Indexed OCR Text
Pages 521-540
الباب السادس
فى حكْمِ عقْدٍ قلب النَّبِىّ ◌ََّ مِنْ وَقْتِ نُبُوَّته كغيرهِ منَ الأنبياءِ عليهم
الصلاة والسلام .
[ رَوَى ابْنُ سعْدٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضَ الله تعالَى عنْهِمُاَ، أنَّهُ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ ](١) مكثَ بمكةَ خَمْسَ عِشْرَةَ [ سَنَةً ](٢) يسمعُ الصَّوْتَ، ويَرِىَ الضَّوْءَ سِبْعَ
سِنِينَ ، ولا يُرىّ شيئاً ، وثمانٍ سنينَ يُوحَى إِلَيْهِ ، وهذا علَى أنَّهُ عاشَ خمسًا وستينَ سنةً ،
والصَّحِيحُ : أنَّهُ عاشَ ثلاثًا وسِتِّينَ سنةً)) .
وَرَوَى البَيْهَقِىُّ، عنْ عمرو بنِ شَرَاحِيلَ، أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قالَ لخديجةَ :
(( إِنَّى إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِى سَمِعْتِ نِدَاءً)).
« تنبيهات ))
الأول : قالَ القَاضى: هذا ما وقعَ إجماعُ المسلمينَ عليْهِ، ولا يصحُّ بالبراهين
الواضحةِ أن يكون فى عُقُودِ الأنبياءِ سِوَاهُ ، ولا يعترض على هذا بقول إِبراهيمَ عليْه
الصَّلَةُ والسَّلَاَمُ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ (٣) وقولُ نَبِيِّنَا ◌ِ﴿َ: ((نَحْنُ أَحَقُّ / [و٣٣٧]
بِالشَّكِ مِنْ إِبْراهِيمَ، وَهَ، ليس اعترافاً منه بالشَّك لَهُمَا ﴾ بل هُوَ نَفْىٌ لَهُ عِنْه لَأَن يَكُون
إبراهيمُ شكَّ (٤) وإبعادٌ للخواطرِ الضَّعِيفَةِ أنْ تَظُنّ هذا بِإِبْرَاهِيمَ أْ: نحنُ مُوقِنُونَ
بالبَعْثِ وإحياءِ الله الموتَى، فلوَشَكَّ إبراهيمُ لكُنَّا أَوْلَى بِالشِّكَّ مِنْهُ (٥)
قال القاضى :
(١) مابين الحاصرتين ساقط من (ب).
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) سورة البقرة، من الآية (٢٦٠).
(٤) فى ١ (« سك وشك وتنفير)) والتصويب من ب والشفا (٩٨/٢)
(٥) الشفا (٩٨/٢)
٠ ٢١°٥
الثانى: فإنْ قُلْتَ: فما مَعْنَى قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فى شَكُ ممِأَّ أَنْزَلْناَ
. إِلَيْكَ﴾ (١) الآيةَ. قال القاضى: واخْتَلَفُوا فى معنى الآيةِ ، فقيلَ: المرادُ : قلْ يا محمَّد
ء
للشاك .
قالُوا ، وفى السُّورَةِ نَفْسِهَا مادَلَّ علَى هذا التأويلِ، وهُوَ قولُهُ تعالَى ﴿ قُلْ يَأَيُّهاَ
النَّاسُ﴾ أىْ: أهْلَ مِكََّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِى شَدِّ مِنْ دِينىٍ﴾ (٢) الآيةَ .
وقيلَ : الخطابُ للعرب وغير ذلك المراد: غير النَّبِّ ◌َ﴿ كما قالَ تعالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطِنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣) الخطَابُ لَةً، والمرادُ غيرُهُ،
ومثلُهُ ﴿ فَلَتَكُ فى مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءٍ﴾ (٤) أى: لَاتَشُدَّ فى أنَّ عِبادَتَهُمْ عِنْدَ الله
ضلالٌ، ونَظِيرُهُ كثيرٌ (٥) .
قال بَكْرُ بنُ العَلَاءِ: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ الله﴾ (٦) وهوَ وِ﴿ْ كانَ
المكذَّبُ - بفتح الدَّالِ - فيمَا يدعوُ إِلَيْهِ، فكيفَ يكونُ هُوَ المكذِّب - بكسرها - أْ: فكيفَ
يكذّبُ نَفْسَهُ المذكور؟
وقيلَ مثل هذه الآيةُ قوله تعالَى: ﴿الْرَّحْمَنُ فَاسْأَلَ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٧) [ المأمُورُ هَْهَنا
غَيْرُ النَّبِىِّ ◌َ ﴿ لَيَسْأَلَ النَّبِىِّ، والنبيُّ ,﴿َ)) (٨) هو](٩) الخبيرُ المسئول لا المستخبرُ
السائل (١٠).
الثالث : فإنْ قِيلَ: فما معْنَى مارَوَاهُ مُسْلِمْ عنِ الأغَرّ الْمُزَنىِ (١١) أنّهُ عليه الصلاة
والسلام قالَ: ((وإِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلُّبِى فَأَسْتَغْفِرُ الله كلَّ يَوْمٍ مائةَ مَرَّةٍ)) (١٢).
(١) سورة يونس، من الآية (٩٤).
(٢) سورة يونس، من الآية (١٠٤).
(٣) سورة الزمر، من الآية (٦٥) ..
(٤) سورة هود، من الآية (١٠٩).
(٥) الشفا للقاضى عياض (٩٩/٢).
(٦) سورة يونس: الآية (٩٥).
(٧) سورة الفرقان: الآية (٥٩).
(٨) مابين القوسين زيادة من الشفا (٩٩/٢).
(٩) مابين الحاصرتين ساقط من (ب).
(١٠) الشفا للقاضى عياض (٩٩/٢).
(١١) الآخر المزنى، له صحبة، وروى عنه ابوبردة فى الاستغفار، ويقال: الآخر الجهنى، عداده فى أهل الكوفة.
له ترجمة فى: الثقات (١٥/٣) والطبقات (٤٩/٦) والإصابة (٥٥/١) وحلية الأولياء (٣٤٩/١) وتاريخ الصحابة
(٣٦) ت (٥٩)
(١٢) شرح الشفا للقارى (١٩١/٢).
٥٢٢
٤.٠٠
وفى روايةٍ للبُخَارِىِّ، عنْ أبى هريرةَ رَضىَ الله تعالَى عِنْه: ((فَأَسْتَغْفِرُ الله فى اليَوْمِ
أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ)) (١) .
قال القاضى: فاحْذَرْ ((أن يقع ببالك)) (٢) أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْنُ وَسْوَسَةُ أوْ
رَيْبًا (٣) وقَعَ فى قلبِهِ ﴿ أَىْ: لِنَزْاَهَتِهِ عَنْ قَبُولِ الوسوسَةِ ؛ لأنَّ قَابِلَهاَ ، وهِىَ العَلَقَةُ
السَّوْدَاءِ، الَّتِى هِىَ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنِ ابْنِ أَدَمَ استخرجَها جِبْرِيلُ من قلبهِ حينَ شَقّ صدرَهُ
الشَّرَيفَ، بلِ المرادُ : أصْل الْغَيْنِ مَا يُغْشِ القَلْبَ ويُغَطِيهِ، قالهُ أبُوعُبَيْدٍ (٤).
وقالَ غِيْرِهُ: والغينُ شىء ((يُغَشِى (٥) القلبَ، ولا يُغَطِّيهِ كلَّ التغطيةِ كالشَّفَّافِ .
والغَيْمِ الرقيقِ (٦) الَّذِى لَا يَمْنَعُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، فيكونُ المرادُ بهذَا الغَيْنِ إشارة إلى غَفَلَاتِ
قلبِهِ ، وفتراتِ نَفْسِهِ وسَهْوِهَا عِنْ مُدَاوَمَةِ الذِّكْرِ، ومشاهدةِ الحقِّ بماَ كانَ﴿ دُفِعَ إليْهِ مِنْ
مُقَاسَاةِ البشِرِ وسِياسَة الأمَّةِ ، ومعاناةِ الَأهْلِ، ومقاومة الوَلِىِّ والعدُو، ومصلحةِ النَّفْسِ،
وكلَّفَهُ من أعباء ، أْ: ثقل أداء الرُّسَالَةِ ، وحمْلِ الأمانةِ ، وَهَوَ فى كلِّ هذا فى طاعةِ ربِّهِ ،
وعبادةِ خالقِهِ ، ولكنْ لَماً كانَ النَّبِىُّ ◌َِهُ عِنْدَ الله أرْفعَ الخَلْقِ مَكانةً، وأعْلَهُمْ درجةً ،
وَتَمهمْ بِهِ معرفةٌ ، وكانتْ حالُهُ عَنْد خلوص قلبهِ ، وخُلُوٌّ همتهِ وتفرّدِهِ بربِّه ، وإقبالِهِ
بكلّيّتِهِ (٧) عليهِ ومقامُهُ هُنَالِك أرْفعُ حَالَيْهِ رَأَى ◌َ﴿ حَالَ فَتْرَتِهِ عنها، وشُغْلِهِ بسوَاهَا
غضا (٨) من عَلَى حَالِهِ، وخَفْضًا من رفيعِ مَقَامِهِ، فَاسْتَغْفَرَ الله من ذلك (٩) |
[ظ٣٧٧] .
(١) الشفا (١٠٦/٢) وشرح الشفا (١٩١/٢) وفيه: أنه لاتنافى الرواية الأولى، على أن حملهما على إرادة الكثرة هو الأولى.
والحاصل: أنه كان يعد ما يشغله عن ربه فى الصورة ذنبا، بالنسبة إلى مقامه الأعلى، المعبر عنه فى مع الله وقت
لايسعنى فيه ملك مقرب، ولانبى مرسل، والمحققون على أنه أراد بالنبى المرسل ذاته الأكمل فى حاله الأفضل ، المعبر عنه
بالاستغراق فى لجة فناء بحر التوحيد ، وبر التفريد ، وبهذا يتبين لك أن حسنات الأبرار، سيئات المقربين ، وكانت رابعة
العدوية فى مثل هذه القضية قالت : استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير .
والحاصل: أن هذا سحاب غين فى الطريقة، وحجاب عين فى الحقيقة، وحجب الأنبياء والأصفياء من الأولياء ، لم تكن
الإنورانية لطيفة، لاظلمائية كثيفة. «شرح الشفا للقارى (٢ / ١٩١).
(٢) مابين القوسين زيادة من الشفا (٢ /١٠٦).
(٣) أى: شكا وشبهة. والمعنى: احذر أن تتوهم أن يكون هذا الغين ربنا أى حجابا شيئا , شرح الشفا (٢ / ١٩١).
(٤) أبوعبيد: معمر بن المثنى، كذا ذكره الداجى. وقال الحليمى: هو القاسم بن سلام - بتشديد اللام - وهو الظاهر فى هذا
المقام . شرح الشفا (٢ / ١٩٢ ).
(٥) بتشديد الشين وتخفيفها ، أى : يستره ويخفيه.
(٦) السحاب الأبيض .
(٧) أى: قلبا وقالبا عليه بتفويض جميع أموره إليه، وإلقائه نفسه كالميت بين يديه .
(٨) أى: نفصا وانحطاطا.
(٩) الشفا للقاضى عياض (٢ / ١٠٦) وشرح الشفا (٢ / ١٩٣).
٥٢٣
واحذَرْ أنَّ تفهمَ مِنَ الحديثِ أنَّهُ يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ وَ﴿ مائةَ مَرَّةٍ ، وإنّما هُوَ عددٌ
للاستغفار، وقد يكونُ الغَيْنُ مُناَ: هوُ السَّكِينَةُ الَّتِى تَتَغَشَّاهُ، لقولِهِ تعالَى: ﴿فَأَنْزَلَ الله
سَكِينَتَهُ عليْهِ﴾ (١) ويكونُ استغفارهُ وَ عِنْدَهَا، إظَهارًا للعُبُودِيَّةِ والافتقار (٢).
وقال ابْنُ عطاءٍ : استغفارهُ وفعله هذا تعريفٌ لِلْأمَّةِ يحملهمْ علَى الاستغفار (٣) .
وقد يَحْتملُ أن تكون هذه الْإِغَانَةُ حالةً خَشْيَةٍ وإِعْظَامٍ ، تغْشَى قلبَهُ ، فيطمئَنُّ لَهاَ ،
فَيستغفرُ حينئذٍ شُكْرًا لله تعالَى، وملازمةً لعُبُوديتِهِ، كما قَالَ رِ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْداً
شگُورًا ؟ » (٤)
الباب السابع
فى عِصْمَتِهِ وَ﴿ فى أقْوَالِهِ البَلَاَغِيَّةِ .
(٥)
(١) سورة التوبة، من الآية ( ٤٠).
(٢) الشفا (٢ /١٠٧).
(٣) الشفا (٢ / ١٠٧).
(٤) حين قام عليه الصلاة والسلام فى صلاة الليل، حتى تورمت قدماه، فقيل له: افتتكلف هذا، وقد غفر لك ماتقدم من ذنبك
وماتأخر؟ قال: (( أفلا أكون عبدا شكورا، والحديث رواه الترمذى، والفاء للعطف على مقدر تقديره: أأترك الصلاة اعتمادا
على الغفران أفلا أكون عبدا شكورا للرحمن. ((شرح الشفا (٢ / ١٩٥) والشفا (٢ / ١٠٧).
(٥) بياض بالنسخ، وجاء تحت العنوان من كتاب الشفا للقاضى عياص مانصه: وأما اقواله # فقد قامت الدلائل الواضحة
بصحة المعجزة على صدقه. واجتمعت الأمّة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شىء منها ، بخلاف ماهو
به، لاقصدا ، ولاعمدا ، ولاسهوا ، ولاغلطا .
اما تعمد الخُلف فى ذلك، فمنقف بدليل المعجزة القائمة مقام قوله الله، «صَدَق عبدى فيما، قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملة إجماعا.
وأما وقوعه على جهة الغلط فى ذلك، فهذه السبيل عند الاستاذ أبى إسحاق الإسفرائينى، ومن قال بقوله . ومن جهة
الإجماع فقط، وورد الشرع بانتفاء ذلك، وعصمة النبى لامن مقتضى المعجزة نفسها عند القاضى أبى بكر الباقلانى ، ومن
وافقه لاختلافٍ بينهم فى مقتضى دليل المعجزة ، لانُطوِّلُ بذكره، فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد على ماوقع عليه إجماع
المسلمين: أنه لايجوز عليه خُلْفُ فى القول فى فى ابلاغ الشريعة والإعلام بما أخبر به عن ربه، وما اوحاه إليه من وحيه، لأعلى
وجه العمد، ولاعلى غير عمد، ولافى حال الرضى والسّخِّط، والصحة والمرض.
وفى حديث عبدالله بن عمرو: قلت: يارسول الله أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: ((نعم)) قلت: فى الرضى والغضب؟ قال:
(( نعم ، فإنى لااقول فى ذلك كله إلا حقا)).
ولنزد مااشرنا إليه من دليل المعجزة عليه بيانا، فنقول :
إذا قامت المعجزة على صدقه، وانه لايقول إلا حقا، ولا يُبَلّغ عن الله إلا صدقا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له: صدقت
فيما تذكره عنى، وهو يقول: إنى رسول الله إليكم؛ لأبلغكم ماأرسلت به إليكم، وأبينُ لكم مانُزَّل عليكم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهِوَى. إِنْ هُوَ إلّ وَحِىٌ يُوحَى﴾و﴿ وَقَدْ جَامِكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقَ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿وَمَا أَتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَهَكُمْ عَنَّةَ
فانتهوا ﴾.
فلا يصح أن يؤخذ منه فى هذا الباب خبر، بخلاف مُخْبَرِهُ على أى وجه كان ،
فلو جوزنا عليه الغلّطَ والسّهوَ، لما تميز لنا من غيره، ولا اختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة
من غير خصوص، فتنزيه النبى # عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا، كما قاله أبو إسحاق .
((الشفا ( ١٢٣ - ١٢٤).
٥٢٤
الباب الثامن
فى عِصْمَتِهِ وََّ فِى جَوَارِحِهِ.
(١)
...
(١) بياض بالنسخ. وجاء فى الشفا للقاضى عياض مانصه :
(( وأما مايتعلق بالجوارح من الأعمال، ولايخرج من جملتها القولُ باللسان، فيما عدا الخبر الذى وقع فيه الكلام ،
ولا الإعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد، وماقدمناه من معارفه المختصة به، فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من
الفواحش، والكبائر الموبقات ، ومستند الجمهور فى ذلك الإجماع، الذى ذكرنا . وهو مذهب القاضى أبى بكر.
ومنعها غيره، بدليل العقل مع الإجماع ، وهو قول الكافة ، واختاره الأستاذ أبو إسحاق .
وكذلك : لاخلاف انهم معصومون أنهم معصومون من كتمان الرسالة ، والتقصير فى التبليغ ؛ لأن كل ذلك تقتضى العصمة
منه المعجزة مع الإجماع على ذلك من الكافة والجمهور
والجمهور قائلون: بانهم معصومون من ذلك، من قبَل الله، معتصمون باختيارهم وكسبهم، إلا حُسَيناً النّجارَ، فإنه قال:
لاقدرة لهم على المعاصى اصلا .
وأما الصغائر: فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء ، وهو مذهب أبى جعفر الطبرى وغيره، من الفقهاء
والمحدثين ، والمتكلمين وسنورد بعد هذا ما احتجوا به .
وذهبت طائفة أخرى: إلى الوقف ، وقالوا : العقل لايحيل وقوعَها منهم ، ولم يأت فى الشرع قاطع بأحد الوجهين .
وذهبت طائفة أخرى من المحققين ، من الفقهاء والمتكلمين: إلى عصمتهم من الصغائر، كعصمتهم من الكبائر، قالوا :
لاختلاف الناس فى الصغائر، وتعيينها من الكبائر، وبإشكال ذلك، وقول ابن عباس وغيره إن كل غصى اللهُ به ، فهو
كبيرة ، وأنه إنما سمى منها الصغير، بالإضافة إلى ماهو أكبر منه، ومخالفة البارى فى أى امر كان يجب كونه كبيرة .
قال القاكى أبو محمد عبدالوهاب : لايمكن أن يقال: إن فى معاصى الله صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر ،
ولايكون لها حكم مع ذلك، بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها، فلا يحبطها شىء، والمشيئة فى العفو عنها إلى الله تعالى، وهو
قول القاضى أبى بكر، وجماعة أئمة الأشعرية ، وكثير من أئمة الفقهاء .
وقال بعض ائمتنا : ولايجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر، وكثرتها ، إذ يلحقها ذلك
بالكبائر، ولافى صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة ، وأسقطت المروءة، وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه
الأنبياء إجماعا؛ لأن مثل هذا يحط منصب المتسم به. ويزرى بصاحبه ، وينفر القلوب عنه، والأنبياء منزهون عن ذلك،
بل يلحق بهذا ماكان من قبيل المباح، فأدى إلى مثله؛ لخروجه بما ادى إليه عن اسم المباح إلى الحظر ، وقد ذهب بعضهم إلى
،خصمتهم من مواقعة المكروه قصدا، وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر، بالمصير إلى امتثالهم افعالهم ،
واتباع أثارهم ، وسيرهم مطلقا .
وجمهور الفقهاء على ذلك ، من أصحاب مالك، والشافعى، وأبى حنيفة من غير التزام قرينة ، بل مطلقا عند بعضهم وإن
اختلفوا فى حكم ذلك، وحكى ابن خُويزَ منداذَ، وأبو الفرج عن مالك: التزام ذلك وجوبا، وهو قول الأبهرى ، وابن
القصار، وأكثر أصحابنا، وقول أكثر أهل العراق، وابن سريج، والإصطخرى وابن خيرانَ من الشافعية ، وأكثر
الشافعية على أن ذلك ندب .
وذهبت طائفة إلى الإباحة .
وقيد بعضهم : الاتّباعَ فيما كان من الأمور الدينية، وعُلِمَ بِهِ مقصدُ القربة.
ومن قال بالإباحة فى أفعاله لم يقيد، وقال: فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم فى افعالهم ، إذ ليس كل فعل من
أفعاله يتميز مقصده من القربة أو الإباحة، أو الحظر، أو المعصية ، ولايصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية ،
لاسيما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا .
ونزيد هذا حجة بأن نقول: من جوز الصغائر، ومن نفاها عن نبينا ## مجمعون على أنه لايُقر على مفكر، من قول أو فعل،
وانه متى رأى شيئا فسكت عنه # دل على جوازه، فكيف يكون هذا حاله فى حق غيره، ثم يجوز وقوعه منه فى نفسه، وعلى
هذا المأخذ تجب عصمته من مواقعة المكروه كما قيل، وإذ الحظر أو الندب على الاقتداء بفعله ينافى الزجر والنهى عن فعل
المكروه
=
٥٢٥
= وايضا : فقد علم من دين الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال النبى 8# كيف توجهت، وفى كل فن كالاقتداء بأقواله ، فقد نبذوا
خواتيمهم حين نبذ خاتمه ، وخلعوا نعالهم حين خلع ، واحتجاجهم برؤية ابن عمر إياه جالسا لقضاء حاجته مستقبلا
بيت المقدس. واحتج غير واحد منهم فى غير شىء مما بابه العبادة أو العادة، بقوله: رأيت رسول الله # يفعله، وقال:
· هلا خبرتيها انى أقبلُ وأنا صائم، وقالت عائشة محتجة: «كنت أفعله أنا ورسول الله # وغضب رسول الله # على
الذى أخبر بمثل هذا عنه، فقال: ((يُحل الله لرسوله مايشاء)). وقال: ((إنى لأخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده)).
والآثار فى هذا أعظم من أن نحيط بها، لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها)) .
« وأما المباحات فجائز وقوعها منهم ، إذ ليس فيها قدح، بل هى ماذون فيها ، وأيديهم كأيدى غيرهم مسلطة عليها إلا أنهم
بما خصوا به من رفيع المنزلة ، وشرحت لهم صدورهم من أنوار المعرفة، واصطفوا به من تعلق الهمم بالله، والدار
الآخرة ، لاياخذون من المباحات إلا الضرورات بما يتقوون به على سلوك طريقهم ، وصلاح دينهم ، وضرورة دنياهم.
ومااخذ على هذه السبيل التحق طاعة، وصار قربة،. ((الشفا ٢ / ١٤٣ - ١٤٧ ))
٥٢٦
الباب التاسع
فى الكَلَمِ عَلَى السَّهْوِ والنّسْيَانِ، هَلْ يَصْدُرُ مِنْهُ أَمْ لَا ؟
(١)
(١) بياض بالنسخ وجاء تحت العنوان فى الشفا للقاضى عياض مايلى: «فإن قلت: فما معنى قوله 18 فى حديث السهو الذى
حدثنا به الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر ، حدثنا القاضى أبو الأصبغ بن سهل ، حدثنا حاتم بن محمد حدثنا أبو عبدالله
ابن الفخّار، حديثا ابو عيسى حدثنا عبيد الله، أخبرنا يحيى عن مالك عن داود بن الحصين، عن أبى سفيان مولى ابن ابى
أحمد، أنه قال: سمعت أباهريرة رضى الله عنه يقول صلى # صلاة العصر فسلم فى ركعتين فقام ذو اليدين فقال يارسول الله
اقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول اله #: ((كل ذلك لم يكن)).
وفى الرواية الأخيرة: «ماقصرت الصلاة ومانسيت، الحديث بقصته فأخبره بنفى الحالتين بنفى الحالتين، وأنها لم يكونا، وقد كان أحد ذلك
كما قال ذو اليدين قد كان بعض ذلك يارسول الله .
فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن للعلماء فى ذلك أجوبةً، بعضها بصدد الإنصاف، ومنها ماهو بنية التعسف والاعتساف ، وها
أنا أقول :
أماعلى القول بتجويز الوهم والغلط مما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذى زيفناه من القولين فلا اعتراض بهذا الحديث
وشبهه .
واما على مذهب من يمنع السهو والنسيان فى أفعاله جملة، ويرى أنه فى مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسُنَّ فهو صادق فى
خبره ، لأنه لم ينس ولاقصرت ، ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل فى هذه الصورة ليسنّه لمن اعتراه مثله، وهو قول
مرغوب عنه نذكره فى موضعه .
وأما على حالة السهو عليه فى الأقوال ، وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول كما سنذكره ففيه أجوبة منها :
أن النبى # أخبر عن اعتقاده، وضميره. واما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا وأما النسيان فأخبر الله عن اعتقاده.
وانه لم ينس فى ظنه ، فكأنه قصد الخير بهذا عن فظنه، وإن لم ينطق به، وهذا صنق ايضا .
ووجه ثانٍ: أن قوله: ((ولم أنس، راجع إلى السلام أى: انى سلمت قصدا، وسهوت عن العدد، أى لم اسه فى نفس
السلام ، وهذا محتمل وفيه بُعدّ .
ووجه ثالث: وهو أبعدها ماذهب إليه بعضهم، وإن احتمله اللفظ من قوله: ((كل ذلك لم يكن)) أى لم يجتمع القصر
والنسيان، بل كان أحدهما، ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة، وهو قوله: «ماقصرت الصلاة
ومانسيت » .
هذا مارأيت فيه لائمتنا ، وكل من هذه الوجوه محتمل اللفظ على بُعد بعضها، وتعسف الأخرى.
قال القاضى أبو الفضل - وفقه الله - والذى أقوله ويظهر له أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن قوله (( لم أنس)) إنكار للفظ
الذى نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله: ((بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت أية كذا وكذا ولكنه نُسىّ)).
ولقوله فى بعض روايات الحديث الآخر: («لست انسى ولكن أَنَّسَّ)، فلما قال له السائل: «اقصرت الصلاة أم نسيت، اذكر
قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه وانه إن كان جرى شىء من ذلك فقد نَسِىّ حتى سال غيره فتحقق انه نَسىَ وأجرى
عليه ذلك ليسُنَّ، فقوله على هذا «لم أنس ولم تقصر)) وكل ذلك لم يكن صدقٌ وحق لم تقُصر، ولم ينس حقيقة ولكنه نَسَِّ.
ووجه آخر استثرته من كلام بعض المشايخ، وذلك أنه قال: إن النبى ## كان يسهو ولاينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان
قال: لأن النسيان غفلة، وافة، والسهو إنما هو شغل بال، قال فكان النبى # يسهو فى صلاته، ولايغفل عنها، وكان يشغله
عن حركات الصلاة مافى الصلاة شُغْلا بها، ولاغفلةً عنها، فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن فى قوله: « ماقصرت
ومانسيت ، خُلْفَ فى قول .
وعندى أن قوله: « ماقصرت الصلاة ومانسيت)) بمعنى الترك الذى هو أحد وجهى النسيان أراد وته أعلم أنى لم أسلم من
ركعتين تاركا لإكمال الصلاة ، ولكنى نسيت ولم يكن ذلك من تلقاء نفسى .
والدليل على ذلك قوله # فى الحديث الصحيح: ((إنى لانْسَ او انَسَّ لاسُنَّ. الشفا (١٣٧/٢، ١٤٠).
وفى صفحة (١٥٠) «وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة فى الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوا وعن غير
قصد منه جائز عليه كما تقرر من أحاديث السهو فى الصلاة وفرّقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق فى يـ
٥٢٧
القول ومخالفة ذلك تناقضها، وأما السهو فى الأفعال فغير منا قص لها ولا قادح فى النبوة بل خلطات الفعل وحفلات القلب من
سمات البشر كما قال : ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكرونى)) نعم بل حالة النسيان والشهو هنا فى حقه
* سبب إفادة علم وتقرير شرع كما قال # «إنى لانسى أو انسّ لاسُنَّ، وهذه الحالة زيادة له فى التبليغ، وتمام عليه فى
النعمة بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لاتُقرّ على السهو الغلط بل
ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين .
واما ماليس طريقه البلاغ، ولابيان الأحكام من أفعاله # ومايختص بهمن أمور دينه، وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتّبع فيه،
فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها، ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما خلفه من مقاساة
الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة الأهل وملاحظة الأعداء ولكن ليس على سبيل التكرار ولا الاتصال بل على سبيل الندور »
(١٥١) ((والصحيحين الأحاديث الواردة فى سهوه # فى الصلاة ثلاثة أحاديث)).
لولها حديث ذو اليدين فى الاسلام من اثنتين .
الثانى حديث ابن بحينة فى القيام من اثنتين .
والثالث حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى - صلى الظهر خمسا .
وهذه الأحاديث مبنية على السهو فى الفعل الذى قررناه، وحكمة الله فيه ليستن به، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول وأرفع
للاحتمال وشرطة أنه لايقر على السهو بل يشعر به ليرتفع الالتباس وتظهر فائدة الحكمة كما قدمناه وأن النسيان والسهو فى
الفعل فى حقه # غير مضاد للمعجزة ولا قادح فى التصديق، وقد قال #: «إنما أنا بشر انسى كما تنسون، فإذا نسيت
فذكرونى)) وقال: ((رحم الله فلانا لقد اذكرنى كذا وكذا آية كنت أسقطهن)) ويرى: ((انسيتهن)). وقال 18: «إنى لَانْسى او
أَنَسَّ لِسُنَّ» قيل: هذا اللفظ شك من الراوى وقد روى: «إنى لانسى ولكن أُنَّسَّ لأسُنَّ)).
وذهب ابن نافع وعيسى بن دينار: أنه ليس بشك، وأن معناه التقسيم أى: أنسى أنا أو ينسينى الله))
قال القاضى أبوالوليد الباجى: يحتمل ماقالاء أن يريد أنى أَنْسى فى اليقظة وأَنّسَّى فى النوم، أو أَنْسى على سبيل عادة البشر من
الذهول عن الشىء والسهو أو أَنَّسى مع إقبالى عليه وتفرغى له فأصناف أحدَ. النسيانين إلى نفسه إذا كان له بعضُ السبب فيه
، ونفى الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالمضطر .
وذهبت طائفة من أصحاب المعانى والكلام على الحديث إلى أن النبى # كان يسهو فى الصلاة ولاينسى ؛ لأن النسيان ذهول
وغفلة وآفة، قال والنبى 18 منزه عنها والسهو شغل فكان 18 يسهو فى صلاته ويُشغله عن حركات الصلاة مافى الصلاة.
شُغلا بها لاغفلة عنها. واحتج بقوله فى الرواية الأخرى: ((إنى لا أنسى)).
وذهبت طائفة إلى منع هذا كله عنه وقالوا: إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليَسُنَّ وهذا قول مرغوب عنه متناقض
المقاصد لايُحلى منه بطائل؛ لأنه كيف يكون متعمدا ساهيا فى حال ولاحجة لهم فى قولهم إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن
لقوله: ((إنى لَانْسى لو أَنَّسَى)) وقد اثبت أحد الوصفين ونفى مناقضة التعمد والقصد وقال: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما
تنسون)» وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا وهو أبو المظفر الأسفرائى ولم يرتضه غيره منهم ولا أرتضيه ولاحجة
لهاتين الطائفتين فى قوله: «إنى لا انسى ولكن أُنّسَّ» إذ ليس فيه نفى حكم النسيان بالجملة وإنما فيه نفى لفظة، وكراهة
لقبه كقوله: ((بئسما لأحدكم ان يقول نسيت آية كذا ولكنه نُسِيّى)، أو نفى الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه لكن
شغل بها عنها ونسى بعضها ببعضها كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها وشغل بالتحرز من العدو عنها فشغل
بطاعة عن طاعة وقيل : إن الذى ترك يوم الخندق أربع صلوات : الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبه أصبَح من ذهب إلى
جواز تأخير الصلاة فى الخوف إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن وهو مذهب الشافعيين .
والصحيح أن حكم صلاة الخوف كان بعد هذا فهو ناسخ له .
فإن قلت: فما تقول فى نومه # عن الصلاة يوم الوادى وقد قال: إن عينى تنامان ولاينام قلبى)) فاعلم أن العلماء عن ذلك
أجوبة منها أن المراد من هذا حكم قلبه عند نومه عينيه فى غالب الأوقات، وقد يندر منه غير ذلك، كما يندر من نوعه خلافُ
عادته .
ويصحح هذا التأويل قوله # فى الحديث نفسه:(( إن الله قبض أرواحنا)). وقول بلال فيه: ماألقيت علىّ نومةُ مثلها شَرْع
كما قال فى الحديث الآخر: ((لو شاء الله لأيقظنا)) ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم)).
الثانى : أن قلبه لايستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه لما روى أنه كان محروسا ، وأنه كان ينام حتى بنفخ وحتى
يسمع خطيطه ثم يصلى ولايتوضأ . وحديث ابن عباس المذكور فيه وضوء . عند قيامه من النوم فيه نوعه مع أهله فلا يمكن
الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامسة الأهل أو الحدث آخر فكيف وفى آخر الحديث نفسه : ثم نام حتى
سمعت غطيطه ثم اقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ وقيل : لاينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه فى النوم وليس فى قصة الوادى
إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس وليس هذا من فعل القلب وقد قال 18: ((إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا فى حين
غير هذا ..
فإن قيل: فلو عادته من استغراق فى النوم لماقال لبلال اكلا لنا الصبح فقيل فى الجواب: إنه كان من شأنه # التغليس
بالصبح ومراعاة أول الفجر لاتصح ممن نامت عينه إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة .
راجع: الشفا للقاضى عياض من (١٥١/٢ - ١٥٤).
٥٢٨
الباب العاشر
فى الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَى الأنبيَاءِ وَِّ الصَّغَائِرَ
(١)
· (١) بياض بالنسخ، وجاء فى هذا الموضوع من كتاب الشفا للقاضى عياض (١٥٥/٢ - ١٦٩) مايلى: «أعلم أن المجوزين للصغائر
على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ، ومن شايعهم .
على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها ، أفضت بهم إلى تجويز
الكبائر، وخرق الإجماع، ومالايقول به مسلم ، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون فى معناه، وتقابلت الاحتمالات
فى مقتضاه ، وجاءت أقاويل فيها السلف، بخلاف ماالتزموه من ذلك، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا
به قديما، وقامت الأدلة على خطأ قولهم، وصحة غيره، فوجب تركه، والمصير إلى ماصح، وهانحن نأخذ فى النظر فيها إن شاء
اله.
فمن ذلك قوله تعالى لنبينا #: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وماتاخر﴾ .
وقوله : ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ .
وقوله: ﴿ووضعنا عنك وزرك. الذى انقض ظهرك﴾.
وقوله: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾
وقوله : ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ﴾ .
وقوله: ﴿ عبس وتولى. أن جاءه الأعمى) الآية.
وماقص من قصص غيره من الأنبياء كقوله: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ وقوله: فلما أتاهما صالحا جعلا له شركاء﴾ الآية.
وقولِهِ عنه: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ الآية.
وقوله عن يونس: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين
وماذكره من قصة داود، وقوله: ﴿وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا واناب) إلى قوله: ﴿ماب﴾.
وقوله: ﴿ولقد همت به وهم بها﴾ ومانص من قصته مع إخوته
وقوله عن موسى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان﴾ وقول النبى ## فى دعائه: ((اللهم اغفر لى ماقدمت
وماأخرت وماأسررت، وماأعلنت، ونحوه من أدعيته # وذكر الأنبياء فى الموقف ذنوبهم فى حديث الشفاعة.
وقوله: ((إنه ليغان على قلبى فاستغفر الله)). وفى حديث أبى هريرة: «إنى لأستغفر الله وأتوب إليه فى اليوم أكثر من
سبعين مرة )) .
وقوله تعالى عن نوح: ﴿وإلا تغفر لى وترحمنى﴾ الآية: وقد كان قال الله له ﴿ولاتخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم
مغرقون ﴾ .
وقال عن إبراهيم: ﴿والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين ﴾
وقوله عن موسى ﴿تبت إليك) وقوله: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ إلى مااشبه هذه الظواهر.
فأما احتجاجهم بقوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وماتاخر﴾ فهذا قد اختلف فيه المفسرون :.
فقيل : المراد ماكان قبل النبوة وبعدها .
وقيل : المراد ماوقع لك من ذنب ، ومالم يقع ، أعلمه أنه مغفور له .
وقيل: المتقدِّمُ، ماكان قبل النبوة، والمتأخر عصمتك بعدها. حكاه أحمد بن نصر وقيل: المراد بذلك أمته 18.
وقيل : المراد ماكان عن سهو وغفلة وتاويل ، حكاه الطبرى ، واختاره القشيرى .
وقيل: ماتقدم لأبيك آدم ، وماتاخر من ذنوب أمتك ، حكاه السمرقندى والسلمى عن ابن عطاء.
وبمثله ، والذى قبله بتأوله قوله: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )
قال مكى: مخاطبته النبى 1 ههنا هى مخاطبة لامته .
٥٢٩
- وقيل: إن النبى ! لما أمر أن يقول: ﴿وما ادرى مايفعل بى ولابغم﴾ سُرَّ بذلك الكفارُ فأنزل الله تعالى: ﴿ليغفر لك الله.
ماتقدم من ذنبك وماتأخر﴾ والآية وبما ال المؤمنين فى الآية الأخرى بعدها ، قاله ابن عباس.
فمقصد الآية: لنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذغب أن لو كان .
قال بعضهم: المغفرة ههنا : تبرئة من العيوب .
وأما قوله: ﴿ووضعنا عنك وزرك. الذى انقض ظهرك﴾.
فقيل: ماسلف من ذنبك قبل النبوة، وهو قول ابن زيد، والحسن ومعنى قول قتادة .
وقيل : معناه أنه حفظ قبل نبوته منها وعصم . ولولا ذلك لاثفكَتْ ظهره حكى معناه السمرقندى .
وقيل : المراد بذلك ماانقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلّغها، حكاه الماوردى والسلمى وقيل: خططنا عنك نقل أيام الجاهلية
.، حكاه مكى .
وقيل : نقلَ شغل سرك وحيرتك، وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك. حكى معناه القشيرى .
وقيل : معناه خففنا عليك ماحملت بحفلنا لما استحفلت وحفظ عليك .
ومعنى ﴿انقض ظهر﴾ أى:كاد ينقضه، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة اهتمام النبى ! بأمور فَعَلّها قبل
النبوة، وحرمت عليه بعد النبوة ، فعدها لوزارا ، وثقلت عليه ، وأشفق منها .
أو يكون الوضع عصمة الله له، وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره .
أو يكون من نقل الرسالة، أو مانقل عليه، وشغل قلبه من أمور الجاهلية، وإعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.
وأما قوله: ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ فأمر لم يتقدم للنبى ! فيه من الله تعالى نهى، فيعد معصية، ولاعدة الله تعالى
عليه معصية ، بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلّطوا من ذهب إلى ذلك .
قال نفطويه: وقد حاشاء الله تعالى من ذلك، بل كان مخيرا فى أمرين قالوا :
وقد كان له أن يفعل ماشاء فيما لم يُنْزل عليه فيه وحى، فكيف وقد قال الله تعالى ﴿فَأْذَنْ لَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فلما أذنلهم أعلمه الله
بما لم يطلع عليه من سرهم ، أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، وأنه لاحرج عليه فيما فعل، وليس ﴿عفا﴾ ههنا بمعنى غفر، بل كما قالٍ
النبى *: ((عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق) ولم تجب عليهم قط، أى لم: يلزمكم ذلك، ونحوه للقشيرى، قال: وإنما يقول
العفو لايكون إلا عن ذنب : من لم يعرف كلام العرب .
قال: ومعنى: ﴿عَنَا اللهُ عَنْكَ﴾ أى: لم يُلزمْك ذنيا.
قال الداودى : روى أنها كانت تكرمة .
قال مكِىّ: هو استفتاح كلام، مثل: أصلحك الله وأعزك)).
وحكى السمرقندى ، أن معناه: عافاك الله».
وأما قوله فى أسارى بدر: ﴿مَاكَانَ لِنَبِىِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ الآيتان، فليس فيه إلزام ذنب للنبى {إ، بل فيه بيان ماخُص به،
وفُضَّل من بين سائر الأنبياء، فكأنه قال: ماكان هذا النبى غيرك، كما قال : ((أحلت لى الغنائم، ولم تحل لنبى قبلى)).
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدَّنْيَا﴾ الآية.
قيل؛ المعنى: بالخطاب لمن أراد ذلك منهم، وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبى #،
ولاعليه أصحابه .
بل قد روى عن الضحاك: أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسلب ، وجمع الغنائم عن القتال ، حتى خشى
عُمرأن يعطف عليهم العدو، ثم قال تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ فاختلف المفسرون فى معنى الآية، فقيل: معناها لولا أنه
سبق منى ألا أعذب أحدا إلا بعد النهى لعذبتكم، فهذا ينفى أن يكون أمر الأسرى معصية .
وقيل المعنى: لولا إيمانكم بالقرآن ، وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم .
ويزاد هذا القول تفسيرا وبيانا بأن يقال: لولا ماكنتم مؤمنين بالقرآن، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم ، لعوقبتم كما عوقب من تعدَّى.
وقيل : لولا أنه سبق فى اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم .
فهذا كله ينفى الذنب والمعصية؛ لأن من فعل ما أحل له لم يعص. قال الله تعالى: ﴿فَكَلُّوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّاً﴾
وقيل: بل كان قد خُيّر فى ذلك، وقد روى عن على رضى الله عنه، قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبى # يوم بدر، فقال:
(« خيّر أصحابك فى الأسارى إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء، على أن يقتل منهم فى العام المقبل مثلهم)).
فقالوا: الغداء ، ويقتل منا)).
وهذا دليل على صحة ماقلنا ، وأنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه ، لكنّ بعضهُم مال إلى أضعف الوجهين ، مما كان الأصلح غيره من
الإثخان والقتل، فعوتبوا على ذلك، وبُيّن لهم ضَعْف اختيارهم، وتصويب اختيار غيرهم، وكلهم غير عصاة، ولامذنبين والى نحو هذا
أشار الطبرى .
وقوله ## فى هذه القضية: ((لو نزل من السماء عذاب مانجا منه إلا عمر)). إشارة إلى هذا من تصويب رأيه. ورأى من أخذ بمأخذه
فى إعزاز الدين، وإظهار كلمته وإبادة عدوه وأن هذه القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر، وعين عمرَ، لأنه أول من أشار.
بقتلهم ، ولكن اله لم يقدّر عليهم فى ذلك عذابا لحلّه لهم فيما سبق . -
٥٣٠
= وقال الداودىّ : والخبر بهذا لايثبت، ولو ثبت لما جاز أن يُظن أن النبى # حكم بما لانص فيه، ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر
فيه إليه ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك .
وقال القاضى بكر بن العلاء : أخبر الله تعالى نبيه فى هذه الآية : أن تأويله وافق ماكتبه له من إحلال الغنائم والغداء ، وقد كان قبل هذا
فادَوْا فى سرية عبدالله بن جحش التى قتل فيها ابن الحضرمى بالحكم بن كيسان وصاحبه ، فما عتب الله ذلك عليهم ، وذلك قبل بدر
بأزيد من عام، فهذا كله يدل على أن فعل النبى# فى شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة، وعلى ما تقدم قبلُ مثلُهُ فلم ينكره الله
تعالى عليهم، لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدر، وكثرة أسراها ، والله أعلم إظهار نعمته ، وتأكيد منّته بتعريفهم ماكتبه فى اللوح
المحفوظ، من حلّ ذلك لهم لاعلى وجه عتاب وإنكار وتذنيب . هذا معنى كلامه .
وأما قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوْلَى﴾ الآيات فليس فيه إثبات ذنب له #، بل إعلام الله أن ذلك المتصدى له ممن لايتزكى ، وأن الصواب
والأولى كان لو كشف لك حالُ الرجلين الإقبالُ على الأعمى، وفعل النبى # لماَ فعل وتصدِّيه لذاك الكافر كان طاعة لله، وتبليغا عنه ،
واستئلافا له ، كما شرعه الله له، لامعصية ومخالفة له ، وما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين ، وتوهين أمر الكافر عنده ،
والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزْكِىٌ ﴾
وقيل: أرادِ بـ﴿عَبَسَّ وَتَوَلَى﴾ الكافرَ الذى كان مع النبى﴿ قاله أبو تمام ..
وأما قصة آدم - عليه السلام - وقوله تعالى: ﴿فَأَكَلَ مْنَها﴾ بعد قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَاَ هَذِهِ الشِّجَرَةَ فَتَكُوُنِا مِنَ الظَّالِينَ ﴾ وقوله :
﴿أَلَمْ أَنْهِكُمَا عَنْ تْلِكَمَا الشَّجْرةِ﴾ وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى: ﴿وَعَصَى أَدُّم رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أى: جهل، وقيل:
أخطأ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله : ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلىَ آدَمَ مَنْ قبلُ فَنَسىَ ولمْ نَجَدْ لَهَ عِزْمًا﴾ قال ابن زيد: نسى عداوة إبليس
له ، وما عهد الله إليه من ذلك بقوله: ﴿إنِ هِذاَ عَدّولكٌ ولزوجِكَ﴾ الآية قيلَ: نسى ذلك بما أظهر لهما . وقال ابن عباس: إنما سمى
الإنسان إنسانا، لأنه عهد إليه فنسى، وقيل: لم يقصد المخالفة ؛ استحلالا لها، ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما: ﴿إِنِّى لَكُمَا لَمِن
النّاصِحِينَ﴾ توهّما أن أحد الا يحلف بالله حانثا، وقد روى عذر آدم بمثل هذا فى بعض الآثار .
وقال ابن جبير: حلف بالله لهما حتى غرهما ، والمؤمن يُخْدع .
وقد قيل: نسى ولم ينو المخالفة، فلذلك قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أى: قصدا للمخالفة .
وأكثر المفسرين. على أن العزم هذا الحزم والصبر.
وقيل : كان عند أكله سكران ، وهذا فيه ضعف ؛ لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر ، فإذا كان ناسيا لم تكن معصية ،
وكذلك إن كان مُلَساً عليه غالطا .
إذْ الاتفاق على خروج الناس والساهى عن حكم التكليف .
وقال الشيخ أبوبكر بنُ فوُرِكٍ وغيره : إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة
ودليل ذلك قوله: ﴿ وَعَصَ آدَمُ رَبُّهُ فَغَوى. ثم اجتباهُ ربُّهُ فِتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾ فذكر أن الاجتباء والهداية كان بعد العصيان .
وقيل : بل أكلها متأولا ، وهو لا يعلم أنها الشجرة التى نُهى عنها ؛ لأنه تأول نهى الله عن شجرة مخصوصة لاعلى الجنس ؛ ولهذا
قيل : إنما كانت التوبة من ترك التحفظ ، لامن المخالفة .
وقيل : تأول أن الله لم ينهه عنها نهى تحريم .
فإن قيل: فعلى كل حال فقد قال الله تعالى: ﴿وَعَصَىَ أَدَمُ ربَّهُ فَغَوَىَ﴾ وقال: ﴿ فَتَبِ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾
وقوله فى حديث الشفاعة ، ويذكر ذنبه ، وإنى نهيت عن أكل الشجرة فعصيت : فسيأتى الجواب عنه ، وعن أشباهه مجملا أخر
الفصل إن شاء الله .
وأما قصة يونس : فقد مضى الكلام على بعضها آنفا ، وليس فى قصة يونس نص على ذنب ، وإنما فيها: أَبَق وذهب مغا ضبا ، وقد
تكلمنا عليه .
وقيل: إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب .
وقيل : بل لما وعدهم العذاب، ثم عفا الله عنهم قال: والله لا ألقاهم بوجهِ كذاب أبدا .
وقيل : بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك .
وقيل : ضعف عن حمل أعباء الرسالة، وقد تقدم الكلام أنه لم يكذبهم .
وهذا كله ليس فيه نص على معصية إلا على قول مرغوب عنه .
وقوله : ﴿أبقَ إلى الفُلكْ المَشْحُونِ﴾ قال المفسرون: تباعد .
وأما قوله : ﴿إِنّى كنتُ مِنَ الظَّالِينَ ﴾ فالظلم: وضع الشىء فى غير موضعه ، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه ، فإما أن يكون
لخروجه عن قومه بغير إذن ربه ، أو لضعفه عما حمله ، أو لدعائه بالعذاب على قومه ، وقد دعا نوع بهلاك قومه فلم يؤاخذ .
وقال الواسطى فى معناه نزه ربه عن الظلم، وأضاف الظلم إلى نفسه؛ اعترافا واستحقاقا، ومثل هذا قول آدم وحواء ؛ ﴿رَبناَ ظَلَمْنَا
أنْفُسَنَا﴾ إذ كانا السبب فى وضعهما فى غير الموضع الذى أنزلا فيه ، وإخراجهما من الجنة، وإنزالهما إلى الأرض ، وأما قصة داود
عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ماسطره فيه الإخباريون عن أهل الكتاب ، الذين بدلوا وغيروا . ونقله بعض المفسرين ، ولم ينص
الله على شىء من ذلك، ولا ورد فى حديث صحيح، والذى نص الله عليه قوله: ﴿وظَنْ داود أنما فَتَنَاه﴾ إلى قوله: ﴿وَحُسْنَ
مَأَب ﴾ .
٥٣١
= وقوله فيه: ﴿ أوآَب ﴾.
فمعنى فتناه: اختبرناه . وأواب . قال قتادة: مطيع . وهذا التفسير أولى .
قال ابن عباس، وابن مسعود: مازاد دواد على أن قال الرجل: انزل لى عن امرأتك واكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ، ونبهه عليه ،
وأنكر عليه شغله بالدنيا ، وهو الذى ينبغى أن يعول عليه من أمره .
وقيل : خطبها على خطبته .
وقيل : بل أحب بقلبه أن يستشهد .
وحكى السمر قندى: أن ذنبه الذى استغفر منه قوله لأحد الخصمين ﴿لَقَدْ ظَلَّمَكَ﴾ فظلّمه بقول خصمه .
وقيل: بل لِمَا خَش على نفسه، وظن من الفتنة بما بُسِط له من المُلُّلْ والدنيا .
ولى نفى ما أضيف فى الأخبار إلى داود ذهب أحمد بن نصر، وأبو تمام وغيرهما من المحققين .
قال الداودى: ليس فى قصة داود وأُورِيا خبر يثبت ، ولا يُظن بنبى محبةُ قتلٍ مسلمٍ .
وقيل : إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان فى نتاج فى نتاج غنم على ظاهر الآية .
وأما قصة يوسف وإخوته ، فليس على يوسف منها تعقّب ، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم ، فيلزم الكلام على أفعالهم ، وذكر الأسباط
وعدّهم فى القرآن عند ذكر الأنبياء .
قال المفسرون : يريد من نُبِّىء من أبناء الأسباط. وقد قيل: إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف مافعلوه، صغار الأسنان ، ولهذا لم يميزوا
يوسف حين اجتمعوا به، ولهذا قالوا: أرسله معنا غدا نرتع وفلعب، وإن ثبتت لهم نبوة، فبعُّد هذا والله أعلم .
وأما قول الله تعالى فيه: ﴿وَلَقَدْ هَمَتَ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأََ بُرْهَانَ ربِّه﴾ فِعلى مذهب كثير من الفقها والمحدثين أنّ همّ النفس
لايؤاخذ به، وليست سيئة لقوله # عن ربه: ((إذا همّ عبدى بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة)) فلا معصية فى همه إذًا.
وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين: فإن الهم إذا وطّنت عليه النفس سيئةً، وأما مالم تُوطن عليه النفس من همومهاً
وخواطرها فهو المعفو عنه .
وهذا هو الحق، فيكون إن شاء الله هَمّ يوسف من هذا، ويكون قوله: ﴿ وَمَا أَبَرِّئُء نَفْسى) الآية، أى: ما أبرئها من هذا الهم، أو
يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لماَ زُكَّىَ قَبْلُ وبُرّىٍ، فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبى عبيده أن يوسف
لم بهم، وأنّ الكلام فيه تقديم وتأخير، أى: ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، وقد قال الله تبارك وتعالى عن المرأة:
﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعِصَمَ﴾ وقال تعالى: ﴿كذلكَ لِنَصْرفِ عَنْهُ السُّوءِ والفَحْشَاءِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبَوَبِ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ الله إنه رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ الآية.
قيل فى ﴿رَبِّى﴾: الله تعالى. وقيل: الملك. وقيل؛ همّ بها، أى بزجرها ووعظها.
وقيل : همّ بضربها ودفعها .
وقيل : هذا كله كان قبل نبوته .
وقد ذكر بعضهم: مازال النساء يعلن الى يوسف ميل شهوة، حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوة، فشغلت هيبته كلّ من رآه عن
حسنه .
وأما خبر موسى مع قتيله الذى وكزه، وقد نصى الله تعالى أنه من عدوه. وقيل: كان من القبط الذين على دين فرعون ، ودليل
السورة فى هذا كله ، أنه قبل نبوة موسى .
وقال قتادة : وكزه بالعصا، ولم يتعمد قتله ، فعلى هذا لا معصية فى ذلك .
وقوله: ﴿هَذَاً مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وقوله: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِى﴾
قال ابن جريج، قال ذلك من أجل أنه لاينبغى لنبى أن يقتل حتىٍ يؤمر.
وقال النقاش: لم يقتله عن عمد، مريداً للقتل، وإنما وكزة يريد بها دفع ظمله، قال: وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة، وهو مقتضى
التلاوة .
وقوله تعالى فى قصته ﴿وَفَتَنََّكَ فَتُونا﴾ أى: ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء.
قيل فى هذه القصة ، وماجرى له مع فرعون .
وقيل : إلقاؤه فى التابوت واليم ، وغيرُ ذلك .
وقيل معناه: أخلصناك إخلاصا. قاله ابن جبير، ومجاهدً من قولهم: فَتَنتَ الفضة فى النار إذا خلّصتها. وأصل الفتنة معنى
الاختبار، وإظهار مابطن، إلا أنه استعمل فى عرف الشرع، فى اختبار أدى إلى مايكره ، وكذلك ماروى فى الخبر الصحيح من أن ملك
الموت جاءه فلطم ((عينه ففقأها)) الحديث. ليس فيه مايحكم على موسى عليه السلام بالتعدى، وفعل مالا يجيب ، إذ هو ظاهر الأمر
بين لوجه جائز الفعل ؛ لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلا فها ، وقد تُصوّرله فى صورة أدمى ، ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك
الموت، فدافعه عن نفسه مدافعةً أدت إلى ذهاب عين تلك الصورة ، التى تَصورَ له فيها الملك امتحانا من الله، فلما جاءه بعدُ، وأعلمه
الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم ؛ وللمتقدمين والمتأخرين على هذا الحديث أجوبة ، هذا أسدها عندى، وهو تأويل شيخنا الإمام أبى
عبدالله المازرى، وقد تأوله قديما ابن عائشة وغيره على صكه ولطمه بالحجة وفقء عين حجته، وهو كلام مستعمل فى هذا الباب فى
اللغة معروف .
٠٠
٥٣٢
-
= وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهلُ التفسير من ذنبه، وقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ فمعناه: ابتليناه، وابتلاؤه ماحكى عن
النبى # أنه قال: ((لأطوفن الليله على مائة امرأة، أو تسع وتسعين، كلهم يأتين بفارس، يجاهد فى سبيل الله)) فقال له صاحبه:
((قل: إن شاء الله)) فلم يقل، فلم تحمل منهن إلا واحدة جاءت بشق رجل .
قال النبى #: ((والذى نفسى بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا فى سبيل الله)) قال أصحاب المعانى: والشّق هو الجسد الذى القى
على كرسيه حين عرض عليه ، وهى عقوبته ومحنته .
وقيل : بل مات ، فألقى على كرسيه ميّتاً .
وقيل : ذنبه ، حرصه على ذلك وتمنيه .
وقيل : لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص ، وغلب عليه من التمنى .
وقيل : عقوبته أن سلب ملكه ، وذنبه أن أحب بقلبه ، أن يكون الحق لاختانه على خصمهم .
وقيل : أوخذ بذنب قارفه بعض تسائه، ولايصح مانقله الإخباريون من تشبه الشيطان به ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه فى أمتاه
بالجور فى حكمه ؛ لأن الشياطين لايسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله، وان سئل: لِمَ لم يقل سليمان فى القصة
المذكورة إن شاء الله ؟ .
فعنه أجوبة :
أحدها : ماروى فى الحديث الصحيح، أنه نسى أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله .
والثانى: أنه لم يَسمع صاحبه، وشُغِل عنه.
وقوله: ﴿وَهَبْ فِى مُلْكَاً لا يَنَّبَغَىِ لِإِحَدٍ مِنْ بَعْدِى﴾ لم يفعل هذا سليمان غيرة على الدنيا. ولانقاسة بها، ولكن مقصده فى
ذلك على ماذكره المفسرون الا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذى سلبه إياه مدة امتحانه على قول من قال ذلك.
وقيل: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة، وخاصة يختص بها ، كاختصاص غيره من أنبياء الله ورسله ، بخواص منه .
وقيل : ليكون دليلا، وحجة على نبوته كإلانة الحديد لأبيه، وإحياء الموتى لعيسى، واختصاص محمد 18 بالشفاعة ونحو
هذا .
واما قصة نوع عليه السلام فظاهرة العذر، وأنه أخذ فيها بالتأويل، وظاهر اللفظ لقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ ﴾ فطلب مقتضى
هذا اللفظ، وأراد علمَ ماطوىَ عَنه من ذلك، لا أنه شك فى وعد الله فبينّ الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم ؛
الكفره وعمله الذى هو غير صالح ، وقد أعلمه ابنه مغرق الذين ظلموا ، ونهاه عن مخاطبته فيهم ، فؤوخذ بهذا التأويل ،
وغُتب عليه، وأشفق هو من إقدامه على ربه، لسؤاله مالم يؤذن له فى السؤال فيه. وكان نوع فيما حكاه النقاش لا يعلمُّ بكفر
ابنه .
وقيل: فى الآية: غير هذا، وكل هذا لايقضى على نوج بمعصيةٍ سوى ماذكر ناه من تأويله وإقدامه بالسؤال فيمن لم يؤذن له
فيه ولا نهى عنه
وماروى فى الصحيح: من أن نبيا قرصته نملة فحرّق قرية الفعل فأوحى الله إليه: «أَنْ فَرَصَنْكَ نملةُ (أحرأت اماً من الأمم
تُسَبِّحُ ، فليس فى هذا الحديث أن هذا الذى اتى معصيةُ بل فَعَل ماراه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذى جنسه ويمنع المنفعة
بما أباح الله، ألا ترى أن هذا النبى كان ناز لاتحت الشجرة ، فلما أذته النملة تحول برحله عنها ؛ مخافة تكرار الأذى عليه ،
وليس فيما أوحى الله إليه، مايوجب عليه معصية بل ندبه إلى احتمال الصبر، وترك التشفى، كما قال تعالى: ﴿ولئن صبر
لهو خير الصابرين﴾ إذ ظاهر فعله، إنما كان لأجل أنها أذته هو فى خاصته، فكان انتقاما لنفسه، وقطع مضرة يتوقعها من
بقية النمل هناك، ولم يأت فى كل هذا امرا نُهى عنه، فيعصى به، ولا نص فيماً لوحى الله إليه بذلك، ولا التوبة والاستغفار
منه . والله أعلم .
فإن قيل: فما معنى قوله عليه السلام: ((ما من أحد إلا المَّ بذنب، أو كاد إلا يحيى بن زكريا». أو كما قال عليه السلام ؟.
فالجواب عنه ما تقدم من ذنوب الأنبياء التى وقعت عن غير قصد ، وعن سهو وغفلة .
((الشفا بتعريف حقوق المصطفى القاضى عياض ٢ / ١٥٥ - ١٦٩)).
٥٣٣
الباب الحادى عشر
فى الكَلَمِ عِلَى الآياتِ والأحاديثِ الَّتِى تَمَسَّكَ بِهَا مَنْ قَالَ: بِعَدَمِ
عِصْمَتِهِمْ أَِّ .
وفيهِ أَنْوَاعُ (١):
(٢)
(١) هذا الباب ساقط من النسخ (ب جـ ز).
(٢) بياض بالنسخ، وجاء فى (( الشفا، القاضى عياض:)).
فإن قلت: فإذا نفيت عنهم - صلوات الله عليهم - الذنوب والمعاصى بما ذكرته من اختلاف المفسرين، وتأويل المحققين، فما
معنى قوله تعالى: ﴿وَعَصِىَ أَدَمُ ربِّه فَغَوَىَ﴾ وماتكرر فى القرآن، والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم وتوبتهم
واستغفارهم وبكائهم على ماسلف منهم وإشفاقهم، وهل يُشفَّق ويتاب ويستغفر من لاشىء ؟
فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن درجة الأنبياء فى الرفعة، والعلو، والمعرفة بالله وسنته فى عباده، وعظم سلطانه، وقوة
بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله، والإشفاق من المؤاخذة بما لايؤاخذ به غيرهم ، وانهم فى تصرفهم بامور لم
يُنْهُوْا عنها، ولا امروا بها، ثم أوخذوا عليها، وعوتبوا بسببها، أوحُذروا من المؤاخذة بها، ولتوها على وجه التأويل، أو
السهو ، وتزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون، وهى ذنوب بالإضافة إلى على منصبهم، ومعاص بالنسبة إلى كمال
طاعتهم ، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاسيهم، فإن الذنب خوذ من الشىء الدِّنْىِّ الرَذل، ومنه ذنبُ كل شىء أى: آخره، واذناب
الناس رُذَّالُهُم، فكان هذه ادنى افعالهم، واسوا مايجرى من أحوالهم، لتطهيرهم وتنزيههم، وعمارة بواطنهم وظواهرِهم
بالعمل الصالح ، والكلم الطيب، والذكر الظاهر والخُفى، والخشية لله، وإعظامه فى السر والعلانية وغيرهم يتلوث من
الكبائر والقبائح والفواحش ماتكون بالإضافة إلى هذه الهنات فى حقه كالحسنات، كما قيل: «حسنات الأبرار سيئات
المقربين ، أى : يرونها بالإضافة إلى عَلىّ أحوالهم كالسيئات، وكذلك العصيانُّ التّرك والمخالفةُ، فعلى مقتضى اللفظة كيفما
كانت من سهو أو تاويل، فهى مخالفةٌ وترك . وقولُهُ: غَوَى أى: جَهلَ أنَّ تلك الشجرة هى التى نهى عنها ، والغيّ: الجهل .
وقيل : أخطأ مأَطلَب من الخلود إذْ أَكَلَها وخابت امنيُّتُهُ ،
وهذا يوسف - عليه والسلام - قد وُوخذ بقوله لأحد صاحبى السجن: ﴿اَنْكُرُنَّى عِنْدَ رَبِّكَ فَانْسَاهُ الشّيْطَانُّ ذِكْرَ ربِّهِ للبث
فى السَّجِنْ بِضْعَ سِنِينَ ﴾
قَل: أَنَّسيَ يوسف ذكر الله. وقيل: أنسى صاحبه أن يذكره لسيده الملك، قال النبى#: «لو لاحظمةُ يوسف مالبث فى السجن
مالبث .
قال ابن دينار : لما قال ذلك يوسف قيل له: اتخذتَ من دونى وكيلا لاطيلَنَّ حَبْسَك، فقال: يارب أَنْسىَ قلبى كثرةُ البلوى»
وقال بعضهم: يُؤَاخِذُ الأنبياء بمثاقيل الذَّرّ، لمكانتهم عنده، ويجاوزُّ عن سائر الخلق، لقلّة مبالاته بهم، فى اضعاف
مالتوابه من سوء الأدب ، وقد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ماقلناه: إذا كان الأنبياء يؤاخَنُون بهذا مما لايؤاخَذُ به
غيرهم من السهو والنسيان، وماذكرتهُ وحالُهم أرفع، فحالُهم إذاً فى هذا اسوا حالا من غيرهم .
فاعلم - أكرمك الله - اناً لانثبت لك المؤاخذة فى هذا على حد مؤاخذة غيرهم، بل نقول: إنهم يؤاخذون بذلك فى الدنيا ، ليكون
ذلك زيادةٌ فى درجاتهم ويُبتَّلون بذلك؛ ليكون استشعارهم له سببا ◌ِنماَةٍ رُتبِهِمْ، كما قال: ﴿ثِّ إجتبالهُ رِبّه فتابَ عليه
.، وهدى﴾ وقال لداود: ﴿فَغْفَرَنَا لَهُ ذْكِ﴾ الآية، وقال بعد قول موسى: تُبتَ إليك ﴿إِنَّ اصْطَفَيْتُك عَلى النَّاسِ﴾. وقال
بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته: ﴿فَسَخَّرِنَّ لَهُ الرِّيحَ﴾ إلى ﴿وَحُسْنَ مَاب﴾ وقال بعض المتكلمين: زلات الأنبياء فى الظاهر:
زلاتٌ، وفى الحقيقة: كراماتَ وزُلَفُ، وأشار إلى نحو مما قدمناه، وايضا: فَلِينْبةَ غيرُهُم من البشر منهم، أو ممن ليس فى =
٥٣٤
= درجتهم بمؤاخذاتهم بذلك فيستشعروا الحذر، ويعتقدوا المحاسبة؛ ليلتزموا الشكر على النعم، ويُعنَّوا الصبر على المحن
بملاحظة ماوقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم، فكيف بمن سواهم ؟ ولهذا قال صالح المُؤَّىَّ ذِكرُ داود بسطة للتوابين .
قال ابن عطاء: «لم يكن مانص الله تعالى من قصة صاحب الحوت نقصا له، ولكن استزادة من نبينا *..
وأيضا فيقال لهم: فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر ..
ولاخلاف فى عصمة الأنبياء من الكبائر، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هى مغفورة على هذا، فما معنى المؤاخذة بها
إذاً عندكم، وخوفِ الأنبياء وتوبتهم منها وهى مغفورة لو كانت ؟.
فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السهو والتاويل .
وقد قيل: إن كثرة استغفار النبى # وتوبته وغيره من الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية، والاعتراف
بالتقصير، شكراً لله على نعمه كما قال #، وقد أمِن من المؤاخذة بما تقدم وماتأخر: ((أفلا أكون عبدا شكورا)) وقال: « إنى
أخشاكم ش وأعلمكم بما اثْقى».
قال الحارث بن أسد: ((خوف الملائكة والأنبياء خَوفُ إعظام وتعبُّد ش؛ لأنهم أمنون)).
وقيل: فعلوا ذلك ليقتدى بهم، وتستنَّ بهم أممهم كما قال : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا،
وأيضا: فإن فى التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء، وهو استدعاء محبة الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
الله يُحِبُّ التُّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينِ﴾ .
فإحداث الرسل والأنبياء والاستغفار والتوبة والإنابة والأ وبة فى كل حين استدعاء لمحبة الله، والاستغفار فيه معنى
التوبة، وقد قال الله لنبيه ! بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه ماتأخرِ: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِىّ والمهاجِرِينَ والانضْارِ﴾
الآية، وقال تعالى: ﴿فَسَبْخُ بحمد ربك واستغفرهُ إنّه كلَّ توَّاباً﴾.
فصل: قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه ماهو الحق من عصمته * عن الجهل بالله وصفاته، أو كوته على حالة تفانى
العلم بشىء من ذلك كله جملةً بعد النبوة عقلا وإجماعا، وقبلها سماعا ونقلا، ولابشيء مما قررناه من أمور الشرع ، واداه
عن ربه من الوحى قطعا وعقلا وشرعا وعصمته عن الكذب، وخلف القول منذ نبّاء الله وأرسله قصدا أو غير قصد ،
وإستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا، ونظرا وبرهانا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعا، وعن
الصغائر تحقيقاً ، وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه، فيما شرعه للأمة، وعصمته فى كل
حالاته من رضى وغضب وجد ومزح، فيجب عليك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يدالضنين، وتقدرُ هذه الفصول حق
قدرها، وتعلم عظيم فائدتها وخطرها، فإن من يجهل مايجب للنبى ## أو يجوز أو يستحيل عليه، ولاتعرف صور أحكامه
لايامن أن يعتقد فى بعضها خلاف ماهى عليه ولا ينزهه. عما يجب أن يضاف إليه، فيهلك من حيث لايدرى، ويسقط فى هوة
الدرك الأسفل من النار إذ غان الباطل به واعتقاد مالا يجوز عليه يُحلّ بصاحبه دار البوار، ولهذا ما احتاط عليه السلامُ على الرجلين
اللذين راياء ليلا وهو معتكف فى المسجد مع صفية فقال لهما: إنها صفية ، ثم قال لهما : إن الشيطان يجرى من ابن آدم ،
مجرى الدم وإنى خشيت أن يقذفَ فى قلوبكما شيئا فتهلكا » ..
هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه فى هذه الفضول، ولعل جاهلا لايعلم بجهله إذا سمع شيئا منها يرى أن الكلام
فيها جملةً من فصول العلم، وأن السكوت أولى. وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التى ذكرناها. وفائدة ثانية يُضطر إليها.
فى أصول الفقه، وينبنى عليها مسائل لاتنفذ من الفقه، ويتَخلّصُ بها من تشعيب مختلفى الفقهاء فى عدة منها، وهى الحكم
فى أقوال النبى ! وأفعاله، وهو باب عظيم واصل كبير، من أصول الفقه، ولابد من بنائه على صدق النبى # فى اخباره
وبلاغه، وأنه لايجوز عليه السهو فيه، وعصمته من المخالفة فى أفعاله عمدا، وبحسب اختلافهم فى وقوع الصغائر وقع
خلاف فى امتثال الفعل بسط بيانه فى كتب ذلك العلم فلا نطوّل به، وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى
النبى * شيئا من هذه الأمور، ووَصَّفه بها، فمن لم يعرف مايجوز ومايمتنع عليه وماوقع الإجماع فيه، والخلافُ، كيف
يصمِّمُ فى الفتيا فى ذلك، ومن أين يدرى؟ هل ماقاله فيه نقص أو مدح؟ فإما أنَّ يجترىء على سفك دم مسلم حرامٍ، أو يسقط
حقا ، ويُضْيعَ حرمةً للنبى ؟ وبسبيل هذا ماقد اختلف أربابُ الأصول، وائمة العلماء والمحققين، فى عصمة الملائكة.
«الشفا القاضى عياض (١٦٩ - ١٧٤) طـ دار الفكر ١٤٠٩هـ
٥٣٥
٠٠
الباب الثانى عشر
فى الكَّلاَمِ عَلَى الملائِكَةِ ﴾
وفيه أنواعٌ :
الأوَّلُ : فى اشْتِقَاقِ لفظِ المَلَكِ، وكيفيّةِ تصريفِهِ .
فقيلَ: هُو مشتقُّ مِنَ الَأَلُوَةِ وهىَ الرِّسالَةُ، وكذلكَ المْلَكَةُ، ومنه قَوْلَهُمُ : أَلِكْنِى
إليْهِ (١) .
قالَ الشَّاعِرُ : (٢)
أَنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسٍ وانْتِظَارِى (٣)
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنَّى مَأَكًا
أىْ : رسالةَ، ويقالُ فيهَا أَلُوك أيضًا .
قالَ لبيدٌ : (٤)
وغُلَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ
بِأَلُونٍ فَبَذَلْنَا مَاسَأَلْ (٥)
وقيلَ فى الملَك: إنَّه جمعُ مَّأَلَّكَةَ ، ولما كانتِ الملائكةُ رسُلاً سُمِّيتْ بذلك . قالَ الخليلُ
(١) اللسان مادة: الك وقال ابن جرير: ((فمن قال ملاكاً فهو مفعل، من لات إليك يلات، إذا أرسل اليه رسالة ملاكة، ومن قال:
مالكا فهو مفعل ، من الكت إليه الك، إذا أرسلت إليه مالكة والوكا .. فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة ، لأنها رسل الله بينه
وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده ((تفسير الطبرى ١ / تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمْلاَئِكَةِ﴾ وانظر:
الوسيط فى تفسير القرآن المجيد للواحدى ، تحقيق محمد حسن الزفينى ١ / ٧٣ طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
بمصر. والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للجمل (١/ ٣٧) وشرح القارى على الشفا (٢/ ٣١٧).
(٢) الشاعر هو عدى بن زيد
(٣) ديوان عدى بن زيد (٩٣) كما فى اللسان مادة (الك). والاغانى (٢ / ٩٤) والجامع لأحكام القرآن للقرطبى (١/ ٢٦٢)
(٤) لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الصحابى رضى الله عنه، قدم على النبى
# سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب فأسلم ، وحسن إسلامه، وكان لبيد وعلقمة بن علائة العامريان من المؤلفة قلوبهم ،
وهو معدود فى فحول الشعراء المجودين. وقال ابن قتيبة فى كتاب الشعراء : كنيته ابو عقيل ، وكان من شعراء الجاهلية
وفرسانهم ، ومات بالكوفة فى خلافة عثمان .
انظر : خزانة الأدب للبغدادى (٢ / ٢٤٦، ٢٤٧). تحقيق عبدالسلام هارون طبعة دار الكتاب العربى بالقاهرة ١٣٨٧ هـ /
١٩٦٧م .
(٥) ديوان لبيد (١٧٨) والخصائص (٣/ ٢٧٥) والجامع لأحكام القرآن للقرطبى (١/ ٢٦٢).
٥٣٦
ابنُ (١) أحمدُ رَحمِهُ الله تعالَى، إنَّماَ سُمِّيْتِ الرِّسَالَةُ مِأَّكَةٌ، لَأَنَّهَا تُلُوك فى / [و٣٧٨]
الفَمِ، منْ قولِهِمْ فَرَسٌ مَلَّكُ اللَّجامِ أى: يَعْلُكُهُ، وعلَى هَذَا أَصْلُهُ مالَكٌ، لكنهمْ قَالُوا فى
جمعِ مْلَكِ : ملائكةٌ فِأَتَوْا بالهَمزةِ فى مَوْضعِ عينِ الكلمةِ ، فيكُونُ واحِدُهُ مألُكًا ، وقد جاءَ
ذلك فى الشّعر أنْشَدَ أبووجزة :
يُنَزَّلُ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يُصَوَّبُ (٢)
فَلَسْتَ لِإِنْسيِّ ولكِنْ لملاكٍ
ووجْهُ اشتقاقِهِ مِنَ الْأَلُوكَةِ يقتضى أنْ يكونَ مقلوبًا قلِبَتْ فَاؤُهُ إِلى مَوْضِعِ عَيْنِهِ ، وَوَزْنُ
مَلَاتٍ مَعْفَل ، وَإِنَّمَا قُلِبَتْ ليخفف بنقلِ حركةِ هِمْرتِهِ ، فلمأَ نُقِلَتْ حركةُ همزتِهِ إلى السّاكِنِ
قبْلَهَا حُذِفِتْ تخفيفًا لَهَا، فقيلَ: مَلَكُ، ولهذا رُدَّت الهمزةُ فى جمعهِ ، فقيلَ ملائكةٌ ، ووزنُهُ ،
مَعَافلةٌ علَى هذا القولِ .
وقالَ ابْنُ كَيْسَانَ (٣): هُوَ المِلَاكُ، فيكونُ فَعَالًا، وأصلهُ مَلَأُ أيضًا ؛ لورودِ الهمزةِ
فى الجمِع ، لكُنْ لا قلبَ فِيهِ علَى هذا القولِ .
وقال أبُوعُبيدة (٤) : أصلُه مَلَأك أيضًا، لكُن مِنْ لَأَكَ، إِذَا أُرْسِلَ (٥) ..
وقَل أبُوعَمْروِ بنُ الحاجِبِ رَحِمَهُ الله تعالَى: الوجْهُ هُوَ القَوْلُ الأوَّلُ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّ
ارتكابُ القلب ، ولابُدّ فِيهِ مِنْ إرَادَةِ الهِمْزة فى مفرده ؛ لورودِهَا فى جَمْعِهِ .
(١) الخليل بن أحمد هو عبدالرحمن بن أحمد البصرى الفرهودى، الأزدى، سيد أهل الأدب قاطبة، فى علمه وزهده، والغاية فى
تصحيح القياس، واستخراج مسائل النحو وتعليله، ولد سنة ١٠٠هـ / ٧١٩م كان من تلامذة ابى عمرو بن العلاء وأخذ
عنه سيبويه، وأخذ عنه النضر بن شميل، وغيرهما، وهو أول من استخرج علم العروض، وضبط اللغة ، وكان أول من
حصر اشعار الفاط العرب ، توفى سنة ستين ومائة رحمة الله عليه ورضوانه .. انظر: ترجمته فى: تاريخ الأدباء النحاة لابن
الانبارى (٣٢/٢٩)
(٢) البيت اختلفوا فى نسبته، قال ابن برى: البيت لرجل من عبد القيس، يمدح النعمان، وقيل: هو لعلقمة بن عبدة ( اللسان
مادة: الك، صوب) وانشده سيبويه ٢ / ٤٢٠ من غير عزو، ونسبه الأعلم (٢ / ٣٧٩) إلى علقمة، وهو فى مجاز القرآن لأبى
عبيدة (١/ ٣٣، ٣٥) والاشتقاق (١٧) وابن الشجرى (٢/ ٢٠) وانظر: تفسير الطبرى فى تفسير الآية (٣٠) من سورة
البقرة، وإملاء العكبرى (١/ ٢٨) وتفسير القرطبى (١/ ٢٦٣) دار الكتاب العربى ١٣٨٧ هـ / ١٩٦٧م.
(٣) ابن كيسان: أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان النحوى، كان أحد المشهورين بالعلم ، والمعروفين بالفهم ، أخذ عن ابى
العباس المبرد، وأبى العباس ثعلب ، وكان قيما بمذهب البصريين والكوفيين ، وكيسان لقب لأبيه كذلك ، وكان له مصنفات
· كثيرة منها: المهذب فى النحو، وشرح السبع الطوال، وتوفى سنة تسع وتسعين ومائتين، وذلك فى خلافة أبى الفضل جعفر
المقتدر بالله تعالى بن المعتضد .
له ترجمة فى : تاريخ الأدباء لابن الانبارى (١٦١ - ١٦٢).
(٤) أبو عبيدة : معمر بن المثنى التميمى النحوى العلامة، قيل: لم يكن فى زمانه أعلم منه ، وكان عالما بالشعر والغريب ،
واللغة والأخبار، والنسب، وأيام العرب، وكان كثير الهجو للناس، لم يكن يسلم من لسانه أحد، لاشريف ولا غيره ، وكان
الشغ، مدخول الدين ، يميل إلى مذهب الخوارج ، ولد سنة ١١٤هـ / ٧٧٣ وتضانيفه تقارب مائتى مصنف ، وتوفى سنة
٢١٠ هـ / ٨٢٦ م .
له ترجمة فى: مقدمة فقه اللغة للثعالبى (١٧، ١٨) طبعة الآباء اليسوعيين، وتاريخ الأدباء النحاة لابن الانبارى (٧٠ -
٧٥) .
(٥) الجامع لأحكام القرآن القرطبى (١ / ٢٦٢) .
٥٣٧
وقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إنّه فَعَالٌ بعيدٌ لأنَّ مثلَ ذلك نادِرٌ ويفعل كثيراً ، وحملهُ على الكثير
أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى النَّادِرِ، لاسِيَّمَا معَ مناسبتهِ للرسَالَةِ بخلافِ المَلَكِ ..
وأمّا قَوْلُ أبى عبيدِ الله: إنَّهُ مَفْعَلٌ مِنْ لَأَكَ إذَا أَرْسِلَ فَبَعِيدُ ؛ لَأَّه يكونُ مرسلًا لا
مُرْشِدًا ، وإذَا كَانَ مِنَ اْلَأَلُوكَةِ كانَ مُرْسَلاً فترجَّحَ الَوَّلُ.
الثانى : فى حقيقة معناهُ :
ذَهَبَ أكثرُ المسلمينَ إلى أنَّ الملائكةَ أجْسَامٌ لطيفةً قادرةٌ علَى التَّشَكُلِ بِأَشْكَالٍ
مختلفةٍ (١)، مسكنُهَا السَّمَوَاتُ. وهذَا المذْهَبُ الذَّى يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ.
وقد دلّتِ الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ عَلَى وُجُودِ الملائكةِ ، وأثبتَهَا أَهْلُ الإسْلَامِ عَلَى الوجْهِ الَّذِى
بَيِّنَّاهُ ، واتّفقت عِلَى وجودِهَا [ الملائكةُ ] (٢) الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والملَلُ كُّها
مجتمعةٌ عَلَى ذَلْك ، وإن كَانَ المرجِعُ والاعتمادُ فى إثْبَاتها ووجودهَا عَلَى الأدلةِ السَّمْعِيَّةِ ، وما
قالَهُ الأنبياءُ صلوات الله وسلامه عليهم واجبُ المَصِير فى معرفةِ حَقَائِقِهِمْ إِلَى مادَلَّتْ عليهِ
الأدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ منَ الكتب الإلهيّةِ ، وقولِ الأنبياءِ ..
الثالث : فى وُجُوبِ الإِيمَانِ بِهِمْ :
قال الله سبحانَهُ وتعالَى: ﴿أَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلَّ آمَنَ بِالله
ومَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ (٣) ..
قال الحافظ أبوبكر البَيْهَقِىُّ (٤) رحمَهُ الله تعالَى فى: ((شُعَب الإيمان))
والإيمانُ (٥) بالملائكةِ يَنْتَظِمُ مَعَانِى :
أحدها : التَّصديقُ بوجودِهِمْ ..
(١) الكوكب الأحوج للسيد علوى بن احمد الشقاف. (١٥٢)
(٢) ساقطة من (ب) .
. (٣) سورة البقرة من الآية (٢٨٥) .
(٤) الإمام الحافظ الكبير شيخ السنة ابوبكر احمد بن الحسين بن على بن عبدالله بن موسى البيهقى ، نسبة الى بيهق قرى
مجتمعة بناحية نيسابور، الشافعى ولدسنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، فى شعبان ، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وخمسين
واربعمائة ، فى جمادى الأولى، عاش ٧٤ سنة. وحمل تابوته الى بيهق ، ودفن بها ، بخسر وجرد ، وهى من قراها ، من
مصنفاته : السنن الصغرى ، وهى فى مجلدين ، والكبرى ويقال لها : السنن الكبرى وهما على ترتيب مختصر المزنى .
(« الرسالة المستطرفة للكتانى (٣٣) .
(٥) راجع: المنهاج للحليمى (١/ ٣٠٢).
٥٣٨
والثانى: إنزالُهُمْ منازلَهُمْ ، وإثباتُ أنَّهم عبادُ الله وخلْقُه كالإِنْسِ والجِنِّ، وأنّهُمْ مأمُورُونَ
مكَّفُونَ لا يَقْدِرُونَ إلَّ علَى ماقَدّرَهُمُ الله تعالَى عليْهِ والموتُ عليهم جائزٌ ، ولكنَّ الله تعالَى جعلَ
لهُمْ أمَدَّا بَعِيدًا فلا يتوفَّاهُمْ حَتّى يبلغوهُ ، ولا يُؤُصَفُونَ بشىءٍ يُؤَدِّى وصفهُمْ بِهِ إِلى إشْراكهِمْ
بالله تعالَى جَدّه ، ولا يُدْعَوْنَ آلهة كما ادّعتهم الأوائل ...
والثَّالِثُ: الاعترافُ بأنّ منهمْ رسلاً يرسلهمُ الله إلَى مَنْ يشاءُ مِنَ الْيَشَر.
وقد يجوزُ أنْ يُرْسِل بعضَهُمْ إلى بعضٍ ، ويتبعُ ذلك الاعترافُ بأنّ منهمْ / [ظ٣٧٨]
حملةَ العَرْشِ ، ومنهم الصَّافُون ، ومنهم خزنة الجنة ، ومنهم خزنة النار ، ومنهم كتبة
الأعمال (١) ومنهم الذين يَسُوقُونَ السَّحاب، فقدْ وَردَ القرآن بذلك كلّه أو بأَكْثرهِ (٢).
ورَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ رَضىَ الله تعالَى عِنْهُمَا، عَنِ النَّبِّ وََّ حِينَ سُئِلَ عنِ
الإيمانِ، فقالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بالله ومَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)) (٣).
وقالَ الإِمامُ كمالُ الدِّينِ بِنُ الزّمَلْكَانِىُّ (٤) رَحِمَهُ الله تعالَى، وبهذَا الترتيب المذكور فى
الآيةِ سِرٌّ لَطِيفٌ، وذلك لأنَّ الفَوْزَ والكمَلَ والرَّحْمَةَ والخيرَ كلَّهُ مضافٌ إلىَ الله سبحانَهُ وتعالَى
ومنْهُ ، والوسَائِطُ فى ذلك: الملائكةُ، والقابلُ لتلكَ الرَّحْمَةِ هُمُ الأَنْبِيَاءُ والرُّسُلُ، فلَبُدَّ أوَّلًا:
مِنْ أَصْلٍ . وثانياً: من وسَائِطَ . وثالثًا: مَنْ حُصُولِ تلكَ الرَّحْمَةِ، ورابعًا: منَ وُصُولِهَا إِلَى
القَابِلِ لَهَا بِأْلَأَصْلِ الْمُفِيضِ للخَيْرَاتِ والرَّحْمَةِ مِنَ اللّه تعالَى، ومِنْ أَعْظَمِ رحمةٍ رَحِمَ بِهَا
عِبَادَهُ : إنْزالُ كُتُبِهِ إِليهِمْ، والموصِّلُ لَها ، هُمُ الملائكةُ، والقابلُ لَهَا، المنزَّل عليهِمْ هُم
الأنبياءُ، فجاءَ التَّرْتِيبُ كذلك بحسَب الوَاقِعِ .
الرَّابع : فى مَبْدَأٍ خَلْقِهِمْ والدّلَالَةُ علَى أَنَّهِمْ أجسامٌ خلافًا للفلاسفَةِ :
رَوَى مُسْلِمْ ، عن عائشةَ رَضىَ الله تعالَى عنْها، قالتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: خُلِقَتِ
(١) مابين القوسين زيادة من الشعب ، وساقط من (١) .
(٢) الجامع لشعب الإيمان للبيهقى (١ / ٤٠٥، ٤٠٦) تحقيق الدكتور عبدالعلى حامد / الدار السلفية / بومباى / الهند ..
(٣) شعب الإيمان (١ / ٤٠٦) .
(٤) ابن الزملكانى : هو الشيخ كمال الدين ، شيخ الشافعية بالشام وغيرها ، انتهت اليه رياسة المذهب ، تدريسا وإفتاء
ومناظرة ، سمع ابن كثير دروسه فى دمشق، وقال عنه: وأما دروسه فى المحافل فلم أسمع أحدا من الناس درس أحسن منها،
ولا أحلى من عبارته، وحسن تقريره ، وجودة احترازاته، وصحة ذهنه، وقوة قريحته ، وحسن نظمه، توفى سنة ٧٢٧هــ.
( انظر: البداية والنهاية (١٤ / ١٣١ - ١٣٢)).
٥٣٩
الملائِكَةُ مِنْ نُورِ، ((وخلق الجانُّ من مارجٍ (١) من نار)) (٢) ، وخلِقَ آدَمُّ مِمَّا وُصِفَ
لَكُمْ ، (٢)
وروَى أبُو الشَّيْخِ فى ((كتابِ العَظَمة)) عن ابنِ عَمْرِو (٤) رَضىَ الله تعالَى عِنْهما، قالَ:
((خَلَقَ الله تعالَى الملائكةَ مِنْ نُورِ الْعِزَّةِ» (٥) ..
وَرَوَى أبُوالشَّيْخِ، عن يَزِيِدَ بَنِ رُومَانَ (٦).، أنَّهُ بلغهُ: ((أنّ الملائكةَ خُلِقَتْ مِنْ رُوحِ
الله تَعالَى )) (٧) ..
الخامس : فى فَضْلِهِمْ وشَرَفِهِمْ :
لَنِزَاعَ بيْنَ العقلاءِ الْمُتْبِتِينَ للملائكةِ فى فَضْلِهِمْ ، وشرفهِمِ ، وعلُوِّ مرتبتهِمْ وطهارتِهِمْ ،
منهمُ الكرامُ البررةُ المطَهَّرُونَ ، العبادُ المكْرَمُونَ ، وقدِ اشْتَمَلَ القرآنُ الكريمُ مِنْ فضائلهِمْ ،
وذكْرِ شَرفهِمْ، وعزّ مُقَامِهِمْ علَى مَالَا يَخْفِىَ ، وجَعَلَ الله تعالى الإيمانَ بِهم تاليا للإيمانِ بِهِ ،
كما تقدَّمَ تقريرُهُ ..
ومن شَرَفِهِم أن الله سبحانهُ وتعالَى جعلَ شرفَهُمْ شهادَتَهُمْ ، بالقِسْطِ تِلْوَ شهادتهِ فقدْ
قال تعالَى: ﴿شَهِدَ الله أنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّ هُوَ والمَلَائِكَةُ وأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ (٨) ..
ومن شَرفهِمْ قولُه تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِى السَّمْوَاتِ والأرْضِ ومَنْ عِنْدَهُ﴾ (٩) فخصهم
بالتعبدية المقتضية لقرب التكريم والتشريفِ ..
وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُوُنَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ لَيَفِتُرُونَ﴾ (١٠).
(١) مارج: المفرج اللهب المختلط بسواد النار .
(٢) زيادة من مسلم ..
(٣) صحيح مسلم (٤ / ٢٢٩٤) برقم (٢٩٩٦) كتاب الزهد والرقائق، والمسند (٦/ ١٥٣، ١٦٨) والسنن الكبرى للبيهقى (٩/
(٣) ومجمع الزوائد للهيثمى (١٣٤/٨) والدر المنثور (٦/ ١٤٣) ومشكاة المصابيح (٥٧٠١) والقرطبى (١٠/ ٢٤) وتاريخ
جرجان (١٠٣) والشعب للبيهقى (١/ ٤١٣) برقم (١٤١) ومصنف عبدالرزاق (١١ / ٤٢٥). والاسماء والصفات للبيهقى
(٤٨٩) وقال الألباني: صحيح ( الصحيحة (٤٥٩) .
(٤) فى النسخ ( ابن عمر، والمثبت من المصدر
(٥) العظمة لأبى الشيخ (١٥٢) برقم (٣١٣) إسناده ضعيف، فى سنده ابو صالح مولى أم هانى، ضعيف مدلس ، كما فى
التقريب (١/ ٩٣) وقد رواه ههنا بالعنعنه. وايضا روى فى (١٥١) برقم (٢١١) عن عبدالله بن عمرو وبرقم (٣١٧) مع
زيادة ، وفيه من لم أجده، وأخرجه البيهقى فى الاسماء والصفات (٤٣٢ - ٤٣٣) بسنده من طريق ابن جريج وهذا سنده
ضعيف وانظر : مجمع الزوائد (٨/ ١٣٤) ففيه فائدة فى الموضوع لأن الأثر من الإسرائيليات .
(٦) يزيد بن رومان، مولى آل الزبير بن العوام ، من قراء أهل المدينة ، مات سنة ثلاثين ومائة، وكنيته أبو روح . له ترجمة فى :
الجمع (٢ / ٥٧٣) والتهذيب (١١ / ٣٢٥) والتقريب (٢/ ٣٦٤) والكاشف (٣/ ٢٤٢) وتاريخ اسماء الثقات (٢٥٩) ومشاهير
علماء الأمصار (٢١٦) ت (١٠٦٧).
(٧) كتاب العظمة (١٥٢) برقم (٣١٢) إسناده ضعيف، فيه انقطاع، وفى سنده أبو حفص مولى غفرة، من الضعفاء ، كما فى
الميزان (٣/ ٢١٠) والتهذيب (٧ / ٤٧١).
(٨) سورة آل عمران: الآية (١٨)
(٩) سورة الأنبياء: الآية (١٩).
(١٠) سورة الأنبياء: الآية (٢٠).
٥٤٠