:
وأحلَّ دار النَّحر في أغْلَالِهِ من كان ذَا تقوىُ وذَا صلواتٍ
وقال ابنُ خلِّكان(٢): أبو محمد عبيد الله، الملقب بالمهدي، وجدت
في نَسَبه اختلافاً كثيراً.
قال صاحب ((تاريخ القيروان)): هو عُبيد الله بن الحسن بن علي بن
محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن
أبي طالب، رضي الله عنه.
وقال غيره: هو عُبيد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر المذكور.
وقيل: هو عُبيد الله بن التقي، وفيه اختلاف كثير، وأهل العلم
بالأنساب المحقّقون ينكرون دعواه في النسب.
وقيل: إن المهدي لما وصل إلى سِجِلْمَاسة (٣) ونما خبره إلى إلیسع،
وهو مالكها، وهو آخر ملوك بني مدرار، وقيل له: إن هذا الفتى يدعو إلى
بيعة أبي عبد الله الشيعي بإفريقية، أخذه إليسع واعتقله، فلما سمع أبو عبد الله
الشيعي باعتقاله حشد جمعاً كثيراً من كُتامة (٤) وغيرها، وقصد سجلماسة
لاستنقاذه، فلما بلغ إليسع خبر وصولهم قتل المهديَّ في السجن، فلما دنت
العساكر من البلد، هرب إليسعُ، فدخل أبو عبد الله إلى السجن فوجد
المهديَّ مقتولاً وعنده رجل من أصحابه كان يخدمه، فخاف أبو عبد الله أن
(١) في الأصل: ((عن)) وأثبت ما في المطبوع.
(٢) في ((وفيات الأعيان)) (١١٧/٣ - ١١٩).
(٣) قال ياقوت: سجلماسة: مدينة في جنوبي المغرب بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب.
انظر ((معجم البلدان)) (١٩٢/٣ - ١٩٣).
(٤) في الأصل: ((جمفا عفيراً من كتابه)) وهو خطأ وأثبت لفظ المطبوع و((وفيات الأعيان)).
١١٥

ينتقض عليه ما دبَّره من الأمر إن عرفت العساكر بقتل المهدي، فأخرج هذا
الرجل وقال: [هذا] هو المهدي.
وهو أول مَن قام بهذا الأمر من بيتهم، وادّعى الخلافة بالمغرب، وكان
داعية أبا عبد الله الشيعي. ولما استتبَّ(١) له الأمر قتله وقتل أخاه، وبنى
المهدية بإفريقية ولما فرغ من بنائها في شوال سنة ثمان وثلثمائة بنى سور
تونس وأحکم عمارتها وجدّد فيها مواضع، فنسبت إليه.
وملك بعده ولده القائم، ثم المنصور ولد القائم، ثم المعزبن
المنصور، وهو الذي سيّر القائد جوهراً ومَلَكَ الديار المصرية وبنى القاهرة،
واستمرت دولتهم حتى انقرضت على يد السلطان صلاح الدِّين رحمه الله
تعالی .
وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين، وقيل: ستين ومائتن [وقيل:
ست وستين ومائتين](٢) بمدينة سَلَمِيَّة، وقيل: بالكوفة، ودُعي له بالخلافة
على منابر رَقَّادَةٍ(٣) والقيروان يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة
سبع وتسعين ومائتين، بعد رجوعه من سِجِلْماسة وكان ظهوره بسجِلْماسة يوم
الأحد لسبع خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائتين، وخرجت بلاد
المغرب عن ولاية بني العبَّس. انتهى ما قاله ابن خلِّكان ملخصاً.
• وفيها أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدَّيْبُلي (٤) مُحدِّث مكّة، نسبةً إلى
دَيْبُل(٥) - بفتح أوله وضم الباء مدينة قرب السِّند - وتوفي في جمادى الأولى.
روى عن محمد بن زُنْبُور وطائفة .
(١) في الأصل والمطبوع: ((استثبت)) وهو خطأ والتصحيح من ((وفيات الأعيان)).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من الأصل والمطبوع واستدركته من ((وفيات الأعيان)).
(٣) في الأصل والمطبوع: ((زقادة)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((وفيات الأعيان)). وانظر ((معجم
البلدان» (٥٥/٣ - ٥٦).
(٤) ((العبر)) (٢٠٠/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٩/١٥ - ١٠).
(٥) قلت: وتعرف في أيامنا بـ ((كراتشي)) وهي عاصمة باكستان الإِسلامية. وكانت قد أنجبت =
١١٦

● وفيها أبو جعفر محمد بن عمرو [العُقَيْلي](١) الحافظ صاحب ((الجرح
والتعديل)) عداده في أهل الحجاز. روى عن: إسحاق الدَّبَري، وأبي
إسماعيل الترمذي (٢) وخلق. وعنه: أبو الحسن محمد بن نافع الخُزَاعي، وأبو
بكر بن المقرىء.
قال الحافظ أبو الحسن القطّان: أبو جعفر ثقةٌ جليلُ القدر، عالمٌ
بالحديث، مُقَدَّمٌ بالحِفْظِ، وتوفي بمكّة في شهر ربيع الأول.
● وفيها الزاهد أبو بكر محمد بن علي بن جعفر الكتَّانِيُّ (٣) شيخ
الصوفية المجاور بمكّة. أخذ عن أبي سعيد الخرّاز وغيره، وهو مشهور.
قال السخاوي في ((طبقاته))(٤): قال المُرتَعِش: الكَتَّانِيُّ سراجُ الحرم.
صحب الجُنيد، والخرَّاز، والنُّورِي، وأقام بمكّة مجاوراً إلى أن مات بها.
ومن كلامه: روعةً عند انتباهٍ عن غفلةٍ وانقطاعٌ عن حظ من الحظوظ
النفسانيَّة، وارتعاد من خوفِ القطيعة(٥) أفضل من عبادة الثقلين.
وقال: وجود العطاء من الحقِّ شهودُ الحقِّ بالحقِّ، لأن الحقَّ دليلٌ على
كل شيءٍ، ولا يكون شيء دونَه دليل عليه.
= عدداً من أفاضل العلماء فيما مضى ولا زالت تنجب هي وسواها من مدن هذه الدولة
الإسلامية العريقة أعداداً كبيرة من العلماء في مختلف العلوم بارك الله فيهم. وانظر خبرها في
((معجم البلدان)) (٤٩٥/٢) و((أطلس التاريخ العربي)) للأستاذ شوقي أبو خليل ص (٥٠).
(١) ((العبر)) (٢٠٠/٢) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٦/١٥ - ٢٣٩).
(٢) هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن محمد بن يوسف السلمي الترمذي من أهل بغداد،
ترمذي الأصل. فقيه عالم صدوق، مكثر من الحديث، مشهور بالطلب. مات في شهر
رمضان من سنة (٢٨٠) هـ. انظر ترجمته في ((الأنساب)) للسمعاني (٤٧/٣ - ٤٨).
(٣) ((العبر)) (٢٠٠/٢ - ٢٠١) و((طبقات الصوفية)) ص (٣٧٣ - ٣٧٧) وانظر «سير أعلام النبلاء))
(١٤/ ٥٣٣ - ٥٣٥).
(٤) انظر هذه النقول في ((طبقات الصوفية)) للسلمي.
(٥) في ((طبقات الصوفية)): ((من خوف قطيعة)).
١١٧

وقال: إذا صحَّ الافتقار إلى الله صحَّ الغِنَى (١) به، لأنهما حالان لا يتم
أحدهما إلا بصاحبه .
وقال: الشهوة زمامُ الشيطان فمن (٢) أخذ بزمامه كان عبده.
وقال: العارف مَن يوافق معروفه في أوامره، ولا يخالفه في شيءٍ من
أحواله، ويتحبَّب إليه بصحبة (٣) أوليائه، ولا يفتُر عن ذِكره طرفة عين.
وقال: الصوفيُّ مَن عزفت نفسه عن الدُّنيا تَطَرُّفاً، وعلت هِمَّته عن
الآخرة، وسخت نفسُهُ بالكلِّ طلباً وشوقاً لمن له الكلُّ.
وقال: مَن طلب الراحة عَدِم الراحة (٤). انتهى ملخصاً.
● وفيها أبو علي محمد بن أحمد بن القاسم الرُّوذْبَاري البغدادي(٥)
الزاهد المشهور، الشافعي .
قال الإِسنويُّ: وهو براءٍ مضمومةٍ وواو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة،
ثم باء موحدة وبعد(٦) الألف راء مهملة وياء النسب.
كان فقيهاً نحوياً حافظاً للأحاديث، عارفاً بالطريقة، له تصانيف كثيرة،
وأصله من بغداد، من أبناء الوزراء والكبار، يتصل نسبه بكِسْرى، فصحب
الجُنيد حتَّى صار أحد أئمة الوقت وشيخ الصوفية، وكان يقول: أستاذي في
التصوّف الجُنيد، وفي الحديث إبراهيم الحَرْبي، وفي الفقه ابن سُرَيْج، وفي
النحو ثَعْلَب. ومن شعره:
(١) في الأصل والمطبوع: ((الغناء)) وما أثبته من ((طبقات الصوفية)).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((من)) وما أثبته من ((طبقات الصوفية)).
(٣) في ((طبقات الصوفية)): ((بمحبة)).
(٤) هذا النقل الأخير لا يوجد في ((طبقات الصوفية)).
(٥) ((العبر)) (٢٠١/٢) و((طبقات الصوفية))، ص (٣٥٤) وانظر ((سير أعلام النبلاء)) (٥٣٥/١٤ - ٥٣٦).
(٦) في الأصل والمطبوع: ((بعد)» وما أثبته هو الصواب.
١١٨

وإنما عجبي للبعض كيف بقي
وَلَوْ مضى الكلُّ مِنِّي لم يكن عجباً
قبل الفِرَاق فهذا آخرُ الرَّمَقِ(١)
أدرِْ بقية روحٍ فيك قد تلفت
سكن مصر وتوفي بها، وقد اختلف في اسمه فقال الخطيب وابن
السمعاني (٢): إنه محمد، وقال ابنُ الصلاح في ((الطبقات)): أحمد، وقيل:
الحسن. انتهى ملخصاً.
(١) البيتان في ((الأنساب)) (١٨١/٦) وهما في ((البداية والنهاية)) (١٨١/١١) مع بعض الخلاف.
(٢) انظر ((تاريخ بغداد)) (٣٢٩/١) و((الأنساب)) (١٨٠/٦).
١١٩

سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة
· فيها تمكَّن الرَّاضي بالله، بحيث أنه قلَّد ولديه وهما صغيران(١) إمرة
المشرق والمغرب.
● وفيها محنة ابن شَنبُوذ القارىء، كان يقرأ في المحراب بالشواذ،
فطلبه الوزير ابن مُقلة، وأحضر القاضي والقُرَّاء، وفيهم ابن مُجَاهد،
فَنَاظَرُوه(٢) فأغلظ للحاضرين في الخطاب، ونسبهم إلى الجهل، فأمر الوزير
بضربه لكي يرجع، فضرب سبع دِرَرٍ(٣) ودعا على الوزير بقطع اليد،
فقطعت، وسيأتي تمام القصة عند ذكر وفاته إن شاء الله تعالى(٤).
· وفيها هَاشَتْ الجندُ وطلبوا أرزاقهم، وأغلظوا لمحمد بن ياقوت،
وأخرجوا المحبوسين، ووقع القتال والجِد، ونُهبت الأسواق، وبقي البلاء
أياماً، ثم أرضاهم ابن يَاقوت، وبعد أيام قبض الراضي بالله على ابن ياقوت
وأخيه المظفر، وعظم شأن الوزير ابن مُقلة، وتفرد بالأمر(٥)، ثم هاجت عليه
الجند، فأرضاهم بالمال.
(١) في ((العبر)): ((صبيان)).
(٢) في الأصل والمطبوع و((غربال الزمان)) ص (٢٨٣): ((فناظره)) وأثبت لفظ ((العبر)).
(٣) الدِّرَّةُ: بالكسر التي يضرب بها. ((مختار الصحاح)) (درر).
(٤) انظر ص (١٤٨ - ١٥٠) من هذا المجلد.
(٥) في ((العبر)): ((بالأمور)).
١٢٠