Indexed OCR Text

Pages 301-320

روى عن الشَّعبيِّ، ومُعَاذَة العَدَوِيَّة، والقدماء.
وفيها قتل في الزَّندقة بَشَّار بن بُرْد البَصْرِيُّ الأعمى، شاعر العصر.
قال ابنُ الأهْدَل: بَشَّار بن بُرْد العُقَيْلِيُّ مولاهم الشَّاعر المشهور، كان
أَكْمَهَ، جاحظ العينين، فصيحاً، مفوَّهاً، وكان يمدح المَهْدِيَّ فرمي عنده
بالزّندقة، فضربه حتَّى مات، وقد نيَّف على السبعين.
قيل: كان يفضِّل النار على الطين، ويصوِّب رأي إبْلِيْسَ في امتناعه من
السجود لآدم، وینسب إليه هذا البيت.
وَالنَّارُ مَعْبُوْدَةً مُذْ كَانَتِ النَّارُ(١)
الأَرْضُ مُظْلِمَةٌ وَالنَّارُ مُشْرِقَةٌ
قيل: وفُتُّشَتْ كتبه فلم يوجد فيها شيءٌ مما رُمي به.
وقيل: إنه هَجَا صَالح بن دَاوُد أخا يَعْقُوبِ الوَزِيْر فقال:
هُمُ حَمَلوا فَوْقَ المَنَابِرِ صَالِحَاً أَخَاكَ فَضَجَّتْ(٢) مِنْ أَخِيْكَ المَنَابِرُ(٣)
فقال يَعْقُوبُ للمَهْدِيِّ: إن بَشَّاراً هجاك بقوله:
يَلْعَبُ بالدَّبُّوْقِ(٤) والصَّوْلَجَانِ(٥)
خلِيْفَةٌ يَزْني بِعَمَّاتِه
وَدَسَّ مُوسى في حِرِ الخَيْزُرَانِ(٦)
أَبْدَلَنَا اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ
(١) البيت في ((الأغاني)) (١٤٥/٣)، و((وفيات الأعيان)) (٢٧٣/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((فصمت)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأغاني)) و((تاريخ الطبري))
و«وفيات الأعيان)).
(٣) البيت في ((الأغاني)) (٢٤٤/٣) و((تاريخ الطبري)) (١٨١/٨) و((وفيات الأعيان)) (٢٧٣/١).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((بالدفّ)) وهو خطأ، والتصحيح من ((الأغاني)) و((تاريخ الطبري)
و«وفيات الأعيان)».
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((وبالصولجان)) وأثبت لفظ ((الأغاني)) و((تاريخ الطبري)) و((وفيات
الأعيان)» .
(٦) البيتان في ((الأغاني)) (٢٤٣/٣) و((تاريخ الطبري)) (١٨١/٨) و((وفيات الأعيان)) (٢٧٣/١).
٣٠١

والخَيْزُرَان امرأة المَهْدِيِّ، وإليها تنسب دار الخَيْزُرَان بمكّة، فقتله
المھْدُّ. انتھی.
وقال ابنُ قاضي شُهْبَة: زنادقة الدُّنيا أربع: بَشَّارُ بن بُرْد، وابنُ
الرَّاوَنْدي(١)، وأبو حَيَّان التَّوْحِيْدِي، وأبو العَلَاَءِ الْمَعْرِّي. انتهى.
:
-
(١) سترد ترجمته في أول المجلد الرابع من طبعتنا هذه إن شاء اللَّه.
٣٠٢

سنة ثمانٍ وستين ومائة
فيها غزا المسلمون الرُّوم لنقضهم الهدنة.
وفيها سار سَعِيد الجُرَشِيُّ في سبعين ألفاً إلى طَبَرِسْتَان.
وفيها مات السيِّدُ الأميرُ أبو محمد الحَسَن بن زَيْد بن السيِّد الحَسَن بن
علي بن أبي طالب، شيخ بني هاشم في زمانه، وأمير المَدِيْنَة للمَنْصُور،
ووالد السيِّدة نَفِيْسَة.
وخافه المَنْصُور فحبسه، ثُمَّ أخرجه المَهْدِيُّ وَقَرِّبَهُ، ولم یزل معه حتّى
مات معه بطريق مَكَّة عن خمس وثمانين سنة. روى عن أبيه. وخرَّج له
النّسائيُّ.
قال في ((المغني))(١): ضعّفه ابنُ مَعِيْن، وقوّاه غيره. انتهى.
وفيها أَبُو الحَجَّاجِ خَارِجَةُ بنُ مُصْعَب السَّرَخْسِيُّ من كبار المُحَدِّثِيْنِ
بخُرَاسَان. رحل، وأخذ عن زَيْد بن أُسْلم وطبقته، وهو صدوقٌ كثيرُ الغلط،
لا يحتجّ به. قاله في ((العبر))(٢).
وسَعِيْد بن بَشِيْرِ الْبَصْرِيُّ ثم الدِّمشقيُّ المُحَدِّثُ المشهور، أكثر عن
قَتَادَة وطبقته .
قال أبُو مُسْهَر: لم يكن في بلدنا أحفظ منه.
(١) (١٥٩/١).
(٢) (٢٥٢/١ - ٢٥٣).
٣٠٣

وقال أبو حاتم: مَحلُّهُ الصَّدْقُ.
وضعفه غيره.
قال البخاريُّ: يتكلمون في حفظه.
وقَيْسُ بن الرُّبِيْعِ أَبُو مُحمَّد الأَسَدِيُّ الكُوْفيُّ، أحد علماء الحديث مع
ضعفه، على أنَّ ابنَ عَدِيٍّ قال فيه: عامّة رواياته مستقيمةٌ، والقول فيه ما قال
شُعْبَةُ، وأنه لا بأس به.
وقال عَفَّان: ثقة.
وقال أبو الوَلِيْد: حضر شَرِيْكٌ القاضي جنازة قَيْس بن الرَّبِيْع فقال:
ما ترك بعده مثله.
روی عن مُحارب بن دِثَار(١) وطبقته.
وفيها الأميرُ عِيْسى بن مُوسى بن مُحمَّد بن علي بن عَبْدِ اللَّه بن عَبَّاس
العَبَّاسيُّ وَلِيُّ عَهْدِ السَّفَّحِ بعد أخيه المَنْصُور، وقد ذكرنا أن المهديَّ خلعه،
وقد توفي أبوه شاباً سنة ثمانٍ ومائة.
وفُلَيْح بن سُلَيْمان المَدَنِيُّ مولى الخَطَّاب. روى عن نافع وطبقته،
واحتجَ به الشيخان، وكان ثقةً مشهوراً(٢) كثيرَ العلم، لِنَهُ ابنُ مَعِيْن.
وفيها مَنْدَلُ بنُ عَلَيِّ العَنَزِيُّ الكوفيُّ. روى عن عَبْدِ المَلك بن عُمَّيْر
وطبقته وكان صدوقاً مُكثراً، في حديثه لین.
ونَافع بن يَزِيد المِصْرِيُّ. عن جَعْفَر بن رَبِيْعَة وطبقته، وكان أحد الثقات.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((محارب بن زياد)) وهو خطأ، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي
(٢٥٣/١) وهو مصدر المؤلف في الترجمة.
(٢) في ((العبر)) (٢٥٤/١) (((مشهوداً)).
٣٠٤

سنة تسع وستين ومائة
فيها عَزَمَ المَهْدِيُّ على أن يقدّم هَارُوْنَ في العهد، ويؤخّر مُوسى
الهَادي، فطلبه وهو بجُرْجَان ففهمها ولم يقدم. فهمَّ بالمسير(١) إلى جُرْجَان
لذلك.
وفيها لثمانٍ بقين مَن المحرَّم سَاق المَهْدِيُّ - واسمه مُحمَّد أبُو
عَبْدِ اللَّه بن أبي جَعْفَر عَبْد اللّه بن مُحمَّد بن علي بن عَبْدِ اللَّه بن عَبَّاس
العَبَّسي - خلفَ صيْدٍ، فدخل الوحشُ خَرِبةً، فدخل الكلابُ خلفه، وتبعهم
المَهْدِيُّ، فدقَ ظهره في باب الخربة لِشدَّة سوقه، فتلف لساعته. وقيل: بل
أكل طعاماً سمَّته جارية لضرَّتها، فلما وضع يده فيه ما جسرت أن تقول: هَيََّتُه
لضرَّتي. فيُقال: كان إنجاصاً، فأكل واحدةً، وصاح من جوفه، ومات من
الغد عن ثلاث وأربعين سنة.
كانت خلافته عشرَ سنين وشهراً.
وكان جواداً، ممدَّحاً، محبّاً إلى النَّاس، وَصُولاً لأقاربه، حسن
الأخلاق، حليماً، قصَّاماً(٢) للزنادقة، وكان طويلاً أبيضَ مليحاً.
(١) لفظة ((المسير)) تحرّفت في ((العبر)) إلى ((المصير)) فتصحّح فيه.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((قضاباً))، وفي ((العبر)) للذهبي (٢٥٥/١): ((قصابا)) وكلاهما خطأ، =
٣٠٥

٠٫٠٠
يقال: إن المَنْصُور خلَّف في الخزائن مائة ألف ألف وستين ألف ألف
درهم، ففرَّقها المَهْدِيُّ ولم يَلِ الخلافة أحدٌ أكرم منه، ولا أبخل من أبيه.
ويقال: إنه أعطى شاعراً مرَّةً خمسين ألف دينار.
ويقال: إنه استضاف أعرابياً وقد انفرد عن جيشه في طلب صيد حتّى
جهد وعطش، فسقاه لبناً مشوباً، فكتب له بخمسمائة ألف، فأيسر ذلك
الأعرابيُّ وكثرت مواشيه، وبقي مرصداً للحاج، وسمي مضيف أمير
المؤمنین .
وقال في ((مروج الذهب))(١): حدَّث الفَضْلُ بن الرَّبيع قال: خرج
المهديُّ يوماً متنزّهاً ومعه(٢) عَمْرو بن رَبِيْع مولاه، وكان شاعراً، فانقطع عن
المعسكر، والنَّاس في الصيد، وأصاب المَهديَّ جوعٌ شديدٌ، فقال لعَمْرو:
ويحك ارْتَدْ إنساناً نجد عنده ما نأكل، قال: فما زال عَمْرو يطوف إلى أن
وجد صاحب مَبْقَلَةٍ وإلى جانبها كوخ له، فصعد إليه، فقال له عمرو: أما
عندك شيءٌ يؤكل؟ قال: نعم، رقاق من [خبز](٣) شعير ورَثِيْئَة (٤) وهذا البقل،
والكراث(٥) فقال له المَهْدِيُّ: إن كان عندك زيتُ فقد أَكْمَلْتَ، قال: نعم،
عندي فضلة منه، فقدَّم إليهما ذلك، فأكلا أكلاً كثيراً، وجعل المهدي
يستطيب أكله ويمعن فيه، حتَّى لم يكن فيه فضل، فقال لعَمْرو: قل شيئاً
= والتصحيح من ((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٧١/١).
(١) (٣٢٠/٣ - ٣٢١) وقد نقل المؤلف عنه بتصرّف.
(٢) في الأصل: ((وعنده))، وأثبت ما في المطبوع.
(٣) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((ورثيت))، وفي ((مروج الذهب)): ((ورثيثة))، والتصحيح من ((لسان
العرب)) (رثا). قال ابن منظور: الرَّثيئة: اللبن الحامض يحلب عليه فيخثر. ويعود الفضل
في وقوفي على وجه الصواب في هذه اللفظة إلى العالم الفاضل الدكتور مازن المبارك حفظه
اللَّه ذخراً لطلبة العلم في هذه الديار.
(٥) في الأصل: (والكراس)) بالسين وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
٣٠٦

تصف فيه ما نحن فيه، فقال عمرو:
ـتِ وخُبْزَ الشَّعِيْرِ بالكُرَّاثِ
إِنَّ مَنْ يُطْعَمِ الرِّثِيْئَةُ(١) بالزّْ
منِ لِسُوءِ الصَّنْعِ أَوْ بِثَلاَثِ(٢)
لحَقِيْقٌ بِصَفْعَةٍ أَوْ يِثِْبْـ
فقال له المَهْدِيُّ: بئس واللَّهِ ما قُلتَ، ولكن أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُول:
لَحِقِيْقٌ بَيَدْرَةٍ(٣) أو يِثِنْتَيْ نِ لِحُسْنِ الصَّنِيْعِ أَوْ ثَلَاثِ
ووافى المعسكر، ولحقته الخزائن، والخدم، والمواكب، فأمر لصاحب
المبقلة (٤) بثلاث بدرٍ دراهم.
وعار(٥) فرس المَهْدِيِّ مَرَّةً أخرى، وقد خرج للصيد فدفع(٦)) إلى
خباء(٧) أعرابي وهو جائع، فقال: يا أعرابيُّ هل عندك من قِرِئٍّ فإني ضيفك،
وأنا جائعٌ، فقال: أراك طريراً سميناً(٨))، جسيماً، عميماً، فإن احتملت
الموجود قَرَّبْنَا لك ما يحضر (٩) قال: هاتِ ما عندك، فأخرج له خبز مَلَّةٍ (١٠)
فأكلها، وقال: طيبة، هات ما عندك، فأخرج له(١١) لبناً فسقاه، فقال طيب،
(١) في الأصل، والمطبوع: ((الرثيث))، والتصحيح من ((لسان العرب)) (رثا).
(٢) البيتان في ((مروج الذهب)) (٣٢٠/٢).
(٣) قال في ((مختار الصحاح)) ص (٤٣): البَدْرة: عشرة آلاف درهم.
(٤) في الأصل: ((البقلة)) وهو تحريف، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((وغار)) وهو تصحيف، والتصحيح من ((مروج الذهب)).
قال في ((مختار الصحاح)) ص (٤٦٤): عار الفرس انفلت وذهب هاهنا وهاهنا من مَرحه.
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((فوقع)) وما أثبته من ((مروج الذهب)) (٣٢١/٢).
قال ابن منظور: دَفَعَ إلى المكان ودُفِعَ، كلاهما: انتهى، ويقال: هذا طريق يدفع
إلى مكان كذا، أي ينتهي إليه ((لسان العرب)) (دفع).
(٧) قال ابن منظور: الخِباء من الأبنية. انظر ((لسان العرب)) (خبأ).
(٨) لفظة ((سمينا)) لم ترد في ((مروج الذهب)) الذي بين يدي.
(٩) في ((مروج الذهب)): ((ما يحضرنا)).
(١٠) قال ابن منظور: المَلَّةُ: الرماد الحار والجمر. يقال: أكلنا خبز مَلَّةٍ، ولا يقال: أكلنا ملّةٌ.
((لسان العرب)) (ملل). المعنى: فأخرج له خبزاً مشوياً في الملّة.
(١١) في ((مروج الذهب)): ((فأخرج إليه)).
٣٠٧

هات ما عندك، فأخرج له فضلة نبيذ في زُكْرةٍ (١) فشرب الأعرابيُّ وسقاه، فلما
شرب قال له المهديُّ: أتدري(٢) مَن أنا؟ قال: لا والله. قال: أنا من خدم
الخَاصَّة، قال: بارك الله لك(٣) في موضعك وحَيَّاك (٤) من كنتَ، ثم شرب
الأعرابيُّ قدحاً وسقاه، فلما شرب قال [له](٥): يا أعرابيُّ أتدري مَن أنا؟ قال:
نعم ذكرت لي(٦) أنك من خدم الخاصة. قال: لست كذلك. قال فمَن (٧)
أنت؟ قال: أنا أحد قوّاد المَهْديِّ. قال: رَحُبَتْ دارك وطاب مزارك، ثم شرب
الأعرابيُّ قدحاً وسقاه، فلما شرب الثالث قال: يا أعرابيُّ، أتدري مَن أنا؟
قال: نعم زعمت أنك أحد قُوَّاد المَهْدِيِّ. قال: فلست كذلك، أنا أمير
المؤمنين بنفسه، فأخذ الأعرابيُّ زكرته(٨) فوكأها (٩) فقال له المَهْدُّ:
اسقنا. قال: لا والله لا تَشْرَبْ (١٠) منها جرعة فما فوقها، قال: ولِمَ؟ قال:
سقيتك واحداً، فزعمت أنك من خدم الخاصة، فاحتملناها لك، ثم سقيناك
آخر (١١) فزعمت أنك من قُوَّاد المَهْدِيِّ، فاحتملناها لك، ثم سقيناك الثالث(١٢)
فزعمت أنك أمير المؤمنين، ولا واللَّه ما آمَنُ أن أسقيك الرابع(١٣) فتقول
(١) الزكرة: زُقَيق للشراب، وفي ((مروج الذهب)) ((رکوة)). (ع).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((تدري)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٣) لفظة ((لك)) لم ترد في ((مروج الذهب)).
(٤) في ((مروج الذهب)): ((حباك)) وهو تصحيف.
(٥) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٦) لفظة ((لي)) لم ترد في ((مروج الذهب)).
(٧) في الأصل، والمطبوع: ((فممّن)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٨) في ((مروج الذهب)): ((ركوته)).
(٩) قال في ((مختار الصحاح)) ص (٧٣٥): الوكّاء ما يشدُّ به رأس القِرْبة.
(١٠) في الأصل، والمطبوع: ((لا شربت)) وما أثبته من ((مروج الذهب)).
(١١) في الأصل، والمطبوع: ((أخرى)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(١٢) في الأصل، والمطبوع: ((ثم سقيناك أخرى)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(١٣) في الأصل، والمطبوع: ((الرابعة)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
٣٠٨

إنك(١) رسول اللَّه، فضحك المَهْدِيُّ، وأحاطت به الخيل، ونزل إليه(٢)
أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابيِّ، ولم يكن همّه إلا النجاة
[بنفسه](٣) فجعل يشتد في عَدْوِهِ، فَرُدَّ إليه(٤) فقال له المَهْدِيُّ (٥): لا بأس
عليك، وأمر له بصلة جزيلةٍ من مالٍ، وكسوةٍ، فقال له: أشهد أنك الآن
صادق ولو ادّعيت الرابعة والخامسة، وضمّه في خواصّه، وأجرى له رزقاً.
انتهى كلام المسعودي .
وأول مَن هَّه، وعزّاه، وأجازه، أَبُو دُلَامَة حَيْثُ يقول:
بأمِيْرِهَاجَذْلی (٦) وَأُخْریْ تَذْرِفُ
عَيْنَايَ وَاحِدَةٌ تُرىْ مَسْرُوْرَةً
مَا أَنْكَرَتْ وَيَسُرُّهَا مَا تَعْرفُ
تَبْكِي وَتَضْحَكُ تَارَةً وَيَسُوْءُهَا
وَيَسُرُّهَا أنْ قَامَ هَذَا الأَرْأَفُ
فَيَسُوْءُهَا مَوْتُ الخَلِيْفَةِ مُحْرِمَاً
وَأَتَاكُمُ مِنْ بَعْدِهِ مَنْ يَخْلُفُ(٧)
هَلَكَ الخَلِيْفَةُ يَالَ أُمَّةِ أَحْمَدٍ
وقال عليُّ بن يَقْطِيْن: كنّا مع المَهْدِيِّ بماسَبَذَان(٨) فقال لي يوماً:
(١) في الأصل، والمطبوع: ((أنا)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((ونزل به)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٣) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٤) قوله ((فرد إليه)) لم يرد في ((مروج الذهب)).
(٥) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((بأمانها جذلاً)) وأثبت ما في ((تاريخ بغداد)).
(٧) الأبيات في ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٣٩٢/٥) من قطعة شعرية من ستة أبيات.
(٨) في الأصل: ((بماسندان)) وهو تصحيف، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قال القزويني في ((آثار البلاد وأخبار العباد)) ص (٢٦٠): ما سبذان مدينة مشهورة بقرب
السيروان، كثيرة الشجرة، كثيرة الحمامات والكباريت والزاجات والبوارق والأملاح. بها عين
عجيبة، مَن شرب منها قذف أخلاطاً كثيرة، لكنه يضرُّ بأعصاب الرأس، وإن احتقن بمائها
أَسْهَلَ إسهالاً عظيماً. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤١/٥).
٣٠٩

أصبحت جائعاً فأتني(١) بأرغفة ولحم باردٍ [مطبوخٍ بالخلِّ](٢) ففعلت، ثم
دخل البهو فنام، ثم نمنا نحن [في الدَّار](٣) في الرُّواق، فانتبهنا لبكائه،
فبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم(٤) ما رأيتُ؟ قلنا: ما رأينا شيئاً. قال:
وقف على [الباب](*) رجل لو أنه في ألف رجُلٍ ما خِفِيَ عليَّ صوته ولا
صورته فقال:
وَأَوْحَشَ مِنْهُ رَبْعُهُ وَمَنَازِلُهْ
كَانِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ آهِلُهْ
وَمُلْكٍ إلى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهْ
وَصَارَ عَمِيْدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ
تُنَادِي عَلَيْهِ مُعَوِلَاتٌ حَلَائِلُهْ
فَلَمْ يَبْقَ إلَّ ذِكْرُهُ وَحَدِيْئُهُ
قال عليُّ: فما أتت على المَهْدِيِّ بعد رؤياه هذه إلاَّ عشرة أيام حتَّى
توفي رحمه اللَّه(٦).
وفيها لما مات المَهْدِيُّ، أرسلوا بالخَاتم، والقضيب، إلى الهَادي،
فأسرع إلى البريد ودخل بَغْدَاد وبالغ(٧) في طلب الزنادقة، وقتل منهم عِدَّةً.
وفيها خرج الحُسَيْنُ بن عَلي بن حَسَن بن حَسَن بن الحَسَن بن
عَلي (٨) بن أبي طَالب الحَسَنيُّ (٩) بالمدينة وبايعه(١٠) عددٌ كثيرٌ، وحارب العسكر
(١) في ((تاريخ الطبري)): ((فأُتي)).
(٢) زيادة من ((تاريخ الطبري)).
(٣) زيادة من ((تاريخ الطبري)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((ما رأيتم)) وأثبت ما في ((تاريخ الطبري)).
(٥) زيادة من ((تاريخ الطبري)).
(٦) القصة في ((تاريخ الطبري)) (١٧١/٨) بسياق مقارب.
(٧) في ((العبر)) (٢٥٥/١): ((وبلغ)) وهو تحريف فيصحّح فيه.
(٨) في المطبوع: ((الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي)). وانظر ((تاريخ خليفة بن خياط))
ص (٤٤٥).
!
(٩) في ((العبر)) (٢٥٦/١): ((الحسيني)).
(١٠) في ((العبر)): ((وتابعه)).
٣١٠

الذي (١) بالمدينة، وقتل مقدَّمهم خَالِد البَرْبَري(٢) ثم تأهَّب وخرج في
جمعٍ إلى مَكَّة، فالتفِّ عَلَيْه خلقٌ كثيرٌ، فأقبل ركبُ العِرَاق معهم جماعةٌ من
أمراء بني العَبَّاس في عُدَّةٍ وخيلٍ، فالتقوا بفَخَّ(٣) فقتل الحُسَيْنُ في مائة من
أصحابه .
وقُتل الحَسَن بن مُحمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن حَسَن الذي خَرَج أبوه زمان
المَنْصُور.
وهرب إذْرِيْس بن عَبْدِ اللَّه بن حَسَن إلى المَغْرِب، فقام معه أهل
طَنْجَة، وهو جدُّ الشُرَفَاءِ الإِدْرِيسِّين. ثم تحيَّل الرَّشِيْدُ وبَعَثَ مَنْ سَمَّ إِذْرِيس،
فقام بعده ابنه إِذْرِيْس بنُ إِدْرِيْس، وتملَّك مُدَّةً .
وفيها توفي أبو السَّلِيْلِ عُبَيْدُ اللَّه بن إِياد بن لَقِيْطِ الكُوْفيُّ، وله عن أبيه
نُسْخَةً، وكان عريف قومه بني سَدُوس.
قال في ((المغني))(٤): عُبَيْدُ اللَّه بن إِيَاد بن لَقِيْط، ثقةٌ.
قيل: إن بعض روايته صحيحة(٥). قاله ابنُ قَانع.
وفيها - كما قال ابنُ نَاصر الدِّين - نَافِعُ بن عُمَر الجُمحيُّ القُرَشيُّ المکيُّ .
كان مُحدِّث مَكّة، حافظاً، ثَبْتاً.
قال عَبْدُ الرَّحمن بن مَهْدي: كان من أثبت النَّاس.
قال في ((المغني))(٦): نَافِعُ بنُ عُمَر الجُمَحِيُّ، حجَّة.
(١) في ((العبر)): ((العساكر التي)).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((البربذي)) وهو تحريف، والتصحيح من ((العبر)) للذهبي مصدر
المؤلف، وانظر ((تاريخ الطبري)) (١٩٢/٨ - ٢٠٤).
(٣) قال ياقوت: فخ واد بمكة. وانظر تتمة كلامه في ((معجم البلدان)) (٢٣٧/٤ - ٢٣٨).
(٤) ((المغني في الضعفاء)) (٤١٤/٢).
(٥) تحرّفت لفظة ((صحيحة)) في ((المغني)) إلى ((صحيفة)) فتصحّح فيه.
(٦) (٦٩٣/٢).
٣١١

قال أحمد: ثقةٌ ثَبْتُ.
وقال ابنُ سَعْد: ثقةً فيه شيءٌ. انتهى(١).
ومحمد بن مُطَرِّف المَدْنِيُّ، ثقةٌ عُمْدَة.
ومُعَاوِيَة بن سَلَّم بن أبي سَلَّم - مَمْطور الحبشيُّ الشَّامِيُّ الدِّمشقيُّ -
كان ثقةً متقناً.
وجَرِيْرُ بن حَازم الأَزْدِيُّ البَصْرِيُّ، أحد فصحاء البَصْرَةِ ومُحدِّثيها، عُمِّرَ
دَهْرَاً، واختلط بآخرةٍ، فحجبه ابنه وَهَب، فلم يروِ شيئاً في اختلاطه. روى
عن الحَسَنِ والكبار، وحضر جنازة أبي الطَّفَيْل بمكّة.
وقيل: توفي جَرِيْرُ هَذَا سنة سبعين. جزم به في ((العبر))(٢).
وفيها أَبُو سَعِيْدِ المُؤَدِّبُ بَبَغْدَاد، واسمه مُحمَّد [بن مُسْلم](٣) وهو
جَزَرِيٌّ. روى عن عَبْدِ الكَرِيْم الجَزَرِيِّ، وحَمّاد بن أبي سُلَيْمَان،
[وجماعة](٣) وهو مُؤدِّبُ مُوسی الهَادِي.
وفيها نَافِعُ بن أبي نُعَيْم (٤) أَبُو عَبْد الرَّحمن، وقيل: أبو رُوَيْم اللَّيْئِيُّ،
مولاهم، قارىءُ أهلِ المدينة، وأُحَدُ السَّبْعَةِ.
قال مُوسى بن طارق: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين.
وقال اللَّيْثُ: حَجَجْتُ سنة ثلاث عشرة ومائة، وإمام النّاس في القراءة
(١) قلت: وقال الذهبيُّ في ((العبر)) (٢٥٧/١): وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت
الناس.
(٢) (٢٥٨/١).
(٣) زيادة من ((العبر)) للذهبي (٢٥٦/١) وهو مصدر المؤلف في كلامه.
(٤) في ((معرفة القرّاء الكبار)) للذهبي (١٠٧/١) طبع مؤسسة الرسالة: ((نافع بن عبد الرحمن بن
أبي نُعَيْم ... وقيل: يكنى أبا الحسن، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، وقيل
أبو نعيم، وأشهرها أبو رُوَیْم.
٣١٢

نَافِعُ بنُ أبي نُعَيْم.
وقال مالك: نَافِعُ إِمَامُ النَّاس في القراءة.
قال في ((المغني))(١): وثّقه ابنُ مَعِيْن(٢) وقال أحمد: كانت تؤخذ عنه
القراءة(٣) وليس بشيءٍ في الحديث. انتهى.
وكان إذا قرأ يُشَمُّ مَن فيه ريح الِسْكِ، ولذا قال في ((الشاطبية)):
فأما الكَريمُ السرِّ في الطِيب نافع
وفيها ثَابِتُ بن يَزِيْدِ الأَحْوَلِ البَصْرِيُّ، له عن هِلَال بن خبّاب(٤)
وجماعة، وكان من ثقات الشيوخ.
(١) (٦٩٣/٢).
(٢) في ((المغني)) المطبوع: ((وثّقه أحمد)).
(٣) في ((المغني)): ((كان يؤخذ عنه القرآن)).
(٤) في ((العبر)) للذهبي (٢٥٧/١): ((ابن حباب)) وهو تصحيف فيصحح فيه.
٣١٣

سنة سبعين ومائة
في أحد ربيعيها(١) توفي الخليفة أبو مُحمَّد مُوسى الهادي بن المَهْدِيِّ،
وكان طويلاً، أبيضَ، جسيماً، مات من قَرحةٍ أصابته، وقيل: قَتَلَتْهُ أُمُّه
الخَيْزُرَان لَمَّا هَمَّ بقتل أخيه الرَّشِيْد، فعَمَدت لما وعِك إلى أن غمَّته(٢)
وعاش بضعاً وعشرين سنة، فاللَّه يسامحه، فلقد كان جبّاراً ظالمَ النفس. قاله
في ((العبر))(٣).
وقال في ((مروج الذَّهب))(٤): كان موسى قاسي القلب، شرس الأخلاق،
صعب المَرَام، كثير الأدب، مُحبّاً له، وكان شديداً، شجاعاً بطلًا، جواداً، سمحاً(٥).
حدَّث يُوسف بن إِبْرَاهِيم الكاتب صاحب إبراهيم بن
المَهْدي، عن إِبْرَاهِيْم، أنه كان واقفاً بين يديه وهو على حمارٍ له ببستانه
المعروف(٦) بَغْدَاد، إذ قيل له: قد ظفر برجل من الخوارج، فأمر بإذْخَالِهِ
(١) في الأصل: ((في أحد ربيعها))، وأثبت ما في المطبوع، وهو الصواب.
(٢) أي غطّته. انظر ((مختار الصحاح)) ص (٤٨٢).
(٣) (٢٥٨/١).
(٤) (٣٣٥/٣ - ٣٤٦) والمؤلف ينقل عنه بتصرف.
(٥) في ((مروج الذهب)): ((سخياً).
(٦) في الأصل، والمطبوع: ((المعروفة)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
٣١٤

إليه، فلما قُرِّب الخارجيُّ إليه، أخذ الخارجيُّ السيف من بعض الحرس،
وأقبل يريد موسى، فتنحَيتُ وكلُّ مَنْ كان معي، وإنه(١) لواقف على حماره
ما يتحلحل، فلما أن قرب منه [الخارجيُّ](٢) صاح مُوسى: اضربا عنقه، وليس
وراءه أحد منّا، فأوهمه، فالتفت الخارجيُّ [لينظر](٣) وجمع موسى نفسه ثم
طفر عليه (٤) فصرعه، وأخذ السيف من يده فضرب به عنقه.
قال(٥). فكان خوفنا منه أكثر من الخارجي، فوالله ما أنكر علينا تنحّينا،
ولا عَذَلنا [على ذلك](٦) ولم يركب حماراً بعد ذلك اليوم، ولا فارقه
سيف(٧) . انتهى .
وحدّث عَبْدُ اللَّه بن الضَّحَّاك عن الهَيْثَم بن عَدي، قال: وهَبَ المَهْدِيُّ
لموسى الهادي سیف عمرو بن معدي کرب الصَّمْصَامَة، فدعا به مُوسی بعد ما
ولي الخلافة، فوضعه بين يديه، ودعا بمِكْتَل(٨) دنانيرٍ، وقال لحاجبه: ائذن
للشعراء، فلما دخلوا، أمرهم أن يقولوا في السيف، فبدأهم ابن يَامِيْن
البَصْرِي فقال:
(١) يعني موسى الهادي.
(٢) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٣) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٤) في ((مروج الذهب)): ((ظهر عليه)).
قال ابن منظور: الطَّفْرُ: وثبة في ارتفاع، كما يطفر الإِنسان حائطاً، أي يثبه ... وقد
طفر يطفر طفراً: وثب في ارتفاع. ((لسان العرب)) (طفَّر).
(٥) القائل إبراهيم بن المهدي.
(٦) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٧) في ((مروج الذهب)): ((ولا فارقه سيفه)).
(٨) قال ابن منظور: المكتل والمكتلة: الزَّبيل الذي يحمل فيه التمر أو العنب إلى الجرين،
وقيل: المكتل شبه الزَّبيل يسع خمسة عشر صاعاً. ((لسان العرب)) (كتل).
٣١٥

حَازَ صَمْصَامَةَ الزُّبَيْدِيِّ عَمْروٍ
سَيْفُ عَمْرو وَكَانَ فِيْمَا سَمِعْنَا
أُوْقِدَتْ فَوْقَهُ الصَّوَاعِقُ نَاراً
وَإِذَا مَا شَهَرْتَهُ تَبْهَرُ الشَّمْـ
رِيَ فِي صَفْحَتَيْهِ مَاءٌ مَعِيْنُ
وَكَأَنَّ الْفِرَنْدَ(١) والجَوْهَرَ الجَا
أَشِمَالٌ سَطَتْ بِهِ أَمْ يَمِيْنُ(٢)
مَا يُبَالِي إِذَا الضَّرِيْبَةُ حَانَتْ
مِنْ جَمِيْعِ الأَنَامِ مُوسَى الأَمِيْنُ
خَيْرَ مَا أُغْمِدَتْ عَلَيْهِ الْجُفُوْنُ
ثُمَّ شَابَتْ بِهِ الذُّعَافَ المُنُوْنُ
ـسَ ضِيَاءٌ فَلَمْ تَكَدْ تَسْتَبِيْنُ
فقال [له] الهَادِي: لك السيف والمكتل، فخذهما، ففرَّق المِكْتَل
على الشعراء، وقال: دخلتم معي وحُرِمْتُمْ من أجلي، وفي السيف عوض،
ثم بعث إليه الهَادِي، فاشترى منه السيف بخمسين ألفاً. انتهى.
وكان عِيْسى بن دأب من أهل الحِجَازِ، وكان أكثر أهل عصره أدباً،
وعلماً، ومعرفة بأخبار النَّاس وأيامهم، وكان الهَادِي كلفً به، يقول له:
يا عِيْسى ما استطلت(٣) بك يوماً ولا ليلة ولا غبت عنّي إلَّ ظننت أني لا أرى
غيرك (٤).
وذكر (٥) عِيْسى هذا أنه رُفع إلى الهَادِي، أن رجلاً من أرض المُنْصُوْرَة(٦)
(١) الفِرَنْدُ: السيف. انظر ((مختار الصحاح)) ص (٥٠١).
(٢) الأبيات في ((مروج الذهب)) للمسعودي (٣٤٥/٣ - ٣٤٦)، و((زهر الآداب)) للقيرواني
(٧٨١/٢)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٠٩/٦).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((ما استطاعت))، والتصحيح من ((مروج الذهب)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((غيرى)) والتصحيح من ((مروج الذهب)).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((فذكر)) وما أثبته من ((مروج الذهب)).
(٦) في الأصل: ((المنصور)) وهو خطأ، وأثبت ما في المطبوع وهو الصواب.
قال ياقوت في (معجم البلدان)) (٢١١/٥): المنصورة: مفعولة من النصر في عدة
مواضع، فيها المنصورة بأرض السند وهي قصبتها، مدينة كبيرة كثيرة الخيرات ذات جامع
كبير. وانظر تتمة كلامه هناك.
٣١٦

من بلاد السِّند من أشرافهم وأهل الرياسة منهم من آل المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة
ربى غُلاماً سندياً، أو هندياً، وأن الغلام هويَ مولاته، فراودها عن نفسها،
فأجابته، فدخل السيد فأصابه معها، فجبّ ذَكَرَ الغلام وخصاه، ثم عالجه إلى
أن برأ فأقام مُدَّةً، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفلٌ والآخر يافعٌ، فغاب الرجل
عن منزله، وعاود وقد أخذ السِّنديُّ الصبيين وصعِد بهما إلى أعالي سور
الدَّار، إذ دخل مولاه، فرفع رأسه فإذا هو بابنيه مع الغلام على السور، فقال:
يا فلان عَرَّضْتَ ابنيَّ للهلاك، فقال: دَْع ذا عنك، والله إن لم تَجُبَّ نفسك
بحضرتي لأرمينّ بهما، فقال له: اللَّه الله فيَّ وفي ابنيَّ، قال: دَْع ذا عنك،
فوالله ما هي إلا نفسي، وإني لأسمح بها من شربة ماء، وأهوى ليرمي بهما،
فأسرع مولاه فأخذ مُدْيةً وجبَّ نفسه، فلما رأى الغلام أنه قد فعل، رمى
بالصبيين فتقطّعا، وقال: ذلك الذي فعلت، فعلت بفعلك بي، وقتلي هذين
زيادةً، فأمر الهادي بالكتاب إلى صاحب السِّند بقتل الغلام، وتعذيبه بأفظع
ما يكون من العذاب، وأمر بإخراج كل سنديٌّ في مملكته، فَرَخُصَ السِّنْدِيُّ
في أيامه حتَّى كانوا يُتداولون بالثمن اليسير.
وقال ابنُ دأب: قال لي الهَادي: هَلُمّ بنا إلى ذكر فضائل البَصْرَةِ،
والكُوْفَةِ وما زادت به كل واحدة منهما على الأخرى. قال: قلت: ذُكر عن
عَبْدُ المَلك بن عُمَيْرِ أنه قال: قَدِمَ علينا الأحْتَفُ بن قَيْس الكُوْفَةً مع
مُصْعَب بن الزُّبَيْر، فما رأيت شيخاً [قبيحاً](١) إلّ وقد رأيت في وجه
الأحنفِ منه شبهاً(٢) كان صَعْلَ الرأس، أَعْصَفَ (٣) الأذن، باخِقَ
(١) لفظة ((قبيحاً)) سقطت من الأصل، وأثبتها من المطبوع.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((شيئاً)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)) للمسعودي (٣٤٠/٣).
(٣) في المطبوع: ((أغصف)) وهو تصحيف.
٣١٧

العين، ناتىء الوجه، مائل الشِّدّقِ، متراكب الأسنان، [ضعيف العارضين
أحْتَفَ الرِّجْلِ ](١) ولكنه كان إذا تكلم جَلَّ عن نفسه، فجعل يفاخرنا ذات
يوم بالبَصْرَةِ، ونفاخره بالكُوْفَةِ، فقلنا: الكُوفة أغْذَى، وأمرأ، وأفسح،
وأطيب، فقال له رجلٌ: والله ما أشبه الكُوْفَةَ إلا بشابة صبيحة(٢) الوجه،
كريمة الحَسَب، لا مال لها، فإذا ذكرت حاجتها كفّ النَّاس عنها،
وما أُشبِّه البَصْرَة إلّ بعجوزٍ ذات عَوَارِضَ موسرة، فإذا ذُكرت ذُكر
يسارها وذكرت عوارضها فكفَّ عنها طالبها، فقال الأحنف: أما البَصْرَةُ فَإِنَّ
أسفلها قَصَبٌ، وأوسطها خَشَبٌ، وأعلاها رُطَبٌ، نحن أكثر ساجاً، وعاجاً،
وديباجاً، ونحن أكثر قيداً(٣) ونقداً، واللَّه ما آتي البَصْرَة إلّ طائعاً ولا أخرج
منها إلَّ كارهاً. قال: فقام إليه شابُّ من بَكْر بن وائل فقال: يا أبا بَحْر، بِمَ (٤)
بلغت في النَّاس ما بلغت؟ فوالله ما أنت بأَجْمَلهم، ولا بأَشْرَفهم، ولا
بأشجعهم، قال: يا ابن أخي، بخلاف ما أنت فيه، قال: وما ذاك؟ قال بتركي
ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا [ينبغي أن](٥) يعنيك. انتهى.
وحدَّث عدة [من الأخباريين](٦) من ذوي المعرفة بأخبار الدولة، أن
موسى قال لهَارون أخيه: كأني بك تحدّث نفسك بتمام الرُّؤيا، وتؤمِّل ما أنت
منه (٧) بعيد، ومن دون ذلك خَرْطُ القَتَادِ (٨) فقال هَارون: يا أمير المؤمنين
(١) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٢) في الأصل: ((بإنسانة صبيحة))، وفي المطبوع: ((بإنسانية قبيحة))، وأثبت ما في ((مروج
الذهب».
(٣) في ((مروج الذهب)): ((قنداً)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((بما)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٥) ما بين حاصرتين زيادة من ((مروج الذهب)).
(٦) زيادة من ((مروج الذهب)).
(٧) في (مروج الذهب)): ((ما أنت عنه)).
(٨) في ((مروج الذهب)): ((خَرْطُ القناد)) وهو تصحيف. وانظر ((لسان العرب)) (قتد).
٣١٨

مَن تكبِّر وُضِع، ومَن تواضع رُفِع، ومَن ظلم خُذِل، وإن وصل الأمر إليَّ
وصلتُ من قطعتَ، وبررت من حرمتَ، وصيّرتُ أولادك أعلى من أولادي،
وزوّجتهم بناتي، وقضيت بذلك حقِّ الإِمام المهديِّ، فانجلى عن موسى
الغضب، وبانَ السُّرور في وجهه، وقال: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، أُدْنُ
منّي، فقام هارون فَقَّلَ يده، ثم ذهب ليعود إلى مجلسه، فقال له موسى :
والشيخ الجليل، والملك النبيل، لا جلستَ إلَّ معي في صدر المجلس، ثم
قال يا خزائني! احمل إليه(١) الساعة ألف ألف دينار، فإذا فتح الخَرَاجُ
فاحمل إليه نصفه(٢) فلما أراد هَارون الرَّشيد الانصراف، قُدِّمت دابته إلى
البساط.
قال عَمْرو الرُّوميُّ: فسألت الرَّشيد عن الرؤيا، فقال: قال المَهْديُّ:
رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيباً، وإلى هارون قضيباً، فأما
قضيب موسى فَأَوْرَقَ أعلاه قليلاً، وأما قضيب هَارون فَأُوْرَقَ من أوله إلى
آخره، فَقَصَّ الرؤيا على الحكيم(٣) ابن إسْحَاق الصَّيْمَرِيِّ(٤) فكان يعبرها،
فقال له: يملكان جميعاً، فأما موسى فتقلّ أيامه، وأما هارون فيبلغ آخر
ما عاش خلیفة، وتكون أيامه أحسن الأيام، ودهره أحسن الدهور.
وقال عَمْرو الرُّومِيُّ: فلما أفضت الخلافة إلى هَارون زَوَّج ابنته حَمْدُوْنَة
من جَعْفَر بن مُوسى، وفَاطمة من إِسماعِيْل بن مُوسى، ووفى له بكل
ما وعده.
وفيها بويع الرَّشِيْد، ومن الاتفاق العجيب أنَّ الرَّشيد سَلَّم عليه بالخلافة
(١) في ((مروج الذهب)): ((يا خزَّاني! احمل إلى أخي)).
(٢) في الأصل والمطبوع: ((نصفها)) وأثبت ما في ((مروج الذهب)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((الحكم)) والتصحيح من ((مروج الذهب)).
(٤) لم أقف على ذكر له فيما بين يدي من كتب الرجال.
ـه
٣١٩

عمّهُ سُلَيْمَان بن المَنْصُورِ، وعُمُّ أبيه المَهْدي - وهو العَبَّاس بن محمد - وعُمُّ
جدّه المَنْصُور - وهو عبد الصمد بن علي - ذكره ابن الجوزي في ((الشذور)).
وفيها توفي الرَّبِيْع بن يُونس أبو الفضل حاجب المَنْصُور، والمهدي،
وله مع المنصور أمورٌ، منها أن المَنْصُور قال له يوماً: سَلْني حاجتك، قال: أن
تحبّ ابني. قال: [ويحك!](١) إن المحبة تقع بأسباب، قال: قد أمكنك اللَّه
من إيقاع(٢) سببها، قال: كيف؟ قال: تفضل عليه فيحبك. قال: واللَّه قد
أحببته [وقد حبّته إليَّ](٣) قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبّة
دون كل شيء؟ قال: لتكون ذنوبه عندك كذنوب الصبيان، وشفاعته كشفاعة
العريان، وأشار إلى قول الفَرَزْدق(٤):
مِثْلَ الشَّفِيْعِ الَّذِي يَأْتِيْكَ عُرْيَاناً (٥)
لَيْسَ الشَّفِيْعُ الَّذي يَأْتِيْكَ مُتَّزِرَاً
وقال له [المَنْصُوْرُ] يوماً: [ويخك](٦) يا رَبِيْع! ما أطيب الحياة(٧) لولا
الموت، فقال ما طيِّيها إلَّ الموت(٨)، يعني بموت مَن قبلك وصلت إليك
الخلافة .
1
(١) زيادة من (وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢٩٤/٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٣٧٤/١).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((من أنواع)) والتصحيح من ((وفيات الأعيان))، و«مرآة الجنان)).
(٣) زيادة من ((مرآة الجنان)).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((وأشار إلى قول الورد)) وهو خطأ، والتصحيح من ((وفيات الأعيان))،
و«مرآة الجنان)».
(٥) البيت في ((ديوانه)) (٨٧٣/٢) بعناية الصاوي، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢٩٤/٢)
و «مرآة الجنان)) اليافعي (٣٧٤/١) وقد ساق كلاهما قصة البيت فليرجع إليهما مَن شاء وفي
((ديوانه)): ((مؤتزراً)) بدل ((متزراً)).
(٦) زيادة من ((وفيات الأعيان)) (٢٩٥/٢)، و((مرآة الجنان)) (٣٧٥/١).
(٧) في ((وفيات الأعيان)) و((مرآة الجنان)): (ما أطيب الدُّنيا)).
(٨) في ((وفيات الأعيان))، و((مرآة الجنان)): (ما طابت إلا بالموت)).
٣٢٠