Indexed OCR Text
Pages 281-300
سنة اثنتين وستين
فيها توفي بُرَيْدَةُ بن الحُصَيْب الصحابيُّ الأَسْلَميُّ، وقبره بمرو(١)، وقد
أسلم قبل بدر.
وعَلْقَمَةُ بنَ قَيْسِ النَّخَعِيُّ الكوفي الفقيه، صاحب ابن مسعود، وكان
يُشَبَّهُ به، واستفتاه غير واحدٍ من الصحابة .
وأَبُو مُسْلِم الخَوْلانيُّ (٢) اليمني من سادات التابعين صاحب كرامات،
أجَّج له الأَسْوَد العَنْسيُّ(٣)، ناراً عظيمة وألقاه فيها فلم تضره، فنفاه لئلا
(١) هي مَرْؤُ الشاهِجَان، وهي مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، نص عليه الحاكم أبو عبد
الله في ((تاريخ نيسابور)) مع كونه ألف كتابه في فضائل نيسابور إلا أنه لم يقدر على دفع فضل
هذه المدينة، والنسبة إليها مَرْوَزِي على غير قياس. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (١١٢/٥ -
١١٦)، و((الأمصار ذوات الآثار)) للذهبي ص (٨٣) بتحقيقي، طبع دار ابن كثير.
(٢) هو عبد الله بن ثوب الخولاني، تابعي، فقيه عابد زاهد، نعته الذهبي بريحانة الشام، أصله
من اليمن، أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبيِّ وَل﴿ ولم يره، فقدم المدينة في خلافة أبي
بكر، وهاجر إلى الشام، مات بدمشق سنة (٦٢ هـ)، وقبره بداريًّا، وكان يقال: أبو مسلم
حكيم هذه الأمة. انظر ((تاريخ داريا)) للخولاني ص (٥٩ - ٦٢) بتحقيق العالم الفاضل
الأستاذ سعيد الأفغاني، وفيه وفاته سنة (٤٤ هـ)، و((الأعلام)) للزركلي (٧٥/٤، ٧٦).
(٣) هو عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، متنبىء مشعوذ من أهل اليمن، كان بطاشاً جباراً، أسلم
لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبيِّ ◌َ﴿، فكان أول مرتد في الإِسلام. قتل سنة
(١١ هـ). انظر (إعلام السائلين)) لابن طولون صفحة (١١٠ - ١١١) بتحقيقي، و((الأعلام))
للزركلي (١١١/٥).
٢٨١
يرتاب النَّاسُ فيه، فوفد على أبي بكرٍ مُسْلِماً، فقال: الحمد لله الذي لم
يُمتني حتى أراني من أمة محمد وَلّ من فُعل به ما فُعل بإبراهيم خليل الله،
واسْتُبْطِئَتْ سَرِيَّة، فبينما هو يصلي ورمحه مركوز، جاء طائرٌ ووقع عليه
وخاطبه مشيراً له أن السرية سالمةً غائمة، تُقدم يوم كذا وكذا، وكان كذلك.
وفيها توفي عَبْد المُطَّلِب بن رَبِيْعَة بن الحَارِث بن عَبْد المطلَّب
الهاشميُّ نزیل دِمَشْق، له صحبة ورواية.
وأمير مِصْرَ مَسْلَمَةُ بن مُخَلَّدٍ الأنصاري، له صحبةٌ وروايةٌ أيضاً.
وفيها غزا سَلْمُ بن زِيَادِ(١) خَوَارِزْمَ، فصالحوه ثم عبر إلى سَمَرْقْد،
فصالحوه أيضاً.
(١) في الأصل، والمطبوع: ((أسلم من أحور)) وفي ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٣٥٣/٢): ((سلم
ابن أحور)) وكلاهما خطأ، والتصحيح من ((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٣٥)، و((تاريخ
الطبري)» (٤٧١/٥) وفيه أن غزو خوارزم، وسمرقند كان سنة (٦١ هـ)، و((الكامل في
التاريخ)) لابن الأثير (٩٥/٤)، و((سلم بن أحور)) الذي ذكره الذهبي صوابه «سلم بن أحوز))
ولكنه مذكور عند الطبري في حوادث سنة (١٢٨). وانظر ترجمة سلم بن زياد في ((الأعلام))
للزركلي (١١٠/٣).
٢٨٢
سنة ثلاث وستين
كانت وقعة الحَرَّة، وذلك أن أهل المدينة خرجوا على يَزِيْد لِقِلَّةِ دِينه،
فجهّز لهم مُسْلِمٍ(١) بن عُقْبَة، فخرجوا له بظاهر المدينة بحرَّة واقِم (٢) فقتل من
أولاد المهاجرين والأنصار ثلثمائة وستة أنفس. ومن الصحابة مَعْقُل بن سِنَانٍ
الأشجعيُّ، وعَبْدُ اللهِ بن حَنْظَلَةِ الغَسِيْلِ (٣) الأنصاري، وعَبْدُ اللهِ بن زَيْد بن
(١) في المطبوع: ((مسلمة)) وهو خطأ. وهو مسلم بن عقبة بن رباح المري، أبو عقبة.
(٢) حرة واقم: إحدى حرَّتي المدينة، وهي الشرقية، سميت برجل من العماليق اسمه واقم،
وكان قد نزلها في الدهر الأول، وقيل: واقم اسم أطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة،
وهو من قولهم: وقمت الرجل عن حاجته إذا رددته، فأنا واقم. وانظر ((معجم البلدان)) لياقوت
(٢٤٩/٢).
(٣) هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب، أبو عبد الرحمن، قتل يوم الحرة، وكان أمير
الأنصار يومئذ، وأبوه حنظلة المعروف بغسيل الملائكة، قتل حنظلة يوم أحد شهيداً، وسمي
غسيل الملائكة لقوله رير: ((إن صاحبكم لتغسله الملائكة)) يعني حنظلة، فسألوا أهله: ما
شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهائعة، فقال رسول الله والآن:
((لذلك غسلته الملائكة)) وكفى بهذا شرفاً ومنزلة عند الله تعالى.
ولما كان حنظلة يقاتل يوم أحد التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فاستعلى عليه حنظلة وكاد
يقتله، فأتاه شداد بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي، فأعانه على حنظلة، فخلص أبا
سفيان، وقتل حنظلة، وقال أبو سفيان:
ولم أحمل النعماء لابن شَعُوب
ولو شِئْتُ نجتني كُمِيْتُ بِمَّرةٌ
وقيل: بل قتله أبو سفيان بن حرب، وقال: حنظلة بحنظلة، يعني بحنظلة الأول هذا غسيل
الملائكة، وبحنظلة الثاني ابنه حنظلة، قتل يوم بدر كافراً. عن ((أسد الغابة)) لابن الأثير
(٦٦/٢)، وانظر ((الإصابة)) لابن حجر (٢٩٩/٢).
٢٨٣
عَاصم المازني الذي حكى وضوء النبيِّ ◌َلَ(١)، ومحمَّد بن ثَابِت بن قَيْس بن
شَمَّاس، ومحمّد بن عَمْرو بن حَزم، ومحمَّد بن أبي جَهْم (٢) بن حُذَيْفة،
ومحمد بن أبيّ بن كَعْب، ومُعَاذ بن الحَارِثِ أبو حَلِيْمَةَ الأنصاري، الذي
أقامه عُمَرُ يُصلي التراويح بالنَّاس، ووَاسِع بن حَبَّن الأنصاري، وَيَعْقُوبُ ولد
طَلْحَةَ بِنَ عُبَيْدِ الله التميمي، وكَثْرُ بنُ أفْلَحَ أَحَدُ كُتَّابِ المصاحف التي
أرسلها عُثْمَان، وأبوه أَفْلَح [بن كَثِيْر](٣) مَوْلِى أَبي أَيُوب، وذلك لثلاث
بقين من ذي الحجة، وهُجر المسجد النبوي فلم يُصَلَّ فيه جماعةً أياماً، ولم
(١) روى حديث الوضوء البخاري رقم (١٨٥) في الوضوء: باب مسح الرأس كله، لقوله تعالى:
﴿وامسحوا برؤُوسكم﴾ [المائدة: ٦]، و(١٨٦) بأن غسل الرجلين إلى الكعبين، و(١٩١)
باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، و(١٩٢) باب مسح الرأس مرَّةً، و(١٩٧) باب
الغسل والوضوء في المحصب والقدح والخشب والحجارة، و(١٩٩) باب الوضوء من الثَّوْر،
ومسلم رقم (٢٣٥) في الطهارة: باب وضوء النبيِّ﴿، ومالك في ((الموطأ)) (١٨/١) في
الطهارة: باب العمل في الوضوء، وأبو داود رقم (١١٨) و(١١٩) و(١٢٠) في الطهارة: باب
صفة وضوء النبيِّ ◌َ﴿، والترمذي رقم (٣٥) في الطهارة: باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماءً
جديداً، و(٤٧) باب فيمن توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً، والنسائي (٧١/١ و٧٢)
في الطهارة: باب حد الغسل، وباب صفة مسح الرأس، وباب عدد مسح الرأس، وأحمد في
((المسند)) (٣٨/٤). ولفظه عند البخاري حدثنا وهيب عن عمرو عن أبيه قال: شهدت عمرو
بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي وَ ي9، فدعا بتورٍ من ماء، فتوضأ لهم
وضوء النبيِّ: فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التور
فتمضمض، واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه
مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبز مرةً واحدة، ثم غَسَل رجليه
إلى الكعبين.
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((محمد بن أبي جهيم)) وهو خطأ، والتصحيح من ((أسد الغابة)) لابن
الأثير (٨٤/٥)، و((الإصابة)) لابن حجر (٣١٠/٩)، و(تاريخ الإِسلام)) للذهبي ٣٥٧/٢٤)،
و((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٤٣).
(٣) ما بين حاصرتين لم يرد في الأصل، والمطبوع، وأثبتناه من ((مشاهير علماء الأمصار)) لابن
حبان ص (٧٤). وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٣٦٨/١): وكنيته أبو عبد
الرحمن. وقيل: أبو بكر، وقيل: غير ذلك.
٢٨٤
:
تمتد حياة يَزِيْدَ بعد ذلك، ولا أميره مُسْلِمْ بن عُقْبَة، وفي ذلك يقول شاعر
الأنصار:
فَنَحْنُ على الإِسْلامِ أَوَّلُ مَنْ قَتَلْ
فَإِنْ يَقْتُلُونَا(١) يَوْمَ حَرَّةِ وَاقِمِ
وَأَبْنَا بِأَسْيَافٍ لَنَا مِنْكُمُ نَفَلْ(٢)
وَنَحْنُ تَرَكْنَاكُمْ بِبَدرٍ أُذِلَّةً
وفيها توفي مَسْرُوقِ الْأَجْدَعِ(٣) الهَمْداني، الفقيهُ العابدُ، صَاحِبُ ابن
مَسْعُود، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجداً، وعن
الشَّعْبي قال: ما رأيت أطلب للعلم منه، كان أعلم بالفتوى من شُرَيْح.
(١) في (((معجم البلدان)): ((تقتلون).
(٢) البيتان في ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٤٩/٢)، ونسبهما إلى محمد بن بحرة الساعدي. وأورد
عقبهما بيتاً آخر هو:
فإنْ يَنْجو مِنكُمْ عَائِذُ البَيْتِ سَالِماً فَمَا نَالَنَا مِنكُمْ وَإِنْ شفنا جَلَلْ
وعائذ البيت: عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه.
(٣) في الأصل، والمطبوع: ((أبو مسروق الأجذع) وهو خطأ، فإن مسروقاً كان يكنى بأبي
عائشة. انظر ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٥٦/٥)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٥/١٠)،
و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٢٤٢/٢)، و((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٥١).
قلت: وفي (اللباب)) لابن الأثير (٣٩١/٣): ((أبو عامر مسروق بن الأجدع)) وهو خطأ، فإن
كنيته ((أبو عائشة)) كما أجمع أصحاب كتب التاريخ والسير، فيستدرك فيه.
وإنما سمي مسروقاً لأنه سُرِق وهو صغير ثم وُجِد. كما ذكر ابن الأثير في ((اللباب)).
٢٨٥
-
١
سنة أربع وستين
فِي أَولها هَلَكَ مُسْلِمُ بنُ عُقْبَة بِهَرْشَى بين مكة والمدينة جبل قريب من
الجُحْفَة(١) متجهزاً لحرب ابن الزُّبَيْر، بعدما استباح المدينة، وفعل القبائح
ابتلاه الله بالماء الأصفر في بطنه، ومن العجب أنه شهد الحرَّة وهو مريض في
محفة کأنه مجاهد.
ومات يَزِيْدُ بعده بنّيِّفٍ وسبعين يوماً، توفي بالذبحة وذات الجنب، في
نصف ربيع الأول بحمص وله ثمان وثلاثون سنة، وصلى عليه ابنه مُعَاوِيَة،
وقيل: ابنه خَالِد، وكان شديد الأدمة، كثير الشعر، ضخماً، عظيم الهامةَ،
في وجهه أثر الجدريِّ، وكنيته أبو خَالِد، قيل: قال له أبوه مُعَاوِيَةُ رضي الله
عنه: بايعتُ لك النَّاس، ومهَّدت لك الأمر، ولم يتخلَّف عن بيعتك إلا
أربعة: الحُسَيْنُ، وعَبْدُ الله بن عُمَر، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعَبْدُ الرَّحمن ابن أبي بَكْرٍ،
فاستوص بالحُسَيْنِ خيراً لقرابته من رسول الله وَّرَ، وإنه لحمه ودمه، وأما عَبْدُ
اللهِ بن عُمَرَ فقد وَقَّرَتَهُ العِبَادَةُ، فليس له في الملك حاجة، وأما عَبْدُ الرَّحمن
فمغرم بالنساء، فأذعنه بالمال، وأما الذي يثب عليك وثب الأسد، فكذا
وكذا، وذكر كلاماً معناه التحريض على قتاله، وكانت ولايته ثلاث سنين وثمانية
(١) انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٩٧/٥).
٢٨٦
أشهر واثني عشر يوماً، وعهد بالأمر إلى ابنه مُعَاوِيَة، فبقي في الأمر شهرين أو
أقل ومات، وكان يذكر فيه الخير، ومات وله إحدى وعشرون سنة، وأبى أن
يستخلف، وقال: لم أصب حلاوتها فلا أتحمَّل مرارتها، ولما كان من أمر
الحُسَيْنِ ما كان، بقي ابن الزُّبير بِمِكَّةَ عائِذاً بالبيت، فجهّز لحربه يَزِيدُ
الحُصَيْنَ بنَ نُمَيْرِ السَّكُوني، فرمى الحُصَيْنُ الكعبة بالمنجنيقِ، حتى تضعضع
بناؤها ووهى، وقُتل بحجر المنجنيق المِسْوَر بن مَخْرَمة النُّوفَلي، له صحبة
ورواية، واحترق قرنا الكبش الذي فدي به إسْمَاعِيْلُ، وجاء نعي يَزِيْدَ،
فترجَّل الحُصَيْنُ، وبايع أهل الحرمين ابن الزّبير، ثم أهل العِرَاقِ والْيَمَنْ،
حتى كادت تجتمع الأمة عليه، وغلب على دِمَشْقَ الضَّحَّاكُ الفِهْري، مختلف
في صحبته، وكان دعا إلى ابن الزُّبَيْر ثم تركه، ودعا إلى نفسه، فانحاز عنه
مَرْوَانُ في بني أُمَيَّة إلى أرض حَوْرَانَ(١) ووافاهم عُبَيْدُ اللهِ بنُ زِيَادٍ من الكُوفَةِ
مطروداً من أهلها، وتضعضع أمر بني أمية حتى كاد يندرس، فنهض مَرْوَانُ
لطلب الملك، فالتقى هو والضَّحَّاك بعد قصص تطول، فقتل الضَّحَّاكُ في
نحو ثلاثة آلاف من أصحابه.
ثم سار أمير حمص يومئذ النُّعْمانُ بن بَشِيْر (٢) الأنصاري الصحابي
لينصر الضَّحَّاكَ، فقتله أصحاب مَرْوَان.
وفيها: توفي بالطاعون الوَلِيْدُ بنُ عُتْبَةَ بن أبي سُفْيان بن حَرْب، وكان
جواداً حليماً، عين للخلافة بعد يزيد، ولي إمرة المدينة غير مرة.
وفيها توفي رَبِيْعَةُ الجُرَشِي فقيهُ النَّاسِ زَمَنَ مُعَاوِيَةٍ(٣).
(١) قال ياقوت: حوران كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع
وحرار، وما زالت منازلَ العرب، وذكرها في أشعارهم كثير، وقصبتها بُصْرى. ((معجم
البلدان)) (٣١٧/٢).
(٢) في المطبوع: ((النعمان بن بشيرا)) وهو تحريف.
(٣) انظر ترجمته في ((الإصابة)) لابن حجر (٢٦٨/٣، ٢٦٠).
٢٨٧
وفيها نقض أميرُ المؤمنين عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ الكعبةَ، وبناها على قواعد
إبراهيمَ وَ﴿ على ما حدَّثْه خالَتُه عَائِشَةُ رضي الله عنها، وأدخل الحِجْر في
البيت، وكان قد تشقّق أيضاً من المنجنيق واحترق سقفه.
٢٨٨
سنة خمس وستين
فيها توجَّهَ مَرْوَانُ إلى مِصْرَ فملَكها، واستعمل عليها ابنَه عَبْدَ العَزِيْزِ،
ومهَّد قواعدَها، ثم عاد إلى دِمَشْقَ، وماتَ في رمضان، وعَهِدَ بالأمر إلى ابنِهِ
عَبْدِ المَلك، وكانَ مَرْوَانُ فقيهاً، وكان كاتبَ السرِّ لابن عَمِّه عُثْمَانَ رضي الله
عنه، وكان قصيراً(١) كبيرَ الرأس واللحيةِ، دقيقَ الرَّقَبةِ، أوقص (٢) أحمر
الوجه واللحيةِ، يلقّب خَيْطَ باطلٍ (٣) عاش ثلاثاً وستين سنة.
وفيها ولي خُرَاسَانَ المُهَلَّبُ بن أَبِي صُفْرَةً لابنِ الزُّبِيْر، وحارب
الأزارقة (٤) وأباد منهم ألوفاً.
(١) هذا يخالف ما جاء في المراجع التي بين أيدينا، فإنهم ذكروا أنه كان طويلاً. قال الزبيدي
في ((تاج العروس)) ((خيط)): و((خيط باطل)) لقب مروان بن الحكم، لقُّب به لطوله، قال:
وقال الجوهري: لأنه كان طويلاً مضطرباً .
(٢) أي مائل العنق، قصيرها.
(٣) قال الثعالبي في ((ثمار القلوب في المضاف والمنسوب)) ص (٧٦) : : وكان مروان بن الحكم
يقال له: ((خيط باطل)) لأنه كان طويلاً.
ولما بويع مروان بالخلافة بالشام قال أخوه عبد الرحمن بن الحكم - وكان ماجناً حَسَنَ
الشعر، لا یری رأي مروان ۔:
حَلِيلَةَ مَضْرُوب القَفَا: كيفَ تَصْنَعُ؟
فَوَاللَّهِ مَا أُدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ
عَلى النَّاس يُعْطِي مَايَشَاءُ وَيَمْنَعُ
لَحَا اللَّهُ قَومَاً أَمْرُوا خَيْطَ باطِلٍ
وقيل: إنما قال عبدالرحمن هذا حين استعمل معاوية مروان على المدينة. عن ((أسد
الغابة)) لابن الأثير (١٤٥/٥) وحاشية المحققين له.
(٤) الأزارقة: من الخوارج، نسبوا إلى نافع بن الأزرق. (ع).
٢٨٩
وفيها خرج سُلَيْمَانُ بن صُرَدٍ الخُزَاعِي الصحابي، والمُسَيِّبُ بنُ نَجَبَةً
الفَزاري صاحبُ عليٍ في أربعة آلاف يطلبون بدم الحُسَيْنِ، ويسمى جيش
التَّوَّابين، وجيش السراة، وكان مَرْوَانُ قد جهز ستين ألفاً مع عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ زِیَادٍ
ليأخذوا العِرَاق، والتقوا بالجزيرة فانكسر سُلَيْمَانُ وأصحابه، وقتل هو
والمسيَّب وطائفة، وكان لسُلَيْمَانَ صحبة ورواية.
وفيها مات على الصحيح عَبْدُ اللَّهِ بن عَمْرو بن العَاص السهمي ولم
يكن بينه وبين أبيه في الولادة إلّ إحدى عشرة سنة(١) وكان من فضلاء
الصحابة وعُبَّادهم المكثرين في الرواية، وأسلمَ قبل أبيه، وكان يلوم أباه على
القيام في الفتن، وحلف بالله أنه لم يرم في حرب صِفِين بِرُمحٍ ولا سَهْم،
وإنما حضرها لعزم أبيه عليه، ولقوله {وَلاير: ((أطع أباك))(٢).
وفيها توفي الحَارِثُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ الهَمْدَانِ الكُوفِي الأَعْوَرُ صَاحِبُ عليّ
وابنِ مَسْعُود، وكان مُتَّهماً بالكذب، وحديثُه في (السنن)) الأربعة(٣).
(١) وفي بعض المصادر ((ثنتي عشرة سنة)) انظر على سبيل المثال ((أسد الغابة)) لابن الأثير
(٣٤٩/٣)، و((الإِصابة)) لابن حجر (١٧٨/٦).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٤/٢ و٢٠٧) من حديث حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما
أنا عند معاوية، إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار بن ياسر رضي الله عنه، يقول كل
واحد منهما أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ليطب به أحدكما
نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله و # يقول: ((تقتله الفئة الباغية)) قال معاوية: مالك معنا؟
قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله وَل ◌ّ فقال: ((أطع أباك ما دام حياً ولا تعصه)) فأنا معكم
ولست أقاتل. وإسناده حسن.
(٣) انظر خبره في ((تقريب التهذيب)) لابن حجر (٨٤١/١)، و((المجروحين)) لابن حبان
(٢٢٢/١، ٢٢٣).
٢٩٠
سنة ست وستين
فيها توفي جَابِرُ بن سَمُرَةَ السُّوَائِي الصحابي، وقيل: توفي سنة أربع
وستين، وكان أبوه(١) صحابياً أيضاً.
وزَيْدُ بنُ أَرْقَم الأنصاري، وقيل: في سنة ثمان، وكان غزا مع النبيِّ وَلّ
سبع عشرة غزوةً.
وفيها قويت شوكة الخوارج، واستولى نَجْدَةُ الحَرُوريُّ الخارجي على
اليَمَامَةِ، والبَحْرين.
(١) هو سمرة بن جنادة السوائي، أبو جابر. انظر ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٤٥٣/٢).
٢٩١
سنة سبع وستين
فيها قتل عُمَر (١) بن سَعْد بن أَبِي وَقاص، وَعُبَيْدُ الله بِنَ زِيَادٍ،
وحُصَيْنِ بنَ نُمَيْر السَّكُوني، الذي حاصر ابن الزُّبَيْر وانصرف عنه،
وشُرَحْبِيل بن ذي الكِلَاعِ، وكثيرون من دعاة الشر، واصطلم عسكرهم، وكانوا
أربعين ألفاً، وذلك أنه جهز المُخْتَارُ بنَ أَبِي عُبَيْد الكَذّاب جيشاً قَدر ثمانية
آلافٍ مع إِبْرَاهِيْم بن الأشْتَرِ النَخَعيِّ، فكانت وقعة الخَازِر(٢) بأرض
المَوْصِل، وقيل: كانت في السنة التي بعدها، وكانت ملحمةً عظيمةً انتقم الله
فيها من أهل الجرم، ونصبت رؤوسهم حيث نصب رأس الحُسَيْن.
وروي أن حَيَّةٌ كانت تدخل في منخري (٣) عُبَيْد اللَّهِ بنَ زِيَاد وتدور على
رأسه، وفعلت ذلك والناس ينظرون، ثم بعث به المُخْتَارُ إلى المدينة في نحو
سبعين ألفٍ رأسٍ وشاهدهم نساء أهل البيت الكرام، وبقي الوقوف بين يدي
الملك العلام.
وفيها، وقيل: في التي قبلها توفي عَدِيُّ بن حَاتِم الطائي وله مائة
(١) في الأصل، والمطبوع: ((عمرو)) وهو خطأ. والتصحيح من ((تاريخ خليفة)) ص ٢٦٣ و((تقريب
التهذيب)) (٥٦/٢) و((الأعلام)) (٤٧/٥).
(٢) في الأصل، والمطبوع: ((وقعة الحارث)) وهو خطأ، والتصحيح من ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي
(٣٧٥/٢) و((تاريخ خليفة بن خياط)) ص (٢٦٣) و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٨٣/٨)
و ((معجم البلدان)) (٣٣٧/٢).
قلت: وعند خليفة بن خياط، وياقوت إن هذه الوقعة كانت سنة (٦٦هـ).
(٣) في المطبوع: ((منخر)).
٢٩٢
وعشرون سنة، أسلم سنة سبع وأكرمه النبيُّ وَله وألقى له وسادة وقال: ((إذا.
أَتَكُمْ كَرِيْمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوه)(١).
وفيها ثَارت الفتنة بين ابن الزُّبَيْرِ، والمُخْتَارُ بنَ أَبِي عُبَيْد الثقفي كان
مُتْلَوِّناً كذَّاباً يدعو مرةً إلى محمَّد بن الحَنَفِيَّةِ، ومرَّةً لابن الزّبير، حتى ادعى
آخراً أن جِبْرِيلْ يأتيه بالوحي من السماء، فلما تحقّق ابنُ الزُّبَيْر سوءَ حاله،
بعث أخاه الْمُصْعَبْ لحربه، فقدم المُصْعَبُ البَصْرَةَ وتأهَّب منها، واجتمع إليه
جيش الكوفة، فسار بهم جميعاً وعلى مقدِّمته عَبَّادُ بنَ الحُصَيْن، وعلى ميمنته
المُهَلَّبُ بنُ أَبِي صُفْرَةَ، وعلى مَيْسَرَتِهِ عُمَرُ بنَ عُبَيْدِ الله بن مَعْمَرْ التيمي،
فجهز المُخْتَارُ لحربهم أَحْمَرَ بنَ شُمَيْطِ، وَكَيْسَانَ(٢) فهزمهم مُصْعَبُ، وَقُتِلَ
أَحْمَرُ، وَكَيْسَانُ، وَقُتِل من جيش مُصْعَب محمَّد بن الأُشْعَث الكندي ابن
أخت أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعُبَيْدُ اللَّهِ بنَ عَليٍّ بنَ أَبِي طَالِبْ، وقُتِل من جند
المُخْتَارِ عُمَرُ الأَكبر بن عليّ بن أبي طالب، ثم سار جيش مصْعَبْ فدخلوا
الكُوْفَةَ، وحصروا المُخْتَارَ بقصر الإِمارة أياماً إلى أن قتله الله في رمضان
وصفت العِرَاقُ لْمُصْعَب.
(١) ذكره السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) من رواية العسكري عن مجالد بن سعيد عن الشعبي
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما دخل على النبي # ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض
وقال: أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً، وأسلم، ثم قال رسول اللّه ◌َار: ((إذا
أتاکم کریم قوم فأکرموه)) وسنده ضعيف، ورواه ابن ماجه في ((سننه)) مقتصراً على حديث ((إذا
أتاكم كريم فأكرموه)) رقم (٣٧١٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما،
وإسناده ضعيف. وله شاهد عند الطبراني في الأوسط من حديث جرير بن عبد الله البجلي
بمعناه، وسنده ضعيف أيضاً، وله عدة روايات ضعيفة، ولأبي داود في ((المراسيل)) وسنده
صحيح من حديث طارق عن الشعبي رفعه مرسلاً (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه)) وروي متصلاً
وليس بشيء قال السخاوي: وفي الباب عن جابر وابن عباس ومعاذ وأبي قتادة وأبي هريرة
وآخرين، قال: وبهذه الطرق يقوى الحديث وإن كانت مفرداتها كما أشرنا إليها ضعيفة. وانظر
((المقاصد الحسنة)) ص (٣٣ و٣٤).
(٢) ويعرف أيضاً بأبي عَمْرة، وكان مولى لعُرَيْنَة. انظر («تاريخ الطبري)) (٩٦/٦).
٢٩٣
سنة ثمان وستين
فيها توفي عَبْدُ اللَّهِ بنَ عَبَّاس الهاشمي حبر الأمة بالطّائِفِ عن إحدى
وسبعين سنةً، كان يقال له: البَحْر، والحَبْرِ، وتَرْجُمان القرآن، وذلك أن
النبيَّ وَِّ قال في دعائه له: ((اللهمّ فَقِهْهُ في الدِّين وَعَلِمْهُ التّأْوِيْلِ))(١) وذهب
بصره آخراً فقال:
إِنْ يُذْهِبِ اللَّهُ مِنْ عَيْنِيَّ نُورَهُمَا فَفِي لِسَانِي وَقَلْبِي مِنْهُمَا نُورُ
قَلْبِي ذَكِيٌّ وذِهْنِي غَيْرُ ذِي وَكَلٍ وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَشْهُورُ (٢)
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وكان جميلاً نبيلاً مجلسه مشحوناً بالطلبة
(١) رواه أحمد في (المسند)) (٢٦٦/١ و٣١٤ و٣٢٨ و٣٥٥) وابن سعد في ((الطبقات))
(٣٦٥/٢) والطبراني في ((الكبير)) رقم (١٠٥٨٧) والحاكم (٥٣٤/٣) وصححه ووافقه
الذهبي. وهو كما قالا. قال الحافظ ابن حجر، اشتهرت هذه اللفظة حتى نسبها بعضهم
للصحيحين، ولم يصب. ا. هـ. أقول: نعم أصل الحديث في البخاري والترمذي عن ابن
عباس قال: ضمني النبيُّ وَ لَ إلى صدره وقال: ((اللهمّ علمه الحكمة)) وفي رواية عند
البخاري عن ابن عباس ((اللهمّ علمه الكتاب)) وفي مسلم ((اللهمّ فقهه)) عن عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما، وفي رواية للبخاري عن ابن عباس ((اللهمّ فقهه في الدين)) رقم (١٤٣) في
الوضوء، باب وضع الماء عند الخلاء.
(٢) البيتان في ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٩٤/٣) و((الاستيعاب)) لابن عبد البر على هامش
((الإصابة)) (٢٦٩/٦) ولفظهما فيهما:
ففي لساني وقلبي منهما نور
إن يأخذ الله من عيني نورهما
وفي فمي صارم كالسيف مأثور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل
٢٩٤
في أنواع العلوم، قال بعضهم: حج مُعَاوِيَةُ وابنُ عَبَّاس وكان(١) لمعاوية
موكب بالولاية، ولابن عباس موكب بالرواية والدراية.
قال ابن عبّاس: ضمني رَسُولُ اللهِوَّه وقال: ((اللهمّ علمه الحكمة))(٢).
وقال أيضاً: دعاني رسول الله وَّر فمسح ناصيتي وقال: ((اللهمّ علمه
الحكمة وتأويل الكتاب))(٣). وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: مارأيت
أحداً أعلم بالسنة ولا أجدد رأياً ولا أثقب نظراً حين ينظر من ابن عبّاس، وإن
كان عُمَرُ بنُ الخطّاب ليقول(٤) له: قد طرأت علينا عُضَلُ أقضيةٍ أنت لها
ولأمثالها .
وقال عَطَاءُ بنَ أَبِي رَبَاح: ما رأيت مجلساً قط أكرم من مجلس ابن
عبَّاس، أكثر فقهاً وأعظم، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده،
وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم في وادٍ واسع.
وقال مغيرة: قيل لابن عباس: أنى أصبت هذا العلم؟ قال: بلسانٍ
سَؤُول، وقلبٍ عَقُول(٥).
وقال مُجَاهِد: كان ابن عَبَّاس يُسمى البحر من كثرة علمه(٦).
(١) في المطبوع: ((فكان)).
(٢) رواه البخاري رقم (٧٥) في العلم، باب قول النبي ثَّ: ((اللهم علمه الكتاب)) والمراد به
القرآن وفي رواية ((اللهمّ علمه الحكمة))، والمراد بالحكمة السنة، قال الحافظ في
((الفتح)): وفي رواية للنسائي والترمذي من طريق عطاء عن ابن عباس قال: دعا لي
رسول الله # أن أوتى الحكمة مرتین.
(٣) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣٦٥/٢) وإسناده ضعيف، ولكن تشهد له الأحاديث التي قبله.
(٤) في المطبوع: ((وكان عمر بن الخطاب يقول له)).
(٥) قلت: جاء في ((الإِصابة)) لابن حجر (١٣٤/٦) قوله: قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن
الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى
الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول. وساق الذهبي هذه الرواية بلفظ قريب في ((سير
أعلام النبلاء)) (٣٤٥/٣) موقوفة على مَعْمَر.
(٦) انظر ((أنساب الأشراف)) للبلاذري (٣٣/٣)، و((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم =
٢٩٥
وقال طاووس(١): أدركت نحواً من خمسين(٢) من أصحاب رَسُولِ اللهِوَّ
إذا ذكر ابن عَبَّاس شيئاً فخالفوه لم يزل بهم حتى يقرِّرهم.
وقال ابن أبي نَجِيْح: كان أصحاب ابن عَبَّاس يقولون: ابنُ عَبَّاس أعلم
من عُمَرَ، ومن عَليٍّ، ومن عبد الله(٣) ويعدُّون ناساً، فَيَئِبُ عليهم الناس
فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلّ وعنده من العلم ما
لیس عند صاحبه، وکان ابنُ عبّاس قد جمعه كُلَّه.
وقال الأَعْمَشُ: كان ابن عبّاس إذا رأيتَه قلتَ: أجملُ الناس، فإذا
تكلم قلتَ: أفصحُ الناس، فإذا حَدَّثَ قلتَ: أعلمُ النَّاسِ (٤).
وفيها عَزَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَخاه مُصْعَباً عن العِرَاقِ وولاها ابنه حَمْزَةَ.
وتوفي أبو شُرْيَح(٥) الخُزَاعي الكَعْبِي، ويقال له أيضاً: العدوي، وكان
قد أسلم قبل فتح مكة.
وأَبُو وَاقِد الليثيّ (٦)، وكان ممن شهد الفتح وعاش بضعاً وسبعين سنة.
*
= (٥٣٥/٣)، و((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٣١٦/١)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي
(٣٥٠/٣).
(١) في المطبوع: ((طاوس)).
(٢) قلت: في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٥١/٣) عن طاووس أيضاً قوله: أدركت خمس مئة
من الصحابة ... ، وفي ((الإصابة)) لابن حجر (١٣٧/٦) عن طاووس قوله: أدركت خمسين،
أو سبعين من الصحابة ... نقلاً عن البغوي.
(٣) يعني عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٤) الخبر في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٥١/٣) منسوب إلى مسروق، وفي حاشيته نسب
إلى البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣٠/٣) من كلام مسروق أيضاً.
(٥) واسمه خويلد بن عمرو، وقيل غير ذلك. انظر ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦٤/٦)،
و((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢٤٣/٢)، و((الإصابة)) لابن حجر (١٩٢/١١).
(٦) قيل اسمه الحارث بن مالك، وقيل غير ذلك. انظر («مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبان ص
(٢٥)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣٢٥/٦)، و((الإصابة)) لابن حجر (٨٨/١٢).
٢٩٦
سنة تسع وستين
فيها كان طَاعون الجَارِفُ(١) بالبَصْرَة، قال المَدَائِي (٢): حدثني من
أدرك الجَارِفَ قال: كان ثلاثة أيامٍ فمات في كل يومٍ نحوٌ من سبعين ألفاً،
ومات لُأَنَس بنِ مَالِك نحو سبعينَ ابناً، ومات فيه عشرون ألف عَرُوسٍ ،
وأصبح النَّاس في اليوم الرابع ولم يبق إلّ اليسير من الناس، وصَعِدَ ابنُ
عَامِرٍ (٣) المنبر يوم الجمعة فلم يجتمع معه إلّ سبعة رجال وامرأة، فقال: ما
ما فعلت الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب أيها الأمير.
وفيه مات قاضي البَصْرَة أبُو الأُسْوَد النُّؤلي (٤) الذي أسس النحو
(١) قال ابن منظور: ((والطاعون الجارف الذي نزل بالبصرة كان ذريعاً فسمي جارفاً، جرف الناس
كجرف السِّيل. ((لسان العرب)) ((جرف)) (٦٠٢/١).
(٢) هو علي بن محمد بن عبد الله المدائني، العلامة الحافظ الصادق الأخباري، المصدق فيما
ينقله، قال ابن تغري بردي: تاريخه أحسن التواريخ وعنه أخذ الناس تواريخهم. مات سنة
(٢٢٥ هـ). انظر ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٠٠/١٠ -٤٠٢) و((الأعلام)) للزركلي
(٣٢٣/٤)، وسوف ترد ترجمته في الجزء الثالث من كتابنا هذا.
(٣) كذا في الأصل، والمطبوع، و((تاريخ الإِسلام)) للذهبي (٣٨٣/٢)، وفي ((دول الإِسلام))
للذهبي (٥٢/١): ((فلما كان يوم الجمعة بقي الجامع يصفر لم يحضر للصلاة سوى سبعة
رجال وامرأة، فقال الخطيب ما فعلت تلك الوجوه؟ فقالت المرأة: تحت التراب)) وهو
الصواب، وأما ذكر ((ابن عامر)) في الخبر في كتابنا هنا، وفي ((تاريخ الإِسلام)) فأظن أنه
مقحم على النص، والله تعالى أعلم.
(٤) هو ظالم بن عمرو على الأشهر، ولد في أيام النبوة، وحدَّث عن عمر، وعلي، وأُبيِّ بن =
٢٩٧
بإشارة عليٍّ إليه.
وفيها قُتل نَجْدَةُ الخارجي الحروري، قتله أصحابه واختلفوا عليه،
وقيل: ظفر به أصحاب ابن الزُّبیر ..
وفيها مات قَبِيصَة بن جَابِرِ الأَسَدي(١)، وكان فصيحاً(٢) مفوَهاً، روى
عَبْدُ الملكِ بنُ عُمَيْرِ عنه قال: قال لي عُمَرُ: إني أراك شاباً فصيح اللسان
فسيح الصدر.
وفيها أعاد ابنُ الزُّبَيْر أخاه مُصْعَباً وعزل ابنه حَمْزَةَ، وقصد هو وعَبْدُ
كعب، وأبي ذر، وعبد الله بن مسعود، والزُّبير بن العوام، وطائفة، وحدث عنه ابنه،
=
ويحيى بن يَعْمَر، وابن بريدة، وعمر مولى غفرة، وآخرون، وقرأ القرآن على عثمان،
وعلي، قال محمد بن سلام الجمحي: أبو الأسود هو أول من وضع باب الفاعل والمفعول
والمضاف. وحرف الرفع والنصب والجر والجزم، فأخذ ذلك عنه يحيى بن يعْمَر، وقال أبو
عبيدة: أخذ أبو الأسود عن عليٍّ العربية، وقال المبرد: حدثنا المازنيُّ قال: السبب الذي
وضعت له أبواب النحو أن بنت أبي الأسود قالت له: ما أشد الحرِّ! فقال: الحَصْبَاءُ
بالرمضاء، قالت: إنما تعجب من شدته، فقال: أوقد لحن الناس؟ فأخبر ذلك علياً
رضي الله عنه، فأعطاه أصولاً بنى منها، وعمل بعده عليها، وهو أول من نَقَطَ المصاحف،
وأخذ عنه النحو عنبسة الفيل، وأخذ عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم أخذه عن ميمون
عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وأخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عنه الخليل بن
أحمد، وأخذه عنه سيبويه، وأخذه عنه سعيد الأخفش. وقال الجاحظ: أبو الأسود مقدَّم في
طبقات الناس، كان معدوداً في الفقهاء، والشعراء، والمحدِّثين، والأشراف، والفرسان،
والأمراء، والدُّهاة، والنحاة، والحاضري الجواب، والشيعة، والبخلاء، والصُّلْع الأشراف.
له شعر جيد أشهره أبيات يقول فيها:
عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمٌ))
(لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ
انظر ترجمته ومصادرها في ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١/٤ - ٨٦) و((شرح أبيات
المغني)) للبغدادي (٢٢٩/٤، ٢٣٠)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٣٦/٣) و(١١٢/٦،
١١٣).
(١) في الأصل، والمطبوع: ((قبيصة بن خالد الأسدي)) وهو تحريف، والتصحيح من المصادر
التي بین یدي، وهو تابعي کبیر.
(٢) في المطبوع: ((نصيحاً)) وهو خطأ.
٢٩٨
الملكِ بن مَرْوَانَ كلٌ منهما الآخر، ثم فصل بينهما الشتاء، فوثب على دمشق
في غيبة عَبْدِ الملك عَمْرو بن سَعِيْد بنَ العَاصِ الأشْدَقَ، وأراد الخلافة،
فجاءَ عَبْدُ الملكِ وجرى بينهما قتال وحصار، ثم نزل إليه بالأمان.
وفيها كان بين الأزارقة، وبين المُهَلَّب(١) حرب شديد، ودام القتال
أشهراً(٢) بسولاف(٣).
(١) هو المهلب بن أبي صُفْرَة. انظر ترجمته في الصفحة (٣٣٤) من هذا المجلد.
(٢) في الأصل: ((أشهر))، وفي المطبوع: ((شهراً)).
(٣) قال ياقوت: سولاف قرية في غربي دجيل من أرض خوزستان قرب مناذر الكبرى. انظر
(معجم البلدان)) (٢٨٥/٣).
٢٩٩
سنة سبعين
فيها غَدَرَ عَبْدُ الملكِ بِعَمْرو بن سَعِيْد الأَشْدَق، بعد أن أمَّنه، وحلف
له، وجعله وليَّ عهده من بعده، فذبحه صبراً(١).
وفيها توفي عَاصِمُ بن عُمَر بن الخَطَّبِ العَدَويِّ، وولد في حياة
رَسُولِ اللهَِ، وهو جَدُّ عُمَر بنَ عَبْد العَزِيْزِ من قِبَلِ أمه، وقيل: كانت وفاته
لستين سنة.
وفيها ماتَ مَالِكُ بنَ يَخَامِرِ (٢) السَّكْسَكي صاحب مُعَاذ، وكان قد أدرك
الجاهلية .
وفيها كان الوَباءُ بمصْر.
وفيها قال ابن جَرِيْر: ثارت الروم وقووا على المسلمين لاختلاف
كلمتهم، فصالح عَبْدُ الملكِ ملكَ الرومِ على أن يُؤدِّيَ [إليه في](٣) كُلِّ
جُمُعةٍ ألف مِثْقَالٍ (٤)، وهو أول وَهْنٍ دخل على المُسْلمين والإِسلام.
(١) انظر (الكامل)) لابن الأثير (٢٩٧/٤ - ٣٠١)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٤٩/٣،
٤٥٠)، و((دول الإسلام)) للذهبي (٥٢/١، ٥٣).
(٢) قال ابن الأثير: ويقال: مالك بن أخامر. ((أسد الغابة)) (٥٦/٥) وانظر ((الأنساب)) للسمعاني
(٩٨/٧). قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) يقال: له صحبة. وقال العجلي: شامي تابعي
ثقة. وقال أبو نعيم: ذكره بعضهم في الصحابة، ولا يثبت.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من ((تاريخ الطبري)).
(٤) قلت: الذي في (تاريخ الطبري)) (١٥٠/٦): ((ففي هذه السنة ثارت الروم، واستجاشوا على =
٣٠٠