Indexed OCR Text

Pages 421-440

مرو(١) -. ارتحل وكتب الكثير، وحدَّث عن هِشَام بن عُروة وطبقته.
قال أبُو نُعيم الكوفيُّ : هو أثْبَتُ من ابن المُبَارك.
وقال وَكِيْعِ: أعرفهُ ثقةً صاحب سُنَّةٍ.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: كان ثقةً، متقناً، من كبار أهل مَرْو، صاحب
سُنَّةٍ(٢).
وفيها محمد بن سَلَمَةِ الحَرَّانِيُّ الفقيه. مُحدِّث حرَّان(٣) ومفتيها. روى
عن هِشَام بن حَسَّان وطبقته.
قال ابنُ سعد: كان ثقة فاضلاً له رواية وفتوى (٤).
ومخلد(٥) بن الحُسين الأزديُّ المُهَلَّبِيُّ البَصْرِيُّ، نزيل المصِّيْصَة.
وكان من عُقلاءِ زمانه وصلحائهم.
ومَعْمَر بن سُلَيْمَان الرِّقِّيُّ. روى عن إسماعيل بن أبي خالد وطبقته.
وكان من أَجِلّء المُحدِّثين. ذكره الإمام أحمد فذكر من فضله وهيبته.
وقال أبو عُبَيْد: كان من خير مَن رأيتُ.
(١) انظر خبرها في ((معجم البلدان)) (٣٠٠/٣).
(٢) انظر ترجمته في ((الأنساب)) سمعاني (٢٣٠/٧).
(٣) يعني حرَّان جزيرة أقور التي بين سورية والعراق وتركيا.
(٤) قاله الذهبي في ((العبر)) (٣٠٨/١).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((مجالد)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٣٠٨/١) وانظر
((تهذيب التهذيب)) (٧٢/١٠).
٤٢١

سنة اثنتين وتسعين ومائة
فيها أول ظهور الخُرَّمِيَّة (١) ثاروا بجبال أَذْرَ بِيْجَان(٢)، فغزاهم حَازم بن
خُزَيْمَةٍ، أو عَبْد اللَّه بن مالك، فسبى ذراريهم وبيعوا بَبَغْدَاد (٣).
وفيها هُدم حائط جامع المَنْصور وأُعيد بناؤه، وزِيدَ في توسعته.
وفيها توفي الإِمام الكبيرُ أَبُو محمد عبد الله بن إدريس الأوديُّ(٤)
الكوفيُّ الحافظُ العابدُ. روى عن حُصَيْن بن عَبْدِ الرَّحمن وطبقته. وقد روى
عن مالك مع قدمه وجلالته.
(١) في الأصل: ((الحرامية))، وفي المطبوع: ((الخرامية)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((العبر))
للذهبي (٣٠٨/١) و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٠٧/١٠).
قال السمعاني في ((الأنساب)) (٩٦/٥): هذه النسبة إلى طائفة من الباطنية يقال لهم
الخرَّمدينية، يعني يدينون بما يريدون ويشتهون، وإنما لقبوا بذلك لإِباحتهم المحرمات من
الخمر وسائر اللذات، ونكاح ذوات المحارم، وفعل ما يتلذذون به، فلما شابهوا في هذه
الإباحة المزدكية من المجوس الذين خرجوا في أيام قباذ وأباحوا النساء كلهنّ وأباحوا سائر
المحرمات إلى أن قتلهم أنو شروان بن قباذ، قيل لهم بهذه المشابهة: خرمدینیة، كما قيل
للمزدكية: خرمدينية .
(٢) في الأصل: ((باروا بجبال أذربيجان))، وفي المطبوع: ((بأروا بجبال أذربيجان)) وكلاهما خطأ،
والتصحيح من ((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٣٦/١).
(٣) راجع نص الخبر في ((تاريخ الطبري)) (٣٣٩/٨)، و((العبر)) و((دول الإسلام)) للذهبي
و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٠٧/١٠).
(٤) في ((العبر)) للذهبي (٣٠٨/١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٣٦/١): ((الأزديُّ)) وهو خطأ
فیصحح فيهما.
٤٢٢

قال أحمد بن حنبل: كان عبد الله بن إدريس نسيج وحده.
وقال ابنُ عَرَفَة: ما رأيتُ بالكوفة أفضل منه.
وقال أبو حاتم: هو إمامٌ من أئمة المسلمين، حجّة.
وقال غيره: لم يكن بالكوفة أعبدَ للَّه(١) منه. عاش اثنتين وسبعين سنة.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: نسيج وحده علماً، وعملًا، وعبادةً، وورعاً،
وکان إذا لحن أحدٌ في كلامه لم يحدّثه. انتهى.
وفيها عليُّ بن ظَبْيَان العَبْسيُّ الكوفيُّ القاضي، أبو الحَسَن. ولي قضاءً
الجانب الشرقيِّ ببغداد، ثم ولي قضاء القضاة. وروى عن أبي حَنِيفة،
وإسماعيل بن أبي خالد. وكان محمود الأحكام، ديِّناً، متواضعاً، ضعيف
الحدیث.
وفيها الفضل بن يحيى (٢) بن خالد البرمكيُّ أخو جعفر البرمكي. مات
في السجن، وقد ولي أعمالاً جليلةً، وكان أندى كفّاً من جَعْفَر مع كِبْرٍ،
وَتِيهٍ(٣)، له أخبار في السخاء المفرط، حتَّى إنه وصل مرةً بعض أشراف
العرب بخمسين ألف دينار. قاله في ((العبر)) (٤).
وقال ابنُ الأهدل: قال محمد بن يزيد الدمشقيُّ: ولد للفضل ولدٌ،
فقام الشعراء يوم سابعه يهنئونه، فنثر عليهم الدنانير مُطَيَِّةً بالمسك، وأخذوا
وأخذتُ معهم، ولما خرجوا وخرجت، استدعاني فقال: أحبّ أن تُسمعني
(١) لفظ الجلالة لم يرد في ((العبر)) للذهبي.
(٢) في المطبوع: ((الفضل بني يحيى)) وهو خطأ.
(٣) في الأصل: ((مع كبروته)) وما أثبته من المطبوع و((العبر)) للذهبي.
(٤) (٣٠٩/١).
٤٢٣

في المولود(١)، شيئاً، فاستعفيته، فقال: لا بدّ ولو بيتاً واحداً، فقلت:
وَلا سيّما إنْ كان من وَلَدِ الفَضْلِ
وَنَفْرَحُ بِالمَوْلودِ مِنْ آلِ برمكٍ
بَذْلِ النَّدى والجُودِ وَالمَجْد والفضلِ (٣)
ويُعرفُ فِيْهِ اليُمِنُ(٢) عِنْد ولادِهِ
فأمر لي بعشرة آلاف درهم، فلما نُكبوا اتصل بي الولد المولود في
أسوأ حال، فقلت له: كلُّ ما ترى من المال من أجلك فخذه، فلا وارث لي،
وأنا أعيش في فضلك حتَّى أموت، فبكى وأبى، فعزمت عليه في البعض،
فأبی وکان آخر عهدي به.
وكان الفضل كثير البرّ بأبيه حتَّى في السِّجن، وكان في السجن ينشد
قول أبي العَتَاهية:
فَفي يدهِ كَشْفُ المَضَرَّة والبَلوىْ
إلى اللَّه فيما نَالَنا نَرْفَعُ الشِّكْوى
فَلَسْنَا مِنْ الأَمْواتِ فِيْهَا وَلا الأَحْيَا
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنيا وَنَحْنُ مِنْ اهْلها
عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنيا(٤)
إِذَا جَاءَنا السجَّانُ يَوماً لحَاجَةٍ
ولما بلغ الرَّشيد خبر موته قال: أمري قريبٌ من أمره، فكان كذلك.
انتهى ما قاله ابنُ الأهدل.
وقال ابنُ خَلِّكان(٥): كان الفَضلُ بن يحيى بن خالد بن بَرمك البرمكي
من أكثرهم كرماً، مع كرم البرامكة وسَعة جودهم، وكان أكرم من أخيه
(١) في الأصل: ((في المولد)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع.
(٢) في ((مرآة الجنان)): ((ويعرف فيه الخير)).
(٣) حصل تقديم وتأخير وبعض التصحيف في البيتين في الأصل والمطبوع، وأثبت ما جاء في
((مرآة الجنان)) اليافعي (١ /٤٤٠ و٤٤١) وهو مصدر ابن الأهدل الذي نقل عنه المؤلف رحمه
اللَّه.
(٤) الأبيات في ((مرآة الجنان)) (١ /٤٤٧) وتخريجها فيه فراجعه، وفي البيت الثاني عنده بعض
الخلاف.
(٥) في ((وفيات الأعيان)) (٢٧/٤ - ٢٩).
٤٢٤

جعفر، [وكان جعفر](١) أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هَارُون الرَّشید
قد ولّه الوزارة قبل جَعْفَر، وأراد أن ينقلها إلى جَعْفر، فقال لأبيهما يحيى:
يا أبتِ - وكان يدعوه: يا أبت - إني أريد أن أجعل الخاتم الذي لأخي الفضل
لجَعْفَر وكان يدعو الفضل: يا أخي، فإنهما متقاربان في المولد، وكانت أُمّ
الفَضْل قد أرضعت الرّشيد، واسمها زبيدة من مؤَلَّدات المدينة، والخَيْزُران أُمُ
الرَّشيد أرضعت الفضل، فكانا أخوين من الرَّضاع، وفي ذلك قال مَرْوانُ بن
أبي حَفْصَة يمدح الفضل:
غَذَتْكَ بَثَدْيٍ وَالخَلِيْفَةِ وَاحِدٍ
كَفىْ لَكَ فَضْلاً أنَّ أَفْضَلِ حُرَّةٍ
لَقَدْ زِنْتَ يحيى في المشاهدِ كُلُّها كَمَا زانَ يحيىْ خَالداً في المشَاهِدِ(٢)
وقالِ الرَّشيد ليحيى: قد احتشمت من الكِتَاب إليه في ذلك فاكفنيه،
فكتب والده إليه: قد أمر أمير المؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى
شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت ما قاله (٣) أمير المؤمنين في أخي
وأطعتُ، وما انتقلت عني نعمةٌ صارت إليه، ولا غربت عني رتبةٌ طلعت
عَليه، فقال جعفر: للَّه أخي ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه،
وأقوى منّة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذَرْعَه.
وكان الرَّشيد قد جعل محمداً في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون
في حَجْر جعفر، فاختصّ كل واحدٍ منهما بمَن في حجره، ثم إن الرشيد قلّد
الفضل عمل (٤) خُراسان، فتوجّه إليها وأقام بها مدة، فوصل كتاب صاحب
البريد بخُراسان إلى الرَّشيد ويحيى جالس بين يديه، ومضمون الكتاب أن
(١) ما بين حاصرتين سقط من الأصل، وأثبته من المطبوع، و«وفيات الأعيان)).
(٢) البيتان في ((وفيات الأعيان)) (٢٧/٤).
(٣) في ((وفيات الأعيان)): ((مقالة)).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((بعمل)).
٤٢٥

الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان اللَّذات عن النظر في أمر الرعيّة،
فلما قرأه الرَّشيد رمی به إلى يحيى، وقال له: اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه
بما يَرْدَعُه عن هذا، فكتب يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك
اللَّه يا بني وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل
بالصيد ومداومة اللَّذات عن النظر في أمر(١) الرعية ما أنكره، فعاوِدْ ما هو
أزين بك، فإنه مَن عاد إلى ما يَزينه وترك ما يشينه لم يعرفه أهل بلده إلاّ
به(٢) والسَّلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:
واصبرْ عَلَى فَقْدٍ لِقَاءِ الحَبْبْ
انصَبْ نهاراً في طِلاب العُلا
واسْتَتَرَتْ فيه عيون الرقيبْ
حتَّى إذا اللَّيلُ أتى مقبلاً
فَإِنما اللَّيلِ نَهَارُ الأريبْ
فَكَّابِدِ اللَّيلَ بَمَا تَشْتَهي
يَسْتَقْبِلُ الليلَ بأمرٍ عَجِيْبْ
كَم مِنْ فتیٌ تَحْسِبْهُ نَاسِکاً
فباتَ في لهوٍ وعَيْشٍ خصيبْ
غَطَّى عَلَيْهِ اللَّيلُ أستارهُ
يَسعى بها كُلُّ عدُوَّ رَقِيْبْ(٣)
وَلَذَّةُ الأحمقِ مَكشوفةٌ
والرَّشيد ينظر إلى ما يكتب، فلما فرغ قال: قد (٤) أبلغت يا أبت، ولما
ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد [نهاراً](٥) إلى أن انصرف من
عمله .
ومن مناقبه أنه لما ولي(٦) خُراسان، دخل إلى بلخ وهي(٧) وطنهم،
(١) في ((وفيات الأعيان)): ((أمور)).
(٢) في ((وفيات الأعيان)): ((إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به)).
(٣) الأبيات في ((وفيات الأعيان)) (٢٨/٤).
(٤) لفظة ((قد)) لم ترد في ((وفيات الأعيان)).
(٥) زيادة من ((وفيات الأعيان)).
(٦) في ((وفيات الأعيان)): ((لما تولى)).
(٧) في ((وفيات الأعيان)): ((وهو).
٤٢٦

وبها النوبهار، وهو بيت النَّار التي كانت المجوس تعبدها، وكان جَدُّهم برمك
خادم ذلك البيت، فأراد الفضل هدم ذلك البيت، فلم يقدر لإحكام بنائه،
فهدم منه ناحية وبنى فيها مسجداً. انتهى ملخصاً.
وفيها مفتي الأندلس وخطيب قُرطبة، صَعْصَعَةُ بن سَلَّم الدمشقيُّ. أخذ
عن الأوزاعيِّ، ومالك، والكبار. وأخذ عنه عَبدُ الملك بن حَبيب وجماعة .
٤٢٧

سنة ثلاث وتسعين ومائة
فيها سار الرَّشيد إلى خُراسان ليمهِّدَ قواعدها، وكان قد بعث في العام
الماضي هَرْثَمَة بن أَعْين فقبض له على الأمير عليّ بن عِيْسى بن مَاهَان بحيلةٍ
وخديعةٍ، واستصفى أمواله وخزائنه، فبعث بها، فوافت الرَّشيد وهو بجرجان،
على ألفٍ وخمسمائة جمل(١) ثم سار إلى طُوس في صَفَر وهو عليلٌ، وكان
رافعُ بن اللَّيث قد استولى على ما وراء النهر وعصى، فالتقى جيشُه وعليهم
أخوه وهرثمة(٢) فهزمهم وقتل أخو رافع، ومَلَكَ هَرْئمةُ بُخارى.
وفي ذي القعدة، توفي الإِمامُ العَلم أبو بِشْر إسماعيل بن عُلَيَّة
الأسديُّ، مولاهم، البصريُّ، واسم أبيه إبراهيم بن مِقْسَم، وعُليَّةُ أَمُّه. سمع
أيوب وطبقته.
قال يَزِيدُ بن هارون(٣): دخلتُ البصرة وما بها أحدٌ يفضل في الحديث
على ابن عُلَيَّة.
وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة.
(١) تصحفت في الأصل، والمطبوع إلى ((حمل)) والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٣١٠/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وعليهم أخوَهم وهرْئمة))، وأثبت لفظ ((العبر)) للذهبي وهو مصدر
المؤلف في نقله.
(٣) تحرّف في ((العبر)) للذهبي (٣١٠/١) إلى ((فهد بن هارون)).
٤٢٨

وقال ابنُ مَعِيْن: كان ثقةً، ورعاً، تقياً.
وقال شعبة: ابنُ عُليَّةٍ سيّدُ المُحدِّثين.
وقال ابنُ ناصر الدِّين: كان ثَّبْتاً، متقناً، لم يحفظ عنه خطأ فيما يرويه،
وشهرته بأمه عُليّة دون أبيه. انتهى .
وبعده بأيام توفي محمد بن جَعْفَر غُنْدَر الحافظُ، أبو عبد الله،
البصريُّ، صاحب شُعبة. وقد روى عن حسين المعلّم وطائفة. وقال: لزمت
شعبة عشرين سنة .
قال ابنُ مَعِين: كان من أصحّ النَّاس كتاباً.
وقال غيره: مكث غُنْدَر خمسين سنة يصوم يوماً ويُفطر يوماً.
وقال ابنُ نَاصر الدِّين: روى عنه أحمد، وابن المديني، وغيرهما. كان
أصحّ النَّاس كتاباً في زمانه، وكان فيه بعض تغفل مع إتقانه. انتهى.
وفيها مَخْلَد بن يَزِيْد (١) الحَرَّانِيُّ مُحدِّثٌ رَحَّال. روى عن يحيى بن
سعيد الأنصاري وطبقته.
وفيها في ذي الحجة أُبُو عَبْدِ اللَّه مَرْوَان بن مُعَاوِيَة الفزاريُّ الكوفيُّ
الحافظُ نزيلُ دمَشْق، وابن عَمِّ أبي إِسْحَاق [الفزاريِّ](٢). روى عن حُميد
الطّويل وطبقته.
قال أحمد: ثَبْتُ حافظ.
وقال ابنُ المديني: ثقةٌ فيما روى عن المعروفين.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((مجالد بن يزيد)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي
(٣١١/١)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٧٧/١٠).
(٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٣١١/١).
٤٢٩

وقال ابنُ ناصر الدِّين: كان ثقةً حجةٌ.
وقال في ((المغني))(١): ثقةً حجة. لكنه يكتب عمّن دبَّ ودرج، فينظر
في شیوخه.
وفيها الإِمام أبو بكر بن عَيَّش الأسديُّ مولاهم، الكوفيُّ الحنّاط(٢)
شيخ الكوفة في القراءَة [والحديث](٣) وله بضعٌ وتسعون سنة. كان أجَلَّ
أصحاب عاصم. قطع الإِقراءَ [مِنْ] (٤) قَبْلِ مَوتِهِ بتسع عشرة سنة.
وقال ابنُ المُبَارك: ما رأيت أحداً أَسرع إلى السُّنَّةِ من أبي بكر بن
عَيَّاش.
وقال غيره: كان لا يَفْتُر من التِلَاوَةِ، قرأ اثنتي عشرة(٥) ألف ختمة. وقيل
أربعين ألف ختمة (٦).
وفيها العَبَّاس بن الأحنف أحدُ الشعراء المُجيدين، ولا سيما في
الغزل، ومن شعره:
إذا هي لَمْ تَأْتِيْكَ إِلَّ بِشَافِعٍ فَلَ خَيْرِ فِي وُدِّ يَكُوْنُ بِشَافِعٍ
(١) «المغني في الضعفاء)) للذهبي (٦٥٢/٢).
(٢) تحرّفت في ((العبر)) للذهبي إلى ((الخياط)) فتصحح فيه.
قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)» (٤٣٦/٨): وفي اسمه أقوال: أشهرها شُعبة، فإن
أبا هاشم الرفاعي، وحسين بن عبد الأول سألاه عن اسمه، فقال: شعبة. وسأله يحيى بن
آدم وغيره عن اسمه، فقال: اسمي كُنيتي. وأما النسائيُّ فقال: اسمه محمد. وقيل: اسمه
مطرف. وقيل: رؤبة. وقيل: عتيق. وقيل: سالم، وقيل: أحمد، وعنترة، وقاسم، وحسین،
وعطاء، وحمَّاد، وعبد الله.
(٣) زيادة من ((العبر)) للذهبي، وهو مصدر المؤلف في نقله.
(٤) زيادة من ((العبر)) للذهبي.
(٥) في الأصل: ((اثنتي عشر)).
(٦) في ((العبر)) للذهبي: ((وقيل: أربعة وعشرين ألف ختمة)).
٤٣٠

وَلكنْ لِعِلمِي أَنَّهُ غَيْرُ نَافعِ
فَأَقْسِمُ مَا تركي عِتَابَكَ عن قِلِىٌ
فَلا بُدّ مِنْه مُكرهاً غير طائِعٍ (١)
وإني وإنْ لم أُلزم الصَّبْرِ طَائِعَاً
وفي ثالث جمادى الآخرة توفي هَارُون الرّشيد أبو جَعْفَر بن المهدي
محمد بن المَنْصُور بن عبد اللَّه العبّاسي بطوس. روى عن أبيه، وجدّه،
ومبارك بن فضالة، وحجَّ مَرَّات في خلافته، وغزا عدة غزوات، حتَّى قيل
فيه :
فبالحَرَمَيْنِ أو أَقْصَىْ الثُّغُورِ(٣)
فَمِنْ يَطْلب لقَاءَكَ أَو يُرِدْهُ
وكان شهماً، شجاعاً، حازماً، جواداً، ممدَّحاً، فيه دينٌ وسنّة مع
انهماكه على اللَّذات، والقِيّان، وكان أبيض، طويلاً، سميناً، مليحاً، قد
وخَطَهُ الشَّيْبُ. وورد أنه كان يُصلّي في اليوم مائة ركعة إلى أن مات.
ويتصدّق كل يوم من بيت ماله بألف درهم. وكان يخضع للكبار ويتأدب
معهم .
وعظه الفُضَيْلُ، وابن السَمَّاك، وغيرهما. وله مشاركة في الفقه،
والعلم، والأدب. قاله في ((العبر))(٢).
وقال ابنُ الفُرات: كان الرَّشيد يتواضع لأهل العلم والدِّين، ويكثر من
محاضرة العلماء والصالحين.
قال عليّ بن المَديني: سمعت أبا مُعَاوِيَة الضَّرِيْر يقول: أكلت مع
الرَّشيد طعاماً يوماً من الأيام، فَصَبَّ على يديَّ رجلٌ لا أعرفه، فقال هارون:
يا أبا مُعَاوِيَة! تدري مَن يصبُّ على يديك؟ قلت: لا. قال: أنا. قلت: أنت
أمير المؤمنين! قال: نعم إجلالاً للعلم.
(١) لم أجد الأبيات في ((ديوانه)) طبع دار صادر، وهي في ((مرآة الجنان)) (١ /٤٤٧) مع بعض الخلاف.
(٢) (٣١٢/١).
٤٣١

ودخل عليه مَنْصُور بن عَمَّار، فأدناه، وقَرَّبه. فقال له منصور:
لَتواضُعك في شرفك أحبُّ إلينا من شرفك. فقال له: يا أبا السَّرِيِّ عظني
وأوجز، فقال: مَن عفَّ في جماله، وواسى(١) من ماله، وعدل في سلطانه،
كتبه الله من الأبرار. وكان طيّب النفس فَكِهاً، يحبّ المَزْحَ(٢) ويميل إلى
أهل العفّة، ويكره المِراء في الدِّين.
قال عليُّ بن صالح: كان مع الرَّشيد ابن أبي مريم المديني، وكان
مضحاكاً، مِحداثً، فكِهاً، وكان الرَّشيدُ لا يصبر عن محادثته، وكان قد جمع
إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحِجَازِ، ولطائف المجان، فبلغ من خصوصيته
به أنه أنزله منزلاً في قصره، وخلطه ببطانته وغلمانه، فجاء ذات ليلة وهو نائم
وقد طلع الفجر، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحتَ؟
فقال: يا هذا ما أصبحتُ بعدُ، مُرْ إلى عملك. قال: ويلك قم إلى الصَّلاة،
فقال: هذا وقت صلاة أبي الجَارُود(٣) وأنا من أصحاب أبي يُوسف القاضي،
فمضى وتركه نائماً، وقام الرَّشيد إلى الصَّلاة، وأخذ يقرأ في صلاة الصبح
﴿ وَمَا لَيَ لَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِ﴾ [يَس: ٢٢] وأرتج عليه(٤) فقال له ابن أبي
مَرْيم: لا أدري واللَّهِ لِمَ لا تعبده. فما تمالك الرَّشِيد أن ضحك في صلاته،
ثم التفت إليه كالمغضب. وقال: يا هذا ما صنعت؟ قطعت عليَّ الصَّلاة.
(١) في الأصل: ((وأوسي)) وهو خطأ، وأثبت ما جاء في المطبوع.
(٢) في المطبوع: ((المزاح)).
(٣) هو زياد بن المنذر الهمذاني، أبو الجارود، رأس ((الجارودية)) من الزيدية. من أهل الكوفة.
كان من غُلاة الشيعة. افترق أصحابه فرقاً، وفيهم مَن كفَّر الصحابة بتركهم بيعة عليٍّ رضي
اللَّه عنه بعد وفاة النبيِّ ◌ِ ﴿. له كتب، منها ((التفسير)) رواية عن أبي جعفر الباقر. وكان يزعم
أن النبي ◌َّهُ نصَّ على إمامة عليٍّ بالوصف لا بالتسمية. مات سنة (١٥٠) هـ. انظر
((الأعلام)) للزركلي (٥٥/٣).
(٤) أي لم يقدر على القراءة، كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب. انظر ((مختار الصحاح)) ص
(٢٣٢) (رتج)). (ع).
٤٣٢

قال: والله ما فعلت، إنما سمعت منك كلاماً غمّني حين سمعته، فضحك
الرَّشيد. وقال: إيّاك والقرآن والدِّين، ولك ما شئت بعدهما.
وكان للرَّشيد فطنة وذكاء.
قال الأصمعيُّ: تأخرت عن الرَّشيد ثم جئته، فقال: كيف كنت
يا أصمعي؟ قلت: بتّ واللَّه بليلة النابغة، فقال: أنا والله هو:
فبتُّ كَأَنّي سَاورتني ضَئِيْلَةٍ مِنَ الرَّْشِ فِي أنيابها السُّمُّ نَاقِعُ
فعَجِبْتُ من ذكائه وفطنته لمّا قصدته.
ودخل الأصمعيُّ على الرَّشيد ومعه بنّة له، فقال له الرّشيد: قَبِّلها،
فسكت الأصمعيُّ، فقال: قَبِّل ويلك، فقال الأصمعيُّ في نفسه: إن فعلت
قتلني، ثم قام فوضع كمّه على رأسها، ثم قَبَّل. فقال: والله لو أخطأت هذا
لضربت عنقك.
وكان الرَّشيد - رحمه الله - يحبّ الحديث وأهله، وسمع الحديث من
مالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد الزُّهري، وأكثرُ حديثه عن آبائه. وروى
عنه القاضي أبُو يُوسف، والإِمام الشَّافعي رضي اللَّه عنهما. ذكر ذلك ابن
الجوزي .
ومما رواه الرَّشيدُ عن النَّبِيِّ - وَّـ ((عقّوا عن أولادكم فإنها نجاةٌ لهم من
كلِّ آفةٍ))(١).
وكان كثير البكاء من خشية الله تعالى، سريع الدمعة عند الذكر، محبّاً
للمواعظ .
(١) لم أره بهذا اللفظ، والمحفوظ ما رواه البيهقي في (السنن الكبرى)) (٣٠١/٩ -٣٠٢): ((عقوا
عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٤٣٣

قال يحيى بن أيوب العابد: سمعت مَنْصور بن عَمَّار يقول: ما رأيت
أغزر دمعاً عند الذِّكر من ثلاثة: فُضَيْل بن عِيَاض، وأبي عَبْد الرَّحمن الزَّاهد،
وهارون الرشيد.
ودخل الإِمام الشَّافعيُّ - رضي اللَّه عنه - على الرَّشيد فقال له: عِظْني،
فقال: على شرط رفع الحشمة، وترك الهيبة، وقبول النصيحة. قال: نعم.
قال: اعلم أن مَن أطال عِنَان الأمل في الغِرَّة طوى عِنَان الحذر في المُهلة.
ومَن لم يُعوِّل على طريق النجاة خسر يوم القيامة إذا امتدت إليه(١) يد
الندامة. فبکی هَارُون ووصله بمالٍ جزيل.
ودخل ابن السَّمَّاك على الرَّشيدِ، فاستسقى الرَّشيدُ ماءً، فقال له ابن
السَّمَّاك: باللَّه يا أمير المؤمنين لو مُنعت هذه الشربة بكّم تشتريها؟ قال:
بملكي. قال: لو منعت خروجها بكّمْ كنتَ تشتريه؟ قال: بملكي. فقال: إن
مُلكاً قيمته شربة ماءٍ لجديرٌ أن لا يُنافس فيه.
وکان للرّشيد شعر حسن منه:
وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانٍ
مَلَكَ الثَّلاَثُ الغَانِيَاتُ عِنَاني
وَأَطِيْعِهِنَّ وَهُنَّ فِي عِصْياني
مَا لي تُطَاوعُني البريّةُ كُلُّها
وبهٍ قَوِيْنَ أُعزِّ مِنْ سُلطاني
مَا ذَاكَ إلاّ أن سُلطانَ الهَوى
وكان نقش خاتم الرَّشيد، العَظَمةُ والقُدرةُ للَّه. انتهى ما قاله ابنُ
الفُرات ملخصاً.
وقال ابنُ قُتَيِّبَة في ((المعارف))(٢): وأَفضت الخلافة إلى هَارُون الرَّشيد
سنة سبعين ومائة. وبويع له في اليوم الذي تُوفي فيه مُوسى بَبَغْدَاد. وولد له
(١) لفظة ((إليه)) سقطت من المطبوع.
(٢) ص (٣٨١ - ٣٨٣) بتحقيق الدكتور ثروة عكاشة، طبع دار المعارف بمصر، والمؤلف ينقل
عنه بتصرف.
٤٣٤

ابنه عَبْدُ اللَّه المأمون ليلة أفضت الخلافة إليه في صبيحتها. وأمه الخَيْزُرَان
وكانت تنزل الخُلد بَبَغْدَاد في الجانب الغربيِّ .
وكان يحيى بن خالد وزيره، وابناه الفضل، وجَعْفَر، ينزلون في رحبة
الخُلد، ثم ابتنى جعفر قصره بالدُّور، ولم ينزله حتَّى قتل. وحجَّ هَارُون
بالنَّاس ستَّ حِجج، آخرها سنة ستٍ وثمانين ومائة.
وحجّ معه في هذه السنة ابناه ووليًا عهده: محمد الأمين، وعبد الله
المأمون. وكتب لكل واحد منهما على صاحبه كتاباً، وعلَّقه في الكعبة.
فلما انصرف، نزل الأنبار.
ثم حجّ بالناس سنة ثمانٍ وثمانين [ومائة](١).
وقتل جعفرُ بن يحيى بالعُمُر (٢) موضع بقرب الأنبار سنة تسع وثمانين
ومائة(٣) آخر يوم من المحرم، وبعث بجثته إلى بغداد.
ولم يزل يحيى بن خالد، وابنه الفَضْل محبوسين حتَّى ماتا بالرَّقَّة .
وخرج الوَليدُ بن طَرِيْف الشَّاري في خلافته، وهَزَم غَير مرة عسكره(٤)،
فوجّه إليه يَزِيْد بن مَزْيد، فظفر به فقتله.
وخرج بعده خُرَاشَةِ (٥) الشَّاري أيضاً.
وقَتل هَارُون أنس بن أبي شيخ، وهو ابنُ أخي خَالد الحَذَّاءِ(٦)
(١) زيادة من ((المعارف)).
(٢) في الأصل: ((بالقم)) وهو خطأ، وأثبت ما جاء في المطبوع وهو موافق لما في ((المعارف)).
(٣) كذا في الأصل، والمطبوع: ((سنة تسع وثمانين ومائة))، وفي ((المعارف)) ط.د. ثروة عكاشة
ص (٣٨٢)، وط. الصاوي ص (١٦٧): ((سنة سبع وثمانين ومائة)).
(٤) في ((المعارف)) بطبعتيه: ((وهزم غير مرة عسكر)).
(٥) في الأصل، والمطبوع، و((المعارف)) ط. الصاوي: ((حراشة)) وهو تصحيف، والتصحيح من
(((المعارف)) ط. د. عكاشة.
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((وهو ابن أبي خالد الحذاء)) وما أثبته من ((المعارف)) بطبعتيه.
٤٣٥

المُحدِّث. وكان أنس صديقاً لجعفر بن يحيى، وصلبه بالرَّقَّة، وكان يُرمی
بالزندقة. وكذلك البرامكة [كانوا](١) يرمون بالزَّندقة، إلّ مَن عصم الله
منهم، ولذلك قال الأصمعيُّ فيهم:
أَضَاءَتْ قُلُوبُ (٢) بَنِي بَرمكِ
إِذَا ذُكر الشِّركُ في مَجلسٍ
أَتَوْا بالأحاديثِ عَنْ مَزدكِ
وَإِنْ تُلِيَتْ عِنْدَهم آيةٌ
وغزا هَارُون سنة تسعين ومائة الرُّوم، فافتتح هِرَقْلة، وظفر ببنت
بطريْقها، فاستخلصها لنفسه، فلما انصرف ظهر رَافع بن لَيْث بن نَصر بن
سَيَّارِ بِطَخَارستان مُبايناً لعلي بن عِيْسى، فوجَّه إليه هَرْئمةً لمحاربته
وإشخاص علي بن عِيْسى إليه، فلما قَدِمَ عليه أمر بحبسه واستصفى (٣)
أمواله، وأموال ولده.
وتوجّه هَارُون سنة اثنتين وتسعين ومائة ومعه المأمون نحو خُراسان حتَّى
قَدِمَ طُوس فمرض بها ومات، وقبره (٤) هناك.
وكانت وفاته ليلة السبت، لثلاث خَلَوْنَ من جمادى الآخرة، سنة ثلاث
وتسعين ومائة، وقد بلغ من السن سبعاً وأربعين سنة. وكانت ولايته ثلاثاً
وعشرين سنة، وشهرين، وسبعة عشر يوماً. ومن ولد هَارُون: محمد، أمه
زُبَيْدة بنت جَعْفَر بن أبي جعفر، والمأمون، واسمه عَبْد اللَّه، وأمه تُسمى
مَراجل. والمؤتمن واسمه القاسم، وصَالح، وأبو عِيْسى، وأبو إِسْحَاق
المعتصم [وأبُو يَعْقوب](٥) ، وحَمْدُونة، وغيرهم. انتهى ما قاله ابنُ قتيبة.
(١) زيادة من ((المعارف)) لابن قتيبة ط. د.عكاشة.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((أثارت قلوب)) وأثبت ما في ((المعارف)).
(٣) في ((المعارف)): ((واستصفاء)).
(٤) في ((المعارف)): ((فقبره)).
(٥) زيادة من ((المعارف)) لابن قتيبة.
٤٣٦

وقال ابنُ الأَهْدَل: وفي إمرة الرَّشيد وأخيه الهَادي قام يحيى بن
عبد الله بن الحَسن المُثَنَّى وبثّ دعاته في الأرض، وبايعه كثيرون من أهل
الحرمين، واليمن، ومِصْرَ، والعراقين. وبايعه من العلماء محمد بن إدريس
الشَّافعي، وعَبْد ربِّه بن عَلْقَمة، وسُلَيْمَان بن جَرِيْر، وبِشْربن المُعْتَمر،
والحَسَن بن صَالح، وغيرهم. وكان هذا في زمن الهَادي، فلما فتّش عنه
الرَّشيد وأخذ عليه بالرصد والطلب، وأمعن في ذلك، فلحق يحيى بخَاقَان
ملك التُّرك، وأقام عنده سنتين وستة أشهر والكتب ترد عليه من هَارُون،
وعماله يسألونه تسلیم يحيى، فأبى وقال: لا أرى في ديني الغدر، وهو رجل
من ولد نبيّكم، شيخٌ عالمٌ. وقيل: إنه أسلم على يديه سرّاً، ثم رحل يحيى
من عنده إلى طَبَرِسْتَان، ثم إلى الدَّيلم، فأنفذ هَارُون في طلبه الفَضَل بن
يحيى البرمكي في ثمانين ألف رجل، وكاتبه ملك الدَّيلم من الرَّيِّ، وبذلوا
له الأموال حتّى انخدع، ولما فهم يحيى فشله قبل أمان الرَّشيد بالإيمان
المُغلَّظة، وكتب له بذلك نسختين، نسخة عنده، ونسخة عند يحيى
البرمكي، فلما قَدِمَ عليه أظهر بِرّه وكرامته. وأعطاه مالاً جزيلاً، ثم خرج إلى
المدينة بإذنه، وقيل: بإذن الفَضْل دونه، وفرَّق المال بالمدينة على قرابته،
وقضى دَيْنَ الحُسَيْن بن علي، وحَجَّ ولم يزل آمناً حتَّى وشى به عَبْدُ اللَّه بن
مُصْعَب الزُّبيريُّ، فاستدعاه الرَّشيد وأخبره بقول الزُّبيريِّ، فقال يحيى: إن
هذا قد كان بايع أخي محمداً ومدحه بقوله:
قُوْمُوا بِأمرِكُمُ نَنْهَضْ بُنُصْرَتِنَا إِنَّ الخِلَفَةَ فِيْكُمْ يا بني الحَسَن
واليوم يكذب عليَّ ويسعى بي إليك، فصدّقه هَارُون وعذره، ومات ابنُ
مصعب في اليوم الثالث.
قيل: وسبب نقض أمان يحيى أنه قال له الرشيد في مناظرات عددها
ويحيىُ في كُلُّها يقيم له الحجّة على نفسه اتقاءً لشرّه، حتَّى قال له: مَن
٤٣٧

أقرب إلى رسول اللّه ـ وَ﴾ - منّا؟ فاستعفاه فلم يعفِهِ، وكرّر ذلك مراراً، فلم
يعفه، فقال له يحيى بعد لجاج عظيم: لو بُعث رسول الله - مَاء - أكان له أن
يتزوج فيكم؟ فقال الرّشيد: نعم، قال: فنحن له أن يتزوج فينا؟ قال: لا.
قال: فهذه حسب، فأنِفَ الرَّشيد وغضب، وطلب الفقهاء، فاستفتاهم في
نقض أمان يحيى، فأحجمَ بعضهم، وتكلم بعضهم بموجب العلم أنه
لا سبيل إلى نقضه، وقال بعضهم: هذا رجل شقّ عصا المسلمين، وسفك
الدماء، لا أمان له، فأمر الرَّشيد بحبسه، وضيّق عليه حتّى مات محبوساً.
وقيل: إنه شُدَّ إلى جدار، وسُمر على يديه ورجليه، وسَدّ عليه المنافذ
حتّى مات، وقيل: إنه وقع رقعة (١) ودفعها إلى يحيى بن خالد وحرَّج عليه
بوقوفه بين يدي اللَّه إلّ كتمها إلى موته، ثم يدفعها إلى هَارُون، فدفعها بعد
موته إلى هارُون، فإذا فيها:
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم، يا هَارُون المُستعدى [عليه](٢)، قد تقدم
والخصم بالأثر، والقاضي لا يحتاج إلى بيّنة.
وأما إدريس بن عَبْدِ اللَّه بن الحَسَن المُثَنَّى فإنه لما انفلت من وقعة فئِّ
لحق بالمَغْرِب ومعه ابنُ أخيهِ مُحمد بن سُلَيْمَان الذي قُتل بفَخّ، فتمكن بها
ودعا ونشر دعوته، وأجابوه، واستعمل ابنَ أخيه على أدنى المَغْرب من تَاهَرْت
إلى فَاس، وبقي بها وولده يتوارثونها، وانتشر ملكهم، واستقروا.
يقال: إن إدريس أدرك بالسمِّ إلى هناك، وأوصى إلى ابنه إدريس بن
إدريس، فقام بالأمر إحدى وعشرين سنة، وأوصى إلى ابنه إدريس المثلث،
وكان أحد العلماء.
قال صاحب كتاب ((روضة الأخبار)): وهم على ذلك إلى هذه الغاية،
(١) في المطبوع: ((وقع في رقعة)).
(٢) لفظة ((عليه)) لم ترد في الأصل وأثبتها من المطبوع.
٤٣٨

يتوارثون المَغْرب، والبربر.
ويقال: إن عبد المُؤمن القائم اليوم بأرض المَغْرب يُنسب إلى بني
الحسن بن علي، ظهر على الأندلس سنة أربعين وخمسمائة، وفيه يقول
الشاعر من قصيدة طويلة:
مَا هَزَّ عِطْفَيَه بَيْنَ الِيْضِ وَالأَسَلِ
مِثْلُ الخَليفة عَبْد القائم بن عَلي
وقد ملكوا المَغْرب كلهم والأندلس إلى يومنا هذا، وهي سنة سبع
وعشرين وستمائة. انتهى ما قاله ابنُ الأهدل.
وفيها، وقيل: بعدها فقيه الأندلس زِيَاد بن عَبْدِ الرَّحمن اللَّخْميُّ
شَبْطون، صاحب مالك، وعليه تفقّه يحيى بن يحيى قبل أن يرحل إلى
مَالك، وكان زِيَاد ناسكاً، ورعاً، أريد على القضاء فهرب.
وفيها قُتل نِقْفُور ملكُ الرُّوم في حرب برجان(١) وكانت مملكتُه تسعةً
أعوامٍ، وملك بعده ابنه شَهْرین وهلك، فملك زوج أخته ميخائيل بن جرجس
لعنهم الله تعالی.
(١) قال الدكتور صلاح الدِّين المنجد في تعليقه على ((العبر في خبر مَن عبر» للذهبي
(٣١٣/١): كذا كان يُسمى ملك البلغار، فإن الحرب التي قتل فيها نقفور كانت مع البلغار.
٤٣٩

سنة أربع وتسعين ومائة
فيها وثبت(١) الرُّوم على ملكهم مِيْخَائيل، فهرب وترهَّب، وقام بعده
لیون القائد.
وفيها مبدأ الفتنة بين الأمين والمأمون. وكان الرَّشيد أبوهما قد عهد(٢)
بالعهد للأمين، ثم [من](٣) بعده للمأمون. وكان المأُمُون على إمرةٍ خُراسان،
فشرع الأمينُ في العمل على خلع أخيه ليقدّم ولده ابن خمس سنين، وَأَخذ
يبذل(٤) الأموال للقوّاد ليقوموا معه في ذلك. ونصحه أولو الرَّأي فلم يَرْعَوِ(٥)
حتَّى آل الأمرُ إلى أن قتل.
وفي آخرها توفي الإِمام أبو عُمر حَفْص بن غِيَاث بن طَلْق النَّخَعِيُّ
قاضي الكُوفة، وقاضي بَغْدَاد. روى عن الأعمش وطبقته، وعاش خمساً
وسبعين سنة .
قال يحيى القَطَّان: حفص أوثقُ أصحاب الأعمش.
(١) في ((العبر)): ((وثب)).
(٢) في ((العبر)): ((عقد)).
(٣) زيادة من ((العبر)).
(٤) في ((العبر)): ((يهدي)).
(٥) في الأصل: ((يرعوي)) وأثبت ما في المطبوع.
٤٤٠