Indexed OCR Text
Pages 1-20
جمهورية مصر العربية وزارة الأوقاف المجلس الأعلى لشّئُونِ الإسلامِيَّة لجنة إحياء التراث الإسلامى سُبْل الهُدَى وَالرّشاد فى سَيَرَةَ خَيْرُ الْغَبَّاد للإمام محمد بن يُوسُف الصّالِحِ الشّاعِيّ للمتوفى ٠٠٠٩٤٢ الجزء السادس تحقيق الأستاذ إبراهيم الترزى الأستاذ عبد الكريم العزباوى القاهرة ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م 18: نْـ مقدمة إذا كان القرآن الكريم هو عماد حياة المسلم وركيزة علمه بأمور دينه ودنياه فإن حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - وسيرته العطرة تعد منهاجاً عملياً كاملا لحياة المسلم، ولقد تعددت رسالات الأنبياء إلى البشر وانقضت حياتهم فى الدعوة إلى الله. وحكى لنا القرآن الكريم الكثير عن جهادهم فى الدعوة وبلائهم فيها وصبرهم على مشاقها ، كما ساق لنا القرآن الكريم أحوال الأمم الماضية وسيرتها من الأنبياء والمرسلين. وكان النصر دائماً الحق على الباطل ، والهدى على الضلال ، وهكذا تتابعت مواكب النور فى أرض الله حتى ختمت رسالات السماء إلى أهل الأرض بمبعث خاتم النبيين والمرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - . ومن الحقائق التى يعرفها المسلمون ويسلم بها غير المسلمين لصدقها وظهورها أن التاريخ الإنسانی کله لم يسجل فى وضوح ودقة وتفصيل حياة إنسان مثلما روى لنا حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فى كل مراحلها، فمنذ ميلاده - صلوات الله وسلامه عليه - وحتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى ؛ نقلت أخبار هذه الحياة الشريفة فى كل أيامها وجميع أحوالها إلى الأجيال اللاحقة فكان أن سجل التاريخ الإنسانى ، أوثق تسجيل ، أشرف حياة للإنسان . ولقد شاءت إرادة الله عز وجل أن يختص بهذا الشرف الأسنى خاتم النبيين والمرسلين فلم يعرف من حياة الأنبياء والمرسلين قبله إلا ما حكاه لنا القرآن الكريم ، أو بلغه لنا النبى الأمين ، أو وثقته مصادر التاريخ التى لا يرقى إليها الشك وكل ذلك فى جملته - ولحكمة إلهية ونفحة ربانية - لا يتسع من حياة الأنبياء إلا القليل ، ولا يغطى من حياتهم الشريفة إلا اليسير ، فلا نكاد نعرف عن أخبارهم إلا ما يتعلق بجهادهم من أجل الحق وما يتصل بأحوالهم مع الأمم التى بعثهم الله إليها ، ولم يحفظ لنا التاريخ دقائق حياتهم وتفصيل أحوالهم. كما حفظ لنا عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعرف الناس كيف كان الأنبياء من قبله يسيرون فى الأرض بين الناس فى كافة أحوالهم وأعمالهم ولكن ذلك كله نقل إلينا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نقله ثقات عن ثقات حتى دون فى الكتب الصحاح ، فنقلته من عصر إلى عصر ومن - ٣ - جيل لآخر فوصل إلينا الإجمال والتفصيل عن حياته الشريفة، ولم ير المسلمون من صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأساً من أن ينقلوا إلينا كل ما يتعلق بحياته الشريفة. من أقوال وأفعال وسنن وأحوال لأنهم يعلمون أن قوله وفعله وسننه وحاله أسوة حسنة بنص القرآن الكريم ، وبلغ من اهتمام المسلمين - وخاصة أهل العلم منهم - أن نقلوا إلينا من أفعاله - صلى اللّه عليه وسلم - جليلها وعظيمها كجهده فى التبليغ وجهاده فى نصرة الحق ونقلوا إلينا كذلك من أفعاله - ما هو من أمور الناس - بحكم العادة - وكل هذه الأخبار ما كان منها جليلا وعظيما يتعلق بالدعوة أو كان من أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - خاصة قد محصت روايته وعنى فيه أشد العناية بالمعنى واللفظ ، ولا نظن أن مناهج التاريخ الوضعية يمكن أن تقدم لنا نموذجاً للصدق والإخلاص والدقة ، والتمحيص فى تاريخ دعوة وحياة إنسان ما قدمته كتب السيرة التى وضعها ابن هشام أو ابن سعد فى الطبقات ، وكما نرى فى هذا الكتاب الجليل (( سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد)) للإمام محمد بن يوسف الصالحى المتوفى سنة ٩٤٢ هـ . وهذا الكتاب هو زبدة لما فى مئات الكتب التى ألفها العلماء فى السيرة العطرة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويقول مؤلفه ((اقتضبته من ثلاثمائة كتاب)) فهو رضيب النحل من رحيق الزهر ، وإذا كان فى الكتاب بعض الأحاديث عما تحدث فيه العلماء فإنه لا يخرج بذلك عن الشرف والفضل ، فقد تحرى مؤلفه الصواب ، وقدم المباحث الجليلة ، والمادة الغزيرة، وكل كتاب يؤخذ منه ويرد عليه، وصدق الإمام الشافعى إذ يقول: ((أبى الله أن يكون كتاب كامل إلا كتابه )) . وحين ينشر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية هذا الكتاب فإنه يضع بين يدى المسلمين سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم - فيقدم للمسلمين مثلا لحياة الإنسان فى شرفها ورفعتها وسموها ، وهو مثل يطلب ولا يدرك، فقد اختص النبى - صلى الله عليه وسلم - ببلوغ الغاية فى الكمال ولكن المسلم يستطيع أن يطلب الصدق مع الله ومع النفس ومع الناس ، كما علمنا الرسول، فقد كان - صلوات الله وسلامه عليه - فى أفعاله وأقواله وأحواله يحكى ((خلق القرآن )) كما قالت السيدة عائشة - رضى الله عنها -. وبذلك فإن رواية سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم - تزيد فى القيمة عن كل ما سطره التاريخ الإنسانى .. ولسنا نقول ذلك من قبيل الإجلال لشخص رسول الله فحسب، ولكن لأن هذه السيرة تعد تطبيقاً إنسانياً مثالياً لمنهج إلهى جاء به القرآن الكريم، ولأن هذا المنهج يلتزم به مئات الملايين من البشر، وسارت عليه قروناً عديدة آلاف الملايين منهم . وقد عدت سيرة النبى - صلى الله عليه وسلم -، وما تزال بالنسبة لأولئك وهؤلاء - مثلا أعلى يطلبونه فلا يدركون منه غاية الكمال ، كما كان صاحب السيرة - صلوات الله وسلامه عليه - . - ٤ - ء ومتى كانت حياة إنسان تعد مثلا يطلبه آلاف الملايين من البشر - على اختلاف الزمان والمكان والجنس واللغة وظروف الحياة - فإن تدوين هذه السيرة يصبح من حيث قيمته وفضله وأثره فى الناس أعظم ما دونه التاريخ . ولكى تصدر جميع الأجزاء على نسق متحد ونظام مطرد ، وضعت اللجنة لها منهجاً خاصاً يسير عليه المحققون وهو : أولا : تعتبر نسخة مكتبة صنعاء أصلا ، لتمامها ولما عليها من مقابلات وتصحيحات وخطوط كثير من العلماء . ثانياً : توثيق النصوص بعد ذلك بالرجوع إلى النسخ الآتية : ١ - نسخة مكتبة مصطفى فاضل" ورقها (٥٠م)) تاريخ . ٢ - نسخة المكتبة التيمورية ورقمها ٩٣٥ تاريخ تيمور، وذلك فى الأجزاء من (١ - ٩) ٣ - نسخة مكتبة طلعت - المجلدان الأول والثانى - رقم ١٠٠ تاريخ طلعت ، والمجلد الثالث ٢١٠١ تاريخ طلعت وذلك فى الأجزاء ( من ١ - ٨ ) . ٤ - نسخة دار الكتب رقم ١٣٠ تاريخ، وذلك فى الأجزاء ( الخامس والسادس والحادى عشر والثانى عشر ) . ٥ - نسخة مكتبة مكرم رقم ٤٥١١، وذلك فى الأجزاء ( السادس والسابع والثامن والتاسع ) . ٦ - نسختى المكتبة الأزهرية رقم (٦٣) ٢٩٩١ ورقم (٧٤) ٣١٦٩ أزهر ، تعتبران نسخة واحدة ويرجع إليها عند وجود ما يشكل أو العجز عن الترجيح . ثالثاً : لا يذكر اختلاف قراءات النسخ السابقة إلا ما يقتضيه سياق النص ، ويكون له فائدة فى توجيهه ، على أن يكمل النقص فى مواضع البياض من الأصول التى رجع إليها المؤلف كلما كان ذلك ممكناً . رابعاً : يراعى فى التحقيق : ١ - مقابلة النصوص على مصادرها التى أشار إليها المؤلف وبخاصة : سيرة ابن هشام ، والروض الأنف للسهيلى ، ومغازى الواقدى ، وسيرة ابن سيد الناس ، والسيرة الحلبية ، وزاد المعاد ، والشفا للقاضى عياض ، وإمتاع الأسماع ، وتاريخ الطبرى . - °~ ٢ - يذكر الجزء والصفحة من الكتب السابقة وغيرها عند نظائرها من موضوعات هذه السيرة ( السيرة الشامية ) . ٣ - يعلق على ما يلزم التعليق عليه من حديث موضوع أو رأى لا يتفق وروح الشريعة أو منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مستأنساً فى ذلك بآراء علماء السلف الصالح وما ردوه من تسامحات بعض أصحاب السير . ٤ - يضبط من الكلمات ما يحتاج إليه جمهرة القراء ٥ - يعلق على ما فسر من الكلمات اللغوية المشروحة فى الكتاب إن كان التفسير غير واضح أو لا يتجه مع العبارة المروية . ٦ - يتجنب الاستطراد فى التعليقات إلا ما كان لإيضاح عبارة النص، ويراعى فى ذلك الإنجاز . ٧ - يتفق على رموز النسخ كما يلى . م - مصطفى فاضل. ت تيمورية. ط - طلعت. د - دار الكتب. ك - مكتبة مكرم. ز - نسخة المكتبة الأزهرية . ٨ - تراعى قواعد التحقيق المعتمدة من الجنة فيما لم ينص عليه فى الفقرات السابقة . وبعد ، فهذا الجزء السادس من الكتاب، وتصدر بقية الأجزاء بعده تباعاً . إن شاء اللّه والله ولى التوفيق . د . جمال الدين محمد محمود أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - ٦ - - جُمَّاع أبواب سراياه وبعوثه(١) صلى الله عليه وسلم / الباب الأول ٣٥٩ و ٣٥٩ ظ وفيه نوعان : فى عدد سراياه وبعوثه ومعنى السَّرِيَّة . الأول: ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى السرايا والبعوث ثمانياً وثلاثين (٢). وذكرها أبو عُمَر (٣) رحمه الله تعالى فى أول الاستيعاب سبعاً وأربعين. وذكرها محمد بن (١) وردت السرابا والبعوث مع الغزوات فيما يلى : ١ - سيرة ابن هشام ( = ٢ و ٣ و ٤) طبعة التجارية بالقاهرة سنة ١٩٣٧ م ٢ - مغازى الواقدى طبعة القاهرة سنة ١٩٤٨ م ٣ - الطبقات الكبرى لابن سعد القاهرة سنة ١٣٥٨ هـ = ٣ ص ٤٣: ٢٢٣ (٥) صحيح مسلم . ٤ - صحيح البخارى فى كتاب المغازى . ٦ - تاريخ الطبرى = ٢ ص ٢٥٩: ٣٠٠ و ج ٣ ص ٢: ١٧٤ طبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ ٧ - نهاية الأرب النويرى = ١٧ القاهرة سنة ١٩٥٥ م ٨ - عيون الأثر لابن سيد الناس = ١ ص ٢٢٢ : ٣٠٤ وج ٢ ص ٣٨: ٢٣٢ القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ ٦ - البداية والنهاية لابن كثير = ٣ ص ٢٤١: ٣٤٧ و ج ٤ ص ٢: ٣٥٦ القاهرة سنة ١٣٥١ هـ ١٠ - تاريخ الخميس للديار بكرى = ١ ص ٣٥٥: ٤٧٠ و = ٢ ص ٦٧: ١٤٦ القاهرة سنة ١٢٨٣ هـ ١١ - السيرة الحلبية = ٣ ص ١٥١: ٢١١ القاهرة سنة ١٣٢٠ هـ ١٢ - شرح الزرقانى على المواهب اللدنية القسطلانى = ١ ص٣٨٧: ٤٦٠ و ج ٢ ص٨: ٣٤٩ و ج ٣ ص ٢ : ١١٢ طبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٥ هـ و ١٣٢٦ هـ. (٢) لفظه كما فى سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٨٦: وكانت بعوثه صلى الله عليه وسلم ثمانياً وثلاثين بين بعث وسرية. (٣) هو الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر المرى القرطبى شيخ علماء الأندلس وكبير محمدثيها فى وقته توفى سنة ٤٦٣ه. تولى قضاء الأشبونة وشترين . وقد ألف فى الموطأ كتباً مفيدة منها كتاب التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد فى سبعين جزءاً وقال فيه ابن حزم لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله وكيف أحسن فيه . وكتاب الاستذكار بمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معانى الرأى والآثار . ومن مؤلفاته التى تتصل بالسيرة وتاريخ الصحابة كتاب الدرر فى اختصار المغازى والسير، وكتاب الاستيعاب الذى يشير إليه الصالحى وقد طبع أكثر من مرة، وله كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغى فى روايته وجمله وكتاب بهجة المجالس ومن كتبه الصغيرة : القصد والأم فى التعريف بأصول أنساب العرب والعجم ، والأنباء على قبائل الرواة. وقد طبعا فى القاهرة سنة ١٣٥٠ هـ. ومن ترجم لابن عبد البر ابن خلكان فى الوفيات (جـ ٢ ص ٣٤٨: ٣٥٠) وابن فرحون فى الديباج (ص ٣٥٧: ٣٥٩) وابن العماد فى الشذرات (ج ٣ ص ٣١٤: ٣١٦) وهى ملخصة عن ابن خلكان . - ١ - عُمَرَ (١) رحمه الله تعالى ثمانياً وأربعين، وأبو الفضل(٢) سنًّا وخمسين. ونقل المسعودى(٣) عن بعضهم أنها ستون . وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقى(٤) رحمه الله تعالى فى ألفية السيرة ، وذكر فيها أن الإمام الحافظ محمد بن نصر (٥) أوصلها إلى السبعين، (١) هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدى المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وقد رجعنا إلى كتابه المغازى المطبوع فى القاهرة مبنة ١٩٤٨ م ولم يذكر فيه جملة البعوث والسرايا وقد سردها مع الغزوات فى الصفحات من ٣: ٧ وعندما رقمنا البعوث والسرايا وجدناها خمسا وأربعين. هذا وقد ترجم ابن خلكان للواقدى فى الوفيات (ج ١ ص ٥٠٦ : ٥٠٧) وله ترجمة مطولة فى تاريخ بغداد (=٣ ص٢ : ٢٠) وكان الواقدى من أهل المدينة ثم انتقل إلى بغداد وولى القضاء بها للمأمون بعسكر المهدى. وكان عالماً بالمغازى والسير والفتوح واختلاف الناس فى الحديث والفقه والأحكام وأورد ابن النديم فى الفهرست ص ١٤٤ : ١٤٥ نبتاً ضافياً بمؤلفاته . وقد بقى منها كتاب المغازى الذى نشر فون كريمر نصفه العربى فى كلكتا سنة ١٨٥٦ م وترجمة فلهوزن إلى الألمانية ( برلين سنة ١٨٨٢ م) . وكان الواقدى من رواد البحث التاريخى المنهجى فقد ذكر الخطيب عنه فى تاريخ بغداد ج ٣ ص ٦ أنه قال: ما أدركت رجلا من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولامولى لهم إلا وسألته هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن ممهده وأين قتل فإذا أعلمنى مضيت إلى الموضع فأعاينه. ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع حتى أعاينه . وقال هرون القروى : رأيت الواقدى بمكة ومعه ركوة فقلت أين تريد ؟ فقال أريد أن أمضى إلى حنين حتى أرى الموضع . ولذا فقد اعتمد عليه المستشرق الإيطالى الأمير يونى كاتباً فى موسوعته : حوليات الإسلام، فى بيان الغزوات والسرايا والبعوث وذلك فى المجلد الأول والثانى منها ( ميلان سنة ١٩٠٥ م وما بعدها: هذا وتتناول هذه الموسوعة تاريخ الأربعين سنة الأولى من الهجرة . (٢) فى النسخة ز: أبو الفرج والتصويب من م وكما يتضح مما ذكره المؤلف فيما بعد. (٣) فى مروج الذهب المسعودى طبع بولاق سنة ١٢٨٣ ه (ج ١ ص ٣٠٩: ٣١٠) ما يخالف هذا. فقد جاءفيه: (( وقد تنازع من سلف من أهل السير فى عدة سراياه وبعوثه فقال قوم إن عدة سراياه وبعوثه بين أن قدم المدينة وبين أن قبضه الله خمس وثلاثون بعثاً وسرية. وذكر محمد بن جرير الطبرى فى كتابه فى التاريخ قال حدثنى الحرث قال حدثنا ابن أسعد قال محمد بن عمر الواقدى كانت سرايا النبى صلى الله عليه وسلم ثمانياً وأربعين سرية. وقيل إن سراياه عليه السلام وبعوثه كانت ستة وستين)). وزاد المسعودى هذا الرقم فى كتابه التنبيه والاشراف (القاهرة سنة ١٩٣٨ م ص ٢٤٢) فقد جاء فيه: (( وكانت سراياه وسواربة وبعوثه على ما رتبنا فى هذا الكتاب ثلاثاً وسبعين. وتنازع مصنفو الكتب فى التواريخ والسير فى ذلك. فذهب قوم منهم إلى أن سراياه وسواربه ست وستون وقال آخرون نيف وخمسون». (٤) الحافظ العراق هو أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الكردى الرازناق الأصل المصرى الشافعى المتوفى سنة ٨٠٦ « من أئمة علماء الحديث أكمل شرح الترمذى لابن سيد الناس وخرج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالى فى كتاب أسماه: المغنى عن حمل الأسفار فى الأسفار فى تخريج مافى الأحياء من الأخبار، طبع مع الإحياء فى القاهرة سنة ١٣٤٨ هـ. وانظر فى ترجمة العراق فى الضوء اللامع السخاوى (= ٤ ص ١٧١: ١٧٨). (٥) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى كان أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم، له كتاب القسامة الذى قيل فيه لو لم يصنف إلا هذا الكتاب لكان أفته الناس . وقال الحاكم هو إمام أهل الحديث فى عصره بلا مدافعة وقال أبو محمد ابن حزم : أعلم الناس من كان أجمعهم السنن وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها وأدراهم بصحتها وبما أجمع عليه الناس مما اختلفوا فيه، إلى أن قال: وما يعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها فى محمد بن نصر، توفى سنة ٢٩٤ هـ عن اثنتين وتسمين سنة . انظر ترجمته فى تذكرة الحفاظ للذهبى ( ج ٢ ص ٢٠١: ٢٠٣) وفى تهذيب الأسماء واللغات النووى ( ج ٢ ص ٩٢°: ٩٤) وشذرات الذهب ( ج ٢ ص ٢١٦: ٢١٧). - ١٠ - وأن الحافظ أبا عبد الله الحاكم(١) رحمه الله تعالى قال: إنه ذكر فى الإكليل أنها فوق المائة. قال العراقى: ولم أجد هذا القول لأحد سواه. قال الحافظ(٢): لعل الحاكم أراد بضم المغازى إليها . قلت عبارة الحاكم كما رواها عنه (٣) ابن عساكر بعد أن روى عن قتادة أن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثين وأربعين(٤) . قال الحاكم: هكذا كتبناه. وأَظنه أراد السرايا دون الغزوات، فقد ذُكِرت فى كتاب الإكليل على الترتيب بعوث رسول الله صلى الله علية وسلم وسراياه زيادة على المائة. قال: ((وأخبرنى الثقة من أصحابنا ببُخَارَى أَنه قرأ فى كتاب أبى عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب بنفسه. نَيِّقًا وسبعين)) .انتهى. قال فى البداية(٥): وهذا الذى ذكره الحاكم غريب جداً، وحَمْلُه كلام قتادة على ما قال ، فيه نظر فقد روى الإمام أحمد [ عن أزهر بن القاسم الراسبى عن هشام الدستوائى(٦)] عن قتادة أن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث وأربعون : (١) هو أبو عبيد الله محمد بن عبد الله الضبى اللهمانى الحاكم النيسابورى الحافظ المعروف أبن البيع، المتوفى سنة ٥٤٠٥ ترجم له ابن خلكان ( ج ١ ص ٤٨٤: ٤٨٥) ووصفه بأنه إمام أهل الحديث فى عصره، معجم شيوخه يقرب من ألفى رجل من مؤلفاته الإكليل الذى يشير إليه الصالحى، والمستدرك على الصحيحين وما تفرد به كل واحد من الإمامين، وفضائل الإمام الشافعى وكتاب مزكى الأخبار وتاريخ نيسابور. وفى ترجمة الخطيب له (جـ ٥ ص ٤٧٣: ٤٧٤) أنه كان يميل إلى التشيع وأن أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الإرموى حدثه قائلا: جمع الحاكم أبو عبدالله - فى المستدرك - أحاديث زهم أنها صحاح على شرط البخارى ومسلم يلزمهما إخراجها فى صحيحها منها : الحديث الطائر ومن كنت مولاه فعلى مولاه فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا فيه إلى قوله ولا صوبوه فى فعله. ( تاريخ بغداد - ٥ ص ٤٧٤). وقال الذهبى فى ترجمته المحاكم فى تذكرة الحفاظ (= ٣ ص ٢٢٧: ٢٣٣): أما انحرافه عن خصوم على فظاهر وأما أمر الشيخين فع ظم لها بكل حال فهو شيعى لا رافضى وليته لم يصنف المستدرك فإنه غض من فضائله بسوء تصرفه. وترجم له التاج السبكى فى طبقات الشافعية ( = ٣ ص ٦٤: ٧٢) ودفع عنه مارمى به من التشيع. وذهب ابن العماد فى شذرات الذهب ( = ٣ ص ١٧٦ : ١٧٧) إلى أن ربع أحاديث المستدرك مناكير وواهيات . (٢) الحافظ: هو ابن حجر العسقلانى. (٣) فى الأصول: ((كما رواها عن ابن عساكر)) ولا يعقل أن يكون الحاكم المتوفى سنة ٤٠٥ «قد روى شيئاً عن ابن مساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ . (٤) الصواب: ((كانت ثلاثاً وأربعين ((كما يتضح مما جاء فى البداية والنهاية لابن كثير ( ج ٣ ص ٢٤١) الذى نقل عنه الصالحى: ((وقدروى الحاكم من طريق هشام عن قتادة أن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثاً وأربعين. (٥) البداية والنهاية (ج ٣ ص ٢٤٢). (٦) تكملة الإسناد من البداية والنهاية فى الموضع السابق ذكره . - ١١ - أربعة وعشرون بعثاً وتسع عشرة غزوة(١). قلت والذى وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين (٢) كما سيأتى بيان ذلك مُفَصَّلاً إن شاء الله تعالى . الثانى: فى معنى السرية. قال ابن الأثير فى النهاية (٣): ((السَّرِية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبْعَث إلى العدو ، وجمعها سرايا سُمًُّا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشئ [السَّرِىّ](٤) النفيس. وقيل سموا بذلك لأنهم ينفذون سِرّاً وخِفْيَة، وليس بالوجه لأَن لام السُّرّ راء وهذه ياء . انتهى . (١) أورد ابن كثير بعد ذلك ثبتاً بالغزوات والسرايا والبعوث ثم ختمه بقوله: هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جداً والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتباً. ثم وصف ابن كثير موضوع المغازى بقوله: (( وهذا الفن مما ينبغى الاعتناء به بأمره والتهيؤ له كما رواه محمد بن عمر الواقدى عن عبد الله بن عمر بن على عن أبيه سمعت على ابن الحسين يقول: كنا نعلم مغازى النبى صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. قال الواقدى : وسمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت عن الزهرى يقول: فى علم المغازى على الآخرة والدنيا. ونستدل من هذه الروايات التى ساقها الواقدى والتى تخص المغازى بهذه الأهمية البالغة فضلا عما بذل من العناية فى تحقيقه التاريخى لها، على توثيق كايتانى الواقدى واعتماده عليه فى بيان الغزوات والسرايا والبعوث بالإضافة إلى ابن إسحاق. واستناداً على بحث كاتيانى عمل المستشرق الاسكتلندى مونتجومرى واط جدولا بالغزوات والسرايا والبعوث رتبها فيه ترتيباً زمنياً أوضح فيه تواريخها وأماكنها وأسماء قادتها وعدد المشتركين فيها وخصومها ونتائجها ومراجع هذه البيانات كما وردت فى ابن إسحاق والواقدى وذيل كتابه محمد عليه السلام بالمدينة بهذا الجدول أكسفورد ( سنة ١٩٥٦ م ص ٣٣٩ : ٣٤٣). (٢) علل المسعودى فى التنبيه والإشراف (ص ٢٤٢ الخلاف فى عدد السرايا بقوله: ((وأرى أن السبب الذى أوجب هذا التنازع المتفاوت فى أعداد هذه السرايا أن منهم ( أى من أصحاب المغازى ) من يعتد بسرايا لا يعتد بها آخرون ، وذلك أنه كانت سرايا فى جملة مغاز، فأفردها بعضهم واعتد بها ، وبعض جعلها فى جملة تلك المغازى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه فى كثير من غزواته سرايا إلى مايلى. البلاد التى حلها بعد هزيمة المشركين بخيير فى الطلب على ماقدمنا . ووجه بعد فتح مكة سرايا لهدم الأصنام التى حول مكة ، فوقع التنازع لأجل ذلك ، فجمعنا فى كتابنا هذا جميع ذلك ، ولم نأل جهداً فى حصره وترتيبه، ولم نخله من ذكر خلاف أصحاب السير فى ذلك ليكون أعم لفائدته وأجزل لعائدته . على أنا لم نجد أحداً حصل على ذلك تحصيلنا ولا رتبه ترتيباً فمن أراد على ذلك فليتصفح كتب من عنى بهذا الشأن من الأسلاف والأخلاف يقف على حقيقة ما قلنا وفضيلة ما أتينا . ففهم ذلك بعد الكفاية يسير، ومطلبه قبل الكفاية عسير . وقد ذكرنا ذلك على الشرح والإيضاح وما فيه من التنازع فى كتاب : فنون المعارف وما جرى فى الدهور السوالف ، وفى كتاب الاستذكار لما جرى فى سالف الأعصار الذى كتابنا هذا تال له ومبنى عليه. وإنما حذفنا من كتابنا هذا الأسانيد ليخف تحمله ويقرب متناوله . ويبدو لنا أن مؤلفات المسعودى التى ذكرها لم تكن ميسورة للصالحى عند تصنيفه للسيرة . (٣) النهاية (جـ ٢ ص ١٥٩) ( ٤) زيادة عن النهاية . - ١٢ - وقال الإِمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن على الشهير بابن خطيب الدهشة (١) رحمه الله تعالى فى كتابه المصباح [المنير فى غريب الشرح الكبير للرافعى](٢): ((السَّرِيَّة: قطعة من الجيش ، فعيلة بمعنى فاعلة لأَنها / تَسْرِى فى خِفْيَة والجمع سرايا وسَريَّات مثل ١٣٦٠ عطية وعطايا وعطيات))(٣) انتهى فقوله تسرى خفية أحسن من قول من قال ينفذون سِرّاً لما ذكره ابن الأثير من أَن لام السر راء ولام هذه ياء . وقال الحافظ : السرية : قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه وهى من مائة إلى خمسمائة(٤)، فما زاد على خمسمائة يقال له مَنْسِر بالنون والسين المهملة أى بفتح الميم وكسر السين وبعكسهما(٥). فإن زاد على الثمانمائة سُمِّى جيشاً ، وما بينهما يسمى هَيْضَلة(٦)، فإن زاد على أربعة آلاف سمى جَحْفَلاً بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء ، فإن زاد فجيش جَرَّار(٧)، بفتح الجيم وبراءين مهملتين الأولى مُشَدَّدَة . والخميس (٨) أَى بلفظ اليوم: الجيش العظيم . وما افترق من السَّرِيَّة يسمى بعثاً . (١) ابن خطيب الدهشة ليس هو مؤلف المصباح المنير كما يقول المؤلف وإنما هو أبوه. قال السخاوى فى ترجمة ولده محمود بن أحمد بن محمد الهمزانى الحموى الفيومى أبى الثناء المتوفى سنة ٨٣٤ هـ (الضوء اللامع ج ١ ص ١٢٩ : ١٣١). بأن أباه يعرف بابن ظهير وابنه يعرف بابن خطيب الدهشة ، تحول أبوه من الفيوم إلى حماة وولى خطابة ( جامع ) الدهشة بها وصنف المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير. وذكر هذا بلفظه تقريباً ابن العماد فى ترجمته محمود فى الشذرات ( ج ١ ص ٢١٠ : ٢١١). وترجم السيوطى لوالد محمود فى بغية الوعاة (ص ١٧٠) بقوله: ((أحمد بن محمد الفيومى ثم الحموى قال فى الدرر ( لابن حجر ) اشتغل ومهر وتميز فى العربية عند أبى حيان ثم قطن حماه وخطب بجامع الدهشة وكان فاضلا عارفاً بالفقه واللغة صنف المصباح المنير فى غريب الشرح الكبير (الرافعى) توفى سنة نيف وسبعين وسبعمائة.)) (٢) تكملة عنوان هذا المعجم . (٣) المصباح (ج ١ ص٤٢١)، المطبعة الأميرية بالقاهرة سنة ١٩٠٩م (٤) فى القاموس السرية من خمسة أنفس إلى ثلثمائة أو أربعمائة. وفى الزرقانى على المواهب ( جـ ١ ص ٤٥٣) أنها أطلقت تجوزاً على الواحد مثل سرية عمير بن عدى لقتل عصماء بنت مروان وسرية سالم بن عمير لقتل أبى عفك . (٥) فى تاج العروس المفسر مجلس ومنبر من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو من الأربعين إلى الخمسين أو الستين أو من المائة إلى المائتين . والمنسر قطعة من الجيش تمر قدام الجيش الكثير. (٦) فى الأصول هبطة وهو تحريف. والصواب هيضلة. والهيضلة الجماعة يغزى بهم ليسوا بكثير قال أبو كبير الهذلى: رب هيضل لجب لففت بهيضل أزهير إن يشب القذال فإنه انظر شرح التبريزى على كتاب الألفاظ لابن السكيت - بيروت سنة ١٨٩٥ م ص ٤٣ . (٧) فى تاج العروس كتيبة جرارة أى ثقيلة السير لكثرتها لا تقدر على السير إلا رويداً قاله الأصعى، وعسكر جرار أى كثير وقيل هو الذى لا يسير إلا زحفاً لكثرته . (٨) الخميس الجيش الجرار وفى المحكم سى بذلك لأنه خمس فرق: المقدمة، والقلب، والميمنة، والميسرة، والساقة عن التاج. - ١٣ - فالعشرة فما بعدها حَضِيرةٍ(١). والأربعون عُصْبةٍ (٢)، وإِلى ثلاثمائة مِقْنَب(٣) بقاف وذون ومُوَخَّدة أَى بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون. فإن زاد سمى جَمْرَة(٤) بجيم مفتوحة وسكون الميم. والكتيبة(٥) ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى(٦) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خير الأصحاب أربعة. وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش، أربعة آلاف، وما هُزِم قوم ((بلغوا اثنى عشر ألفاً من قِلَّة إذا صَدَقوا وصَبَرُوا)). رواه أبو يَعْلَى وابن حيَّان وأبو داود والترمذى ، دون قوله إِذا صَدَقوا وصَبَروا . (١) قال الأصمعى: الحضيرة الثغر يغزى بهم العشرة فن دونهم عن شرح التبريزى لكتاب الألفاظ لابن السكيت ( ص ٤٢ ). (٢) فى التاج العصبة بالضم من الرجال والخيل بفر سانها مابين الثلاثة إلى العشرة وقيل ما بين العشرة إلى الأربعين وقيل العصبة أربعون وقيل سبعون . وقد يقال أصل معناها الجماعة مطلقاً ثم خصت فى العر ثم اختلف فيه أو الاختلاف بحسب الوارد كالعصابة بالكسر . (٣) المقنب من الخيل جماعة منه ومن الفرسان وقيل مابين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلثمائة، والمقنب جماعة من الخيل تجتمع للغارة وقنبوا نحو العدو تقنيباً وأقنبوا إقناباً إذا تجمعوا ، عن التاج . (٤) قال الثعالبى فى ثمار القلوب فى المضاف والمنسوب (القاهرة سنة ١٩٠٨ م ص ١٢٦): ((الجمرة كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون ( بالحاء المهملة ) أحداً ولا ينضمون إلى أحد ، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لمقارعة القبائل كما صبرت عبس لقيس كلها )). (٥) فى التاج الكتيبة هى الجيش أو الجماعة المستحيزة من الخيل أو جماعة الخيل إذا غارت على العدو من المائة إلى الألف و كتبها تكتيباً هيأها . (٦) هناك مفردات أخرى فى أنواع المقاتلة ذكرها الثعالبى فى فقه اللغة (ص ٢٢٠:٢١٩) والألفاظ الكتابية للهمزانى (ص ٢٧٥ : ٢٧٧) وكتاب تهذيب الألفاظ لابن السكيت بشرح التبريزى (ص ٤٢: ٥١) وأورد جانباً منها المسعودى فى كتابه التنبيه والإشراف (ص ٢٤٣) قال ٤ (( وقد ذكر عدة من ذوى المعرفة بسياسة الحروب وتدبير العساكر والجيوش ومقاديرها وسماتها أن السرايا ما بين الثلاثة نفر إلى الخمسمائة، وهى التى تخرج بالليل ، فأما التى تخرج بالنهار فتسمى السوارب (جمع ساربة). وذلك قوله عز وجل: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) (سورة الرعد آية ١٠). ومازاد على الخمسمائة إلى دون الثمانمائة فهو المناسر ، وما بلغ الثمانمائة فهو جيش، وهو أقل الجيوش، ومازاد على الثمانمائة إلى دون الألف فهو الخشخاش ( بفتح الحاء الأولى المعجمة والخشخاش الجماعة فى سلاح ودروع) . وما بلغ الألف فهو الجيش الأزلم ومابلغ الأربعة آلاف فهو الجيش الجحفل وما بلغ إثنى عشر ألفاً فهو الجيش الجرار، وإذا افترقت السرايا والسوارب بعد خروجها فما كان دون الأربعين فهى الجرائد ( جمع جريدة) وما كان من الأربعين إلى دون الثلاثمائة فهى المقانب وما كان من الثلاثمائة إلى دون الخمسمائة فهى الجمرات . وكانوا يسمون الأربعين رجلا إذا وجهوا العصبة .. وقد رأى قوم أن المقنب مثل المنسر وأن كل واحد منهما مابين الثلاثين إلى الأربعين واستشهدوا على تقاربهما بقول الشاعر : وإذا تواكلت المقانب لم يزل بالثغر منا منسر وعظيم - ١٤ - الباب الثانى فى أى وقت كان يبعث سراياه ووداعه بَعْضَهم ومشيه مع بعضهم وهو راكب إِلى خارج المدينة ووصيته صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا وفيه أنواع : الأول: فى أى وقت كان يبعث سراياه ، عن صَخْر - بصاد مهملة فخاء معجمة - ابن وَدَاعة - بفتح الواو والدال المهملة - الغامدى - بغين معجمة فأَلف فميم مكسورة فدال مهملة فياء نَسَب - رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم بارك لأُمتى فى بكورها))(١). قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر رجلاً تاجراً وكان لا يبعث غِلْمَانَه إلا من أول النهار فكثر ماله حتى لا يدرى أين يَضَع ماله(٢). رواه الإمام أحمد والثلاثة وحَسَّنه الترمذى. وعن عمران بن حُصَيْن رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية أَغزاها أول النهار وقال: ((اللهم بارك لأُمتى فى بكورها)). رواه الطبرانى. الثانى : فى وَدَاعِه صلى الله عليه وسلم بعض سراياه. روى الإمام أحمد عن البَرَاء ابن عازب ، والإمام أحمد وأبو يَعْلىَ بإسناد صحيح عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَشَى مع الذين وَجَّههم / لقتل كعب بن الأشرف إلى ٣٦٠ هـ بَقِيعِ الفَرْقَد. ثم وجههم وقال: ((انطلقوا على اسم الله، اللهم أَعِنْهُمْ)» (٣) ثم رجع . البقيع(٤) بفتح الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة والغَرْقَد بفتح الغين (١) إسناده: أخبرنا عبد الوهاب بن هبة الله بإسناده إلى عبد الله بن أحمد حدثنى أبى حدثنا هشيم حدثنا يعلى بن عطاء عن عمارة بن حديد عن صخر الغامدى، انظر أسد الغابة ( ج ٣ ص ١٦) وأضاف ابن الأثير: ولا يعرف لصخر غير هذا الحديث ، أخرجه ابن منده وأبو عمر . (٢) أنظر أيضاً فى ترجمة صخر بن وداعة الغامدى، الإصابة (ج ٣ ص ٢٤٠). (٣) ابن هشام = ٢ ص ٤٣٨. (٤) فى معجم ما استعجم البكرى (ج ١ ص ٢٦٥): بقيع الغرقد مقبرة المدينة. قال الأصمعى: قطعت عرقدات فى هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون فسمى بقيع الغرقد لهذا. وقال الخليل: البقيع من الأرض موضع فيه أروم شجر وبه سمى بقيع الغرقد والفرقد شجر كان ينبت هناك. أنظر أيضاً معجم البلدان لياقوت ( ج ٢ ص ٢٥٣ : ٢٥٤). - ١٥ - المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة. من شجر العِضَاة أَو العَوْسَجِ أو العِظام منه . وعن عبد الله بن زيد رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله إذا شَيَّع جيشاً فبلغ عَقَبَة الوَدَاع قال: ((أَستودع الله تعالى دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم)) (١) الحديث رواه ابن أبى شيبة رحمه الله . الثالث : فى مشيه صلى الله عليه وسلم مع بعض أمراء سراياه ، وذلك البعض راكب . عن مُعَاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج معه يُوصِيه ، ومُعَاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشى تحت ظل راحلته ، فلما فرغ قال: (( يا مُعَاذ إِنَّك عسى أَلَّ تَلْقَانِى بعد عامى هذا ولعلك أَن تمر بمسجدى وقبرى )). فبكى معاذ رضى الله عنه جَشِعاً لِفِرَاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الحديث ، رواه الإمام أحمد وأبو يعلى برجال ثقات وسيأتى بتمامه فى موضعه من السرايا والبعوث . جَشِعَاً بفتح الجيم وكسر الشين(٢) المعجمة وبالعين المهملة أَى جَزَعًا لفراقه صلى الله عليه وسلم . وروى ابن عساكر عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معه ميلاً ومعاذ راكب لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك . الرابع: فى وصيته صلى الله عليه وسلم لأُمراء السرايا . عن بُرَيْدَة بالموحدة والتصغير رضى الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمَّرَ أَميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: ((اغزوا باسم الله فى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا لَولا تَمْثُلُوا](٣) (١) رواه بصيغة المفرد ابن عمر وأخرجه أبو داود والترمذى - أنظر الجامع الصغير (جـ ١ ص٤١). (٢) زيادة من صحيح مسلم بشرح النووي ( = ١٢ ص ٣٧). (٣) صوابها بفتح الشين المعجمة كما فى النهاية: الجشع الجزع لفراق الإلف وكذلك فى الأساس . وفى القاموس جشع كفرح فهو جشع . وقال الزبيدى فى التاج: ومما يستدرك عليه الجشع محركة الجزع لفراق الإلف والجشع أيضاً الفزع . - ١٦ - ولا تقتلوا وليداً . وإذا لَقِيتَ عدوَّك من المشركين فَادْعُهم إلى ثلاث خصال أو خلال فَأَيَّتُهُنّ ما أَجابوك فاقْبَلْ منهم وكُفّ عنهمٍ وادُعُهم إلى الإِسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ، ثم ادْعَهُمْ إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأُخْبِرْهُم ، أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أَبَوْا أَن يتحولوا منها فَأَخْبِرْهُم أنهم يكونون كأَعْراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذى يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفَىْء شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوْا فَسَلْهُم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفّ عنهم ، فإن هم أَبَوْا فاستعنْ عليهم بالله وقاتِلْهم . وإذا حاصرتَ أَهْلَ حصنٍ فَأَرادوك أَن تجعل لهم ذِمَّةَ اللّه وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمّة الله ولا ذمة نبيه. / ولكن اجعل لهم ذمتك وذمةً أصحابك فإنكم إن تُخْفِروا ١٣٦١ ذِمَمَكم ونِعَمَ أَصحابكم أَهْوَنُ من أَن تُخْفِرِوا زِمَّةَ اللّه وَذِمَّةَ رسوله . وإذا حاصرت أَهل حِصْنٍ فَأَراحوك أَن تُنْزِلَم على حكم الله فلا تُنْزِلُهُم على حكم الله ولكن أَنْزِلُهُم على حكمك فإنك لا تدرى أَتصيب حُكْمَ الله فيهم أم لا. ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم))(١). رواه مسلم وأبو داود والترمذى واللفظ لمسلم ورواه البزار عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم . وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله تقاتلون فى سبيل الله من كفر الله، لا تَغْدِروا وَلا تَغُلُّوا ولا تَمْثُلُوا ولا تقتلوا الوالدين ولا أصحاب الصوامع)). رواه ابن أبى شيبة والإِمام أحمد وأبو يعلى . وعن عبد الرحمن بن عائذ رحمه الله تعالى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً قال: ((تأَلَّفُوا الناسَ وَتَأْتُّوهم ولا تُغِيرُوا عليهم حتى تدعوهم إلى الإسلام فما على الأرض من أَهل بيت مَكَر ولا وَبَر إلا تأُّتونى بهم مسلمين أحب إلىّ من أَن تقتلوا رجالهم وتأُتونى بنسائهم)). رواه مُسَدِّد والحارث بن أبى أسامة مُرْسَلاً . وعن على رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وجهاً ، ثم قال لرجل (١) الحديث بطوله فى صحيح مسلم بشرح النووي (= ١٢ ص ٣٧: ٤٠) ولم ترد فيه العبارة الأخيرة وهى : ثم اقضوا فيهم بعد ماشتم . - ١٧ - ( ٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٦ ) ۔۔ الْحَقْهُ ولا تَدْعُه من خلفه فقل له : إن النبى صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تنتظره وقل له: ((لا تقاتل قوماً حتى تدعوهم)). رواه إسحق بن راهويه بسند فيه انقطاع. وعن أبى موسى رضى الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه فى بعض أَمره قال: ((بَشِّروا ولا تُنَفِّروا ويَسِّروا ولا تُعَسِّروا)). رواه مسلم(١) . وعن أنس رضى الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً قال: ((انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة، ولا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غنائمكم، وأَصْلِحوا وأَحْسِنُوا إن الله يحب المحسنين)). رواه أبو داود والترمذى. وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً أو سرية يقول: ((إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)). رواه أبو داود والترمذى . وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَرسل مُعَاذاً وأباموسى فقال: ((تَشَاوَرًا وَتَطَاوَعا ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا وَبَشِّرا ولا تُنَفِّرًا))(١) رواه البزار. تنبيه : فى بيان غريب ما سبق : لا تَغْدِروا بكسر الدال [المهملة ] . ذمة الله بكسر المعجمة أَمَانُهُ وعَهْدُه . الرَليد بفتح الواو الصبى . لا تُخْفِرُوا ذمة الله، بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة، لا تَنْقُضُوا عَهْدَه . على حكم الله أى قضاؤه . المَكَر قطع الطين . / ٣٦١ ظ (١) صحيح مسلم بشرح النووي = ١٢ ص ٤٠ (٢) فى صحيح البخارى (= ٤ ص ١٥٤): حدثنا يحيى قال حدثنا وكيع عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده أن النبى صلى اللّه عله وسلم بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمين، قال: ((يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا)). وقد أخرجه البخارى فى باب ما يكره من التنازع والاختلاف فى الحرب. كما أخرجه البخارى كجزء من حديث فى باب قول النبى صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس (ج ٨ ص ٥٥) وفى إسناده حدثنى إسحق حدثنا النضر أخبرنا شعبة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن جده . - ١٨ - الباب الثالث فى اعتذاره عن تخلفه عن صحبة السرايا صلى الله عليه وسلم وإعطائه سلاحه لمن يقاتل به . عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسى بيده لولا أَن أَشُقَّ على المسلمين ما قعَدْتُ خلاف سرية تغزو فى سبيل الله أبدًا، ولكن لا أَجد سَعَةً فَأَحْمِلَهُم ولا يجدون سَمَةً فيتبعونى (١) ، ويَشُقّ عليهم أن يقعدوا بعدى - وفى لفظ: ولا تطيب أنفسهم أَن يتخلَّفُوا عنى - والذى نفسى بيده لَوَدِدْتُ أنى أَغزو فى سبيل الله وأُقْتَل ثم أَحيا (٢) ثم أَقتل ثم أَحيا ثم أَقتل ثم أَحيا)) - بتكريره ست مرات ، رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان(٣) والنسائي وابن ماجه . وعن [جبلة بن حارثة](٤) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يَغْزُ أُعطى سلاحه علياً أو أُسَامة بن زيد رضى الله عنهما، رواه أحمد وأبو يَعْلَى. (١) هذا شطر من حديث أخرجه مسلم فى صحيحه بشرح النووى (ج ١٣ ص ١٩: ٢٠) وإسناده: حدثنى زهير بن حرب عن جرّير عن عمارة عن أبى زرعة عن أبى هريرة . ولم ترد فى رواية مسلم : ولا يجدون سعة فيتبعونى . (٢) فى صحيح مسلم بلفظ فأقتل ثم أغزو. (٣) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه ( = ٤ ص ٧١) فى كتاب الجهاد باب تمنى الشهادة، وإسناده: حدثنا أبو اليمان عن شعيب عن الزهرى عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: والحديث: (( والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو فى سبيل الله، والذى نفسى بيده لوددت أنى أقتل فى سبيل اللّه ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل)). هذا وكلمة لوددت مشكولة خطأ بفتح الدال الأولى فى طبعة منير لأن ود من باب فتح بمعنى أحب ومن باب ضرب بمعنى تمنى والمقصود الأخير . (٤) بياض فى الأصول بمقدار ثلاث كلمات والتكملة من مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعلى بن أبى بكر الهيثمى المتوفى سنة ٨٠٧ هـ ( ج ٥ ص ٢٨٣) باب إعانة المجاهدين. وأضاف الهيشمى رواه أحمد والطبر انى فى الكبير والأوسط .. - ١٩ - ١ تَنْيَهَاتٌ الأول: الْحِكْمَة فى إيراد قوله: ((والذي نفسي بيده)) مرة ثانية عقب الأولى إرادة تسلية الخارجين فى الجهاد عن مرافقته صلى الله عليه وسلم ، فكأَنّه قال : الوَجْهُ الذى تسيرون فيه له من الفضل ما أَتَمَنَّى لِأَجْلِهِ أَن أُقْتَلَ مَّرات ، فمهما فاتكم من مرافقى والقعود معى من الفضل، يَحْصُل لكم مِثْلُه أَو فَوْقَه من فضل الجهاد ، فراعى خواطر الجميع . وقد خرج صلى الله عليه وسلم فى بعض المغازى ، وتخلف عن المشار إليهم وكان ذلك حيث رَجَحَتْ مَصْلَحةُ خروجه على مراعاة حالهم . الثانى : اسْتُشْكِل صدور هذا التمنى من النبى صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يُقْتَل، وأُجِيبَ بأَن تَمَنِّى الفضل والخير لا يستلزم الوقوع ، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( وَدِدْتُ لو أَن موسى صَبَر))، فكأنه صلى الله عليه وسلم أَراد المبالغة فى بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه . الثالث: قال النووى رحمه الله تعالى: ((فى هذا الحديث حسن النية وبيان شدة شفقة النبى صلى الله عليه وسلم على أُمته ورأفته بهم واستحباب القتل فى سبيل الله تعالى ، وجواز قول وَدِدْتُ حصول كذا من الخير، وإِن عُلِم أنه لا يحصل ، وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أَو أرجح، أَو لدفع مَفْسَدة، وفيه جواز تَمَنِّى ما يَمْتَزِع فى العادة))(١) الرابع : قال الطيبي رحمه الله تعالى ثم فى قوله: ثم أُقْتَل إلى آخره ، وإن حُمِلَت على التراخى فى الزمان هنا لكن الحَمْل على التراخى فى الرُّتْبَة هو الوَجْه ، لأَن التمنى حصول درجات بعد القتل ، والإِحياء لم يحصل من قبل ، ومن ثمة كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهى إلى المقام الأعلى . (١) لفظ النووى فى شرحه على صحيح مسلم (ج ١٣ ص ٢٢): ((وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المسلمين والزأفة بهم وأنه كان يترك بعض مايختاره للرفق بالمسلمين وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها وفيه مراعاة الرفق بالمسلمين والسعى فى زوال المكروه والمثقة عنهم. قوله ( لوددت أن أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل ) فيه فضيلة الغزو والشهادة وفيه تمنى الشهادة والخير ، ويمنى مالا يمكن فى العادة من الخيرات وفى أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين . - ٢٠ -