Indexed OCR Text

Pages 301-320

سنة إحدى وسبعين
فيها توفي عَبْدُ اللَّهِ بنَ أبي حَدْرَدٍ الأُسْلَمِيُّ ممن بايع تحت الشجرة،
وله روايات في غير الكتب الستة(١). (*).
= من بالشام من ذلك من المسلمين، فصالح عبد الملك ملك الروم، على أن يؤدي إليه في
كل جمعة ألف دينار خوفاً على المسلمين.
(١) قلت: وله أحاديث في ((مسند أحمد)). انظر (٤٢٣/٣) و(١١/٦) وفي غيره، له ولأبيه
صحبة، وأول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب رضي الله
عنه وليس له أحاديث في الكتب الستة.
وقد أخرج أحمد (٤٢٣/٣) عن إبراهيم بن إسحاق عن حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن
محمد بن أبي یحیی عن أبيه عن ابن أبي حدرد الأسلمي أنه كان اليهودي عليه أربعة دراهم
فاستعدى عليه، فقال: يا محمد إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، فقال:
((أعطه حقه)) قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها. قال: ((أعطه حقه)) قال: والذي نفسي
بيده ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعتنا إلى خيبر، فأرجو أن تغنما شيئاً، فأرجع فأقضه،
قال: ((أعطه حقه)) قال: وكان النبيُّ ◌َ﴿ إذا قال ثلاثاً لم يراجع، فخرج به ابن أبي حدرد
إلى السوق وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة فنزع العمامة عن رأسه، فاتزر بها، ونزع
البردة فقال: اشتر مني هذه البردة، فباعها منه بأربعة الدراهم، فمرت عجوز، فقالت: مالك
يا صاحب رسول الله صل#، فأخبرها: فقالت: ها دونك هذا يبرد عليها طرحته عليه.
وقد ساق هذا الحديث ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن أبي حدرد في ((تاريخ دمشق))
(عبد الله بن جابر عبد الله بن زيد) ص (١١٧ و١١٨)، وابن الأثير في ((أسد الغابة))
(٢١١/٣)، وابن حجر في ((الإصابة)) (٥٤/٦) وقد فات الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
ذكره في فهرسه لـ ((مسند أحمد)) (٤٢٣/٣) في أحاديث عبد الله بن أبي حدود، فيستدرك فيه،
حيث لم يذكر عبد الله بن أبي حدرد إلّ في (١١/٦).
(*) قلت: وفيها قتل بخراسان أميرها عبد الله بن خازم رضي الله عنه. انظر ((أسد الغابة)) لابن =
٣٠١

سنة اثنتين وسبعين
فيها توفي أَبُو عُمَارَةَ الْبَرَاءُ بنُ عَازِبِ الأَنصاريُّ الحَارثِيُّ نزيلُ الكُوْفَةِ،
كان من أقران ابن عُمَر، استُصغِر يومَ بدٍ (١).
وَمَعْبَدُ بِنَ خَالِدٍ الجُهَنِيُّ صَاحِبُ لِواءِ جُهَيْنَةَ يومَ الفتحِ ، له حديثٌ واحدٌ
عن أبي بَكْرٍ (٢) رضي الله عنهما.
وفيها على الصحيح توفي أَبُو بَحْر المعروف بالأَحْنَفْ(٣) بن قَيْس
=. الأثير (٢٢٠/٣، ٢٢١)، و ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (١٠٧/٣).
وفيها قتل مصعب بن الزّبير رحمه الله. انظر ((تاريخ الطبري)) (١٥٩/٦ - ١٦٧)،
و ((مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبان ص (٦٧)، و((الكامل)) لابن الأثير
(٣٢٣/٤ -٣٢٨)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤٨/٧، ٢٤٩)، ولما انتهى إلى عبد الله بن
الزُّبير قتلُ مصعب، قام في الناس فخطبهم خطبة مؤثرة ساقها بتمامها الطبري في
((تاريخه)) (١٦٦/٦) ويحسن بالقارىء الرجوع إليه للاطلاع عليها.
(١) له رواية عن النبيِّ وَّ ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على اثنين وعشرين
منها، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة . (ع).
(٢) وذكر ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٢١٧/٥)، وابن حجر في ((الإصابة)) (٢٤٢/٩) أن له رواية
أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وقد أسلم قديماً، وهو أحد الأربعة الذين حملوا
ألوية جهينة يوم الفتح، يكنى أبا زرعة. وهو غير معبد الذي تكلم في القدر.
(٣) قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٨٧/٤): اسمه الضحاك، وقيل: صخر، وشُهر
بالأحنف لِحَنَفِ رجليه، وهو العوج والميل. وانظر ((مشاهير علماء الأمصار)» لابن حبان ص
(٨٧).
٣٠٢

التَّميمي السَّعْدي، كان من سادات التَّابعين، يُضْرَبُ بحِلمه المَثَلُ، فعن
الحَسَنَ (١) قال: ما رأيتُ شريفَ قومٍ أفضلَ من الأَحْنَفِ أدركَ عهدَ
النبيِّ وَّه، وأسلم قومُه بإشارته، ولم يَفِدْ على رَسُولِ اللهِ وَ وَوَفَدَ على
عُمَرَ، وله رواية عن عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليٍّ رضي اللَّهُ عنهم، قال له مُعَاوِيَةُ: ما
أذكر صِفِّينَ إلّ وكانت في قلبي حرارة، فقال الأحْنَفُ: إِنَّ القلوبَ التي
أبغضناكم بها لفي صدورنا، وإنَّ السيوفَ التي قاتلناكم بها لفي أغمادها،
ثم خرج، فقالت أخت معاوية: [من](٢) هذا؟ قال: [هذا] الذي غضب له
ألفُ فارس من تميم لا يدرون فيما غضب، ولما بايع(٣) مُعَاوِيَةُ لولده يَزِيْد
حَسَّنَ له بعضُ الحاضرين ذلك فقال لهُ مُعَاوِيَّةُ: فما تقول أنت يا أبا بحر؟
فقال: أخافُ الله إنْ كَذَبْتُ، وأخافُكم إنْ صَدَقْتُ، فقال مُعَاوِيَّةُ: جزاك الله
من الطاعة خيراً، وأمر له بألوفٍ، فلما خرجا قال له ذلك الرجل: إني لأعلم
ذَمَّ يزيدٍ، ولكنَّهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال نستخرجها
بما سمعت، فقال الأحْنَفُ: إِنَّ ذا الوَجْهَيْن خَلِيْقٌ أَن لا يكون لهُ وجهٌ
عند الله (٤).
ونقل الإِمام الطُّرْطُوشي (٥) أن بعض الخلفاء سأل رجلاً عن الأَحْتَفَ
ابنِ قَيْسٍ ، وعن صِفَاتِهِ، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إنْ شئتَ أخبرتُك عنه
بواحدةٍ، وإن شئتَ أخبرتُك عنه بثنتين، وإن شئتَ أخبرتُك عنه بثلاثٍ،
(١) أي الحسن البصري رحمه الله.
(٢) لفظة ((من)) التي بين حاصرتين سقطت من الأصل، وأثبتناها من المطبوع.
(٣) في المطبوع: ((ولما بلغ)) وهو خطأ.
(٤) الخبر في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٩٢/٤) بنحوه مختصراً، وليس فيه ذكر بيعة يزيد.
(٥) هو محمد بن الوليد الفهري الطَّرْطُوشي، أبو بكر، أحد الأئمة الكبار المتوفى سنة (٥٢٠هـ).
انظر ترجمته في حوادث سنة (٥٢٠) من كتابنا هذا، و((معجم البلدان)) لياقوت (٣٠/٤،
٣١).
٣٠٣

فقال: أخبرني عنه باثنتين، فقال: كان الأَحْنَفُ يفعلُ الخير ويُحِبُّهُ، ويتوقّى
الشرَّ ويبغضه، قال: فأخبرني عنه بثلاثٍ، قال: كان لا يحسد أحداً، ولا
يبغي على أحدٍ، ولا يمنع أحداً حَقَّهُ، قال: فأخبرني عنه بواحدة، قال: كان
من أعظم النَّاس سُلطاناً في قيامه على نفسه.
وفيها على الصحيح عَبِيْدَةُ(١) السَّلْماني المُرادي الكُوفي الفقيه المفتي،
أسلم في حياة النبيِّ وَّهِ، وتفقّه بعليٍّ وابنِ مَسْعُودٍ، قال الشّعْبيُّ: كان يوازي
شُرَيْحاً في القضاءِ.
وفيها وقعة دَيْرِ الجَاثَلِيْقِ (٢) بالعِرَاق، وكانت وَقْعَةٌ هائلةً بين مُصْعَبٍ
وَعَبْدِ الملكِ، وذلك أن عَبْدَ الملكِ أَفْسَدَ جيشَ مُصْعَبٍ بالأطماع، ولما
استظهر عَبْدُ الملكِ، أرسل إلى مُصْعَبٍ بالأمان فأبى، وقال: [ إن ](٣) مثلي
لا ينصرفُ [عن مثل هذا الموقف ](٤) إلّ غالباً أو مَغْلُوباً، فَأَثْخَنُوهُ بالرَّمي،
ثم شدَّ عليه زائِدة بن قُدَامَة الثقفي(٥) فطعنه وقال: يا لثارات المُخْتَارِ (٦)
وانصرف إلى عَبْدِ الملك.
(١) هو عَبِيدَةُ بنُ عمرو، ويقال: عَبِيدةُ بن قيس. انظر ((مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبان ص
(٩٩) وفيه وفاته سنة (٦٤)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٠/٤ - ٤٤)، و((الأعلام)) للزركلي
(١٩٩/٤).
(٢) قال ياقوت: دير الجائليق: دير قديم البناء، رحبُ الفناء، من طسوج، مسكن قرب بغداد
في غربي دجلة في عرض حَرْبَى، وهو في رأس الحدِّ بين السواد وأرض تكريت ... وقال
الشابستي: دير الجائليق عند باب الحديد قرب دير الثعالب في وسط العمارة بغربي بغداد.
((معجم البلدان)) (٥٠٣/٢).
(٣) زيادة من ((تاريخ الإِسلام)) (١٠٩/٣)، و((تاريخ الطبري)) (١٥٩/٦).
(٤) زيادة من ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (١٠٩/٣)، و((تاريخ الطبري)) (١٥٩/٦).
(٥) في الأصل، والمطبوع: ((زياد بن عمرو بن حيسة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الإِسلام))
للذهبي (١٠٩/٣)، و((تاريخ الطبري)) (١٥٩/٦) و((الكامل)) لابن الأثير (٣٢٨/٤)،
و ((الأعلام)) (٤٠/٣).
(٦) أي المختار بن أبي عبيد الثقفي ابن عم «زائدة)) الذي قتل على يد مصعب بن الزُّبير سنة =.
٣٠٤

وقتل مع مُصْعَبٍ ولداه عِيْسى، وعُرْوَةُ، وإِبراهيمُ بنُ الأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ
سَيِّدُ النَّخْعِ وفارِسُها، ومُسْلِمُ بنُ عَمْروِ البَاهِلِيُّ .
واستولى عَبْدُ الملكِ على العِرَاق وولّها أخاه بِشْرَاً، وفيه يقول الشاعر:
قَد استوى بِشْرٌ عَلَى العِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقٍ
وبعث الأمراءَ إلى الأمصارِ، وبعث الحَجَّاجَ إلى مَكّْةَ لحربِ ابنِ الزُّبِيِ
فَقَتَلَهُ، واستوى الأمر لعَبْدِ الملكِ من غير مُعارِضٍ (١).
= (٦٧هـ). انظر ((دول الإسلام)) للذهبي (٥١/١)، و((الأعلام)) للزركلي (١٩٢/٧).
(١) قلت: الأصح أن يقال: من غير منازع، لأن المعارضين لحكم الأمويين كانوا كثرة في معظم
الأمصار الإسلامية في تلك الفترة، إلّ أنه لم يكن أمامهم سوى الرضوخ أمام منطق القوة
الذي ساد في أيام خلافة عبد الملك ومن سبقه من خلفاء الدولة الأموية.
٣٠٥

سنة ثلاث وسبعين
فيها توفي عَوْفُ بنُ مَالِكِ الأشْجَعيُّ الحَبيبُ الأمينُ، وكان ممن شهدَ
فتحَ مكةً(١).
وأَبُو سَعِيْدٍ بِنُ المُعَلَّى (٢) الأنصاريُّ له صحبةٌ ورواية.
وَرَبِيْعَةُ بِنَ عَبْدِ اللَّهَ بنَ الهَدِيْرِ التيمي عمُّ محمَّد بن المُنْكَدِر، له روايةٌ
عن عُمَر.
وفيها نازل الحَجَّاجُ ابنَ الزُّبَيرِ فحاصرهُ، ونَصَبَ الِمِنْجَنِيْقَ على أبي
قُبْس (٣)، ودام القِتَالُ أشهراً، وتفرَّق عن عَبْدِ اللَّهِ أصحابُه، فأَخْبَزَ أُمَّهُ بذلك
(١) للتوسع في دراسة سيرته رضي الله عنه راجع ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣١٢/٤، ٣١٣)،
و((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٤٠/٢، ٤١) و((الإصابة)) لابن حجر (١٧٩/٧).
(٢) هو الحارث بن نفيع بن المعلى وهو أصح ما قيل فيه. انظر ((أسد الغابة)) لابن الأثير
(١٤٢/٦)، و((الإِصابة)) لابن حجر (١٦٥/١١). توفي سنة (٧٣هـ) وقيل: (٧٤هـ). وليس
له في البخاري سوى حديث واحد في فضل سورة الفاتحة، وظن بعضهم أنه أبو سعيد
الخدري، منهم الإِمام الغزالي أبو حامد، والفخر الرازي والبيضاوي، وهو وهم منهم لأن
الحديث لأبي سعيد بن المعلَّى، وهو الحارث بن نفيع بن المعلى.
(٣) قال ياقوت: أبو قبيس: بلفظ التصغير كأنه تصغير قَبَس النار: وهو اسم الجبل المشرف على
مكة، وجهه إلى قُعَيْقِعَان ومكة وبينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقعيقعان من غربيها، قيل:
سمي باسم رجل من مَذحِج كان يكنى أبا قبيس، لأنه أول من بنى فيه قبة. وانظر تتمة كلامه
في «معجم البلدان)) (١ /٨٠، ٨١).
٣٠٦

واستشارَها، فقالت: يا بُنََّّ إِنْ كنتَ قاتلتَ لغير الله فقد هَلَكْتَ وَأَهْلَكْتَ،
وإِنْ كان لِلَّهِ فلا تُسَلِّمْ نَفْسَكَ، فقاتِلهم، ولم يَزَلْ يَهْزِمُهم عند كلُّ بابٍ حتى
أصابتْهُ رَمْیةٌ في رأسهِ، فَنکس رأسَهُ وهو يقول:
وَلَسْنَا على الأعقابِ تُدْمى كُلُومُنَا وَلَكِنْ عَلى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا
فلما سقط، قالت جاريةٌ له: وَاأَميرَ المؤمنين، فعرفوه، ولم يكونوا
عَرَفُوه من لباس الحديد، فَشَدُّوا عليه من كُلِّ جانبٍ، وقتلُوه قريباً من باب
المسجد من ناحيةِ الصَّفَا، وذلك في جمادى الأولى(١) وطافُوا برأسه في
مصر(٢) وغيرها.
قال النواوي في ((شرح مسلم))(٣) مذهبُ أهلِ الحقِّ أَنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كان
مَظْلُوماً و[أن ] الحجَّاجَ ورِفْقَته خارِجون عليه. ودخل الحجَّاجُ على أُمِّه بعد
قْلِهِ فَقَال: كيف رأيتِنِي صَنَعْتُ بابنكِ؟ فقالت: أَفْسَدْتَ عليه دُنْيَاهُ، وأَفْسَدَ
عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، وَقَد أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِوَزِ، أَنَّ فِي ثَقِيفٍ مُبِيراً وَكَذَّاباً،
فأمَّا الكَذَّابُ فَرأيناهُ - يعني المُخْتَارَ - وأما المُبِيْرُ فلا إِخالُكَ (٤) إِلا إِيَّاهُ(٥).
والمبيرُ المُهْلِكُ.
قتل وله(٦) اثنتان وسبعونَ سنةً، وكانت ولايته تنيف على ثمانٍ سنين،
(١) وذلك يوم الثلاثاء في السابع عشر منه، كما ذكر النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات))
(٣٦٧/١).
(٢) في ((الكامل)) لابن الأثير، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي، أن رأس عبد الله بن الزُّبير رضي الله
عنه أرسل إلى الشام.
(٣) (صحيح مسلم بشرح النووي)) (٩٩/١٦).
(٤) في المطبوع: ((أخالك))، وهو تحريف.
(٥) الحديث في ((صحيح مسلم)) رقم (٢٥٤٥) في فضائل الصحابة: باب ذكر كذاب ثقيف
ومبيرها .
(٦) أي لعبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه.
٣٠٧
٦

وكان ابنُ الزُّبَيْرِ صَوَّاماً، قَوَّاماً مُستغرقَ الساعاتِ في الطَّاعاتِ، بطلًا شجاعاً،
ومناقبه شهیرةُ کثیرةً، رضي الله تعالی عنه.
وقُتِلَ معه عَبْدُ الله بنُ صَفْوَانَ بن أمِيَّةَ بن خَلَفِ الجُمحِيُّ رئيسُ مكةَ،
وابنُ رئيسِها، ولد في حياةِ النبيِّ وََّ، ولما حَجَّ مُعَاوِيَةُ قدَّم له ابن صَفْوَان
ألفي شاةٍ.
وَقُتِلَ معه أيضاً عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُطِيْعِ بن الأسود العَدَويُّ، الذي ولي
الكُوفَةَ لابِنِ الزُّبَيْرِ قبل غَلَبِ الْمُخْتَارِ.
وقُتِلَ معه عَبْدُ الرَّحمنِ بنَ عُثْمَان بن عَبْد اللَّهِ التيميُّ، ممن أسلم يوم
الحُدَيْبِيةِ .
وتُوقِّيَتْ أُمُّ عَبْدِ الله بنِ الزَّبْيْر بعد مُصَابِ ابنِها بيسيرٍ، وهي أَسْمَاءُ بنتُ
أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وهي في عشر المائة، وهي من المُهَاجِراتِ الْأَوَلِ ، ومن
أهل السَّوابِقِ في الإِسلام، وهي ذاتُ النِّطاقَيْنِ (١)، رضي الله عنها.
وفيها استوثق الأمرُ لعَبْدِ الملكِ بنِ مَرْوَانَ بمقتلِ ابنِ الزُّبَيْرِ، وولي
الحَجَّاجُ أمر الحِجَازِ، ونقضَ بناءَ ابنِ الزُّبَيْر الكعبة (٢) وأعادها إلى بنائها في
زمنِ النبيِّ نَّهَ بمشاورةٍ عَبْدِ الملك بنِ مَرْوَانَ.
وسبب هَدْمِ ابنِ الزُّبَيْرِ الكعبة، أنها كانت قد تهدَّمت وتشعَّثَتْ من
حَجَرِ المَنْجَنِيْقِ الذي كان يرمي به الحُصَيْنِ بنُ نُمَيْرِ وأصحابُه، وحدَّثتَهُ خالتُه
عَائِشَةُ أَنَّ قريشاً قَصَّرَتْ بهم النفقةُ - يعني الحلال التي كانوا جمعوها لبنائها -
(١) سميت ذات النطاقين، لأنها هيأت للرسول م) لما أراد الهجرة سفرة، فاحتاجت إلى ما
تشدها به، فشقت خمارها نصفين، فشدت بنصفه السفرة، واتخذت النصف الآخر منطقاً
لها .
(٢) في المطبوع: ((للكعبة)).
٣٠٨

فاقتصروا عن قواعدِ إِبْراهيم ستةً أذرعٍ أو سبعةً، وهي الحِجْرُ، ولما عَزَمَ ابنُ
الزُّبَيْرِ على ذلك فَرِقَتِ الناسُ، وخَرَجَ بعضُهم هارباً إلى الطَّائِفْ، وإلى
عَرفاتٍ، ومِنَىٍ وطلعَ ابنُ الزُّبَيْرِ بنفسه واتَّخَذَ معه عَبْداً حبشياً دقيقَ السَّاقَيْنِ
رِجاءَ أن يكونَ ذا السُّوَيْقَتَيْنِ الحَبَشي الذي يهدِمُ الكعبة (١)، وأما الحجّاج فلم
يَهْدِمها إلّ أَنَفَةً أن يبقى هذَا الشَّرَفُ والمكرمةُ لابن الزُّبَيْرِ، واختلفوا كم بُنِيَتْ
مَرَّاتٍ، فقيل: سبعاً، وقيل: خمساً، ومنشأُ الخِلاف أنَّها هل بُنِيَتْ قبل بناءِ
إِبْرَاهِيم، أَو هو أولُ من بناها؟.
(١) قلت: وذلك أن رسول و﴿ قال: (يُخَرِّب الكعبة ذو السُّويقتين من الحبشة)) رواه البخاري رقم
(١٥٩٦) في الحج: باب هدم الكعبة، ومسلم رقم (٢٩٠٩) في الفتن: باب لا تقوم الساعة
حتى يمرَّ الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، ورواه النسائي
(٢١٦/٥) في الحج: باب بناء الكعبة.
وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٣٠٢/٩): ذو السويقتين: الساق: ساق الإِنسان،
وهي مؤنثة، وتصغيرها: سويقة بالتاء، على قياس تصغير أمثالها، وتثنيتها: سويقتان، بإثبات
التاء في التثنية، لأن تثنيتها مصغرة، وإنما صغرها لأنه أراد ضعفها ودقتها، لأن عامة الحبشة
في أسواقهم دِقَّةٌ وحموشة .
٣٠٩

سنة أربع وسبعين
فيها توفي السَّيِّدُ الجليلُ الفقيهُ العابدُ الزَّاهِدُ أَبُو عَبْد الرَّحمن
عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ بنُ الخَطَّابِ العدويُّ، وكان قد عُيِّنَ للخلافةِ يوم التَّحكيم،
مع وجودِ عليٍّ والكبارِ رضي الله عنهم.
وقال فيه النبيُّ ◌َ: ((إِنَّ عَبْد اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ)) (١).
وقال: ((نِعْمَّ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ الليْلِ)) فكان بعدَها
لا يرقدُ من الليل إلّ قليلاً(٢)، وكان من زُهَّادِ الصحابةِ وأكثرهِم اتِّباعاً لِلسُّنْنِ،
(١) رواه البخاري في التعبير: باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام، ومسلم رقم (٢٤٧٨) في
فضائل الصحابة، من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: رأيت في
المنام كأن في يدي قطعة استبرق، وليس مكان أريد من الجنة، إلّ طارت إليه، قال:
فقصصته على حفصة، فقصته حفصة على النبي له، فقال النبي ومطار: ((إن أخاك رجل
صالح)) أو ((إن عبد الله رجل صالح)).
(٢) رواه البخاري في التهجد: باب فضل قيام الليل، ومسلم رقم (٢٤٧٩) في فضائل الصحابة،
باب من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. قال: كان الرجل في حياة رسول الله وَؤم
إذا رأي رؤيا قصها على رسول الله #*، فتمنيتُ أن أرى رؤيا أقصها على النبي ◌ِّرَ، قال:
وكنتُ غلاماً شاباً عزباً، وكنتُ أنام في المسجد على عهد رسول الله وَار: فرأيت في النوم
كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني
البئر، وأذاقها أناس قد عزفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار،
أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك فقال لي: لم تُرَع (أي لا روع عليك) فقصصتها
على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله ، فقال النبي وَلير: ((نعم الرجل عبد الله لو
كان يصلي من الليل)) فكان بعد لا ينام من الليل إلّ قليلاً.
٣١٠

وأعزفهم(١) عن الفِتن، وتمَّ له ذلك إلى أن مات.
قيل: اعتمر قريباً من ألفِ عُمْرَةٍ.
قالَ مَالِك: بلغ ابنُ عُمَرَ ستاً وثمانين سنةً، أفتى في ستين منها، ولما
مات أمرهم أن يدفنوه ليلاً ولا يُعلِمُوا الحَجَّاجَ لئلا يُصلِّيَ عليه، ودفن في
ذَاتُ أُذَاخِر(٢) يعني فوق القرية التي يقال: لها العَابدة، وبعضُهم يَزْعم أنها في
الجبل الذي فوق البُسْتَانِ على يمين الخارج من مَكَّةً إلى المُحَصَّب(٣).
وتوفي بعده في تلك السنة أَبُو سَعِيْدٍ الخُدْرِيُّ سَعْدُ بنُ مَالِكٍ
الأنصاريُّ، وكان من أعيان الصحابة وفقهائهم، شهدَ الخندق، وبيعةً
الرِّضْوان، وغيرهما.
وفيها توفي بالمدِينة سَلَمْةُ الأَكْوَعِ الأُسْلَميُّ، وكان ممن بايَع النبيِّ وَلـ
على الموت يوم الحُدَيْبِيةِ، وكان بطلًا شجاعاً رامياً، يسبق الفَرَسَ عَدْوَاً (٤)،
وله سوابق ومشاهد محمودة.
وفيها تُوفِّي بالكُوْفَةِ أَبُو جُحَيْفَة (٥) السُّوَائِيُّ، ويقال له: وَهْبُ الخَيْرِ، له
(١) في المطبوع: ((أعرفهم)) وهو خطأ.
(٢) قال الزبيدي: ثَنِيَّةُ أُذَاخِر بالفتح: قرب مكة بينها وبين المدينة، وكأنها مسماة بجمع الإِذخر.
((تاج العروس)) ((ذخر)) (٣٦٤/١١). وانظر (معجم ما استعجم)) للبكري (١٢٨/١)،
و ((القاموس المحيط)) للفيروزأبادي (٣٥/٢).
(٣) قال الزبيدي: المُحَصِّب اسم الشِّعْب الذي مخرجه إلى الأبطح بين مَكَّة ومنّى، يقام فيه
ساعة من الليل، ثم يُخرَج إلى مكّة، سمي به للْحَصْبَاءِ الذي فيه، وكان موضعاً نزل به
رسول الله وَ* من غير أن سَنَّهُ للناس، فمن شاء حصَّب، ومن شاء لم يحصِّب. وانظر تتمة
كلامه في ((تاج العروس)) ((حصب)) (٢٨٤/٢، ٢٨٥).
(٤) في الأصل، والمطبوع: ((شدا)) وهو خطأ، والتصحيح من ((دول الإِسلام)) للذهبي (٥٤/١).
(٥) واسمه وهب بن عبد الله السُّوائي. انظر ((أسد الغابة)) (٤٨/٦)، و((تهذيب الأسماء
واللغات)) (٢٠٢/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٢/٣)، وقال النووي: ويقال: وهب بن
وهب.
٣١١

صحبةٌ ورواية، وكان صاحبَ شُرْطَةِ عليٍّ رضي الله عنه، وكان يقوم تحت
منبره يوم الجمعة، وقيل: تأخر إلى بعد الثمانين(١).
وفيها تُوفِّيَ محمَّد بنُ حَاطِبٍ بن الحَارِثِ الجُمَحِيُّ، له صحبةٌ ورواية،
وهو أَوَّلُ من سُمِّيَ في الإِسلام محمَّداً بعد رَسُولِ اللهَِّ .
وَرَافِعُ بن خَدِيْجِ الأنصاريُّ الصحابيُّ، أصابَهُ سَهْمٌ يَومَ أُحُدٍ فبقي
النَّصْلُ إلى أنْ مات في جسمه.
وأَوْسُ بن ضَمْعَجِ الكُوفيُّ العابدُ.
وخَرَشَةُ بن الحُرِّ(٢)، وقد رُبِّيَ يتيماً في حَجْرِ عُمَرَ، ونزل الكُوْفَة.
وعَاصِمُ بن ضَمْرةٍ(٣) السَّلولي.
ومَالِكُ بن أَبِي عَامِرٍ الأصبحيُّ، جدُّ الإِمام مَالِكٍ، له روايةٌ عن عُمَرَ
وَعُثْمَانَ .
وَعَبْدُ اللَّهِ بن عُتْبَةَ بْنُ مَسْعُودٍ الهُذَليُّ بالمدينة له روايةٌ ورؤية(٤)، وكان
کثیر الحدیثِ والفتوى.
وعَبْدُ اللَّهِ بنَ عُمَيْرِ الليثيُّ.
(١) وفي ((أسد الغابة)) و((تهذيب الأسماء واللغات)) توفي سنة (٧٢هـ). قال الذهبي: والأصح
موته في سنة أربع وسبعين. وهو ما جزم به ابن حبان في ((مشاهير علماء الأمصار)) ص
(٤٦).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((خرسة بن الحرة)) وهو خطأ. والتصحيح من («مشاهير علماء
الأمصار)) لابن حبان ص (١٠٦)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٢٧/٢)، و((الإصابة)) لابن
حجر (٨٨/٣)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر على هامش ((الإصابة)) (١٩٢/٣).
(٣) في المطبوع: ((عاصم بن حمزة)) وهو خطأ.
(٤) في المطبوع: ((له رؤية ورواية)).
٣١٢

سنة خمس وسبعين
فيها حجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بنُ مَرْوَانَ، وخطبَ على مِنْبَرِ رَسُولِ الله(١) وَرَ،
وعَزَل الحَجَّاجَ عن الحِجَازِ وأمَّرِه على العِرَاقَيْنِ.
وفيها تُوفِّي العِرْبَاضُ بنُ سَارِيَةَ السُّلَمي أحدُ أصحاب الصُّفَّة بالشَّام (٢).
وأَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ(٣) بالشَامِ ، وقد شهد فتح خَيْبُر.
وعَمْرُو بِنُ مَيْمُونٍ الْأُوْدِيُّ، قَدِمَ مع مُعَاذٍ مِنَ الْيَمَنِ، فنزل الكُوْفَةً،
وكَانَ صالحاً قانتاً، قيل: حجّ مائةٍ حَجَّة وعُمْرَةٍ(٤)، وكان إذا رؤي ذُكِرَ اللَّهُ.
والأسْوَدُ بنُ يَزِيْدِ النَّخَعِيُّ (٥) الكُوفيُّ الفقيهُ العابدُ، كان يُصلِّي في اليوم
والليلة سبعمائة رَكعة، واستسقى به مُعَاوِيَةُ فَسُقوا.
(١) في المطبوع: ((منبر النبيِّ)).
(٢) وكنيته أبو نَجيح، وكان شيخاً كبيراً من الصحابة رضي الله عنهم، ثم نزل حمص، وحديثه
في السنن الأربعة (ع).
(٣) وهو صحابي مشهور معروف بكنيته، واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، سكن الشام، وقيل:
حمص، قبض وهو ساجد في صلاة الليل، رضي الله عنه.
(٤) وقيل غير ذلك. انظر ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٧٥/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(٤ /١٦٠).
(٥) قلت : وفي ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٧٥) أنه مات سنة ست وسبعين، وقيل: أربع
وسبعين .
٣١٣

وبِشْرُ بنَ مَرْوَانَ الأَمَويُّ أَميرُ العِرَاقَيْنِ بعد مُصْعَبٍ.
وسُلَيم بنُ عِتْرٍ(١) التُجِيبيُّ قاضي مِصْرَ ونَاسِكُها، وقد حَضَرَ خُطْبَةَ عُمْرٌ
بالجَابِيَةِ(٢).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((سليم بن عنزة)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الإسلام)) للذهبي
(١٣١/٣). و((الإصابة)) لابن حجر العسقلاني (١٣/٥). وكنيته أبو سلمة، وهو من خيرة التابعين
رحمه الله .
(٢) قال ياقوت: قرية من أعمال دمشق ثم من عمل الجيدُور من ناحية الجولان قرب مرج الصفر
في شماليٍ حوران، إذا وقف الإِنسان في الصنمين واستقبل الشمال ظهرت له، وتظهر من
نوى أيضاً، وبالقرب منها تل يسمى تل الجابية، وباب الجابية بدمشق منسوب إلى هذا
الموضع، ويقال لها: جابية الجولان أيضاً. ((معجم البلدان)) (٩١/٢). وانظر ((الروض
المعطار)) للحميري ص (١٥٣).
٣١٤

سنة ست وسبعين.
فيها وجَّه الحَجَّاجُ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ الثَّقَفيَّ ابنَ عَمِّ المُخْتَارِ لحرب
شَبِيْبِ بنِ قَيْسِ الخَارجيِّ الشَّيْبَانِّي، فاستُظهرَ شَبِيْبٌ وَقُتِلَ زَائِدةُ، وَهُزِمَ
العَسَاكِرُ مَراتٍ واستفحلَ أَمْرُ شَبِيْبٍ. (*).
(*) قلت: وفيها أمر الخليفة عبد الملك بن مروان بنقش الدنانير والدراهم. انظر ((تاريخ الطبري))
(٢٥٦/٦)، و((البيان المغرب)) لابن عذارى (٣٤/١)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤١٦/٤).
وفيها ولّى عبد الملك المدينة أبان بن عثمان بن عفان. انظر ((تاريخ الطبري)) (٢٥٦/٦)،
و ((الكامل)) لابن الأثير (٤١٨/٤).
وفيها أقام الحج أبانُ بنُ عثمان بن عفان. انظر ((تاريخ الطبري)) (٢٥٦/٦)، و((الكامل))
لابن الأثير (٢١٨/٤).
وفيها مات حَبَةُ بن جوين العُرَنِيُّ. انظر ((الكامل)) لابن الأثير (٤١٨/٤)، و («تاريخ
الإِسلام)) للذهبي (١٢١/٣).
٣١٥

سنة سبع وسبعين
فيها بعث الحَجَّاجُ لَحربٍ شَبِيْبِ عَتَّبَ بِنَ وَرْقَاءَ الرياحي(١) بالباء
الموحدة فلقي شبيباً(٢) بسوادِ الكُوْفة، فَقْتَلَ شَبِيْبٌ أيضاً عَتَّاباً، وَهَزَم جيشه،
ثم جَهَّزَ الحَجَّاجُ له الحَارث بنَ مُعَاوِيَة الثَّقفيَّ فَقَتَلَ الحَارِثَ أيضاً، فوجَّه
الحَجَّاجُ له أبا الوَرْدِ البَصْريَّ فقتله أيضاً، فوجَّه له طَهْمَان عُثْمَان، فقتله
أيضاً، فَفَرِقَ الحَجَّاجُ وسار بنفسه، فاقتتلوا شديداً أشد القتال، وتكاثّرُوا على
شَبِيبٍ فانهزم.
وقُتِلَتْ غَزَالَةُ امرأةٍ شَبْبٍ، وكانتْ قد قاتلت في تلك الحروب قِتَالاً
عَجَزَ عنه كُمَّلُ الرِّجَالِ، وكانت بحيث يُضْرَبُ بشجاعَتِها المَثَلُ، وكانت
نَذَرَتْ أني تأتيَ مَسجَدَ اكُوفَةٍ فتصلِّي فيه ركعتين بسورة البقرة، وآل عمرانَ،
فَخَرَجَتْ إليه في سبعينَ رَجلاً وَوَفَتْ نَذْرَها، فقال الناس:
وَفَتْ الغَزَالَةُ نَذْرَهَا يَا رَبّ لَا تَغْفِرْ لَهَا
وقال الشاعر في الحجّاج بن یوسف:
أَسَدٌ عليَّ وَفي الحُرُوبِ نَعَامَةٌ فَتْخَاءُ تَنْفُرُ مِنْ صَغِيْرِ الصَافِرِ
(١) في الأصل، والمطبوع: ((عتاب بن ورقاء الرباحي)) وهو تصحيف. والتصحيح من ((جمهرة
أنساب العرب)) لابن حزم الأندلسي ص (٢٢٧) ونسبه للرياحي، و((الأعلام)) (٢٠٠/٤).
(٢) في المطبوع: ((فلقي شبيب)).
٣١٦

هَلَّ كَرَرْتَ عَلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَىْ بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ
ونجا شَبِيْبٌ بنفسه في فوارسَ من أصحابه إلى الأَهْوَاز.
وبها محمَّد بن مُوسى بنُ طَلْحَةَ التَيميُّ، فخرج لقتاله، فبارزه، فقتلَه
شَبْبٌ، وسَار إلى كَرْمَانَ(١) فتقوّى، ثم رجع إلى الأَهْوَازِ، فبعثَ إليه الحَجَّاجُ
سُقْيَانَ بِنَ الأَبْرَدِ الكَلْبِيَّ، وحَبِيْبَ بنَ عَبْدِ الرَّحمنِ، فاقتتلوا حتى حَجَزَ بينهم
الليلُ، ثم ذهب شَبِيْبٌ وَعَبَر على جِسْرِ نَهْرِ دُجَيْلٍ (٢) فقطَع به فَغَرِقَ، وقيل:
بل نَفَرَ به فرسُه وعليه الحديدُ الثقيلُ فألقاه في الماءِ، فقال بعض أصحابه:
أَغَرَقاً يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذلك تقدير العزيز العليم، فألقاه دُجَيْلٌ ميتاً
على ساحله، فحُمِلَ على البريد إلى الحَجَّاجِ، فأمر بِشَقِّ بطنِهِ، واستُخرج
قلبُه، فإذا هو كالحَجَرِ، إذا ضَرَبَ به الأَرضَ نبا عنها، فَشُقَّ، فإذا قلبٌ صغيرٌ
كالكرةِ الصغيرةِ، فَشُقَّ أيضاً، فُوُجدَ في داخله عَلَقَةُ دَمٍ، وكانت شجاعتُه
خَارِجَةً أكثر ما يكون في مائة نفسٍ فيهْزِمون الألوف.
وفيها غزا عَبْدُ الملكِ الرُّومَ بنفسه، وافتتح مدينة هِرَقْلَةَ(٣) وافتُتِحَتْ أيضاً
في خلافة العباسيِّين (٤) ولعلَّها عادت إليهم.
(١) إقليم في إيران. قال ياقوت: قال محمد بن أحمد البنا البشاري: كرمان: إقليم يشاكل فارس
في أوصاف ويشابه البصرة في أسباب، ويقارب خراسان في أنواع: لأنه قد تخم البحر،
واجتمع فيه البرد والحر، والجوز والنخل، وكثرت فيه التمور والأرطاب، والأشجار والثمار،
ومن مدنه المشهورة: جيرفت، وموقان، وخبيص، وبم، والسيرجان، ومزماسير، وبُرْدَسير.
وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٤٥٤/٤ - ٤٥٦)، و((الروض المعطار)) للحميري ص (٤٩١،
٤٩٢) و((الأمصار ذوات الآثار)» للذهبي ص (١٠١) بتحقيقنا، طبع دار ابن كثير.
(٢) قال ابن منظور: دُجَيْلٌ: نهر صغير مُتَشَعِّبٌ من دجلة. ((لسان العرب)) ((دجل)) (١٣٣٠/٢).
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((مدينة هرقل)) والتصحيح من ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (١٢٥/٣)،
و «دول الإِسلام» للذهبي (٥٦/١).
(٤) وذلك على يدي الخليفة هارون الرشيد. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٩٨/٥).
٣١٧

وفيها توفِّي أَبُو تَمْمِ الجَيْشَانِيُّ (١) وكان قرأ القرآن على مُعَاذٍ، وكان من
عُبَّادِ أهل مِصْر وعلمائهم.
(١) هو عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم، من أئمة التابعين، ولد في حياة النبي مص يره، وقدم
المدينة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. حدَّث عن عمر، وعلي، وأبي ذر، ومعاذ بن
جبل، انظر ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٧٣/٤، ٧٤).
٣١٨

سنة ثمان وسبعين
فيها وَثَبَ الرُّومُ على مَلِكِهم، فنزعوه من المُلْكِ، وقطعوا أَنْفَهُ، وَنَفوْهُ
إلى بعض الجزائر.
وفيها جَرَتْ حروبٌ وملاحِمُ بِإِفْرِيْقِيَّةَ، وولي فيها مُوسى بنُ نُصَيْرِ إِمرةً
المَغْرِبِ كُلِّهِ، وولي خُرَاسَانَ المُهَلَّبُ بن أَبِي صُفْرَةً.
وفيها توفي جَابِرُ بن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرو(١) بن حَرَامِ الأَنصاريُّ السَّلَميُّ،
وهو آخرُ من مات من أهل العَقَبة (٢) عن أربع وتسعين سنةً، وهو من أهل بيعة
الرِّضْوانِ وأهلِ السَّوابِقِ والسَّبْقِ في الإِسلامِ، وكان كثيرَ العِلْمِ، وَأَبُوهُ
عَبْدُ اللَّهِ بن عَمْرو بن حَرَام مناقبُهُ عديدةٌ.
وفيها على الأصح زَيِدُ بن خَالِد [الجُهَنِيُّ](٣) من مَشَاهِيْرِ الصحابة،
مات بالكُوْفَةِ وله خمسٌ وثمانون سنةً.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((جابر بن عبد الله بن عمر بن حرام)) وهو خطأ، والتصحيح من
((الأنساب)) السمعاني (١١٤/٧) بإشراف والدي الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، و((أسد الغابة))
لابن الأثير (٣٠٧/١)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١٨٩/٣).
(٢) أي بيعة العقبة الثانية. انظر (السيرة)) لابن هشام (٤٣٨/١ - ٤٤٤)، و((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (١٨٩/٣).
(٣) زيادة من ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (١٢٦/٣)، و((دول الإسلام)) للذهبي أيضاً (٥٦/١).
٣١٩

وعَبْدُ الرَّحمنِ بن غَنْمِ الأَشْعَرِيُّ بالشّام(١) وكان من رُووسِ التابعين،
بعثه عُمَرُ يفقِّه الناس. قال أَبُو مُسْهِر(٢) هو رأس التابعين.
وفيها، وقيل: في سنة ثمانين أَبُو أَمِيَّة شُرَيْحُ بنُ الحَارِثِ الكِنْدِيُّ، ولي
قضاءَ الكُوْفَةِ لِعُمَرَ فمن بعدَه خمساً وسبعين سنةً، ولم يتعطّل فيها إلّ ثلاث
سنين، امتنع فيها من القضاء، وعاش على ما قال ابن قُتَيْبَةً(٣) مائةً وعشرين
سنةً، واستعفى عن القضاء قبل موته بعامٍ فأعفاه الحَجَّاجُ، وكان فقيهاً نبيهاً
شاعراً، صاحب مُزَاحٍ ، وكان له دُرْبَةٌ في القضاء بالغةٌ، وهو أحدُ السَّاداتِ
الطُلْسِ، وهم أربعةٌ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ، وَقَيْسُ بنُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةً،
والأَحْنَفُ بنَ قَيْسٍ ، وَشُرَيْحٌ.
والأَطْلَسُ الذي لا شعر بوجهه(٤).
وحكي أن علياً دَخَلَ على شُرَيْحٍ مع خَصْمٍ له ذِمٍِّّ، فقام له شُرَیْحٌ،
فقال له عليٌّ كرم الله وجهه: هذا أَوَّلُ جَوْرِكَ، فقال: لو كان خَصْمُكَ مُسْلِماً
لما قُمْتَ، ويقال: إنه قضى على عليٍّ، وذلك أنه ادَّعى على الذِّمِّيِّ دِرْعَاً
سقطتْ منه، فقال لِلذِّمِّيِّ: ما تقول؟ فقال: مالي وبيدي، فقال لعليٍّ كرم الله
وجهه، ألكَ بَيَِّةُ أنَّها سقطتْ منك؟ قال: نعم. فأحضر كُلَّ من الحَسَن وَعَبْدَهِ
قَنْبَرَ(٥) فقال: قبلتُ شهادة قَنْبَرٍ، ورددتُ شهادة الحَسَنِ، فقال عليٌّ ثَكِلَتْكَ
(١) في ((دول الإِسلام)) للذهبي: ((بفلسطين)).
(٢) هو عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى، أبو مسهر الغساني، من حفاظ الحديث، وكنية
جده أبو قدامة. كان شيخ الشام، وعالمها بالحديث والمغازي، وأيام الناس، وأنساب
الشاميين، توفي سنة (٢١٨هـ). وسترد ترجمته في المجلد الثالث من كتابنا هذا فراجعها
فیه .
(٣) انظر ((المعارف)) ص (٤٣٣).
(٤) ويقال له: الكوسج والأئط. (ع).
(٥) انظر تاج العروس)) للزبيدي ((قنبر)) (٤٧٧/١٣).
٣٢٠