Indexed OCR Text

Pages 321-340

وفيها يَزِيْدُ بن حاتم بن قَبِيْصة بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأزديُّ، وكان
أرسله المَنْصُور لحرب الخوارج، واستمر والياً على إفريقية خمس عشرة
سنة، وكان من المُمدَّحين الأجواد.
وكذلك أخوه رَوْح بن حاتم، وكان روحٌ متولياً على السِّنْد، وتولى
لخمسة من الخلفاء: السَّفَّاح، والمَنْصُور، والمَهْدِي، والهَادي، والرَّشيد،
ولم يتفق مثل هذا إلَّا لأبي موسى الأشعري، عمل للنَّبِيِّ - وََّ - والخلفاء
الأربعة بعده.
وكان يتعجب النَّاس من بعد ما بين ابني حاتم يَزِيْد، ورَوْح، فاتفق أنَّ
الرّشيد عزل روحاً عن السُّنْد، فلحق بأخيه بإفريقية فدفنا في قبرٍ واحدٍ
بإفريقية .
وفي يَزِيْد بن حاتم يقول الشاعر:
فَسِوَاكَ بَائِعُهَا وَأَنْتَ الْمُشْتَرِي
وَإِذَا تُبَاعُ كَرِيْمَةٌ أَوْ تُشْتَرِىْ
صَدَقَتْ مَخِيلتُه لَدى المُسْتَمْطر
وَإِذَا تُخِيَّل مِنْ سَحَابِكَ لاَمِعْ
عَدُّوْكَ فِي أَبْطَالهم بالخِنْصَرِ
وإذَا الفَوَارِسُ عَدَّدَتْ أَبْطَالَهَا
ووفد عليه أُشْعبُ صاحب النوادر في الطمع، فمدحه ببيتين، فأجزل
عطيته .
وفيها مات إمام اللغة، والعروض، والنحو، الخَلِيْلُ بن أَحْمَد
الفَرَاهِيْدِيُّ الأزْدِيُّ(١) وقيل: سنة خمس وسبعين ومائة، وهو الذي استنبط علم
العروض، وحصر أقسامه في خمس دوائر، واستخرج منها خمسة عشر بحراً،
وزاد فيها الأخْفَشُ بحراً سمّاه الخَبَب.
قيل: إن الخَلِيْلِ دعا بمكّة أن يرزقه اللَّه علماً لم يُسبق إليه، وهو في
(١) انظر الخبر بطوله في ((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٧٧/١ - ٣٨١).
٣٢١

اختراعه بديهة كاختراع أرِسْطَاطَالِيْس(١) علم المنطق، ومَن تأسيس بناء ((كتاب
العين)) الذي يحصر لغة أمةٍ من الأمم، وهو أول مَن جمع حروف المعجم في
بيت واحدٍ فقال:
صِفْ خُلْقَ خَودٍ كَمِثْلِ الشَّمْسِ إِذْ بَزَغَتْ يَحظىْ الضَّجِيْعُ بِهَا نَجْلَاءَ مِعْطَار
وقال تلميذه النَّضْرُ بن شميل : جاءه رجل من أصحاب یُونس یسأله عن
مسألة، فأطرق الخَلِيْلُ يفكِّر، وأطال حتَّى انصرف الرَّجل فعاتبناه، فقال:
ما كنتم قائلين فيها؟ قلنا: كذا وكذا. قال: فإن قال: كذا وكذا. قلنا: نقول:
كذا وكذا. فلم يزل يغوص حتّى انقطعنا وجلسنا نفكّر، فقال: إن المجيب
يفكّر قبل الجواب، وقبيح أن يفكّر بعده. وقال: ما أُجيب بجواب حتَّى أعرف
ما عليَّ فيه من الاعتراضات والمؤاخذات. وكان مع ذلك صالحاً قانعاً.
قال النضر: أقام في خُصِّ(٢) بالبَصْرَة لا يقدر على فلس، وعلمه قد
انتشر، وكسب به أصحابه الأموال.
قال: وسمعته يقول: إني لأغلق عليَّ بابي مما يجاوزه همّي.
وقيل للخليل - وقد اجتمع مع ابنِ المُقَفَّع -: كيف رأيته؟ فقال: علمه
أكثر من عقله.
وقيل لابن المُقَفَّعِ : كيف رأيت الخَلِيْل؟ قال: عقله أكثر من علمه.
(١) كذا في الأصل، والمطبوع، و((مرآة الجنان)): ((أرسطاطاليس))، وفي ((الفهرست)) لابن النديم
ص (٣٠٧) طبعة طهران: ((أرسطاليس))، وفي ((إخبار العلماء بأخبار الحكماء)) ص (٢١):
(أرسطو طاليس))، وفي ((المنجد في الأعلام)) ص (٣٤): ((أرسطو، أو أرِسطاطاليس))، وفيه
أنه مات سنة (٣٢٢) ق.م. ومَن أراد المزيد من المعلومات عنه فليرجع إلى المراجع التي
ذكرتها .
(٢) في الأصل: ((حصن)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب. والخص: البيت
من القصب. انظر ((مختار الصحاح)) ص (١٧٧).
٣٢٢

وقرأ عليه رجل في العروض فلم يفهم، فقال له الخليل: قَطِّع هذا
البیت:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعِ شَيْئاً فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إلى مَا تَسْتَطِيْعُ
قال الخليل: فشرع الرجل في تقطيعه على مبلغ علمه، ثم قام فلم
يرجع إليَّ، فعجبت من فطنته لما قصدته في [هذا](١) البيت مع بُعْد فهمه.
ويُقال: إن أباه أول مَن سمِّي أحمد بعد النَّبِيِّ - وََّ - وكان شاعراً مُفلِقاً
مطبوعاً، ومن شعره:
وَحَوْلٌ إلى حَوْلٍ وَشَهْرٌ إلى شَهْرِ
وَمَا هِي إِلَّ لَيْلَة ثُمَّ يَوْمُهَا(٢)
وَيُدْنِيْنَ أَشْلَاءِ الْكِرَامِ إلى القَبْرِ
مَطَايَا يُقَرِّبْنَ الْجَدِيْد إلى البِلى
وَيَقْسِمْنِ مَا يَحْوِي الشَّحِيْحُ مِنَ الوَفْرِ
وَيَتْرُكْنَ أَزْوَاجَ الْغَيُوْرِ لِغَيْرِهِ
وكان من الزُّهد في طبقة لا تدرك، حتَّى قيل: إن بعض الملوك طلبه
ليؤدّب له أولاده، فأتاه الرَّسول وبين يديه كِسَرٌ يابسة يأكلها، فقال له: قل
لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه لا حاجة به إليك، ولم يأت الملكَ.
وسأله الأخْفَشُ: لِمَ سَمّيت بحر الطويل طويلًا؟ قال: لأنه تمّت أجزاؤه.
والبسيط؟ لأنه انبسط على حدّ الطويل. والمديد؟ لتمدّد سباعيه حول خماسيه.
والكامل؟ لكمال أجزائه السباعية ليس فيه غيرها. والوافر؟ لوفور أجزائه، لأن فيه
ثلاثين حركة لا تجتمع في غيره. والرجز؟ لاضطرابه كاضطراب قوائم الناقة
الرجزاء. والرمل؟ لأنه يشبه رمل الحصير يضمّ بعضه إلى بعض. والهزج؟ لأنه
يتصرف شبه هزج الصوت. والسريع؟ لسرعته على اللسان. والمنسرح؟
لانسراحه وسهولته. والخفيف؟ لأنه أخفّ السباعيات. والمقتضب؟ لأنه اقتضب
(١) زيادة من ((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٨٠/١).
(٢) في ((مرآة الجنان)): ((بعد نومها)).
٣٢٣

من الشعر لقلّته. والمضارع؟ لأنه ضارَعَ المقتضب. والمجتثّ؟ لأنه اجتثّ - أي
قُطِع - من طول دائرته. والمتقارب؟ لتقارب أجزائه، وأنها خماسية كلها يشبه
بعضها بعضاً. انتهى.
قيل: لما دخل الخليل البَصْرَة لمناظرة أبي عمرو بن العلاء، جلس إليه
ولم يتكلم بشيءٍ، فسئل عن ذلك، فقال: هو رئيس منذ خمسين سنة،
فخِفت أن ينقطع فيفتضح في البلد.
وقال الواحديُّ في ((تفسيره)): الإِجماع منعقد على أنه لم يكن أحد
أعلم بالنحو من الخليل. قاله ابن الأهدل.
وقال في ((العبر)(١): الخليل بن أحمد الأزديُّ البَصْريُّ أبو عَبْدِ الرَّحمن
صاحب العربية والعروض، روى عن أيوب السَّخْتَيَانيِّ وطائفة، وكان إماماً
كبير القدر، خيِّراً متواضعاً، فيه زهدٌ وتعفّفٌ(٢)، صنّف ((كتاب العين)) في
اللغة. انتهى .
وفيها مَجْنون لَيْلِى قَيْس بن المُلوّح بن مُزَاحم، اشتهر بعشق ليلى في
الدُّنيا، وهو أحد بني كعب بن عامر بن صعصعة، وقد أنكر قوم وجوده
قائلين: هو كالعنقاء، وهذا غلطً، فإنَّ اشتهار عشقه لليلى أشهر من أن
يخفى، وأثبته علماء السِّير، وأما ليلى فإنها بنت مَهْدي، وقيل: بنت وَرد من
بني رَبِيْعَة، كانت من أجمل النساء شكلاً وأدباً.
وابتداء أمرهما أنهما كانا صغيرين يرعيان أغناماً لقومهما، فعلق كل
منهما بصاحبه، ولم يزالا على ذلك حتّى كبرا واشتهر أمرهما، فحُجبت ليلى
عنه، فزال عقله، وقال:
تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِي ذَاتُ نُؤَابةٍ
وَلَم يَبْدُ للأتراب مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ
(١) ((العبر في خبر مَن عَبَر)) (٢٦٨/١).
(٢) في المطبوع: ((وتعطف)) وهو خطأ.
٣٢٤

صَغِيْرَيْنِ نَّرْعَى البَهْمَ يَا لَيْتَ أنّنا إلى الْيَوْمِ لم نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبَهْمُ(١)
ثم كان يأتي الحيّ على غفلة من أهله، فلما كثر ذلك، خرج أبُو لَيْلَی
ومعه نفرٌ من قومه إلى مَرْوَان بن الحَكَم فشكوا إليه ما أصابهم من قَيْس بن
المُلوّح، وسألوه الكتاب إلى عامله يمنعه من كلام ليلى، وإن وجده أهل لَيْلِی
عندها يكون دمه هدراً، فلما بلغ قيْساً ذلك قال:
عَلَيَّ يَمِيْنَاً جَاهِدَاً لَ أَزُوْرُهَا
أَلَا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآَلَى أَمِيْرُهَا
أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ(٣) لي صدورها
وَوَاعَدَنِي(٢) فِيْهَا رِجَالٌ أَبُوهُمُ
وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيْرُهَا(٥)
عَلَى غَيْرِ شَيءٍ(٤) غَيْرَ أَنّي أُحِبُّهَا
فلما يئس منها، ذهب عقله بالكلية، ولعب بالتراب والحصى، وضنيت
ليلى أيضاً من فراقه، ثم تزوجت لَيْلَى، فصار المجنون يدور في الفلوات
عرياناً ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش، ثم وُجِدَ بعد حين ملقى بين الأحجار
ميتاً، فاحتملوه إلى الحيّ، وغسلوه، ودفنوه، وبكوا عليه، وكان أبو ليلى أشدّ
القوم جَزَعًاً وبكاءً، وقال: ما علمت أن الأمر يبلغ إلى هذا، ولكني كنت أمراً
عربياً أخاف العار، ولو علمت أن الأمر يفضي إلى هذا ما أخرجتها عن يده،
ويقال: إنها أيضاً ضنيت عليه وماتت أسفاً، ودفنت قريباً منه، وأمرهما أشهر
من أن يُذكر، والله أعلم.
وفيها توفي عَبْدُ اللَّه بن جَعْفَرِ المَخْرَمِيُّ (٦) المدنيُّ. روى عن عمّة أبيه
أُمِّ بكْر بنت المِسْوَربن مَخْرَمة، وجماعة من التابعين، وخرَّج له مسلم،
(١) البيتان في ((الأغاني)) (١١/٢).
(٢) في ((الأغاني)): ((وأوعدني)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((وأبوهم حشيت)) وأثبت ما في ((الأغاني)).
(٤) في ((الأغاني)): ((على غير جرم)).
(٥) في ((الأغاني)): ((وأن فؤادي رهنها وأسيرها))، والأبيات فيه (٦٨/٢).
(٦) في ((العبر)) للذهبي (٢٥٨/١): ((المخزومي)) وهو خطأ فيصحّح فيه.
٣٢٥

والأربعة، وكان قصيراً ذميماً.
قال الواقديُّ: كان عالماً بالمغازي، والفتوى.
وقال الذَّهبيُّ في ((المغني))(١): عَبْدُ اللَّه بن جَعْفَرِ المَخْرَميُّ المدنيُّ،
ثقة، وهاه ابنُ حِبَّان فقط. انتهى.
وفيها مُحمَّد بنُ مُهَاجر الحمصيُّ. روى عن نَافع وطبقته، وآخر من
حدَّث عنه أبو تَوْبَةٍ(٢) الحَلبيّ .
وأبو مَعْشَر السُّنْديّ - واسمه نَجِيْح بن عَبْدِ الرَّحمن المدنُّ - صاحب
المَغَازي، والأخبار. مشهور عن أصحاب أبي هُرَيْرَة، ليس بالعمدة.
قال ابن مَعِيْن: كان أُميًَّ يُتَّقَى من حديثه المُسْند.
وقال صاحب ((العبر))(٣): روى عن محمد بن كعب القُرَظيّ والكبار،
واستصحبه المَهْديُّ معه لما حجَّ إلى بغداد. وقال: يكون بحضرتنا ويفقُهُ مَن
حولنا، ووصله(٤) بألف دينار، وكان أبيضَ، أَزْرَقَ، سميناً. وقيل له: السِّنْدِيُّ
من قبيل اللقب بالضد. انتهى.
وفيها الوزير أَبُو عَبْدِ اللَّه مُعَاوِيَة بن عُبَيْدِ اللَّه بن يَسَار الأشعريُّ،
مولاهم، كاتب المهدي ووزيره. وكان من خيار الوزراء، صاحب علمٍ،
وفضل، ورواية(٥) وعبادة(٦) وصدقات. روى عن مَنْصُور بن المُعْتَمر.
(١) (٣٣٤/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((أبو ثوبة)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي (٢٥٨/١).
قلت: وأبو توبة هو الربيع بن نافع الحلبي. انظر ((تهذيب التهذيب)) (٢٥١/٣)،
و((تقريب التهذيب)) (٢٤٦/١).
(٣) (٢٥٨/١).
(٤) في المطبوع، و((العبر)): ((وصله)).
(٥) قوله: ((وفضل ورواية)) لم يرد في ((العبر)) للذهبي.
(٦) لفظة ((وعبادة)) تحرّفت في ((العبر)) إلى ((وعبارة)) فتصحّح فيه.
٣٢٦

وفيها، أو في حدودها، مُحمَّد بن جَعْفَر بن أبي كَثِيْرِ المدنيُّ مولى
الأنصار(١). أخذ عن زَيْد بن أَسْلم وطبقته. وكان ثقةٌ كثير العلم.
وأسْبَاط بن نَصْرِ الهَمْدَانِيُّ (٢) الكُوْفِيُّ الْمُفَسِّرُ، صاحب إِسْمَاعِيْل
السُّدِّيِّ، والله أعلم.
قال في ((المغني))(٣): وثّقه ابن مَعِيْن، وضعفه أبو نُعَيْم.
[و] قال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، توقف فيه أحمد. انتهى.
وقد خرَّج له البخاريُّ في ((التاريخ)) ومسلم، والأربعة.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((مولى الأنصاري)) وأثبت ما في ((العبر)» للذهبي.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((الهمذاني)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي.
(٣) (٦٦/١).
٣٢٧

سنة إحدى وسبعين ومائة
فيها أمر الرَّشِيْد بإخراج الطالبيِّين إلى مدينة الرَّسول - وَلَ - وخرجت
الخَيْزُرَان إلى مكَّة في رمضان فأقامت بها إلى وقت الحج، وحجّت. قاله ابن
الجوزي في ((الشذور)).
وفيها، على الأصحِّ، توفي حِبَّان بن علي العنزي، أخو مندل، وكان من
فقهاء الكُوْفَة وهو ضعيف. روى عن عَبْدِ الملك بن عُمَيْر وطبقته.
وَأَبُو المُنْذِر سَلَّم بن سَلَّم بن سُليمان(١) المزنيُّ البصريُّ ثم الكوفيُّ
النحويُّ المقرىء، أخذ عن عاصم بن أبي النَّجود، وأبي عمرو، وحدَّث عن
ثَابِتٍ البُنَانِيِّ وغيره، وهو شيخ يَعْقُوب الحَضْرمي .
وفيها أَبُو عَبْدِ الرَّحمن عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن حَفْص بن عَاصم العُمَرِيُّ
المدنيُّ أخو عُبَيْد اللَّه بن عُمَر. روى عن نافع وجماعة، وكان مُحدِّثاً صالحاً.
قال أحمد: لا بأس به.
قال ابنُ الأَهْدَل: كان آية في العلم، غاية في العبادة، واجه الرّشيد
بالإِنكار والموعظة الغليظة في المسعى، فقال: يا هَارُون، قال: لبّيك يا عمّ.
(١) في الأصل، والمطبوع، و((العبر)): ((سلام بن سليم)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات
الأعيان)) (٣٩٠/٦)، و((تقريب التهذيب)) ص (٢٦١).
٣٢٨

قال: انظر، هل تحصيهم؟ يعني الحجيج - قال: ومَن يحصيهم؟ قال: اعلم
أن كلَّ منهم يُسأل عن نفسه، وأنت تُسأل عن كلِّهم. ثم قال: واللَّه إن
الرَّجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر، فكيف من يسرف في أموال
المسلمين. انتهى .
وفيها أبُو شهاب(١) الحَنَّاط عَبْدُربّهِ بن نَافع الكوفيُّ. روى عن عاصم
الأحول وطبقته، وتوفي كهلاً، وقيل: توفي في التي بعدها.
قال في ((المغني)) (٢): صدوقٌ، وليس بذاك الحافظ. انتهى.
وخرَّج له الشيخان.
وفيها، أو نحوها، مات الأمير يَزِيْد بن حاتم بن قَبْصَة بن المُهَلَّب بن
أبي صَفْرَة المُهَلَّبيُّ البَصْرِيُّ، أحد الشجعان المذكورين، ولي إِمرة
المَغْرِب (٣) مدةً طويلةً، وولي إمرة مِصْرَ قبل ذلك سبع سنين.
وعَبْدُ الرَّحمن بن سُلَيْمان بن عَبْدِ اللَّه بن حَنْظَلة بن الغَسِيْلِ المدنيُّ . رأى
سَهْل بن سَعْد، وروى عن عِكْرِمَة، والكِبَار، وكان كثير الحديث، ثقةً جليلاً.
(١) في الأصل والمطبوع: ((أبو الشهاب)) وما أثبته من ((العبر)) و((المغني)) للذهبي، و((تقريب
التهذیب) ص (٦٤٨).
(٢) (٣٧٠/١).
(٣) في المطبوع: ((الغرب)) وهو خطأ.
٣٢٩

سنة اثنتين وسبعين ومائة
فيها توفِيت الخَيْزُرَان(١) زوجة المَهْدِيِّ، وأُمُّ الهَادي، والرَّشِيْد، ولم
تلد امرأةٌ خليفتين غير ثلاثة:
ولَّدَة بنت العَبَّاس العَبْسِيَّة، تزوجها عَبْد الملك بن مَرْوَان، فولدت له
الوَلِيْد، وسُلَيْمان، فوليا الخلافة.
والثانية: شافهر بنت فَيْرُوز بن يَزْدَجِرد، تزوجها الوَلِيْد بن عَبْدِ الملك
فولدت له يَزِيْد، وإِبْرَاهِيم، فوليا الخلافة.
والثالثة: الخَيْزُرَان، اشتراها المَهْدي ثم أعتقها فولدت له الهادي،
والرَّشِيْد، ووليا الخلافة.
ويلحق بهؤلاء خَاتُون جارية مَلْكشاه، فإنها ولدت محمداً، وسنجراً،
وكلاهما ولي السلطنة، وكان كبير القدر. قاله في ((الشذور)).
ولما ماتت الخيْزُرَان خرج خلف جنازتها ولدها الرشيد وعليه جبةٌ
وطيلسانٌ أزرق، قد شدّ به وسطه، وهو آخذٌ بقائمة السرير حافياً يمشي في
الطين، حتَّى أتى مقابر قُرَيْش، فغسل رجليه، وصلى عليها، ونزل قبرها.
(١) انظر ترجمتها ومصادرها في ((الأعلام)) للزركلي (٣٢٨/٢)، و((أعلام النساء)) لكحالة
(٣٩٥/١ - ٤٠١).
٣٣٠

وفيها توفي الإِمام أَبُو مُحمَّد سُلَيْمَانُ بنُ بَلال المدنيُّ مولى [آلٍ](١) أبي
بَكْرِ الصِّدِّيْقِ. روى عن عَبْدِ اللَّه بن دِينَار وطبقته.
قال ابنُ سَعْد: كان بربريّاً، حسن الهيئة، عاقلاً، [و] كان يفتي
بالمدينة(٢)، وولي خراج المدينة. وكان من الثقات الأثبات.
وفيها أمير دِمَشْق الفَضْلُ بن صَالح بن عَليِّ العَبَّاسي ابْنُ عَمِّ المَنْصُور،
وهو الذي أنشأ القبّة الغربية التي بجامع دِمَشْق وتُعْرَفُ بقبة المال.
وفي جمادى الأولى مات صاحب الأندلس الأمير أبو المُطَرِّف عَبْدُ
الرَّحمن بن مُعَاوِيَة بن الخليفة هِشَام بن عَبْدِ الملك الأمويُّ الدمشقيُّ
المعروف بالداخل، فَرَّ إلى المَغْرِب عند زوال دولتهم، فقامت معه اليمانية،
وحارب يُوسف الفِهْري متولّي الأندلس وهزمه، وملك قُرْطُبَةَ في يوم الأضحى
سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة، وامتدت أيامه، وكان عالماً حَسَن السيرة، عاش
اثنتين وستين سنة .
وولي بعده ابنه هِشَام، وبقيت الأنْدَلُس لعقبه إلى حدود الأربعمائة.
وفيها، أوفي في سنة ستٍ وسبعين، صالح المُرِّي الزَّاهِدُ، واعظُ
البَصْرَةِ. روى عن الحَسَن وجماعة، وحديثه ضعيف.
قال عَفَّان: كان شديد الخوف من اللَّه، إذا قَصَّ كَأَنَّه ثكلى.
وخرّج له الترمذي.
قال في ((المغني))(٣): صَالح بن بشير(٣) المُرِّي الزَّاهد، عن الحَسَن،
تركه أبو داود، والنّسائي، وضعفه غيرهما. انتهى.
(١) لفظة ((آل)) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٦١/١) مصدر المؤلف. وانظر ((طبقات ابن سعد))
(٤٢٠/٥)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٥/٧ - ٤٢٧).
(٢) في ((طبقات ابن سعد)): ((كان يفتي بالبلد)»، والواو التي بين حاصرتين زيادة منه.
(٣) (٣٠٢/١)، وفي الأصل، والمطبوع: ((صالح بن بشر)) وهو خطأ، وما أثبته من ((المغني)).
٣٣١

ومَهْدي بن مَيْمُون المِعْوَلي مولاهم البَصْرِيُّ، الناقد، الثقة. روى عن
أبي رَجَاء العُطَارِدي، وابن سِيْرِيْن، والكبار.
والوليد بن أبي ثَوْر - وهو ابنُ عَبْدِ اللَّه - الهَمْدَانِيُّ الكُوْفِيُّ. [روى](١)
عن زِيَاد بن عِلَاقة وجماعة، وهو ضعيف.
وفي حدودها مُعَاوِيَة بن سلَّم بن أبي سلَّم(٢)، ممطور الأسود
الحبشيُّ، ثم الشَّامِيُّ. روى عن أبيه، والزّهري، وجماعة.
قال يحيى بن مَعِيْن: أَعدُّه مُحدِّث أهل الشَّام، واللَّه أعلم.
(١) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٦٢/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((معاوية بن سلام بن الأسود بن سلام)) وهو خطأ، والتصحيح من
((الجرح والتعديل)) (٣٨٣/٨)، و((تهذيب الكمال)) (١٣٤٤/٣) مصورة دار المأمون للتراث.
وعلى هذا فيكون ممطور الأسود الحبشي أبو سلام، جد معاوية.
٣٣٢

سنة ثلاث وسبعين ومائة
فيها، وقيل: سنة أربع، توفي إسماعيل بن زَكّرِيَا الخُلْقَانِيُّ الكوفيُّ
بَبَغْدَاد. روى عن العَلَاء بن عَبْدِ الرَّحمن وطبقته، وعاش خمساً وستين سنة .
قال في ((المغني))(١): صدوقٌ، شيعيِّ.
قال المَيْمُونيُّ: قلت لأحمد بن حَنْبَل: كيف هو؟ قال: أما الأحاديث
المشهورة التي يرويها فهو فيها مقارب الحديث، ولكنه ليس ينشرح الصدر له.
قال المَيْمُونيُّ : وسمعت ابنَ مَعِيْنٍ يضعفه.
وقال عَبْدُ اللَّه بن أحمد، عن أبيه: حديثه مقار
وعن ابن مَعِيْن أيضاً: هو ثقة.
قال العُقَيْلِيُّ: حَدَّثنا [مُحمَّد بن أَحْمد، حدَّثنا] إِبْراهِيْم بن الجُنّيْد،
حدَّثنا أَحْمَد بنُ الوَلِيْدِ بنِ أَبَان، حدَّثني جَدّي حُسَيْن بن حَسَن، حدَّثني
خالي إبْرَاهِيْم، سمعت إِسْمَاعِيْلِ الخُلْقَاني يقول: الذي نادى من جانب
الطور عَبْدَه(٢) عليّ بن أبي طالب.
(١) (٨١/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((عنده)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((المغني في الضعفاء)) مصدر
المؤلف، وما بين حاصرتين استدركته منه.
٣٣٣

قال: وسمعته يقول: هو الأول والآخر، [والظاهر والباطن](١): علي بن
أبي طالب(٢).
قلت: هذا لم يثبت عن الخُلْقَانِيِّ، وإن صحّ عنه فهو زنديق عدوّ اللَّه.
انتهى ما قاله الذهبيُّ في ((المغني)).
وفيها أمير البَصْرَة وفارسٌ(٣)، مُحمَّدُ بن سُلَيْمان بن عَلي ابن عَمِّ
المَنْصُور، وله إحدى وخمسون سنة، وكان الرَّشِيْد يبالغ في تعظيمه وإكرامه،
ولما مات احتوى الرَّشيد على خزائنه وكانت خمسين ألف ألف درهم (٤).
وفي رجب، الإِمام الكبير أبو خَيْثَمَة زُهَيْر بن مُعَاوِيَة الجعفيُّ الكُوفيُّ،
نزيل الجَزِيْرَةِ ومُحدِّثها وحافظها. روى عن سِمَاك بن حَرْب وطبقته، وكان
أحد الحفّاظ الأعلام، حتَّى بالغ فيه شُعَيْبُ بنُ حَرْب وقال: كان أحفظ من
عشرين [مثل](٥) شُعْبَة.
وفيها أبُو سَعِيْد سَلَّام بن أبي مُطِيْعِ البَصْرِيُّ. روى عن أبي عِمْرَان
الجَوْني، وطائفة .
قال أحمد بن حنبل: ثقةٌ صاحبُ سُنَّة.
وقال ابنُ حِبَّان: لا يجوز أن يحتجّ بما انفرد به.
وقال ابنُ عَدي: لا بأس به، وليس بمستقيم الحديث في قَتَادَة خاصة،
(١) زيادة من ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٢٢٩/١).
(٢) قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)): هذا السند مظلم، ولم يصح عن الخلقاني هذا الكلام،
فإن هذا من کلام زندیق.
(٣) أي: هو أمير البصرة وأميرٌ فارسٌ. انظر ((الأعلام)) (١٤٨/٦).
(٤) في ((تاريخ الطبري)) (٢٣٧/٨): ((وأصابوا له ستين ألف ألف)) وفي ((البداية والنهاية))
(١٦٣/١٠): ((وقد أرسل الرشيد مَن اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة
آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف)».
(٥) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٦٣/١).
٣٣٤

وله غرائب، ويُعَدُّ من خطباء أهل البَصْرَة [وعقلائهم](١).
وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وإلى سوء الحفظ. انتهى.
وقد خرَّج له الشيخان وغيرهما.
وفيها نُوْحُ الجامع، وهو أبو عِصْمَة نوح بن أبي مَرْيَم، الفقيه، قاضي
مَرو، ولُقِّبَ بالجامع لأنه أخذ الفقه عن أبي حَنِيفَة، وابن أبي لَيْلَى،
والحديث عن حَجَّاج بن أَرْطَاة، والمغازي عن ابن إِسْحَاق، والتفسير عن
مُقَاتل، وهو متروك الحديث. قاله في ((العبر))(٢).
وعَبْدُ الرَّحمن بن أبي الموالي المدنيُّ مولى آل عليٍّ رضي الله عنه.
روى عن أبي جَعْفَر الباقر وطائفة، وضربه المَنْصُور أربعمائة سوط على أن
يَدُلَّه على محمد بن عَبْدِ اللَّهِ بن حَسَن، فلم يَدُلَّه، وكان من شيعته. قاله في
((العبر))(٣).
قال في ((المغني))(٤): عَبْدُ الرَّحمن بن أبي الموالي. ثقة مشهور(٥) خرج
مع ابنِ حَسَن.
قال أحمد: حديثه في الاستخارة منكرٌ.
قلت: خرّجه البخاريُّ، وقد قال ابنُ عَدي: رواه غير واحد [من
الصحابة](٦) كما رواه ابنُ أبي الموالي. انتهى.
وجُوَيْرِيَةُ بنُ أَسْمَاء بن عُبَيْد الضُّبَعِيُّ، البَصْرِيُّ. روى عن نَافِعٍ،
والزّهري، وكان ثقةً كثير الحديث.
(١) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٦٤/١).
(٢) (٢٦٤/١).
(٣) (٢٦٤/١).
(٤) (٣٨٧/٢ - ٣٨٨).
(٥) في المطبوع: ((مشهور ثقة)) وما في الأصل موافق لما في ((المغني في الضعفاء)).
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من ((المغني في الضعفاء)).
٣٣٥

سنة أربع وسبعين ومائة
فيها حَجَّ الرَّشِيْد، فبدأ بالمَدِيْنَة فقسم فيها مالاً عظيماً، ووقع الوباء
بمكة فأبطأ في دخولها، ثم دخلها فقضى طوافه وسعيه، ولم ينزل مكَّة. قاله
في ((الشذور)).
وفيها توفي في جمادى الآخرة الإِمام أَبُو عَبْدِ الرّحمن عَبْدُ اللَّه بن لَهِيْعَة
الحَضْرميُّ قاضي مِصْرَ الحافظُ. روى عن الأعرج وعَطَاء بن أبي رَبَاحِ، وخلقٍ
کثیر.
قال أحمد بن صالح المِصْرِي: كان ابنُ لَهِيْعَة صحيحَ الكتاب، طلابةً
للعلم .
وقال زَيْدُ بن الحُبَابِ: سمعت سُفْيَان الثوري يقول: عند ابن لَهْعَة
الأصول وعندنا الفروع.
وقال أحمد بن حنبل: مَن كان بمصر مثل ابن لَهِيْعَة في كثرة حديثه،
وضبطه، وإتقانه .
وقال ابنُ مَعِيْن: ليس بذاك القويِّ. انتهى.
وخرَّج له الترمذيُّ، وأبو داود، وغيرهما.
قال في ((المغني))(١): قال بعض النَّاس: ما روى عنه مثلُ ابن وَهَب،
(١) ((المغني في الضعفاء)) (٣٥٢/١).
٣٣٦

وابن المُبارك، فهو أجود وأقوى. انتهى.
وقال السُّيوطيُّ في ((حسن المحاضرة))(١): ابن لَهِيعَةَ، عَبْدُ اللّه بنُ
عُقْبَة بن لَهِيْعَة الحَضْرِمِيُّ المِصْرِيُّ أبو عَبْدِ الرَّحمن الفقيه، قاضي مِصْرَ
ومسندها .
عن عَطَاءِ، وعَمْرو بن دِيْنَارِ، والأعْرَج، وخلق.
وعنه الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وشُعْبَة، وماتوا قبله، وابنَ المُبَارك، وخلق.
وثّقه أحْمَدُ وغيره، وضعّفه يحيى القَطَّان وغيره. انتهى .
وفيها بَكْر بن مُضَر المِصْرِيُّ عن نّيِّفٍ وسبعين سنة.
قال ابنُ نَاصر الدِّين: كان إماماً حُجَّة من أفضل أهل زَمَانه، طويل
الحزن، خازناً للسانه. انتهى.
روى عن أبي قَبِيل المَعَافري وطائفة، وأكثر عنه قُتَيْبَةُ. وكنيته أَبُو
عَبْدِ الملك.
وفيها عَبْدُ الرَّحمن بن أبي الزِّنَاد المدنيُّ بَبَغدَادَ، وكان فقيهاً، مفتياً.
قال ابنُ مَعِيْن: هو أثبت النَّاس في هِشَام بن عُرْوَة.
قال في ((العبر))(٢): قلت: وروى الكثير عن أبيه وطبقته، وفيه ضعف
یسیر. انتهى.
وفيها يَعْقُوب بن عَبْد اللَّه الأشعريُّ القُمِّيُّ. رحل وحمل عن زَيْد بن
أُسْلم، وأكثر عن جَعْفَر بن أبي المُغِيْرَةِ القُمِّي .
قال في (المغني))(٣): صالحُ الحديث، مُحدِّث أهل قُمّ، يروي عن
(١) (٣٠١/١).
(٢) (١ /٢٦٥).
(٣) ((المغني في الضعفاء)) (٧٥٨/٢).
٣٣٧

جَعْفَر بن أبي المُغِيْرَة، وليث.
قال النَّسائيُّ : ليس به بأس.
وقال الدَّارقطنيُّ : ليس بالقويِّ. انتهى.
وفيها الأمير رَوْحُ بن حاتم بن قَبْصَة بن المُهَلَّب المُهَلَّبيُّ، أخو يزيد،
أحد القُوَّادِ الكبار، وَلِيَ إمرة الكُوْفَة وغيرها.
٣٣٨

سنة خمس وسبعين ومائة
فيها عقد الرَّشيد للأمين، وهو ابنُ خَمْسٍ سنين.
وفيها هَاجَتِ العَصَبِيَّةُ [والأهواء](١) بين القيسيّة واليمنية بالشَّام، ورأس
القيسية [يومئذٍ](٢) أبو الهيْذام المُرِّيُّ، وقتل بينهما بشرٌ كثيرٌ، واتصلت فتنتهما
إلى زمننا هذا.
وفيها توفي شيخُ الدِّيار المصرية وعالِمها أبو الحَارث اللَّيْثُ بن سَعْد
الفَهْمِيُّ، مولاهم، الفقيه، وأصله فَارِسيِّ أصبهاني .
قال في ((حسن المحاضرة))(٣): اللَّيْثُ بن سَعْد بن عَبْدِ الرَّحمن الفَهْمِيُّ
أبو الحَارث المِصْرِيُّ، أحد الأعلام ولد بقَرْ قَشَنْدَة (٤)؟ سنة أربع وستين.
وروى عن الزُّهري، وعَطَاء، ونَافع، وخلق. وعنه ابنُ شُعَيْب، وابنُ المُبَارك،
وآخرون.
قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثير الحديث، صحيحه. وكان قد اشتغل
(١) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٦٦/١).
(٢) زيادة من ((العبر)) للذهبي.
(٣) (٣٠١/١).
(٤) كذا في الأصل، والمطبوع، و((معجم البلدان)) (٣٢٧/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٢٣/٨)،
و((البداية والنهاية)) (١٦٦/١٠): ((قرقشندة))، وفي ((حسن المحاضرة)) (٣٠١/١)، و((وفيات
الأعيان)) (١٢٩/٤): ((قلقشندة)).
٣٣٩

بالفتوى في زمانه بمصر، وكان سريًّا(١) من الرِّجال، نبيلاً سخياً، له ضيافته.
وقال يحيى بن بُكَير: ما رأيت أحداً أكمل من اللَّيْثِ، كان فقيه النفس،
عربيَّ اللسان، يحسن القراءة(٢) والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حسن
المذاكرة .
وقال الشَّافعيُّ: كان اللَّيْثُ أفقه من مَالك، إلاّ أنه ضيّعه أصحابه.
قال ابنُ كثير(٣): وقد حكى بعضهم أنه ولي القضاء بمصر وهو غريب.
وقال الذهبيُّ في ((العبر))(٤): كان نائب مصر وقاضيها من تحت أوامر
اللَّيْث، وإذا رَابه من أحد(٥) شيءٌ كاتَبَ فيه فَيُعْزَل، وقد أراد المَنْصُور أن
يليَ إمرة مِصْرَ فامتنع. مات يوم الجمعة رابع عشر شعبان سنة خمس وسبعين
ومائة. انتهى ما قاله السيوطي في ((حسن المحاضرة)).
وقال ابنُ الأَهْدَل: أراده المَنْصُور لولاية مِصْرَ فأبى، وتولى قضاءها.
وروي أن الإِمام مالكاً أهدى له صينية رطباً، فأعادها مملوءة ذهباً. وكان يتخذ
لأصحابه الفالوذج، وكان يدخله في سنته ثمانون ألف دينار وما وجبت عليه
زكاةٌ، وكان لا يتغذَّى كل يوم حتَّى يطعم ثلاثمائة وستين مسكيناً. انتهى.
ولعله أراد ((يُصْبِحُ عَلَى كُلُّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكم صَدَقَةٌ)) الحديث(٦).
(١) يعني شريفاً. انظر (النهاية)) لابن الأثير (٣٦٣/٢).
(٢) كذا في الأصل: ((يحسن القراءة))، وفي المطبوع، و((حسن المحاضرة)): ((يحسن القرآن)).
(٣) ((البداية والنهاية)) (١٦٦/١٠).
(٤) ((العبر في خبر مَن عبر)) (٢٦٧/١).
(٥) كذا في الأصل، والمطبوع، و((حسن المحاضرة)): ((وإذا رابه من أحد))، وفي ((العبر))
للذهبي: ((وإذا رابه من أحدهم)».
(٦) رواه البخاري رقم (٢٧٠٧) في الصلح: باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم،
و(٢٨٩١) في الجهاد: باب فضل مَن حمل متاع صاحبه في السفر، و(٢٩٨٩) باب من أخذ =
٣٤٠