Indexed OCR Text

Pages 381-400

أَيَحْلِفُونَ على عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ مَا عِلْمُهُمْ بِعَظِيْمِ العَفْوِ غَفَّارٍ(١)
وكان موته بالأكِلَةِ (٢) في بطنه، سَوَّغَهُ الطبيب لحماً في خَيْطٍ فخرج
مملوءاً دوداً وسُلِط عليه أيضاً(٣) البَرْدُ، فكان يُوقِدُ النَّار تحته وتَأْجَّجُ حتى
تَحْرِقَ ثيابه (٤) وهو لا يُحِسِّ بها، فشكا [ ما يجده ](٥) إلى الحَسَنِ البَصْريِّ
فقال [ له](٦) ألم أكن نَهَيْتُكَ أن تتعرَّض للصالحين [ فلججت، فقال له:
يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرج عني، ولكني أسألك أن تسأله أن
يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي، فبكى الحسن بكاءً شديداً، وأقام
الحجّاج على هذه الحال بهذه العلة خمسة عشر يوماً ](٧) فلما أُخبر الحَسَنُ
بموته سجد شكراً، وقال: اللهمّ كما أمته أمت(٨) سُنَّته (٩).
وكان (١٠) قد رأى أن عينيه قُلعتا: وكان تحته هِنْدُ بنتُ المُهَلَّبْ، وهِنْدُ
بنتُ أَسْمَاء بن خَارِجَة فطلَّقهما (١١) ليتأوَّل رؤياه بهما، فمات ابنُهُ مُحمَّد،
وجاءه نَعْيُ أخيه مُحمَّدٌ من اليَمَنِ، فقال: هذا والله تأويل رُؤْيايَ محمَّدٌ
(١) البيتان في ((وفيات الأعيان))، و((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٢٣١/٦) مع بعض
الاختلاف في ألفاظهما.
(٢) سبق أن أشرنا إلى أن الأكلة داء يقع في العضو فيأتكل منه. انظر ص (٣٧٣).
(٣) في المطبوع: ((وسلط أيضاً عليه)).
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ((حتى تحرق جلده)).
(٥) لفظة ((ما يجده)) التي بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان، الذي ينقل عنه
المؤلف.
(٦) زيادة من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان.
(٧) ما بين حاصرتين زيادة من ((وفيات الأعيان)) لابن خلِّكان.
(٨) في المطبوع: ((فأمت)).
(٩) في ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان: ((اللهم إنك قد أمته فأمت سنته)).
(١٠) يعني الحجّاج.
(١١) في الأصل: ((فطلقها)) وما أثبتناه من المطبوع.
٣٨١

ومحمَّدٌ في يومٍ واحدٍ، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال مَنْ: يقول شعراً
فَيُسَلِّينِي [ به؟](١) فقال: الفَرَزْدَقُ:
فِقْدَ[انُ](٢) مِثْلِ مُحمَّدٍ ومُحمَّدٍ
إِن الرَّزِيَّةَ لَا رَزِيَّةً بَعْدَها
مَلِكَان قَدْ خَلَتْ المَنَابِرُ مِنْهُمَا أَخَذَ الحِمَامُ عليهما بالمرصدِ(٣)
قيل: قَتَلَ مِائة ألفٍ وعشرين ألفاً، وَوُجِدَ في سُجُونه بعد موته ثلاثةٌ
وثلاثون ألفاً لم يَجِبْ على أحدٍ منهم قَطْعٌ ولا صَلْب، ويقال: إن زِيَادَ ابنَ
أبيه أراد [ أن ] يتشبَّ بِعُمَرَ في ضبطه وسياسته، فتجاوز الحدَّ ولم يُصِبْ،
وأراد الحَجَّاجُ أن يتشبَّه بِزِيَادٍ فدمَّر وأَهْلَكَ (٤) .
وفي شعبان من السنة المذكورة قَتَلَ الحَجَّاجُ - قاتله الله - سَعِيْدَ بنَ جُبَيْر
الوَالبيّ مولاهم الكُوْفيَّ المقرىءَ، المُفَسِّرَ، الفقيهَ، المُحدِّث، أحدَ الأعلام،
وله نحوٌ من خمسين سنة، أكثر روايته عن ابن عبَّاس، وحدَّث في حياته
بإذنه، وكان لا يكتب الفتاوى مع ابن عبّاس، فلما عَمِيَ ابنُ عبَّاس كَتَبَ،
وروي أنه قرأ القرآن في ركعةٍ في البيت الحرام، وكان يَؤُمُّ النَّاس في شهر
رمضان، فيقرأ ليلةً بقراءةٍ ابن مَسْعُودٍ، وليلةً بقراءةٍ زَيْد بن ثَابِتٍ، وأخرى
بقراءة غيرهما، وهكذا أبداً، وقيل: كان أعلم التَّابعين بالطَّلاق سَعِيْدُ بنُ
جُبَيْر، وبالحَجِّ عَطَاءٌ (٥)، وبالحلال والحرام طاووس (٦) وبالتفسير
(١) زيادة من ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان.
(٢) زيادة من المطبوع، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان.
(٣) البيتان في
(٤) قال الذهبي في آخر ترجمته للحجَّاج في ((تاريخ الإسلام)) (٣٥٥/٣): وعندي مجلد في
أخبار الحجاج فيه عجائب، لكن لا أعرف صحتها.
(٥) يعني عطاء بن أبي رباح، الإِمام، الفقيه، الواعظ، الحجة، المتوفى سنة (١١٤)، وسترد
ترجمته في المجلد الثاني من كتابنا هذا.
(٦) يعني طاووس بن كيسان اليماني الجندي الخولاني، أحد الأئمة الأعلام في عصره، =
٣٨٢

مُجَاهِدُ(١) ، وأجمعهم لذلك سَعِيْدُ بنَ جُبَيْر، وقتله الحَجَّاجُ وما على وجه
الأرض أحد إلّ وهو مفتقرٌ إلى عِلْمِهِ.
وقال الحَسَن (٢) يوم قتله: اللهمّ أَعِنْ على فاسِقِ ثَقِيْف، واللَّهِ لو أنَّ
أهل الأرضِ اشتركوا في قتله لأكبَّهم (٣) الله في النار. وقال أَبُو الْيَقْظَان (٤):
هو - أي سعيد - مولىٌّ لبني وَالِيةَ من بني أَسَدٍ، ويُكْنى أبا(٥) عَبْد الله، وكان
أسود، وكتب لعَبْدِ الله بن عُتْبَة بنِ مَسْعُودٍ، ثم كتبَ لأبي بُرْدَةً وهو على
القضاء وبيت المال، وكان سَعِيْدُ مع عَبْد الرَّحْمن بن مُحمَّد بن الأشْعَثِ بن
قَيْس، لما خرج على عَبْدِ الملكِ بن مَرْوَان، فلما قُتِل عَبْدُ الرَّحْمنِ وانهزَمَ
أصحابُهُ من دَيْرِ الجَمَاجِمْ(٦) هرب فلحق بمكَّة، وكان وَالِيَها يومئذٍ خَالدُ بنُ
المتوفى سنة (١٠٦)، وسوف ترد ترجمته في المجلد الثاني من كتابنا هذا. وانظر ((الأمصار
=
ذوات الآثار، للذهبي ص (٤٨) بتحقیقنا، طبع دار ابن كثير.
(١) يعني مجاهد بن جبر، شيخ القرّاء، والمفسرين في عصره، المتوفى سنة (١٠٣ هـ). انظر
((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (١٧)، وسوف ترد ترجمته في المجلد الثاني من كتابنا
هذا .
(٢) يعني الحسن البصري، إمام أهل البصرة، وخير أهل زمانه، المتوفى سنة (١١٠هـ). وسترد
ترجمته مفصلة في المجلد الثاني من كتابنا هذا.
(٣) في المطبوع: ((لكبهم)).
(٤) هو عامر بن حفص، عالم بالأنساب، يلقب بسحيم، توفي سنة (١٩٠هـ). انظر ((الأعلام))
للزركلي (٢٥٠/٣).
(٥) في الأصل: ((أبو)) وأثبتنا ما في المطبوع وهو الصواب.
(٦) قال ياقوت: دير الجماجم بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر للسالك إلى
البصرة، قال أبو عبيدة: الجمجمة القدح من الخشب، وبذلك سمي دير الجماجم، لأنه كان
يُعمل فيه الأقداح من الخشب. والجمجمة أيضاً: البئر تحفر في سبخة، فيجوز أن يكون
الموضع سمي بذلك، قال ابن الكلبي: إنما سمي دير الجماجم لأن بني تميم وذبيان لما
واقعت بني عامر وانتصرت بنو عامر وكثر القتلى في بني تميم بنوا بجماجمهم هذا الدير شكراً
على ظفرهم، وهذا عندي بعيد من الصواب، وهو مقول على ابن الكلبي وليس يصح عنه،
فإنه كان أهدى إلى الصواب من غيره في هذا الباب، لأن وقعة بني عامر وبني تميم وذبيان
كانت بشِعب جَبَلَّةً وهو بأرض نجد وليس بالكوفة، ولعل الصواب ما حكاه البلاذري عن ابن =
٣٨٣

عَبْد الله القَسْرِي، فأخذه وبعث به إلى الحجّاج مع إِسْمَاعِيْلَ بن أَوْسَطَ
البَجَلِّي، فقال له الحَجَّاجُ: يا شَقِيَّ بِنَ كُسَيْرِ أما قَدِمْتَ الكوفة وليس يَؤْمُّ بها
إلَّ عربي فجعلتك إماماً؟ فقال: بلى، قال: أما وَلَّيْتُكَ القضاء، فضجَّ أهلُ الكُوْفَةِ
وقالوا: لا يصلح للقضاء إلّ عَرَبِيُّ، فاستقضيتُ أبا بُرْدَة بن أبي مُوسى
الأشْعَري، وأمرتُه أن لا يقطع أمراً دونك؟ قال: بلى، قال أما جعلتك من
سُمَّاري وكلهم رؤوس(١) العرب؟ قال: بلى، قال: أما أعطيتُكَ مِائة ألف درهم
تُفَرِّقها على أهل الحاجة في أول ما رأيتك ثم لم أسألْكَ عن شيء منها؟ قال:
بلى، قال: فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعةٌ كانت في عُنُقي لابن الأَشْعَثِ،
فغضب الحجّاجُ ثم قال: أما كانت بيعةُ أمير المؤمنين عَبْدِ الملك في عُنُقِكَ
من قبلُ؟ والله لأقتلنَّك؟. وقال أَبُو بَكْر الهُذَلِيُّ (٢): لما دَخَلَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْر
على الحجّاج قام بين يديه، فقال له: أعوذُ مِنْكَ بما استعاذتْ به مَرْيَمُ بنتُ
عِمْرَان حيث قالت: ﴿[إِني] أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيَّاً﴾
[ مريم: ١٨]، فقال له الحجّاج: ما اسمك قال: سَعِيْدُ بنُ جُبَيْر، قال:
شَقِيُّ بنَ كُسَيْرِ، قال: أُمِّي أعلمُ باسمي، قال: شقيتَ وشقيت أُمُّكَ، قال:
الغيبُ يعلمه غيرُك، قال: لُأُورِدَنَّكَ حِيَاضَ الموت، قال: أصابت إذاً أُمِّي،
قال: فما تقول في محمد وَّرَ؟ قال: نبيٌّ ختم الله تعالى به الرُّسُلَ وصدَّق به
الوَحِي، وأنقذ به من الهَلَكَةِ إمام هُدَيٍّ ونبيُّ رحمة، قال: فما تقول في
الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل، إِنما استحفظتُ أمر دِيني، قال: فأيُّهم
= الكلبي أن بلاداً الرماح، وبعضهم يقول بلال الرماح، وهو أثبت، ابن محرز الإِيادي قتل قوماً
من الفرس ونصب رؤوسهم عند الدير فسمي دير الجماجم. ((معجم البلدان)) (٥٠٤/٢)،
وانظر ((معجم ما استعجم)) (٥٧٣/٢، ٥٧٤)م.
(١) في المطبوع: ((رؤس)).
(٢) هو سُلْميُّ بن عبد الله بن سلمي. انظر ((جمهرة الأنساب)) لابن حزم ص (١٩٨).
٣٨٤

أحبُّ إليك؟ قال: أحسنُهُم خُلُقاً وأرضاهم لخالقه، وأشدُّهم فَرَقاً(١) قال: فما
تقول في عَليٍّ وَعُثْمَانَ، أفي الجنة هما أو في النار؟ قال: لو دخلتُهما فرأيتُ
أهلهما إِذاً لَأَخْبَرْتُكَ، فما سؤالكَ عن أمرٍ غُيِّب عنك؟ قال: فما تقولُ في عبدٍ
الملك بنِ مَرْوان؟ قال: مالكَ تسألني عن امرىءٍ أنت واحدة من ذُنُوبِه؟ قال:
فمالك لم تَضْحَكْ قطَّ؟ قال: لم أرَ ما يضحكني(٢)، كيف يَضْحَكُ من خُلِق
من تُرابٍ وإلى التراب يعود؟ قال: فإني أضحكُ من اللهو(٣) قال ليست القلوب سواءً،
قال: فهل رأيتَ من اللهو(٤) شيئاً، ودعا بالنَّاي والعُودِ، فلما نفخ بالنَّي بكى،
قال: ما يُبكيكَ؟ قال: ذَكَّرني يوم ينفخ في الصُّور، فأمَّا هذا العُود فمن نبات
الأرض، وعسى أن يكونَ قد قُطع من غَيْرِ حَقِّه، وأمَّا هذه المغاش والأوتار(٥)
فإنها سيبعثها الله معك يوم القيامة، قال: إني قاتلك، قال: إن الله عزّ وجلّ قد
وقَّت لي وقتاً أنا بالغه، فإن يكن أجلي قد حَضَرَ فهو أمر قد فُرِغَ منه، ولا
محيص ساعة، وإن تكن العافية، فالله تعالى أولى بها، قال: اذهبوا به فاقتلوه،
قال: أشهد أن لا إله إلّ الله وَحْدَهُ لا شريك له [ وأن محمداً عبده
ورسوله ](٦) استحفظكها يا حجَّاج حتى ألقاك يوم القيامة، فلما تَوَلَّوْا به ليقتلوه
ضَحِكَ، قال له الحجّاج: ما أضحكك؟ قال: عَجِبْتُ من جُرْأَتِكَ على الله،
وحِلْمِ الله جلّ وعلا عليك(٧) ثم استقبل القِبْلة فقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذي
(١) قال ابن منظور: الفَرَقُ بالتحريك: الخوف، وَفَرِقَ منه بالكسر فَرَقاً جزع. ((لسان العرب))
((فرق)) (٣٤٠٠/٥).
(٢) في المطبوع: ((لم أر ما يضحك)).
(٣) في الأصل: ((الهوا)) وأثبتنا ما في المطبوع لأنه يتفق مع ما جاء في سياق النص.
(٤) في الأصل: ((الهوا)) وما أثبتناه من المطبوع لأنه يتفق مع ما جاء في سياق النص.
(٥) في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٣١/٤): ((وأما الأوتار فأمعاء شاةٍ يبعث بها معك يوم القيامة))،
وفي حاشية ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٧٣/٢): ((وأما الأوتار فمن الشاء تبعث معك يوم
القيامة)). وأما العبارة التي في كتابنا فلا أرى لها وجهاً، ولعلها محرفة فيه، والله أعلم.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي، وحاشية ((وفيات الأعيان)).
(٧) في الأصل، والمطبوع: ((وحلم الله جلّ وعلا عنك))، وما أثبته من حاشية ((وفيات الأعيان))، =
٣٨٥

فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنا مِنَ المُشْرِكِيْنَ ﴾ [ الأنعام: ٧٩ ] قال:
اقتلوه عن القِبْلَةِ، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَ وَجْهُ اللَّهِ إِن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[ البقرة: ١١٥] قال: اضربوا به الأرض، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيْهَا
نُعِيْدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [ طه: ٥٥] قال: اضربوا عُنْقَه، قال:
اللهمّ لا تحل له دمي ولا تُمْهِلْهُ من بعدي(١) فلما قتله لم يزل دَمُه يجري
حتى علا وفاض حتى دخل تحت سرير الحَجَّاج، فلما رأى ذلك هاله
وأفزعه، فبعث إلى صادق(٢) المتطِّب فسأله عن ذلك، قال: لأنك قتلته ولم
يهله، ففاض دمه ولم يجمد في جسده، ولم يَخْلُقِ اللَّهُ عزّ وجلّ شيئاً أكثرَ دماً من
الإِنسان، فلم يزل به ذلك الفَزَعُ حتى مُنِعَ النَّوْمَ، وجعل يقول: مالي ولك يا
سَعِيْدَ بنَ جُبَيْر، وكان في جملة مرضه كلما نام رآه آخذاً بمجامع ثوبه يقول:
يا عدوَّ اللّهِ فيم قتلتني، فيستيقظُ مَذْعُوراً ويقول: مالي ولابنِ جُبِيْر، وقَتل
ابنِ جُبَيْرِ، وله تسعٌ وأربعون سنة، وقبره بِوَاسِطٍ يُتْبَرَكُ به (٣).
وفيها تُوفي مُطَرِّفُ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بن الشِّخِّيرِ العَامِرِيُّ البَصْرِيُّ، الفقيه
العابد المُجَابُ الدَّعْوَةِ، روى عن عليٍّ، وَعَمَّار(٤).
وَحُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرّحمن بن عَوْف الزُّهْرِيُّ، سمع من خاله عُثْمَانَ(٥)
= وما جاء في هذه الحاشية ما هو إلّ نص لابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) سقط من النسخة
الخطية التي اعتمدها الدكتور إحسان عباس في تحقيقه للكتاب، وهو موجود في نسخ
أخرى من الكتاب، والدليل على ذلك أن ابن العماد ينقل عنه في كتابنا هنا.
(١) في حاشية ((وفيات الأعيان))، و((سير أعلام النبلاء)): ((اللهمّ لا تسلطه على أحد يقتله
بعدي)).
(٢) في المطبوع: ((صادوق)).
(٣) قلت: التبرك بالقبور من الأمور التي نهى عنها شرعنا الحنيف، ولكن صح عن رسول الله الخير
قوله: «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)).
(٤) يعني عمار بن ياسر رضي الله عنه.
(٥) يعني أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.
٣٨٦
٠٠

وهو صغيرٌ، وكان عالماً فاضلاً مشهوراً.
والإِمام الجليل، فقيهُ العِرَاقِ بالاتفاق أَبُو عِمْرَان إِبْرَاهيمُ بِن يَزِيْدٍ
النَّخَعِيُّ، أخذ عن مَسْرُوقٍ، والأسْوَدِ، وعَلْقَمَةَ، ورأى عَائِشَةَ وهو صغير،
والنَّخَعُ مِنْ مَذْحِج، وقد عدَّه ابنُ قُتَيْبَةً في ((المعارف)) من الشيعة (١)، وقال
عنه: وكان مزَّاحاً، قيل له: إن سَعِيْدَ بنَ جُبَيْر يقول: كذا، قال: قل له يسلك
وادي النَّوْكى(٢)، وقيل لسَعِيْدٍ: إنه يقول كذا، قال قل له: يقعدُ في ماءٍ باردٍ،
ومات وهو ابنُ سِتٍّ وأربعين سَنَةً، وقال ابنُ عَوْن: كنتُ في جنازةِ إِبْراهيمَ،
فما كان فيها إلّ سبعةُ أَنْفُسٍ، وصلَّى عليه عَبْدُ الرَّحمن بنُ الْأُسْوَدِ بنِ يَزِيْدٍ،
وهو ابنُ خاله. انتهى ملخصاً(٣).
وفيها أَبُو إِسْحَاق إِبْراهيمُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمن بن عَوْفِ الزُّهْرِيُّ.
(١) انظر ((المعارف)) لابن قتيبة ص (٦٢٤).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وادي الترك)) وهو خطأ، والتصحيح من ((المعارف)) لابن قتيبة ص
(٤٦٣). والنوكى جمع أنوك، وهو الأحمق. انظر ((لسان العرب)) لابن منظور ((نوك))
(٤٥٨٢/٦).
(٣) ((المعارف)) ص (٤٦٣، ٤٦٤).
٣٨٧

سنة ست وتسعين
فيها توفي عَبْدُ الله بنُ بُسْرِ المازنيُّ بحِمْصٍ ، كذا وَرَّخَهُ عَبْدُ
الصَّمد بنُ سَعِيْدٍ، وقد مرَّ.
وفيها قلعَ اللَّهُ تعالى قُرَّةَ بنَ شَرِيك القَيْسي أمير مِصْر، وكان عَسُوفاً
ظالماً، قيل: كان إذا انصرف الصُّنَّاع من بناءِ جامع مصر دخله فدعا بالخمر
والملاهي، ويقول: لنا الليل ولهم النَّهار.
قال عُمَرُ بنُ عَبْدُ العَزِيْزِ رضي الله عنه: الوَلِيْدُ بالشَّامِ، وَقُرَّةُ بِمِصْرَ،
والحَجَّاجُ بالعِرَاقِ، وعُثْمَانُ بنُ حَيَّان بالحِجَازِ، امتلأتِ الأرضُ واللَّهِ جَوْرَاً.
وفيها في جُمادى الآخرة تُوفي الخليفةُ أبُو العبّاس الوَلِيْدُ بنُ عَبْدِ
الملكِ بنَ مَرْوان الخليفة، وكان ذَميماً سائِلَ الأنفِ يتبختر في مشيه وأدبه
ناقص حتى قيل: [ إنه](١) قرأ في الخُطبة ﴿ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةِ ﴾
[ الحاقة: ٢٧ ] بضم تاء ليت، ودخل عليه أعرابي فقال: من ختنَك؟ قال:
المزين فقالوا(٢): إنما يريد أميرُ المؤمنين من ختنك؟ قال: نعم، فلان.
لكنه كان مع جَوْرِهِ كثيرَ التِّلاوةِ للقرآن، يختم في ثلاث، وفي رمضان سبع
(١) لفظة: ((إنه)) سقطت من الأصل، واستدركناها من المطبوع.
(٢) في المطبوع: ((فقال)).
٣٨٨

عشرة ختمة، وطاب حاله في دُنياه، ورُزِقَ سَعَادَةٌ عظيمةٌ مع جانب من
الدِّينِ، فبنى جامعَ دِمَشْقَ، وافتتح الهِنْدَ، والتُّرْكَ، والأَنْدَلْسَ، وتصدَّق كثيراً،
وروي أنه قال: لولا ذِكْرُ اللَّهِ آلَ لُوْطٍ في القرآن ما ظننتُ أحداً يفعله.
وفي أواخرها قُتِلَ قُتَيَِّةُ بن مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ، وقد وليها عشرين سنةً،
قال خليفة: خَلَعَ سليمانُ بنُ عبد الملك فقتلوه(١).
وكان بطلًا شُجاعاً هَزَمَ الكُفَّارَ غير مَرَّةٍ وافتتحَ عِدَّة مدائنَ.
(١) انظر (تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٣١٨)، والمؤلف ينقل عنه بتصرف.
٣٨٩

سنة سبع وتسعين
فيها توفي سَعِيْدُ بنُ مُرْجَانَةَ صَاحبُ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
وقاضي المدينة طَلْحَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ أحدُ الطَّلَحَات
الموصوفين بالجود، روى عن عُثْمَانَ، وغيره.
وفيها، أو في سنة ثمان توفي قَيْسُ بنُ أبي حَازِمِ الأحمسيُّ البَجَليُّ
الكوفيُّ وقد جاوز المائَة، سَمِعَ أبا بَكْرٍ، وطائفةٌ من البدريِّين، وكان أحدٌ
علماءِ المدينة(١).
وفيها، أو في سنة ستٍ مَحْمُودُ بنُ لَبِيْدِ الأَنصاريُّ الأَشْهَلِيُّ .
قال البُخَاريُّ: له صحبة(٢).
وذَكَّرَهُ مُسْلمٌ وغيرُه في التَّابعين، وله عِدَّةُ أحاديث، قال بعض
المُحدِّثين حُكْمُها الإِرسالُ(٣).
وفيها حجَّ بالناس خليفتُهم سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنُ مَرْوان، فتوفي
معه بوادي القُرَى(٤) أبُو عَبْد الرَّحمن مُوسى بنَ نُصَيْرِ الأعرج، الأميرُ الذي
(١) على هامش الأصل: ((الكوفة)).
(٢) قلت: ذكر البخارى حديثاً له في ((تاريخه)) (٤٠٢/٧) ولم يصرح بصحبته فراجعه.
(٣) انظر ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٨٥/٣)، و((الإصابة)) لابن حجر (١٣٩/٩).
(٤) قال ياقوت: وادي القرى: واد بين الشام والمدينة، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة وبها
سُمي وادي القرى. قال أبو المنذر: سمي وادي القرى لأن الوادي من أوله إلى آخره قرى
منظومة، وكانت من أعمال البلاد، وآثار القرى إلى الآن بها ظاهرة إلّ أنها في وقتنا هذا كلها =
٣٩٠

افتتح الأَنْدَلُسَ وأكثرَ المَغْرِب، ولم يُهْزَم له جَيْشٌ قَطُّ، وكان من رجال العَالمِ
حَزْماً، وَرَأْياً، وَهِمَّةً، ونُبْلاً وَشَجَاعةٌ، وإِقْدَاماً، وكان والده نُصَيْر على جيوش
مُعَاوِيَةً، وكان الوَلِيْدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أرسلَ إلى عَمِّهِ وعامِلِهِ على مِصْرَ
عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَرْوَان: أن أرسل موسى بنَ نُصَيْر إلى إفريقية ففعل، فَقَدِمَها معه
جماعةٌ من الجُنْدِ وخرج عليه (١) خارجة من البربر، فوجَّه إليهم ولده
عَبْد اللَّهِ(٢)، فسبى منهم ما لم يُسمع بمثله، بلغ الخُمْسُ ستين ألف رأسٍ ،
وفي بعضها مِائةً وستين ألفاً، ووقع قَحْطٌ شديد، فخرَج بالناس مستسقياً
بشروط الاستسقاءِ، وخَطَبَ النَّاس فقال له قائل: ألا تدعو لأمير المؤمنين
الوَلِيْد؟ فقال: هذا مقامٌ لا يُذْكَرُ فيه غيرُ اللهِ، فَسُقُوا، وانتهتْ، فتوجَّه إلى
السُّوسِ (٣) الأدنى ونَزل بقيةُ البربر بالطّاعةِ، وولَّى عليهم والياً، وولَّى على
طَنْجَةَ وأعمالها مولاه طَارِقَ ابنَ زِيَادٍ البَّرْبَريَّ، ومَهَّد البلاد، ولم يبق منازِعٌ
من البَّرْبَرِ ولا من الرُّومِ، وترك خَلْقاً كثيراً من العرب يُعَلَّمون النَّاسِ القرآنَ
وفرائضَ الإِسلام، ولما تقرَّرت القواعدَ كَتَبَ إلى طارِقٍ بِطَنْجَةً يأمره بغزو بلاد
الأَنْدَلُسِ ، فركب البحرَ من سَبْتَةَ إلى الجزيرةِ الخضراءِ، وصَعِدَ على جبل
يُعْرَفُ اليوم بجبلٍ طَارِقٍ، ورأى النبيَّ بِّه، والخلفاءَ الأربعة رضي الله عنهم
يبشرونه بالفتح وهم يمشون على الماء، وأمره النبيُّ بَّرَ بالوفاء بالعهد والرِّفْقِ
= خراب ومياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد. وانظر تتمة كلامه في ((معجم البلدان)»
(٣٣٨/٤)، و(٣٤٥/٥).
(١) في المطبوع: ((عليها))، وهو تحريف.
(٢) في ((الروض المعطار)) للحميري ص (٣٣٠): أن الذي افتتحها هو عقبة بن نافع.
(٣) قال الحميري: السوس في أقصى بلاد المغرب، وهي مدينة جليلة حاضرة جامعة لكل خير
وفضل، وأهلها أخلاط، وهي بلاد السكر، ويصنع بها منه كل شيء كثير، ويتجهز منه إلى
الآفاق، ويصل فاضله إلى أقصى خراسان، ويصنع بها من الخز العتيق كل جليلة، وبها فواكه
كثيرة. (الروض المعطار)) ص (٣٢٩)، وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٨٠/٣، ٢٨١).
٣٩١

بالمسلمين(١) فجاءه مَلِكُ طُلَيْطِلَةَ في سبعين ألفاً ومعه العِجْلُ تحمل الأموال
والمتاع، فأمر طَارِقٌ جيش المُسْلِمِيْنَ بالثبات، والصَّبْرِ، والصِّدْقِ، والعَدُوُّ
أمامَهم، وكان النَّصْرُ للمسلمين، وافتتحوا إلى ساحل البحر المحيط ولله
الحمد .
(١) قلت: إن صح هذا النقل الذي لم يذكر المؤلف قائله فيكون طارق بن زياد رحمه الله رأى
رسول الله وَ﴿ والخلفاء الأربعة في المنام، وإلّ فإن هذا لم يكن لمن هو أفضل من طارق بن
زياد تديناً وأثراً من القادة المسلمين الذين تقدموا عليه أو لحقوا به !!.
٣٩٢

سنة ثمان وتسعين
فيها غزا المُسْلِمُونَ قُسطنطينية(١) وعليهم مَسْلَمَةُ بنُ عَبْدِ الملكِ(٢).
وافتتح يَزِيدُ بنُ المُهَلَّبِ بنَ أبي صُفْرَة جُرْجَانَ(٣).
وفيها توفي أَبُو عَمْرو الشَيْبَانِيُّ الكُوفُّ، واسمه سَعْدُ بنُ إِيَاس عن مائة
وعشرين سنة، وكان يُقْرِىءُ النَّاس بمسجدِ الكُوْفَةِ، وروى عن عليٍّ، وابنٍ
مَسْعُود.
وفيها أبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّد بن الحَنَفِيَّةِ (٤) الهاشميُّ المدنيُّ،
وهو الذي أوصى إلى محمَّد بِن عليّ بن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ ، وصرف الشيعةً
إليه، ودفع إليه كتباً، وأسرَّ إليه(٥) أشياء.
وفيها، أو في التي بعدها توفي أَبُو عَبْد عَبْد الرَّحمن الأسْودُ بنَ يَزِيدِ
النَخَعِيُّ الْكُوفيُّ، الفقيهُ العابدُ، أدرك عُمَرَ، وسمع من عَائِشَةَ.
(١) وهي المعروفة في أيامنا بـ ((استانبول))، والتي كانت عاصمةً للدولة العثمانية، آخر الدول
الإِسلامية الكبرى.
(٢) انظر ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٣٣٠/٣، ٣٣١)، فقد أورد الخبر بتوسع.
(٣) جرجان: مدينة في إقليم خراسان من بلاد فارس. وهي الآن في إيران. انظر ((الأمصار ذوات
الآثار)) للذهبي ص (٦٩) بتحقيقي، طبع دار ابن كثير.
(٤) في المطبوع: ((عبد الله بن محمد بن الحنيفة)) وهو خطأ.
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((وأسر إليها)) وهو خطأ. وما أثبتناه يقتضيه سياق النص، وهو موافق
لما عند الزركلي في ((الأعلام)) (١١٦/٤).
٣٩٣

وفيها على الصحيح توفي عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْد اللَّهِ بن عُتْبَةَ بنَ مَسْعُودٍ
الهُذَلُّ الضريرُ، أحدُ الفقهاءِ السبعةِ، ومؤدِّ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ، قال ابن
الجوزيُّ في كتاب ((ذَمِّ الهوى))(١) قَدِمَتِ امرأةٌ من هُذَيْلِ المدينةَ فخطبها
الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم لفرطِ جمالها، فقال فيها عبيدُ الله بنُ
عبد الله بن عتبة:
لَجُدْتٍ وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْكِ شَدِيْدُ
أُحِبُّكِ حُبّاً لَوْ عَلِمْتِ بِبَعْضِهِ
قَرِيْبٌ وَلاَ فِي العَاشِقِيْنَ بَعِيْدُ
أُحِبُّكِ حُبّاً لا يُحِبُكِ مِثْلُهُ
شَهْدِي أَبُو بَكْرٍ فَذَاكَ شَهِيدُ
وَحُبُّكِ(٢) يَا أُمَّ الصَبِيِّ مُدَلِّهي
وَعُرْوَةُ مَا أَلقىْ بِكُم وَسَعِيْدُ
وَيَعْلَمُ وَجْدِي قَاسِمُ بنَ مُحمَّدٍ
وَخَارِجَةٌ يُبْدِي بِنَا وَيُعِيْدُ
وَيَعْلَمُ مَا عِنْدِي سُلَيْمَانُ عِلْمُه
فَلِلَّهِ عِنْدِي طَارِفٌ وَتَلِيْدُ
مَتِى تَسْأَّلِي عَمَّا أَقُولُ فَتُخْبِرِي
فقال سَعِيْدُ بنَ المُسَيِّب: فقد أُمنتَ أن تسألنا، ولو سألْتَنا ما طمعتَ أن
نشهد لك(٣) بزور.
وهؤلاء الذين استُشهد بهم، وهو معهم فقهاءُ المدينة السبعة: أبُو
بَكْر بنُ عَبْد الرّحمن بن الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ، والقَاسِمُ بنُ مُحمَّد بن أبي بَكْر
الصِّدِّيق، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيْدُ بنُ الْمُسيِّب، وسُلَيْمَانُ بنَ يَسَارٍ،
وَخَارِجَةُ بنُ زَيْد بن ثَابت، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْد الله بنَ عُتْبَة بن مَسْعُودٍ صاحبُ
الترجمة .
وفيها كُرَيْب مَولى ابن عبّاس، وكان كثيرَ العلم كنزاً له، كبيرَ السنّ
والقدر.
(١) ص (١٦٦ - ١٦٧). تحقيق الأستاذ مصطفى عبد الواحد، ومراجعة الشيخ محمد الغزالي،
طبع دار الكتب الحديثة بمصر.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وحبيك)) وهو خطأ، والتصحيح من ((ذم الهوى)) لابن الجوزي.
(٣) لفظة ((لك)) لم ترد عند ابن الجوزي في ((ذم الهوى)).
٣٩٤

قال مُوسى بن عُقْبَة: وضع كُرَيْب عِنْدنا عِدل بعيرٍ من كُتُب ابن عبّاس.
وفيها الفقيهة الفاضلة عَمْرة بنتُ عَبْدِ الرَّحمن الأنصاريَّة، نشأت في
حِجْرِ عَائِشَةَ، فأكثرت الرواية عنها، وهي العدل الضابطة لما يؤخذ عنها.
٣٩٥

سنة تسع وتسعين
فيها على خلافٍ توفي أَبُو الأسود ظَالِمُ بنَ عَمْرُو النُؤلِيُّ.
قال ابن قُتََّةً(١): هو ظَالِمُ بنَ عَمْرُوبنَ جَنْدل بن سُفْيَان بن كِنَانَةِ، وَأُمُّهُ من
بَنِّي عَبْدِ الدَّار بن قُصيّ، وكان عاقلاً، حازماً بخيلاً، وهو أول من وضع
العربيّة، وكان شاعراً مجيداً، وشهد صِفِّيْنَ مع عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه،
وولي البَصْرَةَ لابن عبّاس، وفُلِجَ بالبَصْرة ومات بها، وقد أسنّ، فولد عطاءً،
وأبا حربٍ، وكان عطاءُ ويحيى [ بنُ](٢) يَعْمُر العَدوانِي بَعَجَا(٣) العربية بعد
أبي الأسْوَد، ولا عَقِبَ لعطاء، وأمَّا [أَبُو](٤) حَرب بن أبي الأسْوَد فكان
عاقلاً شاعراً، وولّه الحَجَّاجُ جَوْخَى(٥) فلم يزل عليها حتى مات الحجّاج.
(١) ((المعارف)) ص (٤٣٤، ٤٣٥).
(٢) لفظة ((ابن)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع، و((المعارف)) لابن
قتيبة .
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((بعجبا)) وهو خطأ، والتصحيح من ((المعارف)) لابن قتيبة.
ومعنى بعجا: أي شقا العربية، وأذلاها بعد أبي الأسود الدؤلي. (ع).
(٤) لفظة: ((أبو) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، والمطبوع، واستدركناها من ((المعارف))
لابن قتيبة .
(٥) قال البكري: جَوْخَى بفتح أوله، وإسكان ثانيه، وبالخاء المعجمة، على وزن فَعْلَى: بلد
بالعراق، وهو ما سُقِيَ من نهر جَوْخِى. قال محمد بن سهل: ولم يكن بالعراق عند الفرس
كورة تعدل كورة جَوْخَى، كان خراجها ثمانين ألف ألف. ((معجم ما استعجم))، للبكري
(٤٠٣/١)، وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (١٧٩/٢).
٣٩٦

وقد روي الحديث عن أبي حرب [ وله عقب بالبصرة، وعدد](١) وهو
القائل لولده: لا تجاودوا الله فإنه أجودُ وأمجدُ منكم، ولو شاء أن يُوسِّعَ على
النَّاسِ كُلِّهم، حتى لا يكونَ مُحْتَاجٌ، لفعل، [ ولا تجهدوا أنفسكم في
التوسعة فتهلكوا هُزَالاً ](٢).
وسمع رجلاً يقول: مَنْ يعشِّي الجائع؟ فعشًّاه، ثم ذهب السائل
ليخرج، فقال: هيهات! على أن لا تؤذيَ المسلمين الليلةَ، ووضع رِجْله في
الأدهم(٣) انتهى.
وقال ابن الأَهْدَل(٤): هو ظَالِمُ بنَ عَمْرو الدِّيْلي، ويقال: الدؤلي نسبة
إلى الدِّيل من كِنَانَة، وفتح بعضهم في النسبة لئلا تتوالى الكَسَرات، كما قالوا
في النسبة إلى النَّمِر: نَمَري، وهي قاعدة مطوقة، وكان من خواصٍّ عليٍّ،
وشهد معه صِفِّينَ، وكان من كُمَلِ الرِّجالِ، وهو أول من وَضَعَ النحو، حكى
ولده أبُو حرب قال: أول ما وضع والدي باب التعجُّب، وقيل له: من أين لك
النحو، قال: تلقّنْتُ حدوده من عليٍّ رضي الله عنه. انتهى.
وباع له داراً(٥) بالبَصْرةِ، فقيل له: بِعْتَ دارك، فقال: بل بِعْتُ جاري،
وکان جار سُوءٍ.
ودخل على بعض الولاة وعليه جُبَّةٌ رَتَّةٌ، فقال: يا أبا الأسْودِ أما تَمَلُّ
هذه الجُبَّةُ؟. فقال: رب مملوك لا يستطاع فِرَاقُه، فأمر له بمائة ثوب فقال:
(١) ما بين حاصرتين زيادة من ((المعارف)) لابن قتيبة.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من ((المعارف)) لابن قتيبة.
(٣) قال ابن منظور: الدُّهْمة السواد. والأدهم الأسود، يكون في الخيل والإِبل وغيرهما، فَرَشٌّ
أَدْهَم وبعير أدهم. ((لسان العرب)) ((دهم)) (١٤٤٣/٢).
(٤) هو حسين بن عبد الرحمن بن محمد الحسيني العلوي الهاشمي، بدر الدين، أبو محمد،
مفتي الديار اليمنية، وأحد علمائها المتفننين، صاحب كتاب ((تحفة الزمن في تاريخ سادات
اليمن))، المتوفى سنة (٨٥٥هـ). ((الأعلام)) (٢٤٠/٢).
(٥) في المطبوع: ((وباع داراً له)).
٣٩٧

كَسَانِي وَلَمْ أَسْتَكْسُه فَحَمِدْتُهُ أَخْ لَكَ يُعْطِيكَ الجِزِيْلَ وَنَاصِرُ
بِشُكْرِكَ مَنْ يُعْطِيْكَ وَالعِرْضُ وَافِرُ
وَإِنَّ أَحَقِّ النَّاسِ إِنْ كُنْتَ شَاكِراً
ومن شعره أيضاً:
وَمَا طَلَبُ المَعِيْشَةَ بِالتَّمَنِّيِ وَلَكِنْ أَلْقِ دَلْوَكَ فِي الدِّلَاءِ
تَجِيءُ بِمِثْلِهَا طَوْرَأَ وَطَوْرَأْ تَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وَقَلِيْلِ مَاءٍ
وكان موسراً مبخّلاً (١)، وعُوتب في البخل فقال: لو أطعنا الفقراء في
مالنا أصبحنا مثلَهم.
وروي أنه عشَّى سائلاً لجوجاً (٢) وقيده، فقيل له في ذلك، فقال: لئلا
يؤذيَ المسلمين الليلة.
وقيل له: عند الموت: أبشر بالمغفرة، فقال: وأين الحياء مما كانت
منه المغفرة، وتوفي عن خمسٍ وثمانين سنة.
وفيها توفي مَحْمُودُ بنُ الرَّبْعِ الأنصاريُّ الخزرجيُّ المدنيُّ، الذي عَقَل
مَجَّةٌ مَجَهَّا رَسُولُ اللهِ وَّرَ في وجهه من بئرٍ في دارهم وله أربع سنين.
وفيها نَافِعُ بن جُبَيْر بن مُطعِم النَّوفليُّ المدنيُّ، وكان هو وأخوه محمد
من علماء قريش وأشرافهم، توفي قريباً من أخيه محمَّد بن جُبَيْر.
وفيها توفي عَبْدُ اللّه بن مُحَيْرِيزِ الجُمَحيُّ المكيُّ نزيلُ بِيتِ المَقْدسِ ،
وكان عَابدَ الشَامِ في زمانه .
قال رَجَاءُ بن حَيْوَةَ: إِن تَفْخَرْ علينا أهل المدينة بعابِدهم ابن عُمَر، فإنّا
نَفْخَرُ عليهم بعابدنا ابنِ مُخَيْرِيْزٍ، وإِن كُنْتُ لَأَعَدُّ بقاءَهُ أماناً لأهل الأرض.
وفي عاشر صفَر ماتَ الخليفةُ أَبو أَيُّوب سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الملكِ الأمويُّ
(١) في المطبوع: ((مبجَّلاً)) وهو تصحيف.
(٢) في المطبوع: ((لحوحاً)).
٣٩٨
٦

وله خمس وأربعون سنة، وكانت خلافته أقلّ من ثلاث سنين، وكان فصيحاً
فَهماً مُحِبَّاً للعدل والغَزْوِ، ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، جَهَّز الجيوش لحصار القُسْطَنْطِيْنِية،
وقرَّب ابن عَمِّه عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ، وجعله وزيرَه ومُشِيرَه، وعهد إليه
بالخلافة، وكان أبيضَ مليحَ الوجه، يَضْرِبُ شعرُه مَنْكِبيه، وله محاسن.
قيل: قال له حكيم: عندي لك أن تأكل ولا تشبع، وتُنْكِحَ ولا تَفْتُر،
ويَسْوَدُّ شَعْرُكَ ولا يَبْيَضَّ، فقال: كُلُّهُنَّ يرغبُ عنهن العاقل، فمع الأكلِ كثرةُ
دخول المراحيض، وشُّ الروائح المنتنة، وفي كثرةِ النِّكاح الشُّغْلِ بالنِّساء،
وتسويدُ الشعر تسويدُ نُورِ الله تعالى .
وقال في ((مروج الذهب))(١): لما أفضى الأمر إلى سُلَيْمَانَ صَعِدَ
المنبر فحمِدَ الله وأثنى عليه، وصلَّى على رسوله [ٌَّ] ثم قال: الحمد لله
الذي ما شاء صَنَع، وما شاء أعطى، وما شاء مَنَع، ومن شاء رَفَع، ومن شاء
وَضَع، أيُّها الناس الدُّنيا دارُ غُرورٍ وباطلٍ ، وزِينةٍ وَتَقُلُّبٍ بأهلها، تُضْحِكُ (٣)
باكيها، وتُبكي ضاحكها، وتُخِيفُ آمنها، وتُؤَمِّنُ خائفها، وتُثْري فقيرها،
وتُفْقِرُ مثريها، عِبَادَ الله: اتَّخِذُوا كتاب الله إماماً، وَارْضُوا به حَكَماً، واجعلوه
لكم هادياً دليلاً، فإنه ناسخ ما قبله، ولا يَنْسَخَهُ ما بَعدَه، واعلموا عباد الله أنه
ينفي عنكم كيد الشيطان ومطامعه، كما يجلو ضوءَ الصُّبْحِ إذا أُسْفَرَ إِدبارُ
الليل إذا عَسْعَسَ، ثم نزل، وأُذن للناس عليه، وأقرَّ عُمَّال من كان قبله على
أعمالهم، وأقرَّ خَالِدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ [القَسْريَّ](٤) على مَكَّة.
وكان سُلَيْمَانُ صاحبَ أَكْلٍ كثيرٍ يجوز المقدار، كان شِبَعُهُ في كُلِّ يوم
(١) (٣٩٨/٥ - ٤١٤) من الطبعة الأوروبية المنشورة في تسع مجلدات في باريس بفرنسا.
(٢) في ((مروج الذهب)) للمسعودي: (وما شاء رفع، وما شاء وضع)).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((فتضحك))، وما أثبتناه من ((مروج الذهب)) للمسعودي.
(٤) لفظة ((القسري)) زيادة من ((مروج الذهب)) للمسعودي.
٣٩٩

من الطَّعَامِ مائَة رَطْل عراقيٍّ(١) وكان ربما أتاه الطََّّاخون بالسَّفافيد (٢) التي فيها
الدَّجاج المشوية وعليه جُبَّةُ(٣) الوَشْي المُثْقِلَةِ(٤) فَلنَهَمه وحِرْصِه على الطَّعام
يُدْخِلُ يده في كُمِّهِ حتى يَقْبِض على الدجاجة وهي حَارَّةٌ فَيَفْصِلها.
وحدَّث المِنْقَري(٥) عن العُتْبِي(٦) عن إِسْحَاق بن إِبْرَاهيم(٧) بن
الصَّبَّحِ بن مَرْوان، وكان مولى لبني أمّيَّة من أرض البلقاءِ من أعمال دِمَشْقَ،
وكان حافظاً لأخبارِ بني أمّيَّةَ قالَ: لَبِسَ سُلَيْمَانُ يوماً في جُمُعةٍ من ولايته لِبَاساً
تَشَهَّر به وتَعَطَّ، ودعا بِتَخْتٍ فيه عمائمُ، وبيدهِ مِرْآةٌ، فلم يزل يعتمُ (٨) بواحدةٍ
بعد أخرى، حتى رضي منها واحدة، فأرخى من سُدولها، وأخذ بيده
مِخْصَرَةً(٩) وعلا مِنْبَرَه ناظراً في عطفيه(١٠)، وجَمَع حشمه. و[ خطب](١١)
(١) في الأصل، والمطبوع: ((بالعراقي))، وما أثبتناه من ((مروج الذهب)) للمسعودي.
(٢) السفافيد، مفردها سَفَّود على وزن تَنَّور، وهي حديدة يشوى بها اللحم، وتسفيد اللحم:
نظمہ فیھا للاشتواء. (ع).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((الجبة)) وما أثبتناه من ((مروج الذهب)) للمسعودي.
(٤) في الأصل: ((المشغلة)) وهو خطأ، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في ((مروج
الذهب» للمسعودي .
(٥) هو موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، أبو سلمة، حافظ للحديث، ثقة، من أهل
البصرة، المتوفى سنة (٢٢٣هـ). انظر ((الأعلام)) للزركلي (٣٢٠/٧) م، وسوف ترد ترجمته
في المجلد الثالث من كتابنا هذا.
(٦) هو محمد بن عبيد الله بن عمرو العُتبي، أبو عبد الرحمن، أديب كثير الأخبار، حسن الشعر،
من أهل البصرة، قال ابن قتيبة: الأغلب عليه الأخبار، وأكثر أخباره عن بني أمية، توفي سنة
(٢٢٨ هـ). وهو غير العُتْبِي المؤرِّخ المتوفى سنة (٤٢٧هـ). انظر ((الأعلام)) للزركلي
(٢٥٨/٦، ٢٥٩)، وسوف ترد ترجمته مفصلة في المجلد الثالث من كتابنا هذا.
(٧) في المطبوع: ((عن إسحاق بن إبرهيم)) وهو تحريف.
(٨) في الأصل: ((يقيم)) وهو خطأ، وما أثبتناه من المطبوع، وهو موافق لما في ((مروج الذهب))
للمسعودي .
(٩) مِخْصَرَة، كمِكْنَسة: ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه. وما يأخذه الملك إذا خاطب، والخطيب
إذا خطب. (ع).
(١٠) أي ناظراً في رداءيه كبراً، لأن العِطاف ككتاب والمعطف، كمنبر: الرداء، والسيف. (ع).
(١١) لفظة ((خطب)) زيادة من ((مروج الذهب)) للمسعودي.
٤٠٠