Indexed OCR Text

Pages 521-540

مجُمَاع أَبوَاب سيرته
صَلى الله عليه وسَلم
فى سيَرَتِه وَخَصَال الفطرة

الباب الأول
فى خاتمه صلى الله عليه وسلم ، وفيه أنواع غير ما تقدم
الأول : الفضة (١).
٠
روى الإمام أحمد والشيخان وابن سعد والْبَرْقَانى عن أنس رضى الله تعالى عنه قال :
كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ، أَو إلى الروم ، ولم يختمه ، فقيل له :
إن كتابك لا يقرأ إلا أن يكون مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة فنقشه، ونقش ((محمد
رسول الله)) فكأَّنى أنظر إلى بياضه فى يد رسول الله / صلى الله عليه وسلم .
٠
٠١١٢٨
وروى ابن سعد عنه قال ((اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه كله من فضة،
وقال : لا يصنع أحد على صفته .
وروى الإمام أحمد والبخارى وابن سعد عنه قال : كان خاتم رسول الله صلى الله عليه
وسلم من فضة منه ، زاد ابن سعد : قال زهير: فسأَلت حُميْدا عن الفص كيف هو ؟
فأخبرنى أنه لا يدرى كيف هو ؟
وروى ابن سعد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال : اتخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم خاتماً من فضة نقش فيه محمد رسول الله ، فجعل فصه فى بطن كفه .
وروى ابن سعد من طريق عبد الله بن وهب عن أسامة بن زُمَيْل عن محمد بن عبد الله
إبن عمرو بن عثمان أن معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه لما قدم من اليمن حين بعثه
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها قدم وفى يده خاتم من ورق [نقشه](٢) ((محمد رسول الله))
(١) هنا عبارة: صلى الله عليه وسلم وهى فى غير موضعها.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
- ٥٢٣ -

--
صلى الله عليه وسلم [فقال](١): ما هذا الخاتم؟ قال: يا رسول الله إنى كنت أكتب إلى
الناس، فَأَفْرَقُ أَن يزاد فيها ، وينقص منها ، فاتخذت خاتماً أُختم به قال : وما نقشه ؟
قال: ((محمد رسول الله)) صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم
آمن كل شىء من معاذ حتى خاتمه، ثم أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتختمه .
وروى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو غالب بن الْبَنَّاءُ ، أَخبرنا أَبو محمد الجوهرى ،
أخبرنا أبو الحسن ابن عساكر عن على بن محمد بن لُولُو(٢)، أخبرنا أحمد بن الوليد
الأُزدى ، حدثنا الهيثم بن عدى ، حدثنا يونس بن يزيد عن الزهرى قال : حدثنى أَنس
ابن مالك أن معاذ بن جبل رضى الله عنه بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاتم
من الیمن ، من ورِق فصه حبشی ، فکتب علیه «محمد رسول الله )) فكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يتختم به ، ويختم به أبو بكر ، ويختم به عمر ، ويتختم به عثمان ست(٣)
سنين من إمارته، فبينا هو على بئر أَرِيس [إذ] [سقط](٤) من يده فترحت إليه فلم
يوجد ، قلت : قوله : بعث به أقرب إلى الصواب لأَن معاذا لم يقدم من اليمن إلا بعد
موت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن سعد عن عُبيد الله بن عمر عن نافع عن أَبيه عمر رضى الله تعالى عنهما
قال : اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من وَرِق ، فكان فى يده ثم كان فى يد
آبی بکر بعدہ ، ثم کان فی ید عمر بعده ، ثم کان فی ید عثمان ، حتى وقع فى بئر أُریس
نقشه ((محمد رسول الله )).
الثانى : فى خاتمه صلى الله عليه وسلم الفضة الذى كان فصه منه .
روى أبو داود والنَّسائى عن أنس رضى الله تعالى عنه قال : كان خاتم رسول الله
صلى الله عليه وسلم فضة قصه منه .
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) هو على بن محمد بن أحمد بن لولو الوراق: ميزان الاعتدال ١٥٤/٣.
(٣) انظر ص ٥١٣، ص ٥٣٠ .
(٤) زيادة يقتضيها السياق وهى من الحديث التالى ..
- ٥٢٤ -

وروى/ ابن عدِىّ عن(١) ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
اتخذ خاتماً من فضة فصه منه فكان يلبسه فى خنصره اليسرى ، ويجعل فصه مما يلى كفه .
الثالث: فى نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم .
روى البخارى عن أنس رضى الله تعالى عنه أن أبا بكر رضى الله تعالى عنه لما استخلف
بعثه ، وكتب له هذا الكتاب ، وختمه بخاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان نقش
الخاتم ثلاثة أسطر : محمد سطر ، ورسول سطر ، والله سطر .
وروى ابن سعد عن بن سِيرِين(٢) قال: كان فى خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ((باسم
الله محمد رسول الله))، قال الحافظ رحمه الله تعالى : ولم يتابع على هذه الزيادة .
وروى أبو الشيخ من طريق عَرُوة بن السَّرية عن أنس رضى الله تعالى عنه قال : كان
فص خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم حَبَشِيا، مكتوباً عليه ((لا إله إلا الله محمد
رسول الله))، قال الحافظ وهذه زيادة شاذة .
وروى ابن سعد عن أبى العالية(٣) قال: كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(صدق الله )) ثم أَلحق الخلفاءُ بَعْدُ ((محمد رسول الله)).
الرابع : فى نهيه صلى الله عليه وسلم أن ينقش أحد خاتمه على نقش خاتم رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
روى البخارى عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ
خاتماً من فضة نقش فيه ((محمد رسول الله))، وقال : إنى اتخذت خاتماً من وَرق ، فلا
ينقش أَحد نقشه .
(١) عن ابن عدى انظر ص ٢٧٢ .
(٢) عن محمد بن سيرين انظر ص ٣٤١.
(٣) لايعرف اسم أبى العالية المزنى ولا نسبه؛ الإصابة ١٢٣/٤.
- ٥٢٥ -

وروى النسائى عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اتخذ حَلْقَه من
فضة فقال : من أراد أَن يَصُوغ عليه فليفعل ، ولا تنقشوا على نقشه .
وروى ابن سعد عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع خاتماً فقال : إنا قد
اصطنعنا خاتماً ، ونقشنا نقشاً ، فلا ينقش أحد عليه .
الخامس : فى معرفة من صنع خاتم النبي صلى الله عليه وسلم .
روى أبو الحسن على بن محمد بن بشر أَن الدَّارِقُطْنى فى الأَفْرَاد عن يَعْلَى بن مُنْيَةٍ (١)
قال أنا صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم خاتما لم يشركنى فيه أحد ، نقش فيه ((محمد
رسول الله)) صلى الله عليه وسلم ؛ قال الحافظ فيستفاد منه إسم الذى صاغ الخاتم .
السادس : فيما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له خاتم يتختم به فيه
تمثال أسد .
روى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل أنه أُخرج خاتماً فزعم
أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتختم به فيه تمثال أسد .
السابع: فى خاتمه / الحديد الملوى عليه فضة .
١١٢٩
روى أبو داود والنسائى بسند جيد وله شواهد عند ابن سعد ، وابن سعد عن إبراهيم
رحمه الله تعالى عن مُعَيْقِب رضى الله تعالى عنه قال : كان خاتم رسول الله صلى الله عليه
وسلم من حديد ملوى عليه فضة ، قال: فربما كان فى يدى، وقال ! وكان مُعَيْقِب(٢)
على خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى أنه كان أمينا عليه .
وروى ابن سعد عن مكحول قال : كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديد
ملوى عليه فضة ، غير أن فصه بادٍ .
(١) اسمه يعلى بن أمية بن أبى عبيدة التميمى حليف قريش، ومنية أمه أو أم أبيه: الإصابة ٦٦٨/٣.
(٢) هو معيقب أو معيقيب بن أبى فاطمة الدوسى حليف بنى أمية، أسهم قديماً وشهد بيعة الرضوان: الإصابة ٤٥١/٣.
- ٥٢٦ -

وروى أيضاً وابن أبى خَيْئمَة عن إسحاق بن سعيد عن أبيه عن خالد بن سعيد قال :
[إِنه] أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يده خاتم له فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم : مَا هذا الخاتم ؟ فقال : خاتم اتخذته ، فقال: اطرحه إلىّ فطرحته ، فإذا
هو خاتم من حديد علوى عليه فضة، فقال ما نَقْشتُه ؟ فقال: ((محمد رسول الله)) فأخذه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذى كان فى يده .
:
وروى ابن سعد قال أخبرنا أحمد بن محمد الأَزْرَق الْمَكِّى، حدثنا عمرو بن يحيى
ابن سعيد القرشى عن جده قال : دخل عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا الخاتم فى يدك يا عمرو ؟ فقال : هذه
حَلْقة يا رسول الله [قال] فما نقشها ؟ قال محمد رسول الله ، فأخذه رسول الله صلى الله
عليه وسلم فتختمه ، فكان فى يده حتى قبض ، ثم فى يد أبى بكر رضى الله تعالى عنه
حتى قبض ثم [فى] يد عمر رضى الله عنه حتى قبض ، ثم لبسه عثمان رضى الله عنه فبينا
هو جالس على شفتها(١) يأمر بحفرها إذ سقط الخاتم ، وكان عثمان يكثر إخراج خاتمه
من يده وإدخاله ، فالتمسوه فلم يقدروا عليه .
الثامن : فى خاتمه الفضة الذى قصه حبشى(٢).
روى مسلم ، وأبو داود ، والتِّرْمذِى، والنِّسَائى عن أنس رضى الله عنه قال : كان
خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من وَرِق ، وكان فصه حَبَشِيا .
وروى ابن مَاجَة عن أنس قال : لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم فضة ،
فيه فص حبشى ، كان يجعل فصه فى بطن كفه .
وزوى أبو القاسم الْبَغَوى ، وابن عساكر عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ
خاتما من وَرِق، له فص حَبَشِىّ، ونقشه ((محمد رسول الله).
(١) المراد حافة بتر أدبس: انظر خلاصة الوفا السمهودى ص ٤٤٥ - ٤٤٦، وانظر ص ٥٢٤ من هذا الكتاب.
(٢) يقول المؤلف ص ٥٣١: إن هذا الفص كان حجرا من بلاد الحبشة أو على لون الحبشة، أو كان جزءاً أو عقيقاً
أتى به من بلاد الحبشة، ويحتمل أنه نسب الحبشة لصفة فيه إما الصنعة وإما النقش، والأول أظهر واقه تعالى أعلم)».
- ٥٢٧ -

---
وروى أبو يَعْلَى عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً من فضة فى يمينه ،
فيه فص حبشى ، كان يجعل فصه فى بطن كفه .
١٢٩ ب
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن على بن زيد قال : قال أنس بن . لك : حدثنى/
ابنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يلبس الخاتم ، ويجعل فصه من غيره .
قلت : وهو حديث غريب تضمن شيئين غريبين : أحدهما : رواية الأَب عن ابنه .
الثانى : رواية الرجل عمن يروى عن نفسه .
التاسع : فى اتخاذه صلى الله عليه وسلم خاتما من حديد، ثم من نحاس أصفر ، ثم
طرحه لهما .
روى ابن عَدِىّ من طريق خالد بن النَّضْرِ الْقُرَشى عن محمد بن موسى الْحَرشِىّ عن
عبد الله بن عيسى بن خالد عن داود بن أبى هند عن عِكْرِمة(١) عن ابن عباس رضى الله
تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتاباً إِلى الأَعَاجِم ، يدعوهم
إلى الله تعالى فقال رجل : يا رسول الله: إنهم لا يقرُون كتاباً إلا مختوماً، فأَمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يعمل له خاتم ، فعمل فه خاتم من حديد ، فجاء جبريل عليه
السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أَنبذه من أصبعك ، فنبذه من أُصبعه ، وأَمر
بخاتم آخر يصاغ له فعمل له خاتم من نحاس ، فجعله فى أصبعه ، فقال له جبريل :
أنبذه من أصبعك فنبذه ، وأَمر بخاتم يصاغ له من وَرَق ، فجعله فى أصبعه ، فأَقْره
جبريل عليه السلام . الحديث
(١) من عكرمة انظر ص ٣٧.
- ٥٢٨ -

تَبْيَهَاتٌ
الأول: قال العراقى لم ينقل [ كيف](١) كانت صفة الخاتم أَمُرَبّعاً أَم مُثَلّئا
أَم مُكَوَّرا ؟ إلا أن التربيع أقرب إلى النقش فيه، وحُمَيد الراوى للحديث سئل عن
ذلك ، فلم يدر كيف كان ، رواه أبو الشيخ فى الأخلاق النبوية .
الثانى : ما روى ابن سعد عن أحمد بن محمد بن الوليد الأَزْرَقى حدثنا عَطَّاف بن
خالد عن عبد الأَعلى بن أبى فَرْوَةَ(٢) عن سعيد بن المُسَيب قال: ما تختم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا عمر حتى لقى الله تعالى .
وروى البَزَّارُ والطَّبَرانى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال : لم يكن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ، ولا عمر ، يلبسون خواتيمهم حتى قدم أَبانٌ(٣) على
عمر رضى الله عنه بعد [ أن ] كانوا يتخذونها ، ولا يلبسونها - رجاله رجال الصحيح
غير ابن لَهِيعة (٤) .
قال أبو الحسن الهيْئَمى : وهو وإن كان حسن الحديث ما يحتمل هذا منه ، كما
خالف فيه الإثبات الذين رووا عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يلبس
الخاتم .
وروى الطبرانى برجال الصحيح غير ابن لهيعة(٤) عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما
قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر [ ولا عمر ](٥) يلبسون الخواتم ،
. (١) زيادة يقتضيها السياق.
,،%
(٢) أبو فروة هو يزيد بن سنان بن يزيد التميمى الجزرى الرهاوى ت ١٥٥ ه، وحفيده أيضاً يزيد بن محمد بنيزيد
ابن سنان : انظر تهذيب التهذيب ٣٣٥/١١ - ٠٣٣٦
(٣) هو أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى ت ٢٧ هـ: انظر الإصابة ١٤/١.
. (٤) عن ابن لهيعة انظر ٥١٨.
(٥) هذه الزيادة من نفس الصفحة وهى تتناسب وسياق الحديث.
- ٥٢٩ -
٣٤١ - سبل الهدى والرشاد ج ٧ )

ولا يطبعون كتاباً حتى كتب زياد بن أبى سفيان إلى عمر : إنك تكتب إلينا بأشياء
١٣٠ أ ما نجد لها طوابع ، فاتخذ عند ذلك / خاتماً فطبع به .
قال المَيْئَمى: وهو مخالف للأحاديث الصحيحة .
الثالث: قال بعض العلماء: كان فى خاتمه صلى الله عليه وسلم من السِّر شىء، كما
كان فى خاتم سليمان عليه السلام ، لما فقد خاتمه ذهب ملكه ، وعثمان رضى الله عنه لما فقد
خاتم النبي صلى الله عليه وسلم انتقض عليه الأمر ، وخرج عليه الخارجون ، وكان ذلك
ابتداء الفتنة التى أفضت إلى قتله ، واتصلت إلى آخر الزمان(١) .
-
الرابع : قال الحافظ : ونسبة سقوط الخاتم من عثمان رضى الله تعالى عنه مَجَازية ،
وإِنما سقط من يد مُعَيْقِيب(٢) فقد أَخرج النَّسائى عن نافع ، وقال فيه: وكان فى يد عثمان
ست(٣) سنين من عمله، فلما كثر عليه الفتن دفعه إلى رجل من الأنصار ، كان يختتم
به ، فخرج الأَنْصَارى إلى قَلِيب (٤) لعثمان فسقط منه فلم يوجد ، وفى رواية أيوب بن
موسى عن نافع عنه قال : وهو الذى سقط من مُعَيْقِيب فى بئر أريس .
الخامس : قال الحافظ : فى كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر كما تقدم ، ظاهره
أنه لم یکن فيه زيادة على ذلك ، وأنه على هذا الترتیب لکن لم تکن کتابته على الترتيب
العادى ، فإن ضرورة الإحتياج إلى أن يختم به يقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مئوية
ليطبع الختم مستوياً ، وأما قول بعض الشيوخ : إن كتابته كانت من فوق ، يعنى الجلالة
أَعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها ، فلم أر التصريح بذلك من شىء من الأحاديث ،
بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك ، فإنه قال : محمد سطر ، والسطر الثانى
رسول والثالث الله .
(١) عندنا الكثير مما قيل عن الفتنة فى عهد الخليفة عثمان بن عفان.
(٢) عن معيقيب انظر ص ٥٢٦ .
(٣) انظر ص ٥١٣ ٥٢٤١
(٤ ) القليب : البثر.
- ٥٣٠ -

السادس : قال الحافظ : لا تعارض بين حديث الخاتم الذى قصه حبثى ، والخاتم
الذى فصه منه لأَنّه إما أن يحمل على التعدد ، وحينئذ فمعنى قوله : حبشى أى كان
حجراً من بلاد الحبشة أو على لون الحبشة أو ، كان جَزَءاً (١) أَو عَقِيقاً لأن ذلك يؤتى
به من بلاد الحبشة ، ويحتمل أن يكون فصه منه ، ونسب إلى الحبشة لصفة فيه ،
إما الصناعة وإما النقش ، قلت : والأُول أَظهر، والله تعالى أعلم، لما قال البَيْهَقى : هذا
يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان له خاتمان، أَحدهما فَصُّهَ حَبَثى، والآخر فَصُّه
منه ، إن كان الزِّهْرِى(٢) حفظ حديث من وَرِقٍ، والأشبه بسائر الروايات أن الذى كان
قصه حبشيا هو الخاتم الذى اتخذه من ذهب ، ثم طرحه ، واتخذ خاتماً من وَرق انتهى ،
وذكر أنه لا يسمى خاتماً إلا إذا كان له فص ، فإن كان بلا فص فهو خَلْفة ، والفص :
مثلث الفاء كما ذكره ابن مالك رحمه الله تعالى فى مثلثه(٣).
السابع : ما رواه الأربعة (٤) وصححه ابن حِبّان عن عبد الله بن بُرَيْدَة عن أَبيه
وأخرجه الضُّياء(٥) فى المُخْتَارة برجال الصحيح إلا عبد الله بن مسلم المعروف بأَبى طَيْبَةٍ(٦)
قال الحافظ / فى التقريب: صَدُوق اتهم، وعلى كل حال فالحديث حسن كما أشار إليه ١٣٠ ب
الحافظ فى فتاويه عن بُرَيدَة بن الحُصَيْب، واللفظ للأربعة أن رجلا جاء إلى النبى
صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم مُشَبّه فقال: مالى أَرى عليك ريح الأصنام ؟ فطرحه ،
ثم جاء ، وعليه خاتم من حديد ، فقال : مالى أَرى عليك حلية أهل النار ؟ فقال :
يارسول الله من أى شىءٍ أتخذه ؟ قال: اتخذه من وَرق، ولا تتمه مثقالاً)) فإن كان
محفوظا حمل المنع على ما كان جديداً صرفاً .
(١) الجزع الخرز اليمانى فيه سواد وبياض، والعقيق خرز أحمر يكون بالين وبسواحل بحر رومية: انظر القاموس.
(٢) عن الزهرى انظر ص ٣٤.
(٣) يقصد كتاب: إكمال الأعلام بمثلث الكلام لابن مالك ت ٦٧٢ هـ: انظر طبقات السيكى ٣٨/٥ وفوات الوفيات
٠٢٢٧/٣
" (٤) عن الأربعة انظر ص ١٦٢.
(٥) عن الضياء انظر ص ٣٢٠.
(٦) هو عبد الله بن مسلم السلمى أبو طيبة المروزى: تهذيب التهذيب ٣٠/٦.
- ٥٣١ -

وقد قال التِّيفَاشِى فى كتاب الأحجار (١): خاتم الفولاذ مَطْرَدَة للشياطين إذا كان
عليه فضة ، فهذا يؤيد المُغَايرة فى الحكم ، والأصل فى النهى كونه للتحريم ، لأَن
الأصل فى استعمال الفضة للرجال التحريم، إلا ما رُخُصَ فيه، فإذا حُدّ فيه حدَّ وجب
الوقوف عنده، وبقى ما عداه على الأصلى لكن قال الحافظ العراقى فى شرح التِّرْمِذى
إن النهى فى قوله : ولا تتمه مثقالا محمول على التنزيه ، فيكره أن يبلغ به وزن مثقال ،
قال وفى رواية أبى داود عن الخَطَابى(٢): ولا تتمه مثقالا، ولا قيمة مثقال أَوَّلْتُ
هذه الزيادة أنه ربما وصف الخاتم بالنفاسة فى صنعته إلا أن تكون قيمته قيمة مثقال
فهو داخل فى النهى أيضاً انتهى .
وأفنى شيخ الإسلام سراج الدين العِبَادى بأنه يجوز أن يبلغ به مثقالا ، وإن ما زاد
عليه حرام ، وظاهر صنيع الشيخ سراج الدين بن العُلَقِّن(٣) فى شرح المنهاج يقتضيه.
وقال الأَزْرَقى : لم يتعرض أصحابنا رحمهم الله تعالى لمقدار الخاتم ، ولعلهم اكتفوا
بالعرف فما خرج عنه كان إسرافا ، والصواب الضبط بما نص عليه فى الحديث وليس
فى كلامهم ما يخالفه ، وقال ابن العماد(٤) فى النَّعَقَّبَات: وإذا جاز لبس الخاتم فشرطه
أن لا يبلغ به مثقالا انتهى .
:
(١) التيفاشى: هو شرف الدين أحمد بن يوسف القفصى ت ٦٥١ هـ انظر الأنساب السمعانى ١١٦/٣.
(٢) عن الخطابى انظر ص ٢٨١.
(٣) ابن الملقن هو عمر بن على بن أحمد الأنصارى ت ٨٠٤ هـ: الضوء اللامع ١٠٠/٦.
(٤) ابن العماد هو أحمد بن عماد بن يوسف ٨٠٨ هـ: انظر الضوء اللامع ٤٧/٢.
- ٥٣٢ -

الباب الثانى
فى استعماله صلى الله عليه وسلم الطيب ومحبته له وفيه أنواع
الأول : فى كراهته صلى الله عليه وسلم أن يوجد منه إلا ريح الطِّيب.
روى ابن عَدِىّ عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يكره أن يخرج إلى أصحابه يوجد منه إلا ريح طيبة .
وروى أبو نُعَيم عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره أن يخرج إلى
أصحابه تفِلَ (١) الريح ، وكان إذا كان فى آخر الليل مس طيبا .
وروى البَزَّار عن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
قام من الليل استنجى وتوضاً ، ثم بعث يطلب الطيب من رِبَاع نسائه(٢) ..
الثانى: فى كونه من سنن الأنبياء .
روى/ أبو الحسن بن الضحاك عن أبى أيوب الأنصارى رضى الله تعالى عنه قال: ١٣١ أ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَربع من سنن الأنبياء الختان والسواك والنّعطُّر
والنكاح .
وروى أبو بكر بن أبى خَيْئَمة عن مَلِيح بن عبد الله الأنصارى عن أبيه عن جده
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من سنن المرسلين الحَيَاء والحِلْم والحجامة
والتعطر والسُّواك .
(١) التفل ألا يتطيب فيوجد منه رائحة كريهة. الفائق فى غريب الحديث ١٥١/١ وانظر ص ٥٣٩.
(٢) الرباع جمع ربع وهو دار الإقامة: الفائق فى غريب الحديث ٣٢/٢.
- ٥٣٣ -

الثالث : فى أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرد الطيب ، وأمره بعدم رده .
روى البخارى والنسائى عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان لا يرد الطيب .
وروى الطَّالسى والبَزَّار وأبو يَعْلَى بسند حسن عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم عرض عليه طيب قط فرده .
وروى مسلم والنَّسائى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أَن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : من عُرِضَ عليه رَيْحَان فلا يرده ، فإنه خفيف الحمل طيب الريح .
وروى التِّرْمِذِىّ عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : ثلاثة لا ترد الوسادة والدُّهن والطيب(١) .
وروى الحارث مرسلا بسند حسن عن أبى عثمان(٢) رضى الله تعالى عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا ناول أحدكم ريحانا فلا يرده ، فإنه خرج من الجنة .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: إذا أتى أحدكم بالحلو فليأكل ولا يردها ، وإذا أتى أحدكم
بالرائحة الطيبة فليشمها .
الرابع : فى محبته صلى الله عليه وسلم للطيب وغيره من الرياحين .
وروى النَّسَائى عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
حُبِّبَ إِلى [ من ] دنياكم ثلاثٌ النساء والطيب، وجعل قرة عينى فى الصلاة .
(١) فى صحيح الترمذى: ثلاث لا ترد: الوسائد والدهن واللبن، الدهن يعنى به الطيب: ٢٣٧/١٠ باب الأدب ط
التازى ١٩٣٤ ومثل ذلك قال المؤلف نفسه ص ٣٨١.
(٢) هو أبو عثمان النهدى واسمه عبد الرحمن بن مل: انظر زاد المعاد ٩٢/١ ويقول الترمذى إنه أدرك زمن النبى
ولكنه لم يره ولم يسمع منه : ٢٣٧/١٠.
- ٥٣٤ -

وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعجبه من الدنيا ثَلاث الطعام ، والنساء ، والطيب ،! فأصاب اثنتين ، ولم
يصب واحدة - أصاب النساء والطيب ، ولم يصب الطعام .
وروى أيضاً برجال ثقات عن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يعجبه الفَاغِيَة .
وروى الطبرانى برجال الصحيح غير عبد الله بن الإمام أحمد ، وهو ثقة مأمون ،
عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سيد
ريحان أهل الجنة الحِنَّاء.
وروى الطبرانى بسند متماسك عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما / أن رسول الله صلى ١.
الله عليه وسلم أَّتى بورد الحناء فقال : يشبه ريحان الجنة .
. الخامس : فى استعمالِهِ صلى الله عليه وسلم الطيب وما كان يتطيب به .
روى النسائى ، وابن سعد عن محمد بن على رضى الله تعالى عنهما قال : سألت
عائشة رضى الله عنها : أَكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطيب ؟ قالت نعم بِذْكَاوَةِ
الطيب ، قلت : وما ذكاوة الطيب ؟ قالت المسك والعَنْبر .
وروى ابن أَبِى شَيْبة وأبو داود والنَّسَائِى وبَقِىُّ بن مخْلَد عن أنس رضى الله تعالى
عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سُكَّةُ(١) يتطيب منها .
وروى البخارى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : کنت أُطیب رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عنها قالت : لقد رأيت وَبِيصَ(٢) الطيب فى رأس ،
وفى رواية ، فى مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة وهو محرم .
(١) السك ضرب من الطيب يركب من مسك وغيره: انظر اللسان وتاج العروس.
(٢) وبيص: بريق : القاموس .
- ٥٣٥ -

وروى أيضاً عنها قالت: كنت أَطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما كنت
أقدر عليه قبل أن يحرم .
وروى الشيخان عنها قالت : كنت أَطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَنْضَح(١)
طيبا عند إحرامه .
وروى الحارث بن أبى أسامة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم قال : رأيت المسك
فى رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى البخارى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه
وسلم(٢) بِذرِيرَة فى حجة الوداع للحل والإحرام .
السادس : فى أن أطيب الطيب كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم المسك والعود .
قال فى زاد المَعَاد : كان أحب الطيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسك ، وكان
يعجبه الفَاغِيه وهو نَوْرِ الحِنَّاء .
وروى الثلاثة(٣) وابن سعد والنَّسائى عن أبى سعيد الخُدْرى رضى الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن امرأة من بنى إسرائيل اتخذت خاتماً من ذهب ،
وحشته مسكا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو أَطيب الطيب، ولفظ الثلاثة(٣) ،
وابن سعد أذكى المسك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أَوَ لَيْس من أَطيب
الطيب ؟
وروى ابن سعد عن عُبَيد بن جُرَيج قال : قلت لابن عمر : يا أبا عبد الرحمن
رأيتك تحب هذا الخَلُوق(٤)، فقال كان أحب الطيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
(١) فى م، ت يرتضخ انظر ص ٥٣٩ .
(٢) الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط انظر ص ٥٣٩
(٣) عن الثلاثة انظر ص ٣٣.
(٤) عن الخلوق انظر ص ٢٣١.
- ٥٣٦ -

وروى أبو القاسم البَغَوى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : كان أُحب الطيب
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العُود .
وروى ابن عَدِى عنها قالت: كان أحب الطيب إلى رسول الله صلى الله / عليه وسلم ١٣٢ أ
المسك والعود .
وروى أبو الحسن بن الضحاك عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان أحب
العود إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القَمَارِى(١) .
وروى مسلم والنسائى عن نافع قال : كان ابن عمر رضى الله تعالى عنهما إذا استجمر
استجمر بالأَلُوَّةِ(٢) غير مُطَرَّة، وبكافور يطرحه مع الأُّلُوَّة، ثم قالت : هكذا كان
يسْتَجْمر صلى الله عليه وسلم .
السابع : فى تطيبه صلى الله عليه وسلم بالغالية .
روى أبو الحسن بن صخر عن جابر رضى الله تعالى عنه قال : أَهدى النَّجاشى إِلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قارورة وكانت أول ما عملت له .
تَنْيَهَاتٌ
الأول : حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم جالساً ، فجاءَ رجل فى يده حُزْمَة من رَيْحَان ، فطرحها بين يديه ، فلم يمسها ،
ثم جاءَ رجل بحزمة من رَيْحان مَزْرَنْجُوش(٣) فطرحها بين يديه، فمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم يده فتناولها ، ثم شمها ، ثم قال : نعم الريحان ، نبت العرش ، وماؤه
شفاء من العين ، رواه أبو جعفر العُقَيْلِي من طريق يحيى بن عباد كذبوه .
(١) القمارى نوع من الطيب ينسب إلى موضع ببلاد الهند: انظر القاموس وتاج العروس.
(٢) الألوة العود يتبخر به، غير مطراة: غير مخلوطة بغيرها من الطيب: مختصر صحيح مسلم المنذرى ١٧٤/١.
(٣) نوع من الرياحين: انظر المعاجم اللغوية.
- ٥٣٧ -

وذكر ابن الجوزى حديثه فى الموضوعات ، وأقره الحافظ من بعده ، وحديث دينار
قال : أعجبنى حديث حدثنا [٥] رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال أعجبنى نبات
رأيته ليلة أُسْرِىَ بى نبات حول العرش وهو المَزْرَنْجُوش، وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا أتى بمَزْرَنْجُوش شمه وأحبه ، وقال رأيته نابتا حول العرش .
رواه من طريق دينار بن عبد الله وفى مسنده أيضاً أحمد بن محمد بن غالب غلام
خليل يعرف بوضع الحديث - أقر (١) بذلك - وحديث الحسن بن على رضى الله تعالى
عنهما قال : جاءنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالورد بكلتا يديه فلما أدنيته من أَنفى
قال : أما إنه سيد ريحان الجنة بعد الآس .
رواه أبو الحسن بن الضحاك من طريق قاسم بن أصْبَغ قال : حدثنا محمد بن غالب
حدثنا محمد بن يزيد الأَرْدى ، حدثنا محمد بن موسى البصرى قال : أخبرنا حاتم
ابن عبيد الله الأدبى قال : أخبرنى يحيى بن عبد الله بن إسحاق عن أبيه عن جده الحسن به
الثانى : قال الشيخ(٢) فى فتاويه فى حديث أنس رضى الله تعالى عنه: حبب إلى من
دنياكم ثلاث ، السابق : لما كان المقصود من سياق الحديث بيان ما أصابه النبي صلى
الله عليه وسلم من متاع الدنيا بأدبه كما قال فى الحديث الآخر : ما أصابنا من دنياكم
هذه إلا النساء ، ولما كان الذى حبب إليه من متاع الدنيا هو أفضلها وهو النساء بدليل
١٣٢ ب قوله فى الحديث / الآخر : الدنيا مَتَاع وخير مَتَاعِها المرأة الصالحة » ناسب أُن یضم إليه
أفضل الأُمور الدينية ، وذلك الصلاة ، فإنها أفضل العبادات بعد الإيمان ، فكان الحديث
على أسلوب البلاغة من جمعه بين أفضل أمور الدنيا ، وأَفضل أُمور الدين ، وفى ذلك
ضم الشىء إلى نظيره، وعبر فى أمر الدين بعبارة أَبلغ مما عبر فى أمر الدنيا، وحيث اقتصر
فى أمر الدنيا على مجرد التحبب ، وقال فى أمر الدين جعلت قرة عينى فى الصلاة ،
فإن فى قرة العين من التعظيم فى المحبة ما لا يخفى .
:
(١) قيل له: ما هذه الرقائق التى تحدث بها؟ قال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة)) انظر ميزان الاعتدال ١٤١/١
ط الحلبى .
(٢) يقصد المؤلف به الإمام السيوطى كما جاء فى مقدمة كتابه.
- ٥٣٨ -
:

الثالث: فى بيان غريب ما سبق :
تفل الريح : بمثناة فوقية مفتوحة ، ففاء مكسورة ، فلام ، من تفل بفتح المثناة
الفوقية ، وسكون الفاء : وهى الريح الكريمة .
يرتضح : بتحتية مفتوحة ، فراء ساكنة ، فمثناة فوقية مفتوحة ، فصاد فحاء
معجمتین(١) .
الذَّرِيرَة : بذال مفتوحة ، فراء مكسورة ، ثم أُخرى مفتوحة ، بينهما تحتية ساكنة ،
فتاء تأنيث : نوع من الطيب مجموع من أخلاط .
السُّكّة : بضم السين : نوع من الطيب معروف .
الاستجمار : التبخر ، وهو استعمال من المِجْمَرة التى توضع فيها النار والبخور .
الأَلُوّة : بفتح الهمزة ، وضمها : العود الذى يتبخر [ به ] .
المُطرَّة: هو العود المُطَرِّى أَى الطيب(٢) المُرَّبِّى والله تعالى أعلم .
(١) الكلمة هكذا بالأصل، وهى محرفة من: يتضح رائحته، وأصل التضح الرش، انظر لسان العرب ٦٢٠/٢،
٠٦٢،١٩/٣
(٢) الطيب المربى مثل المطير يتبخر به : لسان العرب:
- ٥٣٩ -

mr
-- --
الباب الثالث
فى خضابه صلى الله عليه وسلم وفيه نوعان
الاول : فی کونه خضب .
رواه الأمام أحمد عن أَبي(١) رمْثَة رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يختصب بالحِنَّاء والكَتَم (٧) .
ورواه النسائى بلفظ : أتيت أَنا ، وأبى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد
لَطَّخ لحيته بالحناء ، وفى رواية قد لطخ لحيته بالصفرة .
وروى يعقوب بن سفيان والحاكم عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعليه بُرْدَان أخضران ، وله شعر قد علاه الشيب ، وشيبه أحمر مخضوب بالحناء .
وروى البخارى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يخضب بالصفرة .
وروى يعقوب بن سفيان عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفر لحيته بالوَرْس(٣)
وروى الإمام أحمد والبخارى عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب قال : أرسلنى أَهلى
بقدح من ماء إلى أم سلمة رضى الله تعالى عنها فجاءت(٤) بجلجل من فضة فيه شعر من
(١) اختلف فى اسم أبى رمثة التيمى بن رفاعة وحيان وحبيب وحسحاس، وهو غير أبى رمثة البلوى: انظر الإصابة
٧٠/٤ .
(٢) الكتم: نبت يخلط بالحناء ويخضب به الشعر فيبقى لونه، انظر المادة فى لسان العرب وتاج العروس أو هو نبات
يخلط من الوصمة - وهى شجرة ورقها خضاب - الخضاب الأسود: الفائق ٢٤٦/٣.
(٣) انظر ص ١١٤.
"(٤) بالأصل: تخلخل بخاءين، وهو ما يلبسه النساء فى أرجلهن، والجلجل: الجرس الصغير ولعل الكلمة محرقة
من ((جام)) وهو إناء من فضة، ولم أعثر على ما يساعد على تصحيح هذه الكلمة فى المراجع التى استطعت الحصول عليها. وقال
المؤلف ص ٥٤١: فأخرجت إلينا صرة فيها شعر من شعر رسول الله)).
- ٥٤٠ -