Indexed OCR Text

Pages 1-20

جمهورية مصر العربية
وزارة الأوقاف
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
لجنة إحياء التراث الإسلامى
السَّيّةُ التََّوََّ
سِبْلِالهُدَى وَالرشادِ
فِى سِيرَة خَيْ الْعَبَّاد
لِلامام محمّ بن يُوسُف الصّالِحِ الشَّامِّ المتوفى٩٤٢ نزههـ
الجزء التاسع
تحقيق
الأستاذ / جودة أحمد سليمان
الدكتور/ حامد محمد المجيد
القاهرة
١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م

·
الله

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة اللجنة
نحمد الله حمد الشاكرين، ونصلى ونسلم على أشرف المرسلين، سيدنا محمد الدول
وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد .
فهذا هو الجزء التاسع، من الموسوعة العظيمة، فى سيرة خير البشر محمد الَّ، وهى
المعروفة باسم: ((سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد)) للإمام الصالحى الشامى.
ووراء تأخر صدور هذا الجزء قصة تروى؛ فقد عهدت لجنة إحياء التراث الإسلامى، فى
تكوينها القديم قبل أكثر من عشرين عاما، بتحقيق هذا الجزء إلى علمين من أعلام
المحققين فى ذلك الزمان البعيد، وهما : الأستاذ أبو الوفا المراغى ، والأستاذ أحمد يوسف
ويبدو أن ظروفًا طارئة أعجلتهما عن إتقان العمل وتجويده، فى إطار المنهج الذى
وضعته اللجنة قديما لتحقيق التراث الإسلامى، وعندما أعيد تشكيل اللجنة من جديد ، بعد
توقف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عن نشاطه فترة فى أواخر السبعينيات، أخذت فى
مراجعة ما لديها من كتب محققة أو شبه محققة، فوجدت الجهد المبذول فى هذا الجزء لم
يتجاوز نسخ إحدى مخطوطات الكتاب، وهى المحفوظة بمكتبة الأزهر الشريف، إلى
جانب بعض التعليقات اليسيرة هنا وهناك .
فعهدت اللجنة بتحقيق هذا الجزء من جديد، إلى الاستاذ الدكتور/ حامد عبد المجيد،
والأستاذ/ جودة سليمان، مع مراعاة الرجوع إلى ثلاث مخطوطات من الكتاب، وهى
مخطوطة مصطفى فاضل بدار الكتب المصرية، ومخطوطة الجامع الكبير بصنعاء،
ومخطوطة مكتبة الأزهر الشريف، إلى جانب مراجعة نص الكتاب على مصادره المختلفة،
التى يصرح بذكرها المؤلف فى كل صفحة من صفحات هذا العمل الجليل .
وقد اقتسم المحققان هذا الجزء مناصفة بينهما، فقام كل واحد منهما بتحقيق قسم منه،
وقد ترتب على صعوبة التقائهما، أن اختلف منهجهما فى نقطة جوهرية، تتمثل فى أن
الأستاذ الدكتور/ حامد عبد المجيد، كان يضع فى هامش التحقيق الزيادات المكملة لنص
هذا الجزء ، حين يعثر عليها فى بعض مصادره . أما الأستاذ/ جودة سليمان، فإنه كان يضع
٥

أمثال هذه الزيادات فى صلب النص بين معقوفتين، ويشير إلى المصادر التى نقلها منها فى
هامشه .
ولما كان توحيد المنهج يقتضى أن يعاد من جديد كتابة قسم على شاكلة قسم آخر ، ولما
كان ذلك يتطلب وقتًا وجهدًا؛ فقد قررت لجنة إحياء التراث الإبقاء على منهج كل منهما
منسوبًا إلى صاحبه . ويتضح ذلك فى تقسيم هذا الجزء إلى قسمين ، يعزى تحقيق الأول
منهما إلى الأستاذ الدكتور/ حامد عبد المجيد، كما يعزى تحقيق الثانى إلى
الأستاذ/ جودة سليمان .
وهناك مسألة جوهرية أخرى، تختص بهذا الجزء التاسع الذى نقدمه اليوم، وتتلخص فى
أن اللجنة رأت، بناء على تقرير قدمه إليها الأستاذ الدكتور/ حامد عبد المجيد، أن معظم
الباب الثامن والأخير من ((جماع أبواب سيرته وَّ فى النكاح والطلاق والإيلاء))، وهو الباب
الذى عنوانه: «فى آدابه ◌َ لوعند النكاح والجماع وقوته على كثرة الوطء» - عبارة عن أحاديث
تشوه وجه الإسلام بنسبتها إلى رسول الله وَله أمورًا جنسية لا تليق بجلال النبوة، وهى حوالى
ثمانية أحاديث، تشغل حوالى خمس صفحات من الكتاب، فقررت حذفها والإشارة إلى
ذلك فى موضعه .
وبناء على ذلك تغير عنوان الباب ، فأصبح: ((الباب الثامن فى آدابه عند النكاح والجماع
وفى حياته ◌َّ)). وكتب المحقق فى الهامش عند نهاية السطور السبعة التى تبقت من
الباب: ((بعد هذا وردت أخبار وأحاديث موضوعة اشتهر وضّاعها بالضعف والكذب
والتدليس . وقد قررت اللجنة حذف هذه النقول والأحاديث المكذوبة، تنقية لنص الكتاب
من كل شائبة تنبوعنها عيون القراء وتسىء إلى الأفهام)) . ومثل ذلك صنعت اللجنة ببعض
أحاديث الباب السادس من هذا الجمّاع .
هذا ويعالج هذا الجزء بقسميه جماع أبواب السيرة الشريفة فى المعاملات وما يلحق بها،
والهدايا والعطايا والإقطاعات، والنكاح والطلاق والإيلاء، والصيد والذبائح، والجهاد،
والعلم وذكر بعض مروياته، وأحكامه وأقضيته وفتاويه، والشعر عنده، وهديه وسمته،
ومعجزاته السماوية .
ولا يصح أن تضع القلم، قبل أن نتوجه بالشكر الجزيل إلى محققى هذا الجزء من
الأساتذة الأفاضل، الذين لم يدخروا وسعا فى بذل كل جهد وطاقة، فى سبيل إخراج هذا
الجزء الذى ينتظره جمهور القراء فى كل مكان . والشكر الخالص كذلك إلى السادة أعضاء
لجنة إحياء التراث، على غيرتهم المحمودة على تراث هذه الأمة، ومحاولة تنقيته من شوائب
الدهر ، وتحريفات النسّاخ ، وعبث العابثين .
.-
٦

أما أنت أيها القارىء الكريم، الذى تتلهف على صدور بقية أجزاء هذا السفر
النفيس، فإنه يسعدنا أن نتقدم إليك بهذا الجزء التاسع، على أمل اللقاء القريب، مع الأجزاء
الأربعة الأخيرة من هذا الكتاب النادر .
ومن حسن الطالع أن يخرج هذا الجزء إلى النور ، ليكون إحدى لبنات التنوير الحقيقى،
فى وقت تكالبت فيه على الأمة الإسلامية فلول الزنادقة والملاحدة والشعوبيين الجدد . فأما
الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض .
﴿وما النصر إلا من عند الله ﴾. صدق الله العظيم،،
مقرر اللجنة
رئيس اللجنة
أ. د. رمضان عبد التواب
عبد المنعم محمد عمر
٧
٠٠

القسم الاول
تحقيق
الدكتور/ حامد عبد المجيد
:

جماع أبواب
سيرته ود فى المعاملات وما يُلحق بها

الباب الأول
فى الكلام على النقود التى كانت تستعمل فى زمانه ◌َله
قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي (١) رحمه الله تعالى: كان أهل المدينة
يتعاملون بالدراهم عَددًا وقت قدوم رسول الله بَّر، ويدل عليه قول عائشة رضى الله تعالى
عنها فى قصة شرائها برَيرة: ((إن شاء أهلُك أَنْ أعُدَّها لهم عَدَّة واحدة فعلت)) (٢)، تُريد
الدراهم، التى هى ثمنها، فأرشدهم رسول الله وَلّل إلى [ الوزن فيها ](٣) وجعل المعايير وزن
أهل مكة، وكان الوزن الجارى بينهم في الدرهم ستة دوانق وهو درهم الإسلام فى جميع
البدان، وكانت الدراهم قبل الإسلام مختلفة الأوزان في البلدان، فمنها :
البَغْلى، وهو ثمانية دَوَانق ، والطبري وهو أربعة دوانق.
وكانوا يستعملونها مناصفة، مائة بغلية ومائة طبرية. فكان في المائتين منها خمسة دراهم
زكاة، فلما كان زمن بنى أمية قالوا: إن ضَربنا البغلية ظن الناس أن هذه التى تجب فيها الزكاة
المشروعة فيضُرُّ ذلك بالفقراء (٤).
وإن ضَرَبنا الطبرية، أضَرَّ أربابَ الأموال، فجمعوا الدراهم البغلي والطبري، وجعلوهما
درهمین كل درهم : ستة دوانق .
وأما الدنانير فكانت تُحمل إليهم من بلاد الروم، فلما أراد عبد الملك بن مروان ضَرْب
(١) هو الإمام المحدث حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستى الخطابى، من ولد زيد بن الخطاب صاحب كتاب
(معالم السنن) توفى سنة ٣٨٨ هـ.
(٢) مختصر سنن أبي داود (٥ : ١٣).
(٣) ما بين الحاصرتين عن مختصر سنن أبي داود (٥ : ١٣).
(٤) ما بين الحاصرتين هى عبارة الخطابي فى مختصر السنن (٥: ١٣) وفى ز، م (( ... أنها التي تعتبر الزكاة فيها)).
١٣

الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلا
حبّة، وأن كل عشرة من الدراهم سبعةُ مثاقيل فضربها، انتهى كلام الخطابي (١).
قال الماوردى (٢) في الأحكام السلطانية: استقر في الإسلام أن وزن الدرهم ستة على كل
عشرة سبعة مثاقيل، واختلف فى سبب استقرارها على هذا الوزن، فقيل: كانت فى الفُرس
ثلاثة أوزان . منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا ، ودرهم اثنا عشر ، ودرهم
عشرة. فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره [فى الزكاة] (٣)، أُخذ الوسط من جميع الأوزان
الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطا من قراريط المثقال [فكان أربعة عشر قيراطا]، وقيل: إن
عمر بن الخطاب رأى الدراهم مختلفة، منها البَغْلى (٤) ثمانية دوانيق، والطبري أربعة.
دوانيق، [والمغربى ثلاثة دوانيق] (٥)، واليمنى دانق واحد، فقال: انظروا أغلب ما يتعامل
الناس به، من أعلاها وأدناها، فكان البغلىَّ والطبريَّ، فجمعهما، فكانا اثنى عشر دانقا،
فأخذ نصفها، فكان ستة دوانيق (٦)، فجعله درهم الإسلام.
واختلف فى أول من ضربها فى الإسلام، فحكى عن سعيد بن المسيب: أن أول من
ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان .
١
قال أبو الزناد: (٧) أمر عبد الملك بضربها فى العراق، سنة أربع، وسبعين من الهجرة،
وقال ابن المدائنى: بل ضربها فى آخر سنة خمس وسبعين، ثم أمر بضربها فى النواحى سنة
ست وسبعين .
(١) راجع تفصيل ما تقدم في مختصر سنن أبي داود ( ٥ : ١٣) .
(٢) الماوردى: هو أبو الحسن بن محمد بن حبيب البغدادى (ت ٤٥٠ هـ).
(٣) انظر تفصيل ذلك فى الأحكام السلطانية ص ١٥٣ .
(٤) منسوب إلى ملك يقال له رأس البغل (عمدة القارى (٨: ٢٥٨).
(٥) ما بين المعكوفين زيادة من الأحكام السلطانية ص ١٥٣ .
(٦) جمع الدانق : دوانق ودوانيق .
(٧) قبله فى الأحكام السلطانية (١: ١٥٤): ((قال سعيد بن المسيب: إن أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن
مروان، فكانت الدنانير ترد رومية، والدراهم ترد كسروية وحميرية قليلة. قال أبو الزناد ... )).
١٤

قال وقيل : أولْ من ضربها مُصْعَب بن الزُّبير، بأمر أخيه عبدِ الله بن الزبير سنة سبعين على
ضرب الأكاسرة، ثم غيرها الحَجَّاج. انتهى كلام الماوردى .
وقال القاضى عياض (١): لايصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة فى زمن رسول
الله ◌َّ، وهو يوجب الزكاة في أعداد منها، وتقع بها المبايعات والأنكحة، كما ثبت فى
الأحاديث الصحيحة. قال: هذا يبين فى الأحاديث (٢) أن قول من زعم - أن الدراهم لم تكن
معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان، وأنه جمعها برأى العلماء، وجعل كل عشرة دراهم
سبعة مثاقيل، ووزنَ الدرهم ستةَ دوانق - قولٌ باطل (٣)، وأن معنى ما نقل من ذلك، أنه لم
يكن منها شيء من ضَرْب الإسلام، وعلى صفة لا تختلف. بل كانت مجموعات من ضَرْب
فارس والروم، صغارا وكبارا، وقطعَ فضة غير مضروبة ولا منقوشة، ويمنيةً ومغربية، فرأى
ضَربها في الإسلام ونقشها وتصييرها وزنا واحدا، وأعيانا، يستغني فيها عن الوزَّانين، فجمعوا
أكبرها وأصغرها، وضربوه على وزنهم .
وقال الرافعى (٤) : أجمع أهل العصر الأول على التقدير على هذا الوزن، وهو أن الدرهم
سة دوانق، كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ولم يتغير المثقال فى الجاهلية ولا الإسلام.
وقال النووى فى المهذَّب الصحيح ((الذى يتعين اعتماده واعتداده، أن الدراهم المطلقة
فى زمن رسول الله وَلَّ، كانت معلومة الوزن، معروفة المقدار، وهى السابقة إلى الأفهام عند
الإطلاق، وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق، والمقادير الشرعية .
ولا يمنع من هذا كونُّه كان هناك دراهمٌ أخرى، أقل أو أكثر من هذا القدر ، فإطلاق
النبى ◌َّ الدراهم محمولٌ على المفهوم عند الإطلاق، وهو كل درهم ستة دَوانق، وكل عشرة
سبعة مثاقيل)) .
(١) هو الإمام أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبى المالكى (ولدسنة ٤٧٦ هـ وتوفى سنة ٥٤٤ هـ) (وفيات الأعيان
١ : ٣٩٢) .
(٢) هذه الكلمة سقطت فى ز .
(٣) عن الأحكام السلطانية - والعبارة (قول باطل) خبر لأنَّ فى قوله (أن قول من زعم ... ).
(٤) هو الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعى القزوينى صاحب (فتح العزيز فى شرح الوجيز للغزالى (ولد
سنة ٥٥٧ وتوفى سنة ٦٢٣ هـ).
/
١٥

وأجمع أهل العصر الأول فَمَنْ بعدهم إلى يومنا هذا على هذا (١)، ولا يجوز أن يجمعوا
على خلاف ما كان فى زمن رسول الله ◌َ لا وخلفائه الراشدين.
وأما مقدار الدرهم والدينار، فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق (٢) ، فى كتاب
الأحكام: قال ابن حزم: (٣) «بحثت غاية البحث عمن(٤) وثقت بتمييزه، فكلٌّ اتفق على أن
دينار الذهب بمكة وزنه ثنتان وثمانون حبّة وثلاثة أعشار حبَّة من حب الشعير المطلق،
والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم المكِّ سبع وخمسون حبَّة وستة أعشار حبة،
والرطل مائة درهم، وثمانية وعشرون درهما بالدراهم المذكورة))، هذا كلام ابن حزم.
قال النووى بعد إيراده فى شرح المهذب: وقال غير هؤلاء وزن الرطل البغدادى مائة
وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وهو تسعون مثقالا، انتهى.
قال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر الواقدى، حدثنا عبد الرحمن بن
الزِّياد، حدثنا عبد الرحمن عن أبيه قال: ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم سنة
خمس وسبعين، وهو أول من أحدث ضَرْبها ونقش عليها .
وفى الأوائل للعسكرى أنه نقش عليها اسمه .
وأخرج ابن عساكر فى تاريخه من طريق الحميدى، عن سفيان قال: سمعت أبي يقول:
أول من وضع وزن سبعة، الحارث بن ربيعة، يعنى العشرة عددا سبعة وزنا. وأخرج ابن
عساكر عن مغيرة، قال: أول من ضرب الدراهم الزيوف (٥) عبد الله بن زياد وهو قاتل
الحسين .
(١) سقطت الكلمة من م .
(٢) هو عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدى الإشبيلى (المعروف بابن الخراط) ومن كتبه الأحكام الصغرى،
والأحكام الشرعية، والأحكام الوسطى ( توفى سنة ٥٨١ هـ انظر فوات الوفيات ١ : ٢٤٨).
(٣) ابن حزم: هو على بن أحمد بن سعيد الأموى المشهور بابن حزم. توفى سنة ٤٥٦ هـ (نفح الطيب ١: ٣٦٤).
(٤) هذه رواية (م) وفى (ز) ((من)).
(٥) الزَّيف من وصف الدراهم. يقال: زاف الدرهم زيوفا: رَؤُؤْ فهو زائف (اللسان) وفى نسخة م ((الزيون)) تحريف.
١٦

وفى تاريخ الذهبى أول من ضرب الدراهم فى بلاد العرب عبد الرحمن بن الحكم الأموى،
القائم بالأندلس، فى القرن الثالث، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم
المشرق .
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر قال: القنطار خمسة عشر ألف مثقال،
والمثقال أربعة وعشرون قيراطا .
وأخرج ابن جرير فى تفسيره عن السُّدى فى قوله تعالى: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ (١) يعنى
المضروبة حين صارت دنانير(٢) أو دراهم .
تنبيه
فی بیان غریب ما سبق
الوزن : بواو مفتوحة فزای ساكنة .
الدانق : بدال مهملة فألف فنون فقاف : سدس الدينار والدرهم.
البغلية : بموحدة مفتوحة فغين معجمة ساكنة فلام فتحتية فتاء تأنيث .
الطبرية : [ الدراهم الطبرية ، تقدم الحديث عنها ] .
القيراط : من الوزن معروف وهو نصف دانق .
الحبة : بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين .
الحنطة : والشعير وغيرهما .
المثقال : بميم مكسورة فمثلثة ساكنة فقاف .
الدرهم والدينار .
(١) الآية ١٤ من سورة آل عمران.
(٢) من أراد مزيدا فى معرفة النقود فليرجع إلى ما ورد فى الأحكام السلطانية للماوردى (ص ١٥٣) ومقدمة ابن خلدون
(فصل السكة ص ٢٠٦ )
١٧
(٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٩)

الباب الثانى
في شرائه وبيعه ◌َّ وفيه أنواع
الأول : فى بيعه.
روى البخارى عن جابر رضى الله تعالى عنه، قال: بلغ رسول الله وَطهور، أن رجلا من
أصحابه أعتق غلاما له من دُبُر (١) ولم یکن له مال غَیْرُهُ، فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل ثمنه
إليه .
وروى مسلم والأربعة عنه قال: جاء عبد فبايع رسول الله ولو على الهجرة، ولم يشعر وَل
أنه عبد، فجاء سیده یُریده، فقال رسول الله ێر: بِعْنیه، فاشتراه بعبدین أسودين (٢) ، ثم لم
يبايع أحدا بعد ذلك حتى سأله، أعبدٌ هو ؟
وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة ، والدارقطنى، عن عبد المجيد بن وهب
رحمه الله تعالى قال: قال لى العدَّاء بن خالد رضى الله تعالى عنه: أَلاَ أُقرتُك كتابا كتبه رسول
اللهِ وََّ، «هذا مَا اشترى العداءُ بنُ خالد (٣) بِنْ هَوْذة من محمد رسول الله وَّل، اشترى منه
عبدا أو أَمَة، لا دَاءَ (٤) ولا غائِلَةَ، (٥) ولا خِبْئَةَ (٦) بَيْعَ المُسلم للمسلم)" .
الثاني فى ذكر بَرِّ اشتراه ◌َّ .
وروى الأربعة وصححه الترمذى، عن سُويد بن قيس رضى الله تعالى عنه، قال: جَلبتُ
(١) السيل الجرار (٣: ٣٨٦) وصحيح البخاري (٤: ٢٠١)، (٤: ٩٤) ومعنى (عن دبُر) أى جعله عتيقا بعد وفاته وكان
الرجل مدينا. والمدبّر هنا هو يعقوب أعتقه سيده أبو مذكور وكان عليه دين فباعه الرسول فى سداد الدين لأنه لم يكن
له مال غير هذا العبد.
(٢) سنن أبى داود (٣: ٢٥١).
(٣) سنن ابن ماجه (٢: ٧٥٦) وصحيح البخاري (٤: ٢١).
(٤) الداء: العيب الباطن فى السلعة الذى لم يطلع عليه المشترى .
(٥) الغائلة: قال فى النهاية : الغائلة : أن يكون مسروقا.
(٦) الخبثة: قال فى اللسان (خبث) أراد بالخبثة الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب.
٢٠
٫١٨
مے
١

أنا ومَخْرمةُ العبدى بَزَّاً من هَجَر، فجاءنا رسول الله وَلَرَ فَسَاوَمنا فى شراء (١) سراويل، وعندنا
وَزَّانٌ، يَزْن بالأجْر، فقال النبي ◌َّ للوزان: ((ياوزَّانِ زِنْ وأرجِحْ)) (٢) .
وروى الإمام أحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي، عن أبي صفوان مالك بن عميرة، رضی
الله تعالى عنه، قال: أتيت رسول الله وَ﴿، قبل أن يهاجر، فاشترى مِنِّی رِجْلَ (٣) سراويل،
وأرجح لى .
وروى الطبرانى برجال ثقات، والإمام أحمد وأبو داود، عن ابن عباس رضى الله تعالى
عنهما أن رسول الله وََّ، اشتَرَى عِيرًا قَدِمت فربح فيها أوقية من ذهب، فتصدق بها على
أرامل بنى عبد المطلب، وقال: ((لا أشترى شيئا ليس عندى ثمنه (٤))).
ورُوى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما، قال: كنت مع رسول الله وَظاهر، وكنت على
جمل .
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، وعبد بن حميد، والحاكم عن عائشة رضى الله تعالى
عنها، قالت: ابتاع رسول الله وَل ـ من رجل من الأعراب جَزورا أو جزائر (٥) بتمر من تمر
الذخيرة. وتمر الذَّخيرة: العجوة (٦) فرجع رسول الله چل ـ إلى بيته، فالتمس له التمر فلم
یجده، فخرج إلیه رسول الله پ# فقال له: يا عبد الله إنا قد ابتعنا منك جزورا أو جزائر بوسق
من تمر الذخائر ، فالتمسناه فلم نجده، فقال الأعرابى: وَاغَذْراه فَنَهْنَهه (٧) الناس، فقالوا :.
٠
(١) سنن ابن ماجة (٢ : ١١٨٥)
(٢) الحديث فى سنن ابن ماجه (٢: ٧٤٨) وفيه اختلاف فى بعض ألفاظه ((وكلمة یاوزان)) من سنن ابن ماجه.
(٣) فى اللسان (رجل) الرِّجْل: السراويل الطاق ومنه الخبر عن النبي وقال أنه اشترى رجل سراويل. وقال ابن الأثير: هذا
كما يقال: اشترى زوج خف وزوج نعل وإنما هما زوجان. يريد رِجْلی سراويل لأن السراويل من لباس الرّجلین.
وبعضھم یسمی السراويل ڕِ جلا.
(٤) مختصر سنن أبي داود (٥٥: ١٧) وما بين المعكوفين عنه.
(٥) جزائر جمع جزور. وفى معجم الزوائد (٤: ١٣٩) (ابتاع رسول الله ﴾ من رجل من الأعراب جزورا أو جزائر بوسق من
تمر الذخيرة .
(٦) العجوة: نوع من أجود تمر المدينة ونخلتها تسمى اللينة (اللسان).
(٧) فى ز، م ((فتهمته)) تحريف والصواب ما اثبتنا، يقال: نهنهت فلانا إذا زجرته فتنهنه أى كففته فكف (اللسان)
١٩

قاتلك الله، أيغدٍر رسول الله وَّ؟ وفى لفظ، بل أنت يا عدو الله أَغدَرُ، فقال رسول الله وَلَه :
(«دعوه فإن لصاحب الحق مقالا (١))). ثم عاد له رسول الله وَله، فقال: يا عبد الله إنا ابتعنا
جزائرك ونحن نظن أن عندنا ما سميناه لك، فالتمسناه فلم نجده، فقال الأعرابى واغدراه،
فردد ذلك رسول الله وَل مرتين أو ثلاثا.
فلما رآه لا يفقه عنه، قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خَوْلَة بنت حكيم، فقل لها: إن
· كان عندك وَسْقُ تمرٍ من تمر الذخيرة فأسْلِفينا حتى نؤديه إليْكِ، إن شاء الله، فذهب إليها
الرجل، ثم رجع فقال: قالت: نعم هو عندى يا رسول الله، فابعث من يقبضُه، فقال رسول
الله وَله: اذهب به فأوفِه الذى له، فذهب (٢) فأوفاه الذى له، فمر الأعرابى برسول الله وَل
وهو جالس فى أصحابه فقال: جزاك الله خيرا فقد أوفيت وأعطيت، وأطْيَبْت، فقال
رسول الله وَّ: خيارُ عباد الله الموفون المطيّبون (٣).
الثالث: فى اختياره ◌َل موضع السوق.
وروى الطبرانى من طريق الحسن بن على بن الحسن بن أبى الحسن البراد فيحرر
رجاله(٤)، عن ابن أُسيد - رضى الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله - وَّر - فقال: بأبى
أنت وأمي يا رسول الله، إنى قد رأيت موضعا للسوق، أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، فقام معه
حتى جاء موضع السوق، فلما جاءه أعجبه وركله برجله، وقال: «نِعْم سوقُكم فلا يُنْقضنَّ،
ولا يُضْرَبنَّ علیکم خراج)).
.(١) مجمع الزوائد (٤ : ١٣٩).
(٢) کلمة «فذهب» عن ز .
(٣) مجمع الزوائد (٤: ١٤١) ولفظ الحديث فيه (أولئك خيار عباد الله عند الله الموفون المطيّبون). ولعل ما جاء فى
اللسان (طيب وخلف) ما يوضح لفظ ((المطيبون)). قال: فى مادة (طيب) وفى الحديث: شهدت ــ غلاما - مع
عمومتى حلف المطيبين. قال اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم فى دار ابن جدعان فى الجاهلية وجعلوا طيبا فى جفنة
وغمسوا أيديهم على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المطبّين .
وقد ذكر ذلك مستوفی فی مادة (حلف).
وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفا آخر مؤكداً على ألا يتخاذلوا فسموا (الأحلاف) ... ثم يقول اللسان: ((وكان
عليه السلام وأبو بكر من المطيّين، وكان عمر من الأحلاف)).
(٤) سند الحديث فى سنن ابن ماجه (٢: ٧٥١) «حدثنى محمد وعلى. أنبانا الحسن بن أبي الحسن البراد أن الزبير بن
المنذر بن أبى أسيد الساعدى حدثهما أن أباه المنذر حدثه عن أبي أسيد : أن أبا أسيد حدثه ... )).
٢٠