Indexed OCR Text

Pages 1-20

شَدَدَاتُ الذهب
في أخبَار مَنْ ذَهَبٌ
لابن العماد
الإِمام شِهَابِ الّيْن أَبِاِفَلَائِ عَبْدِ الحَيّب ◌َ حْمَد بن مُحَفَدِ العَكْرِيّ الخَبَلِالذِّمَشِقِي
(١٠٣٢ - ١٠٨٩ هـ)
الجلّة التّالين
أشرف على تحقيقه وخرج أحاديثه
عبد القادر الأرناؤوط
حققه وعلّق عليه
محمُود الأرناؤوط
دَار اتكتير
دمشق - بيروت

بسْم ◌ِاللهِالرَّمِ الرَّيَمِ

شَدَدَائِ الذّهَ
في أخبَارمَنْذَهَبُ

جميع الحقوق محفوظة للنا شر
الطبْعَة الأولى
١٤٠٨هـ -١٩٨٨م
٦
ابن
د
كثير
لِلطَّبَاعَةِ وَالنّشْرِ وَالتَّوزيع
دمشق- شارع مستم البارودي- بناء خولي وصلاحي - ص.ب ٣١١ - هاتف ٢٢٥٨٧٧
بيروت - ص. ب ١١٣/٦٣١٨

سنة إحدى ومائتين
• فيها عمد(١) المأمون إلى عليّ بن موسى العلوي، فعهد إليه
بالخلافة [من بعده](٢) ولقبه بالرِّضا، وأمر الدولة بترك السّوادٍ ولبس الخضرة،
وأرسل إلى العِرَاق بهذا، فعظم هذا على بني العبّاس الذين ببغدادَ، ثم
خرجوا عليه وأقاموا مَنصورَ بن المَهْدِيِّ، ولقبوه بالمرتضى، فَضَعُفَ عنِ الأمر
وقال: إنما أنا خليفة المأمون، فتركوه وعدلوا إلى أخيه إِبراهيم بن المَهْديِّ
الأسود، فبايعوه بالخلافة، ولقّبوه بالمُبَارك، وخلعوا المأمون، وجرت بالعراق
حروبٌ شديدة، وأمورٌ عجيبة(٣).
• وفيها أول ظهور بابك الخرَّمَيّ (٤) الكافر، فعاثَ، وأَفْسد، وكان
يقول بتناسخ الأرواح.
• وفيها توفي أبو أسامة حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ الحافظُ، مولى بني
هاشم، وله إحدى وثمانون سنة. روى عن الأعمش، والكبار.
قال أحمد: ما [كان] أثبته، لا يكاد يخطىء.
(١) في ((العبر)) للذهبي: ((عهد)).
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من (العبر)) للذهبي (٣٣٥/١).
(٣) في ((العبر)) للذهبي: ((وأمور مزعجة)).
(٤) في الأصل: ((الحرميُّ)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((ما أثبته)) وأثبت لفظ ((العبر)) للذهبي (٣٣٦/١) مصدر المؤلف وهو=

وقال ابنُ ناصر الدِّين: ثقة، كيسٌ.
• وفيها حمَّاد بن مَسْعَدَة بالبصرة. روى عن هِشَام بن عُرْوَة وعِدَّة،
وكان ثقةً صاحبَ حدیث.
• وفيها حَرَمِيُّ بن عُمارة بن أبي حَفْصَةِ (١) البصريُّ. روى عن قُرَّة بن
خالد، وشُعبة.
• وفيها سَعْد بن إبراهيم بن سَعْد الزُّهريُّ العَوْفيُّ. قاضي وَاسط.
سمع أباه، وابن أبي ذئب.
· وفيها عليّ بن عاصم أبو الحَسَن الواسطيُّ. محدِّث واسط، وله
بضع وتسعون سنة. روى عن حُصَين بن عَبد الرَّحمن، وعَطاء بن السَّائب،
والكبار. وكان يحضر مجلسه ثلاثون ألفاً.
قال وكيع: أدركتُ النَّاس والحلقةُ لعلي بن عاصم بواسط.
وضعّفه غير واحدٍ لسوء حفظه.
وكان إماماً، ورعاً، صالحاً، جليل القدر.
• وفيها قُتل المُسيَّبُ بن زُهير أكبر قُوَّاد المأمون، وضَعُف أمرُ الحسن
ابن سَهل بالعراق، وهُزِمَ جيشه مَرَّات، ثم ترجح أمره.
وحاصل القصة، أن أهل بغداد أصابهم بلاءً عظيم في هذه السنوات،
حتَّى كادت تتداعى بالخراب، وجلا خلقٌّ من أهلها عنها للنهب(٢) والسبيِّ،
والغلاء، وخراب الدُّور.
موافق لما عند المزي في ((تهذيب الكمال)) (٢٢٢/٧) طبع مؤسسة الرسالة.
=
(١) في الأصل، والمطبوع: ((جرير بن عمارة بن أبي حفصة)) وهو خطأ. والتصحيح من ((العبر))
للذهبي مصدر المؤلف في نقله. وانظر: (تهذيب الكمال)» للمزي (٥٥٦/٥) طبع مؤسسة
الرسالة.
(٢) في ((العبر)) للذهبي (٣٣٧/١): ((بالنهب)).
٦

قال ابنُ الأهدل: ولما عجز بنو العبّاس وتكرر عفو المأمون عنهم،
وجَّهوا إليه زَيْنَب بنت سُليمان بن علي، عمة جده المنصورِ، فقالت: يا أمير
المؤمنين! إنك على برِّ أهلك العلويين والأمر فينا، أقدرُ منك على بُرِّهم والأمر
فيهم، فلا تُطمعنَّ أحداً فينا. فقال: يا عمة، والله ما كلَّمني أحدٌ في هذا
المعنى بأوقع من كلامك هذا، ولا يكون إلا ما تحبون، ولبس السواد، وترك
الخضرة. انتهى .
وكان ميل المأمون للعلويين اصطناعاً ومكافأةً لفعل علي - كرم الله
وجهه - لما ولي الإِمامة لبني هَاشم خصوصاً بني العبّاس.
● وفيها توفي يحيى بن عِيْسِى النَّهْشَليُّ(١) الكُوفيُّ الفَاخوريُّ بالرَّملة.
روى عن الأعمش وجماعة، وهو حسن الحديث.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((العسلي)) وهو خطأ. والتصحيح من ((العبر)) للذهبي مصدر المؤلف.
وانظر: ((تهذيب الكمال)» للمزي (١٥١٤/٣) مصورة دار المأمون للتراث بدمشق.
٧

سنة اثنتين ومائتين
· فيها خَلَعَ أهل بغداد المأُمُون لكونه أخرج الخلافة من بني العبّاس،
وبايعوا إبراهيم بن المهدي.
وتزوج المأمونُ بُورَان بنت الحَسن بن سَهْلِ، وزوَّج ابنته أمّ حَبِيْب عليَّ
ابن مُوسى الرِّضا. وزوَّج ابنته أُمّ الفَضْل مُحمد بن علي بن مُوسى. قاله ابن
الجوزي في ((الشذور))(١).
وفيها على الصحيح توفي ضَمْرَةُ بن ربيعة(٢) في رمضان بفلسطين.
روى عن الأوزاعيّ وطبقته. وكان من العلماء المكثرين.
قال ابنُ ناصر الدِّين: حَمْزَة بن رَبِيْعَة الدِّمشقيُّ القَرْنيُّ، مولاهم، كان
ثقةً مأموناً. انتهى.
• وفيها أبو بكر عبد الحميد بن أبي أُوّيس(٣) المدنيُّ ، أخو إسماعيل.
(١) يعني ((شذور العقود في تاريخ العهود)) وهو مخطوط. وانظر: ((مروج الذهب)) للمسعودي
(٢٨/٤).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((حمزة بن ربيعة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي
(٣٣٧/١)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٦٢٠/٢ و٨٠٧) مصورة دار المأمون للتراث
بدمشق .
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو بكر بن عبد الحميد بن أبي أويس)) وهو خطأ، والتصحيح من
((العبر)) للذهبي، وانظر: ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٤٦٨/١) و(٣٩٦/٢).
٨

روى عن ابن أبي ذئب، وسُليمان بن بلال، وطائفة.
قال في ((المغني))(١): ثقة، أخطأ الأزديُّ حيث قال: كان يضع
الحدیث. انتهى .
وقد خرَّج له الشيخان.
· وفيها أبو يحيى عَبْدُ الحميد بن عَبْدِ الرَّحمن الحمَّانيُّ الكوفيُّ.
روى عن الأعمش وجماعة.
قال أبو داود: وكان داعيةً إلى الإِرجاء.
وقال النَّسائيُّ : ليس بالقويِّ.
• وفيها أبو حَفْص عمر بن شبيب(٢) المُسْلي (٣) الكوفيُّ. روى عن
عَبْد الملك بن عُمَيْر والكبار.
قال النَّسائيُّ : ليس بالقويِّ.
وقال أبُو زُرْعَة: واهي الحديث.
وضعفه الدارقطنيُّ .
● وفيها يحيى بن المُبارك اليزيديُّ المقرىءُ النحويُّ اللغويُّ. صاحب
التصانيف الأدبية، وتلميذ أبي عمرو بن العلاء. وله أربع وسبعون سنة. وهو
بصري. نزل بغداد.
قال ابنُ الأهدل: عرف باليزيديِّ لصحبته يزيد بن مَنْصُور خال المهديِّ،
وتأدیب بنيه.
أخذ عن الخليل وغيره، وله كتاب ((النوادر في اللغة)) وغيره.
(١) ((المغني في الضعفاء)) (٣٦٨/١).
(٢) في ((العبر)) للذهبي (٣٣٨/١): ((عمرو بن شبيب)) وهو خطأ، فيصحح فيه.
(٣) في الأصل: ((المسكي)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. وانظر: ((تقريب
التهذيب» (٥٧/٢).
٩

ولما قدم مكَّة أقبل على العبادة، وحدَّث بها عن أبي عمرو بن العلاء.
وروى عنه ابنه محمد، وأبو عمرو الدُّوريُّ. وأبو شعيب السُّوسيُّ، وغيرهم.
وخالف أبا عمرو في حروف يسيرة، وكان يجلس هو والكسائيّ في
مجلس واحد، ويُقرئان النَّاس. وتنازعا مرَّة في مجلس المأمون قبل أن يلي
الخلافة في بيت شعرٍ، فظهر اليزيديُّ وضرب بقلنسوته الأرض، وقال: أنا أبو
محمد. فقال المأمون: والله لخطأ الكسائي مع حسن أدبه أحسن من صوابك
مع سوء أدبك. فقال: إن حلاوة الظَّفَر أذهبت عني حُسن التحفّظ .
وكان الكسائيُّ يُؤدِّب الأمين ويأخذ عليه حرف حمزة، وهو يُؤدِّب
المأمون ويأخذ علیه حرف أبي عمرو. انتهى.
• وفيها الفضلُ بن سَهْل ذو الرِّياستين، وزير المأمون، قتله بعض
أعدائه في حمام بسرخس، فانزعج المأمون وتأسَّف عليه، وقتل به جماعة،
وكان من مُسْلمة المجوس.
وقال ابنُ الأهدل(١): الفضل بن سهل وزير المأمون السرخسيُّ،
وسرخس - بالخاء المعجمة - مدينة بخراسان ، وكان يلقّبُ بذي الرياستين،
وكان محتداً في علم النجوم، كثير الإصابة فيه، من ذلك أن المأمون لما أرسل
طاهراً لحرب الأمين، وكان طاهر ذا يمينين، أخبره أنه يظفر بالأمين ويلقّبُ
بذي اليمينين، وكان كذلك، واختار لطاهر وقتاً عقد له فيه اللواء. وقال:
(١) هو حسين بن عبد الرحمن بن محمد الحسيني العلوي الهاشمي بدر الدين أبو محمد،
المعروف بابن الأهدل، والأهدل أحد جدوده، كان مفتي الديار اليمنية في عصره، توفي سنة
(٨٥٥) هـ، والمؤلف ينقل عن كتابه ((مختصر تاريخ اليافعي))، وهو من المخطوطات
المحفوظة في خزانة الشيخ محمد سرور الصبان بجدة في المملكة العربية السعودية كما ذكر
العلامة الزركلي في ((الأعلام)) (٢٤٠/٢).
قلت: ولكنه على الرغم من تسمية كتابه بـ ((مختصر تاريخ اليافعي)) - يعني ((مرآة الجنان)) -
إلا أنه يضيف إليه بعض الأخبار التي لم ترد في كتاب اليافعي.
١٠

عقدته لك خمساً وستين لا يحل. فكان كذلك. ووجد في تركته أخبار عن
نفسه، أنه يعيش ثماني وأربعين سنة ثم يُقتل بين الماء والنار. فعاش هذه
المدة(١). ثم دسّ عليه خال المأمون غالب، فدخل عليه الحمام بسرخس ومعه
جماعة، فقتلوه في السنة المذكورة. وقيل: في التي تليها، وله ثمان وأربعون
سنة وأشهر. وقد مدحه الشعراء فأكثروا. من ذلك قول مسلم بن الوليد(٢)
الأنصاري من قصيدة له :
جَلِيْلٌ مَا أَقَمْتَ وَمَا أَزَلْتًا
أَقَمْتَ خِلَافةٌ وَأَزَلْتَ أُخْرى
انتهى .
(١) أقول: هذه مبالغة، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. (ع).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((سالم بن الوليد)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان)) (٤٣/٤)
و («مرآة الجنان)) (١ /٤٧٠) طبع مؤسسة الرسالة، وانظر البيت فيهما.
١١

سنة ثلاث ومائتين
فيها استوثقت الممالكُ للمأمون، وقدم بَغْداد في رمضان من
خُراسان واتخذها سَكَناً.
• وفيها في [ذي] الحِجَّة حدَث بخراسان زلازل أقامت سبعين يوماً،
وهلك بها خلقٌ كثيرٌ وبلاد كثيرة.
• وفيها غلبت السوداء على عقل الحَسَن بن سَهْلِ حَتَّى شُدَّ في
الحدید .
وفيها توفي أَزْهَرُ بن سَعْد السَّمَّان، أبو بكر البصريُّ. روى عن
سُليمان التَّيميّ وطبقته، وعاش أربعاً وتسعين سنة.
قال ابن ناصر الدِّين: كان ثقةً من فضلاء الأئمة وعلماء الأمة.
وقال ابنُ الأهدل: كان يصحب المنصور قبل خلافته، فجاء يسلّم عليه
بالخلافة ويهنَّته، فحجبه، فترصد يوم جلوسه العام، فقال له: ما جاء بك؟ قال:
جئت مهنئاً للأمير، فأعطاه ألفاً وقال: لا تعد فقد قضيت التهنئة، فجاءه من
قابل، فسأله، فقال: سمعت بمرضك فجئت عائداً، فأمر له بألف، وقال:
قولوا له: لا تعد فقد قضيت وظيفة العيادة وأنا قليل المرض. ثم جاء من
قابل، فسأله فقال: سمعت منك دعاءً فأردت أتحفظه، فقال: إنه غير
مستجاب لأني دعوت به أن لا تعود فعدت. انتهى.
١٢

· وفي ذي القعدة الإِمام حُسَيْن بن علي الجعفيُّ، مولاهم، الكوفيُّ،
المقرىءُ الحافظ. روى عن الأعمش وجماعة .
قال أحمد بن حنبل: ما رأيت أفصل منه، ومن سَعِيْد بن عَامر(١)
الضُّبَعِي.
وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: إن بقي أحد من الأبدال فحسين(٢)
الجعفي، وكان مع تقدُّمه في العلم رأساً في الزهد والعبادة.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: هو ثقة، وكان يقال له: راهب الكُوفة.
• وفيها الحُسَيْن بن الوَلِيْد النيسابوريُّ [الفقيه](٣). رحل وأخذ عن
مالك بن مِغْوَل وطبقته. وقرأ القرآن على الكِسائي. وكان كثير الغزو والجهاد
والكرم.
• وفيها خُزَيْمَة بن خَازم(٤) الخراسانيُّ الأمير، أحد القوَّاد الكبار
العباسيّة.
• وداود بن يحيى بن يمان العجليُّ، ثقة.
• وزَيْدُ بن الحُبَاب أبو الحُسَين الكوفيُّ. سمع مالك بن مِغْوَل وخلقاً
كثيراً(٥) وكان حافظاً صاحب حديثٍ، واسع الرحلة، صابراً على الفقر والفاقة.
• وفيها عُثمان بن عبد الرّحمن الحرَّانِيُّ الطرائفيُّ، وكان يتَّع(٦) طرائف
الحديث، فقيل له: الطرائفيُّ. روى عن هِشَام بن حسَّان وطبقته، وهو
صدوق.
(١) في ((العبر)) للذهبي (٣٣٩/١): ((سعد بن عامر)) وهو خطأ فيصحح فيه.
(٢) في الأصل: ((فحسن)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٣) زيادة من ((العبر)) للذهبي.
(٤) في ((العبر)): ((خزيمة بن حازم)) وهو تصحيف فيصحح فيه.
(٥) في ((العبر)): ((وخلقاً كبيراً)
(٦) في الأصل والمطبوع: ((يتبع))، وفي ((العبر)): ((وكان يبيع))، والتصحيح من ((تهذيب الكمال))
(٩١٤/٢) مصورة دار المأمون للتراث.
١٣

• وعليُّ بن مُوسى الرِّضا، الإِمام أبو الحَسَن الحسينيُّ بُطُوس، وله
خمسون سنة، وله مَشْهَدٌ كبير بطُوس يُزار. روى عن أبيه موسى الكاظم، عن
جده جَعْفَر بن محمد الصَّادق. وهو أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد
الإِمامية. ولد بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى وخمسين ومائة، ومات بطُوس،
وصلى عليه المأمون ودفنه بجنب أبيه الرَّشيدِ. وكان موته بالحُمى، وقيل:
بالسم، وكان المأمون أرسله إلى أخيه زَيْد بن مُوسى، وقد قام بالبَصْرَة لیرده
عن ذلك، فقال علي: يا زَيْد ما تريد بهذا؟ فعلت بالمسلمين الأذى وتزعم أنك
من ولد فاطمة، والله لأَشَدُّ النَّاس عليك رسول الله - وَِّ يا زَيْد ينبغي لمن
أخذ برسول الله - وَّر - أن يعطي به. ولما بلغ كلامه المأمون بكى.
وقال في ((المغني))(١): عليُّ بن مُوسى بن جَعْفر الرِّضا، عن آبائه.
قال ابنُ طَاهر: يأتي عن آبائه بعجائب.
قلت(٢): الشأن في صحة الإِسناد إليه، فإنه كُذِبَ عليه وعلى جده.
انتھی .
وفيها أبُو دَاوُد الحَفَرِيُّ عُمر بن سَعْد بالكُوفة. روى عن مالك بن
مِغْوَل ومِسْعَر. وكان من عُبَّاد المُحَدِّثين.
قال أبو حَمْدُون المقرىء: لما دفنَّاه تركنا بابه مفتوحاً، ما خلَّف شيئاً.
وقال ابنُ المديني: ما رأيت بالكُوفة أَعْبَد منه.
وقال وَكِيْعٍ: إن كان يدفعُ [البلاءُ](٣) بأحد في زماننا فبأبي دَاوُد
الحَفَري .
(١) ((المغني في الضعفاء)) للذهبي (٦٨٢/٢).
(٢) القائل الذهبي في ((المغني في الضعفاء)).
(٣) لفظة: ((البلاء)) سقطت من الأصل، والمطبوع واستدركتها من ((العبر)) (٣٤٠/١).
١٤

وفيها عُمر بن عَبْد الله بن رَزِيْن السلميُّ النيسابوريُّ. رحل وسمع
محمد بن إِسْحَاق وطبقته .
قال سَهْل بن عَمَّار: لم يكن بخراسان أنبل منه.
، وفيها أبو حَفْص عُمر بن يُونس اليمامي(١). روى عن عِكْرمة بن
عَمَّار وجماعة، وكان ثقة مكثراً.
• وفيها محمد بن بَكر البُرسانيُّ بالبصرة. روى عن ابن جُرّيْج
[وطبقته](٢). وكان أحد الثقات الأدباء الظرفاء.
• ومحمد بن بِشْر العَبْديُّ الكوفيُّ الحافظُ. روى عن الأعمش
وطبقته .
قال أبو داود: هو أحفظ من کان بالكوفة في وقته.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: محمد بن بِشْر العبديُّ الكوفيُّ أبو عَبْد الله ثقةٌ،
أحفظ من كان بالكوفة. انتهى.
، ومحمد بن عبد الله أبو أحمد الزُّبيريُّ الأسديُّ مولاهم الكوفيُّ.
روی عن یُونس بن إسحاق وطبقته .
وقال أبو حَاتِم: كان ثقةً حافظاً عابداً مجتهداً، له أوهام.
• وأبو جَعْفَر مُحمَّد بن جعفر الصَّادق بن مُحمد البَاقر بن علي بن
الحُسَيْن، الحسينيُّ المدنيُّ، الملقب بالدِّيباجِ. روى عن أبيه، وكان قد خرج
بمگّة سنة مائتين ثم عجز وخلع نفسه، وأرسل إلى المأمون فمات بجرجان،
ونزل المأمون في لحده. وكان عاقلاً شجاعاً يصوم يوماً ويفطر يوماً.
يقال: إنه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم [واحد](٣) فمات فجأة.
(١) في الأصل: ((اليماني)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٣٤١/١).
(٣) زيادة من ((العبر)) (٣٤٢/١).
١٥

• وفيها مُصْعَب بن المِقْدَام الكوفيُّ. روى عن ابن جُرَيْج وجماعة.
وفيها النَّضر بن شُمَّيْل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم المازنيُّ - مازن
ابن مالك بن عمرو بن تيم بن مر - أبو الحسن البصريُّ نزيل مَرو وعالمها.
كان إماماً حافظاً جليل الشأن، وهو أول من أظهر السُّنَّة بمرو وجميع بلاد
خُراسان. روى عن حُمَيْدٍ وهِشَام بن عُرْوَة وطبقته(١) [والكبار](٢) وكان رأساً
في الحديث، رأساً في اللغة والنحو، ثقة، صاحب سنة.
قال ابنُ الأهدل: ضاقت معیشته بالبصرة فرحل إلی خُراسان فشيّعه من
البَصْرة نحو من ثلثمائة عالم، فقال لهم: لو وجدت كل يوم كَيْلَجَة (٣) باقلاء
ما فارقتكم، فلم يكن فيهم من تكفَّل له بذلك، وأقام بمرو، واجتمع له هناك
مال. سمع النَّضر من هِشَام بن عُرْوَة وغيره من أئمة التَّابعين. وسمع عليه ابن
مَعِيْن، وابن المديني، وغيرهم.
وروى المأمون يوماً عن هُشَيْم بسنده المتصل إلى رسول الله - الفيوم -:
(إِذَا تَزَوَّجَ المَرَأَةَ لِدِيْنِهَا وَجَمَالِهَا، فِيْهَا سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ))(٤) بفتح السين، فرده
النَّضْر وقال: هو بكسر السين، فقال له المأمون: تلحِّنني! فأقصر، فقال: إنما
لحن هُشَيْم، وكان لحَّانة، لأن السداد بالفتح: القصد في الدُّنيا والسبيل،
وبالكسر: البُلْغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سِدَاد يعني بكسر السين، ومنه
قول العَرْجي(٥):
(١) لفظة: ((وطبقته)) سقطت من المطبوع.
(٢) لفظة: ((والكبار)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٣) قال ابن منظور: [قال] ابن الأعرابي: الكيلجة: مكيال، والجمع كيالج وكيالجة أيضاً، والهاء
للعجمة. ((لسان العرب)) (كلج).
(٤) ذكر ابن خلكان قصة الحديث في ((وفيات الأعيان)) (٣٩٨/٥ - ٣٩٩) نقلا عن ((درة الغواص
في أوهام الخواص)) للحريري، فراجعه.
(٥) هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن
عبد مناف القرشيُّ الأمويُّ العثمانيُّ أبو عمر، المعروف بـ ((العرجي)) وإنما قيل له العرجي؛ =
١٦

لِيَوْمِ كَرِيْهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ (١)
أَضَاعُونِي وَأَّ فَتَىِّ أَضَاعُوا
فأمر له بجائزة جزيلة.
والعَرْجيُّ المذكور، منسوب إلى العرج منزلة بين مكّة والمدينة، شاعر
مشهور أموي. حبسه محمد بن هِشَام المخزومي أمير مكّة وخال عبد الملك
لما شبَّب بأمه، فأقام في الحبس سبع سنين ومات فيه عن ثمانين سنة وبعد
البيت المذکور:
وصَبْرٌ عِنْدَ مُعْتَرَكِ المَنَايَا وَقَدْ شُرِعَتْ أَسِنَّتُها بِنَحْرِي(٢)
انتھی .
• وفيها الوَلِيْد بن القَاسمِ الهَمْدَانيُّ (٣) الكوفي. روى عن الأعمش
وطبقته وكان ثقة.
وفيها الوَلِيْدِ بنِ مَزْيَد العُذْرِيُّ البيروتيُّ صاحب الأوزاعيِّ (٤).
لأنه كان يسكن عرج الطائف، على ما ذكره الزُّبير بن بكار، وكان شاعر غزلٍ، مطبوع، ينحو
=
نحو عمر بن أبي ربيعة. وكان مشغوفاً باللهو والصيد. وكان من الأدباء الظرفاء الأسخياء،
ومن الفرسان المعدودين. مات سنة (١٢٠) هـ. انظر خبره في ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة
ص (٣٦٥ - ٣٦٦) ط. ليدن، و((الأغاني)) لأبي الفرج الأصفهاني (٣٨٣/١ - ٤١٧)،
و((العقد الثمين)) للفاسي (٢١٩/٥ - ٢٢٢)، و((الأعلام)) للزركلي (١٠٩/٤)، وكلام
المؤلف عنه الذي سیرد بعد قليل.
(١) البيت في ((ديوانه)) ص (٣٤) طبع بغداد، و((الأغاني)) (٤١٣/١ و٤١٤)، و((الشعر
والشعراء)) ص (٣٦٥)، و((وفيات الأعيان)) (٣٩٩/٥)، و((العقد الثمين)) (٢٢٠/٥).
(٢) البيت في ((ديوانه)) ص (٣٤)، و((الأغاني)) (٤١٣/١)، و((العقد الثمين)) (٢٢٠/٥) ورواية
البيت في كتابنا موافقة لروايته في ((الأغاني))، وأما رواية البيت في ((ديوانه)) فهي:
وقد شُرِعَتْ أَسِنّتُها لنحري
وخلّوْنِي بِمُعْتَرَكِ المنايا
ورواية البيت في ((العقد الثمين)):
وقد شُرِعَتْ أَسِنَّتُها بِصَدْرِي
وخلَّوني بمعترك المنايا
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((الهمذاني)) وهو تصحيف، والتصويب من ((العبر)) للذهبي
(٣٤٢/١)، وانظر: ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٤٧٢/٣) مصورة دار المأمون للتراث.
(٤) انظر ترجمته مفصلة في ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٤٧٤/٣) مصوّرة دار المأمون للتراث.
١٧

● وفيها الإِمام الحبر أبو زكريا يحيى بن آدم الكوفيُّ المقرىءُ الحافظُ
الفقيهُ، أخذ القراءة عن أبي بكر بن عيَّاش. وسمع من يونس بن أبي
إِسْحَاق، ونَصْر بن خَلِيْفَة، وهذه الطبقة. وصنف التصانيف.
قال أبو أسامة: كان بعد الثوري في زمانه يحيى بن آدم.
وقال أبو داود: يحيى بن آدم واحد النَّاس.
وذكره ابن المديني فقال: رحمه الله، أيُّ علم كان عنده ! .
وقال ابنُ ناصر الدِّين: يحيى بن آدم بن سُليمان القرشيُّ مولاهم
الكوفيُّ الأحولُ، أبو زكريا. روى عنه أحمد، وإسحاق، وغيرهما. وكان إماماً
علَّمة من المصنِّفين، حافظاً ثقةً فقيهاً من المتقنين. انتهى.
١٨

سنة أربع ومائتين
فيها أعاد المأمونُ لبس السواد.
وفيها في سلخ رجب توفي فقيه العصر والإِمام الكبير والجليل
الخطير، أبو عبد الله محمد بن إدريس الشَّافعيُّ المطلبيُّ بمصر، وله أربع
وخمسون سنة. أخذ عن(١) مالك، ومسلم بن خالد الزَّنجي، وطبقتهما. وكان
مولده بغزّة. ونقل إلى مگّة وله سنتان.
قال المزنيُّ: ما رأيت أحسن وجهاً من الشَّافعيِّ، إذا قبض على لحيته
لا تفضل عن قبضته.
وقال الزَّعْفَرَانيُّ: كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. وكان حاذقاً
بالرَّمي يصيبُ تسعةً من العشرة.
وقال الشَّافعيُّ: استعملت اللُّان سنة للحفظ(٢) فأعقبني صبَّ الدُّمِ
سنة.
قال يونس بن عبد الأعلى: لو جمعت أمة لوسعهم [عقلُه](٣).
(١) في الأصل: ((أخذ من)) وأثبت ما في المطبوع.
(٢) في المطبوع: ((الحفظ))، واللَّبَان: نبات، وانظر الخبر والتعليق عليه في ((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (١٥/١٠) تحقيق الأستاذ الفاضل محمد نعيم العرقسوسي، بإشراف الأستاذ الشيخ
شعيب الأرناؤوط، وفي ((العبر)) (٣٤٤/١).
(٣) زيادة من ((سير أعلام النبلاء)).
١٩

وقال إِسْحَاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال: تعال حتّى
أُرِيْكَ [رجلاً](١) لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشَّافعيِّ.
وقال أبو ثور الفقيه: ما رأيت مثل الشَّافعيِّ، ولا رأى مثل نفسه.
وقال الشَّافعيُّ : سُمِّيت ببغداد ناصر الحديث.
وقال أبو داود: ما أعلم للشافعيِّ حديثاً خطأً.
وقال الشَّافعيُّ: ما شيءٌ أبغض إليَّ من الكلام وأهله(٢). قاله في
((العبر))(٣).
وقال السيوطيُّ في ((حسن المحاضرة)) (٤): الإِمام الشافعيُّ أبو عبد الله
مُحمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عُبيد(٥) بن
عبد يزيد بن هاشم بن المطلب(٦) بن عبد مناف، جدّ رسول الله - دَ﴾ . -
والسائب جده صحابي أسلم يوم بدر؛ وكذا ابنه شافع، لقي النّبِيِّ - وَلّـ وهو
مترعرع .
ولد الشافعيُّ سنة خمسين ومائة بغزَّة، أو بعسقلان، أو الیمن، أو مِنِىٌ،
أقوال، ونشأ بمكة، وحفظ القرآن وهو ابن سَبْع سنين، و((الموطأ)) وهو ابن عشر،
وتفقه على مسلم بن خالد الزَّنجي مفتي مكّة وأذِن له في الإِفتاء وعمرُه خمس
عشرة سنة، ثم لازم مالكاً بالمدينة، وقدم بغداد سنة خمس وتسعين فاجتمع
عليه علماؤها وأخذوا عنه، وأقام بها حولين، وصنّف بها كتابه القديم، ثم عاد
(١) سقطت لفظة: ((رجلًا)) من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٢) في ((العبر)): ((ما شيء أبغض إليَّ من الرأي وأهله)).
(٣) (٣٤٤/١).
(٤) (٣٠٣/١ - ٣٠٤).
(٥) في ((حسن المحاضرة)): ((ابن عبيدالله)) وهو خطأ. وانظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي
(١/ ٤٤).
(٦) في ((حسن المحاضرة)): ((ابن عبد المطلب)) وهو خطأ.
٢٠