Indexed OCR Text
Pages 661-680
فائتزر بواحد وارتدى بالآخر ، ثم أقبل إلى المدينة فاضطجع فى المسجد ، ثم صلَى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتصفح الناس إذا انصرف من الصبح، فنظر إليه فأَنكره ، فقال ((من أنت ؟)) فانتسب له، فقال: ((أَنت عبد الله ذو البجادين)) ثم قال: ((انزل منى قريبا)) فكان يكون فى أَضيافه ويعلمه / القرآن ، حتى قرأ قرآنا كثيرا ، وكان رجلا صيِّناً فكان يقوم فى المسجد ٣٩٠ب فيرفع صوته فى القراءة ، فقال عمر : يا رسول الله ألا تسمع هذا الأَعرابى يرفع صوته بالقرآن حتى قد منع الناس القراءة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( دعه يا عمر : فإِنه قد خرج مهاجراً إلى الله تعالى وإلى رسوله )) فلما خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك قال: يارسول الله . ادع الله تعالى لى بالشهادة، فقال /: أَبلغنى بلحاءَ سَمُرة ٥٥٨٧ فأَبلغه بلحاء سمرة، فربطها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عضده، وقال: ((اللهم إنى أحرم دَمَه على الكُفَّار)) فقال : يارسول الله، ليس هذا أردتُ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إِنك إذا خرجتَ غازياً فى سبيل الله فأخذتك الحمى فقتلتك فأَنت شهيد . وإِذا وقصتك دابَّتُكَ فأَنتَ شهيد لا تبالى بأية كان)) فلما نزلوا تبوكَ أَقاموا بها أياماً، ثم توفى عبدُ الله ذو البجادين، فكان بلال بن الحارث المزنى يقول : حضرتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع بلال [ المؤذن ](١) شعلة من نار عند القبر واقفا بها ، وإِذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القبر ، وإِذا أَبو بكر وعمر يدليانه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: ((أَدنيا لى أَخاكما)) فلما هيأَه لشِقَّه فى اللحد قال: ((اللهم إنى قد أَمْسَيْتُ عنه راضيا فارْضَ عنه)) فقال ابن مسعود: ياليتنى كنت صاحِبَ اللحد . وروى الطبرانى برجال وُثُّقُوا ، وأَبو نُعيم عن محمد بن حمزة بن عمر الأَسلمى عن أبيه عن جده - رضى الله عنه - قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك ، وكنت على خدمته(٢) ذلك فنظرت إلى نِخْى السمن قد قل ما فيه ، وهيأْت للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاما فوضعت النحى فى الشمس ، ونمت فانتبهت بخرير (١) إضافة عن المغازى للواقدى ٣ : ١٠١٤. (٢) كذا فى الأصول، ولعل العبارة ((فكنت على خدمته [ فى ] ذلك)) أى الخروج أو السفر. - ٦٦١ - ٠ النحى ، فقمتُ فأَخذت رأسه بيدى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورآنى (( لو تركته لسال الوادى سمنا)). ذكر مصالحته - صلى الله عليه وسلم - ملك أيلة (١) وأهل جربا وأذرح وهو مقيم بتبوك قبل رجوعه لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى أکیدر بدومة - کما سيأتى بيان ذلك فى السرايا - أَشفق ملك أَيلة يُحَنَّة بن رُؤْبَة أَن يبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما بعث إلى أُكَيْدر ، فقدم على النبى - صلى الله عليه وسلم - وقدم معه أَهل جَرْبًا وأَذْرُح ومقنا وأهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلة . قال أبو حميد الساعدى - رضى الله عنه - قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ٣٤١ ١ فأهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء /، وكساهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بُرْداً، وكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببحرهم . رواه ابن أبى شيبة والبخارى . روى محمد بن عمر عن جابر - رضى الله عنه - قال: رأيت يُحَنَّة بن رُؤْبَة يوم أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه صليب من ذهب ، وهو معقود الناصية فلما رأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كفَّ(٢) وأَوماً برأسه فأَوماً إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيده أَنٍ أَرْفَع رأْسَكَ، وصالحه يومئذ، وكساه بُرْداً يمنية فاشتراه بعد ذلك أَبو العباس(٣) عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار وأمر له بمنزل عند بلال انتهى . قالوا : وقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية جزية معلومة ثلاثمائة دينار كل سنة ، وكانوا ثلاثمائة رجل ، وكتب لهم بذلك كتاباً فيه : (١) فى الأصول ما عداً ت ((إيلية)) والمثبت هو الصواب ويوافقه المغازى الواقدى ٣: ١٠٣ وشرح المواهب ٣ : ٥٦ وما سيرد فى شرح الغريب ص ٧٠٦ . (٢) كفر: التكفير لأهل الكتاب أن يطأطىء أحدهم رأسه لصاحبه كالتسليم عندنا، والتكفير أيضاً أن يضع يده أو يديه على صدره (اللسان) وفى شرح المواهب ٣: ٧٦ ((كفى وأومأ)). (٣) قال فى شرح المواهب ٣: ٧٦ ((هو أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح)). - ٦٦٢ - بسم الله الرحمن الرحيم : هذا كتاب أَمَنةً من الله تعالى ومحمد النبى رسول اللّه لَيُحَنَّة ابن رُؤْبَة وأَهل ◌َيلة لسُفُنهم وسائرهم السارح فى البر والبحر ، لهم ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولمن كان معهم من أهل الشام ، وأَهل اليمن ، وأَهل البحر ، ومن أحدث حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيِّبُ لمن أَخذه / من الناس، وإنه لا يَحِلُّ ٥٥١٨ أَن يُمْنَعُوا ماءً يردُونه ولا طريقاً يردونه من بر أو بحر. هذا كتاب جُهيْم بن الصَّلْت وشُرحیل بن حسنة بإِذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأَهل أَذْرح كتاباً قال محمد بن عمر : نسخت كتابهم فإذا فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد النبى - صلى الله عليه وسلم - لأَهل أَذْرُح وجَرْبًا ، إنهم آمنون بأَمان الله وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار فى كل رجب وافية طيبة ، والله كفيل عليهم بالنصح والإِحسان إلى المسلمين ، ومن لجأً [إليهم ](١) من المسلمين من المخافة والتعزير إذا خشوا على المسلمين فهم آمنون ، حتى يحدث إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه(٢)) قالوا: وأَنّى أَهل جَرْبًا وأَذْرُح بجزيتهم بتبوك فأخذها . وصالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل مَقْتًا على ربع ثمارهم وربع غُزولهم . وروى ابن أبى شيبة ، والإِمام أحمد ، ومسلم عن أبي حميد الساعدى - رضى الله عنه - قال : جاء ابن العلماء(٣) وصاحب أَيلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب،وأهدى له بغلة بيضاء ، فكتب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهدى له بُرْداً . ** * ٣٤١ ت ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى مجاوزة تبوك الى نحو دمشق قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى : شاوَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فى التقدم ، فقال عمر بن الخَّطاب: يارسول الله، إن كنت أُمِرْت بالمسير فسِرْ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: ((لو أُمِرْتُ بالمسير لما استشرتكم فيه)) فقال : يارسول (١) الإضافة من المغازى الواقدى ٣: ١٠٣٢. (٢) فى الأصول ((من قبل خروج)) والمثبت عن المرجع السابق. (٣) فى هامش ت ٢: ٥٨٨ ((العلماء بفتح العين وسكون اللام والمد - عن جامع الأصول)). - ٦٦٣ - الله إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بها أَحد من أَهل الإِسلام ، وقد دَنَّوْنَا منهم ، وقد أَفزعهم دنُوُّك ، فلو رجعنا هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله لك أمرا . وروى البيهقى وغيرُه بسند جيد عن عبد الرحمن بن غنم : أَن اليهود أَتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقالوا: يا أبا القاسم ، إِن كنت صادقاً أَنك نبىٌّ فالحَقْ بالشام ؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياءِ ، فصدَّق ما قالوا ، فغزا غزوة تبُوك لا يريد إِلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله تعالى آيات من سورة بنى إِسرائيل بعدما ختمت السورة ﴿ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلَّ قَلِيلاً سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تجِدُ لِسُنَّتِنا تحْوِيلاً﴾ (١) فأَمره الله تعالى بالرجوع إلى المدينة وقال : فيها مَحْيَاكَ ومَمَاتُك ومنها تبعث . فرجع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَمره جبريلُ فقال: أَسأَل ربَّك عزَّ وجلَّ؛ فإن لكل نبيِّ مسألة - وكان جبريل له ناصحاً ، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - له مطيعاً، قال: ((فما تأمرنى أَن أَسأَّل)) قال : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِ مِنْ لهُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾(٢) فهؤلاء الآيات أُنزلت عليه فى مرجعه من تبوك . وفى هذه الغزوة قال - صلى الله عليه وسلم - ما رواه عكرمة عن أَبيه أَو عن عمه عن جده - رضى الله عنه -: أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فى غزوة تبوك: ((إِذا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا كُنْتُم بِغَيْرِهَا ذَلا تقدموا عليها)) رواه أحمد والطبرانى من طرق قال فى بذل الطاعون: يشبه - والله أعلم - أن يكون السبب ٥٨٩ت فى ذلك أن الشام كانت / من قديم الزمان ولم تزل معروفة بكثرة الطواعين ، فلما قدم النبى - صلى الله عليه وسلم - تُبُوك غازياً الشامَ لعله بلغه أَن الطَّاعُونَ فى الجهة التى كان يَقْصِدُهَا ، فكان ذلك من أَسباب رجوعه من غير قتال - والله أعلم . انتهى . قلت : قد ذكر جماعة أَن طاعون شيرويه أَحد ملوك الفرس ، كان فى أيام النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان بالمدائن . (١) سورة الإسراء الآيتان ٧٦ ، ٧٧ . (٢) سورة الإسراء آية ٨٠. - ٦٦٤ - ذكر ارادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الانصراف من تبوك الى المدينة ، وما وقع فى ذلك من الآيات ، وقدر اقامته صلى الله عليه وسلم - بتبوك روى مسلم عن أبى هريرة . وإِسحاق بن راهويه ، وأبو يعلى ، وأبو نعيم ، وابن عساكر عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهما (١) - ومحمد بن عمر عن شيوخه)قال شيوخ ابن عمر: ولما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السير من تبوك أَرْمَل النَّاسُ إِمَالاً، فشخص على ذلك من الحال . انتهى . قال أبو هريرة: فقالوا : يارسول الله لو أَذنت لنا فننحر نواضحنا فأَكلنا وادَّهنَّا (٢)؟ قال شيوخ محمد بن عمر : فلقيهم عمر بن الخطاب وهم على نحرها فأَمرهم أن يمسكوا عن نحرها ، ثم دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى خيمة له) ثم اتفقوا، فقال يارسول الله أَأَذنت للناس فى نحر حَمُولتهم يأكلونها ؟ قال شيوخ محمد : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( شكَوْا إِلَّ ما بلغ منهم الجوع فَأَذنت لهم ينحرُ الرُّفْقَةُ البعيرَ والبعيرين ويتعاقبون فيما فضل منهم [ فإنهم ](٣) قافلون إلى أهليهم - انتهى. فقال عمر : يارسول الله لا تفعل، فإن يك فى الناس فضل من الظَّهْر يكن خَيْرا ، فالظهر اليوم رقاقٌ(٤) انتهى . ولكن يا رسول الله ادع بفضل أَزْوَادِهِمْ، ثم أجمعها ، وادع الله تعالى فيها بالبركة لَعَلَّ الله تعالى أن يجعل فيها البركة . زاد شيوخ محمد: كما فَعَلْتَ فى منصرفنا من الحديبية حين أَرملنا ؛ فإن الله تعالى مستجيب لك انتهى . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((نعم)) فدعا بنطع فَبُسِط - قال شيوخ محمد: بالأَنطاع فبسطت - ونادى منادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كان عنده فضلٌ من زاد فليأت به - انتهى. فجعل الرجل يأتى بكف ذرة ؛ ويجئ الآخر بكفّ تمر ؛ ويجى الآخر بكسرة . وقال شيوخ محمد : وجعل(٥) الرجل يأتى بالدقيق أَو التمر أو القبضة من الدقيق والسويق والتمر ثلاثة أَفراق حزرا - والفرق ثلاثة آصع - قال : فجزأنا (١) عنهما - الضمير يعود على أبى هريرة وعمر بن الخطاب. (٢) أضاف الواقدى فى المغازى ٣: ١٠٣٧ ((فأذن لهم)). (٣) سقط فى الأصول والمثبت يقتضيه السياق. (٤) الرقاق: جمع رقيق بمعنى ضعيف ((اللسان)) وسترد فى الغريب. (٥) فى المغازى للواقدى ٣: ١٠٣٨ ((فجعل الرجل يأتى بالمد الدقيق. - ٦٦٥ - ما جاءوا به فوجدوه سبعة وعشرين صاعاً . قال شيوخ محمد : ثم قام رسول اللهصلى الله عليه وسلم - فتوضأً وصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى أن يبارك فيه . قال عمر : فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه فدعا فيه بالبركة ، ثم قال : أيها الناس خذوا ولا تنتهبوا )) فأَّخذوه فى الجُرُب والغرائر ، حتى جعل الرجل يعقد قميصه فيأخذ فيه ، قال أبو هريرة - رضى الله عنه: وما تركوا فى العسكر وعاءً إِلا ملئوه، وأكلوا حتى شبعوا ، وفضلت فضلة . قال شيوخ محمد بن عمر : قال بعض من الصحابة : لقد طرحتُ كسرة يومئذ من خبز وقبضة من تمر، ولقد رأيت الأَنطاع تفيض، وجئت بجرابين ٥٩٠ت فملأت أحدهما / سويقاً والآخر خبزا ، وأخذت فى ثوبى دقيقاً كفانى إلى المدينة - قال : فأَخذوا حتى صدروا . وإنه نحو ما كانوا يحرزون - قالوا كلهم : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((أَشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يأتى بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة)) وفى لفظ ((لا يأتى بها عبد محق إِلا وقاهُ الله حر النار))، وقال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما كما رواه ابن سعد: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة وعلى ذلك جرى محمد بن عمر وابن حزم وغيرهم ، وقال ابن عقبة ، وابن إسحاق : بضع عشرة ليلة . ذكر بعض آيات وقعت فى رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم من تبوك الى المدينة روى محمد بن عمر ، وأبو نعيم عن أبى قتادة - رضى الله عنه - قال : بينا نحن نسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الجيش ليلاً وهو قافِل وأنا معه إِذ خفق خفقة - وهو على راحلته فمال على شقه فدنوتُ منه فدَعَمْته فَأَنْتَبَه، فقال: ((من هذا؟)) فقلت : أَبو قتادة يارسول الله، خِفتُ أَن تسقط فدَعَمْتُك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( حفظك الله كما حفظت رسوله )) ثم سار غير كثير ثم فعل مثل هذا فدعمته فانتبه. فقال: (( يا أَبا قتادة ، هل لك فى التعريس؟ )) فقلت : ما شئت يا رسول الله، فقال: ((انظر من خلفك)) فنظرت فإذا رجلان أو ثلاثة، فقال (( أدعهم)) فقلت : أَجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءُوا فعرسنا - ونحن خمسة - برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعى إِداوةٌ فيها ماء وركوة أَشرب فيها ، فنمنا فما أنتبهنا إلا بحرِّ - ٦٦٦ - الشمس ، فقلنا: إِذَّا لله فاتنا الصبحُ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((لنَغِيْظن الشَّيْطَان كَمَا غَاظَنَا)) فتوضأً من ماءِ الإِداوة ففضل فضلة فقال: ((يا أَبا قَتَادَة احْتَفِظ بِمَا فِىِ الإِدَاوَةِ والرِّكْوة؛ فإِن لهما شأنًا)) وصلى - صلى الله عليه وسلم - بنا الفجرَ بعد طلوع الشمس ، فقرأ بالمائدة ، فلما انصرف من الصلاة قال: (( أَمَا إِنَّهُم لو أَطاعوا أبا بكر وعمر لرَشدوا)) وذلك أن أبا بكر وعمر أَرادا أَن ينزلا بالجيش على الماءِ فَأَبوا ذلك عليهما ، فنزلوا على غير ماء بفلاةٍ من الأرض ، فركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلحق الجيش عند زوال الشمس ونحن معه . وقد كادت أعناق الخيل والرجال والركاب تَقَطَّعَ عَطَئاً ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرّكوة فأَفرغ ما فى الإِداوَة فيها . ووضع أَصابعه عليها فنبع الماء من بين أصابعه ، وأُقبل الناس فأستَقَوْا وفاض الماءُ حتى رووا ، ورووا خيلهم ، وركابهم ، وكان فى العسكراثنا عشر ألف بعير ، والناس ثلاثون ألفا ، والخيل اثنا عشر ألف فرس ، فذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((احتفظ بالرِّكْوة والإِداوة)). قال ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر : قالوا : وأَقبل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قافلا حتى إِذا كان بين تَبُوك ووادٍ يقال له : وادى الناقة ـ- وقال ابن إسحاق : يقال له وادى المُشَفَق - وكان فيه وشل يخرج منه فى أَسفله قَدْر ما يَرْوِى الراكبين أَو الثلاثة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( من سبقنا إلى ذلك الوَشَل فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه)) فسبقه إليه أربعة من المنافقين: مُعَنِّب بن قُشَير ، والحارث بن يزيد الطائىّ حليفٌ فى بنى عمرو بن عوف ، ووَدِيعة بن ثابت ، وزيد بن اللُّصَيْت ، فلما أَتَاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه فلم ير فيه شيئا. فقال (( من سبقنا إِلى هذا الماء؟ فقيل يارسول الله فلان وفلان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((ألم أنهكم؟)) فلعنهم ودعا عليهم ، ثم نزل ووضع يده تحت الوَشَل ، ثم مسحه بإصبعيه حتى اجتمع منه فى كفه ماءٌ قليلٌ، ثم نضحه به ، ثم مسحه بيده ، ثم دعا بما شاءَ الله أَن يدعو ، فانخرق منه الماء - قال مُعاذُ بنُ جبل : والذى نفسى بيده لقد سمعتُ له من شدّة انخراقه مثل الصواعق - فشرب الناس ما شاءُوا ، واستقوا ماشائُوا ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس (( لئن بقيتم . أَو من بقى منكم - لتسْمَعُن بهذا الوادى وهو أَخصب - ٦٦٧ - مما بين يديه ومما خلفه)) قال سلمة بن [ سلامة بن ](١) وَقْش : قلت لوديعة بن ثابت : ويلك أَبَعد ما ترى شيء ؟ أَمَا تَعْتَبر ؟ قال : قد كان يُفْعَل بهذا مثل هذا قبل هذا ، ثم سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وروى محمد بن عمر ، وأبو نعيم عن جماعة من أهل المغازى قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم يسير - منحدراً إلى المدينة، وهو فى قيظ شديد ، عَطِشَ العسكر بعد المرتين الأوليَين عطشاً شديداً حتى لا يوجد للشَّفةِ ماء قليل ولا كثير ، فَشَكُوْا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل أُسَيْد بن الحُضيْر فى يوم صائِف ، وهو متلثم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((عسى أن تجد لنا ماءً)) فخرج أُسَيد وهو فيما بين تبوك والحجر فى كل وجهٍ فيجد رَاوِيةً من ماءٍ مع امرأة من بَلِيّ ، فكلَّمها أُسَيد ، وأَخبرها ٣٤٣ت خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: فهذا الماء، فانطلِقْ به/ إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد وَصَفَت له الماءَ، وبينه وبين الطريق هُنَيْهَة، فلما جاءَ أُسَيد بالماءِ دعا فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا فيه بالبركة، ثم قال: ((هلم أَسْقيتكم)) فلم يبق معهم سقاء إِلا ملئوه ، ثم دعا بركابهم وخيولهم ، فسقوها حتى نهلت ، ويقال إِنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بما جاءَ به أُسَيد فصبه فى قعب عظيم من عِسَاسِ أَهل البادية فأَدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه يده ، وغسل وجهه ويديه ورجليه ، ثم صلى ركعتين ، ثم رفع يديه مَدا ، ثم انصرف وإن القعب ليفور ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس ((رِدوا)) فاتسع الماءُ وانبسط الناس حتى يُصَفَّ عليه المائة والمائتان فارتووا، وإِن القَعْبَ ليَجيشُ بالرِّوَاءِ ، ثم راح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبردا مترويا . وروى الطبرانى بسند صححه الشيخ وحسنه الحافظ - خلافاً لمن ضعَّفه - عن فَضالة ابن عبيد - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزا غزوة تَبُوك فجهد الظهر جهدا شديدا فَشَكَوْا ذلك إليه ، ورآهم يزجون ظهرهم ، فوقف فى مضيق والناس يمرون فيه، فنفخ فيها وقال: ((اللهم احمل عليها فى سبيلك فإنك تحمل على القوى والضعيف والرطب واليابس فى البر والبحر)) فاستمرت فما دخلنا المدينة إِلا وهى تنازعنا أزمتها (١) الإضافة عن المغازى للواقدى ٣ : ١٠٣٩ . - ٦٦٨ - ٠ ٠٠ ٥٩٢ ت ذكر ارادة بعض المنافقين الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة التى بين تبوك والمدينة واطلاع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم - على ذلك ■ روى الإِمام أحمد عن أبى الطُّفيل ، والبيهقى عن حُذيفة ، وابن سعد عن جبير بن مطعم - رضى الله عنهم - وابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك، والبيهقى عن عروة ، والبيهقى عن ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر عن شيوخه - رحمهم الله تعالى - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان ببعض الطريق مكر به ناسٌّ من المنافقين، وائتمروا بينهُم أَن يطرحوه من عَقَبَةٍ فى الطريق. وفى رواية: كانوا قد أَجمعوا أَن يقتلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يلتمسون غِرته ، فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسلك العقبة أرادوا أن يسلكوها معه ، وقالوا : إِذا أَخذ فى العقبة دفعناه عن راحلته فى الوادى ، فأخبر الله تعالى رسوله بمكرهم ، فلما بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك العقبة نادى مناديه للناس : إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَخذ العقبة فلا يأخذها أحد ، واسلكوا بطن الوادى ، فإِنه أسهل لكم وأوسع ، فسلك الناس بطن الوادى إِلا النفر الذين مكروا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا، وسلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة، وأَمر عَمَّار بْنَ ياسر أَن يأُخذ بزمام الناقة ويقودها [ وأمر ](١) حذيفة بن اليمان أن يسوق من خلفه ، فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير من العقبة إِذ سمع حسّ القوم قد غَشْه ، فنفَّروا ناقة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حتى سقط بعض [ متاعه](٢) وكان حمزة بن عمرو الأَسلمى لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة ، وكانت ليلة مظلمة ، قال حمزة : فَنُوِّرَ لى فى أَصابعى الخمس ، فأَضاءَت حتى جمعتُ ما سقط من السوط والحبل وأَشباههما ، فغضب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر حذيفة أن يردهم ، فرجع حذيفة إليهم ، وقد رأى غضبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه محجن فجعل يضربُ وجوه رواحلهم وقال : إليكم إليكم يا أَعداءَ الله تعالى، فعَلِمَ القومُ أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اطَّلَع على مكرهم ، فانحطوا من العقبة مُسرعين حتى خالطوا الناس ، وأقبل حذيفة حتى أَتى رسول (١) إضافة عن المغازى للواقدى ٣: ١٠٤٢. (٢) سقط فى الأصول والمثبت يقتضيه السياق . - ٦٦٩ - ٠ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار ، فأَسرعوا حتى استوى بأَعلاها ، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقبة يتنظر الناس وقال لحذيفة : هل عرفت أَحداً مِنَ الركب ، الذين رددْتهم)) ؟ قال : يا رسول الله قد عَرفْت رواحلهم ، وكان القوم متلثمين فلم أُبصرهم من أجل ظلمة الليل . قال : (((هل عَلِمْتُم مَا كان من شأُهم وما أَرادوا))؟ قالوا: لا والله يا رسول الله. قال: ((فَإِنِهُمْ مَكَرُوا لِيسيرُوا مَعِى فإِذا طلعْتُ الْعَقَبَةَ زَحَمُونِى فَطَرَحُونى منها - إن شاءَ الله تعالى - قدْ أَخْبرنى بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبركم بهم إن شاءَ الله تعالى)) قالوا: أَفلاَ تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءَ الناس أَن تُضْرَب أَعناقهم ؟ قال : أكره أن يتحدث الناس ويقولوا : إن محمدا قد وضع يده فى أصحابه)) فسماهم لهما (١) ثم قال: ((اكتماهم)) فانطلقْ إِذا ٥٩٣ت أَصبحت فاجمعهم لى ، فلما أَصبح رسولُ الله - صلى / الله عليه وسلم - قال له أُسَيد بن الْحُضير : يا رسول الله ، ما منعك البارحة من سلوك الوادى ؟ فقد كان أسهل من العقبة ؟ فقال : ((يَا أَبَا يَحْبِى أَدْرِى مَا أَرَادَ بى الْمُنافِقُون وَمَا هَمُّوا بِه ؟ قالوا : نتبعه من العقبة ، فإِذا أَظْلَمَ عَلَيهِ الليلُ قطعوا أَنساع راحِلتى ونخَسُوهَا حتى يطرحونى عن راحلتى )) فقال أُسَيد : يا رسول الله، قد اجتمع الناس ونزلوا، فمُرْ كُلَّ بطن أَن يقتل الرَّجُلَ الذى همَّ بهذا ، فيكون الرجل من عشيرته هو الذى يقتله، وإن أَحْبَبْتَ - والذي بعثك بالحق - فنبئنى بأسمائهم فلا أَبرح حتى آتيك بُرُوسِهِم (٢). قال (( يَا أُسَيْدُ إِنِّى أَكْرَه أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّداً قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى إِذا أَظهره الله تعالى بهم أَقبل عليهم يَقْتُلُهم )) . وفى رواية ((إِنِّى أَكْرَه أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّداً لم أنقضت الحربُ بينه وبين المشركين وضع يده فى قتل أصحابه )) فقال: يا رسول الله ، فهؤلاء ليسوا بأصحاب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله ؟)) قال : بلى [ ولا شهادة لهم] (٣) قال: أليس يظهرون أَنى رسول الله؟)) قال: بلى. ولا شهادة لهم ، قال: ((فقد نُهيتُ عن قتل أُولئك)) . (١) الضمير هنا يعود على عمار بن ياسر وحذيقة بن اليمان رضى الله عنهما. (٢) أضاف الواقدى فى المغازى ٣: ١٠٤٣، ١٠٤٤ بعد ذلك ((وإن كانوا فى النبيت فكفيتكهم وأمرت سيد الخزرج فكفاك من ناحيته ، فإن مثل هؤلاء يتركون يارسول الله ؟ حتى متى تداهنهم وقد صاروا اليوم فى القلة والذلة ، وضرب الإسلام بجرانه فما يستبقى من هؤلاء؟)). (٣) الإضافة عن المغازى للواقدى ٣ : ١٠٤٤ - ٦٧٠ - وقال ابن إسحاق فى رواية يونس ابن بكير : فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لحذيفة: ((ادْعُ عبد الله )) قال البيهقى : أَظن ابن سعد بن أبى سرح ، وفى الأصل : عبد الله بن أبى سعد بن أبى سرح ، لم يعرف له إسلام كما نبه إليه فى زاد المعاد ، قال ابن إسحاق : وأَبا حاضر الأَعرابى ، وعامرا وأَبا عامر ، والجُلاس بن سُوَيَد بن الصامت وهو الذى قال : لا ننتهى حتى نَرْبِىَ محمداً من العقبة ، ولئن كان محمد وأصحابه خيراً منا إِنا إِذَا لَغَتَم وهو الراعى ، ولا عقْل لنا وهو العاقل ، وأمره أن يدعو مُجَمع بن جارية ، وفَلَيْح التيمى؛ وهو الذى سرق طيب الكعبة وارتد عن الإِسلام، وانطلق هارباً فى الأَرض فلا يُدْرَى أين ذهب، وأَمره أَن يدعوَ حُصَين بن نُمَيْرِ الذى أَغار على تمر الصدقة فسرقه ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((ويحك، ما حملك على هذا؟)) قال : حملنى عليه أنى ظننت أن الله تعالى لم يطلعك عليه أما إِذ أَطلعك عليه فإنى أَشهد اليوم أَنك لرسول الله، فإِنى لم أُومن بك قط قبل الساعة ، فأَقاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعفا عنه بقوله الذى قاله ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُذَيفة أَن يأْتِيه بطعمة بن أبيرق ، وعبد الله بن عُيَيْنة، وهو الذى قال لأصحابه : اشهدوا هذه الليلة تسلموا الدهر كله ، فوالله ما لكم أَمرُ دون أَن تقتلوا هذا الرجل . فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ويحك ما كان ينفعك من قتلى أو أَنى قتلت يا عدو الله؟ فقال عدو الله : يا نبي الله ، والله ما تزال بخير ما أعطاك الله تعالى النصر على عدوك ، فإنما نحن بالله وبك فتركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لحذيفة / ((ادع مُرَّة بن الربيع)) وهو الذى ضرب بيده على عاتق عبد الله بن أُبَىّ ثم قال: تمطى، أَو قال: تمططى ٣٤٥ ١ والنعيم كائن لنا بعده ، نقتل الواحد المفرد فيكون الناس عامة بقتله مطمئنين . فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ويحك، ما حملك على أن تقول الذى قلت؟)) فقال : يا رسول الله إن كنت قلت شيئاً من ذلك فإنك العالم به ، وما قلت شيئاً من ذلك . وهم اثنا عشر رجلا الذين حاربوا الله تعالى ورسوله ، وأرادوا قتله ، فأخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقولهم ومنطقهم وسرهم وعلانيتهم ، وأطلع الله نبيه - صلى - ٦٧١ - 1 الله عليه وسلم - على ذلك يعلمه، وذلك قوله عز وجل: ﴿وهَمُّوا بمَا لَمْ يَنَالُوا﴾(١) ومات الاثنا عشر منافقین محاربین الله تعالى ورسوله . قال حُذيفة - كما رواه البيهقى: ودعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهم ارمهم بالدُّبَيْلَة)) قلنا: يا رسول الله. وما الدُّبَيْلة؟ قال: ((شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك)). وروى مسلم عنه(٢) : أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « فى أصحابی اثنا عشر رجلا منافقاً لا يدخلون الجنة حتى يَلِجَ الجَمَلُ فى سَمِّ الخياط ، ثمانية يكفيهم(٣) الدُّبَيْلَة، سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم)) . قال البيهقى : وروينا عن حُذيفة - رضى الله عنه - أنهم كانوا أربعة عشر - أَو خمسة عشر (٤) . # ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - ان بالمدينة أقواما ما سرتم سيرا إلا كانوا معكم روى البخارى وابن سعد عن أنس ، وابن سعد عن جابر رضى الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: ((إِن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قَطَئْتُم وادياً إِلاَّ كانوا معكم)) فقالوا : يا رسول الله ، وهم فى المدينة؟ قال: ((وهم بالمدينة حبسهم العذر)). ** ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم - لما أشرف على المدينة ((هذه طابة)) روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبى حميد الساعدى ، وعبد الرزاق وابن أبى شيبة فى مصنفيهما ، والإِمام أحمد والبخارى عن أنس والإِمام أحمد ومسلم عن جابر ، وابن (١) سورة التوبة ٧٤ . (٢) أى عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه. وفى السيرة النبوية لابن كثير ٤: ٢٠ (( وفى رواية من وجه آخر عن قتادة. )) وساق الحديث الذى هنا مع اختلاف يسير فى بعض ألفاظه . (٣) كذا فى الأصول، وفى المرجع السابق ((يكفيكهم)). (٤) وبقية الحديث - وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ( السيرة النبوية لابن كثير ٤ : ٢٠ ). - ٦٧٢ - أبى شيبة فى مسنده عن أبي قتادة ۔ رضی الله عنهم - قالوا : أُقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك حتى أشرفنا على المدينة قال: ((هذه طابة - وزاد ابن أبى شيبة : أَسكننيها ربِّى - تنفى خبث أهلها كما ينفى الكير خبث الحديد )) انتهى . فلما رأَى أُحدا قال ((هذا أُحد جبل يُحبُّنَا ونحبه، ألا أُخبرُكم بخير دور الأَنصار)) قلنا بلى يا رسول الله، قال ((خير دور الأَنصار بنو النجار ، ثم دار بنى عبد الأشهل ، ثم دار بنى ساعدة)) فقال أبو أُسيد: ألم تر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرً دور الأنصار فَجَعَلنا آخرها داراً ؟ فأَدرك سعد رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يارسول الله خيرَّت دور الأَنصار فجعلتنا آخرها داراً. فقال: (( أَو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار ؟ )). ذكر ملاقاة النساء والصبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم روى البخارى وأبو داود والترمذى عن السائب بن يزيد - رضى الله عنه - قال : أَذكر أَنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ثنية الوداع مقدمه من تبوك . وروى البيهقى عن ابن عائشة - رحمه الله تعالى - قال : لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن (١): من ثنيات الوداع طلع البدر علينا مادعا لله داع وجب الشكر علينا وروى الطبرانى ، والبيهقى عن خريم بن أوس بن حارثة بن لأم / رضى الله عنه - ٠٩٥ قال : هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منصرفه من تبوك فسمعت العباس (١) يقلن: جاء فى شرح المواهب ٣: ٨٣ ((غلب النساء والولائد على ذكور الصبيان لكثرتهن ولأن الغناء عادتهن بخلاف الصبيان )» . (٤٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٦٧٣ - ابن عبد المطلب يقول: يارسول الله إنى أُريد أن أَمتدحك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((قل لا يفضض الله فاك)) فقال(١): ولما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة بدأ بالمسجد بركعتين ، ثم جلس للناس کما فی حدیث کعب بن مالك . قال ابن مسعود : ولماقدم رسول الله - صلی الله عليه وسلم المدينة قال: ((الحمد لله الذى رزقنا فى سفرنا هذا أَجراً وحسنة)) وكان قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة فى رمضان وكان المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبِّرون عنه أخبار السوء، ويقولون: إن محمدا وأصحابه قد جهدوا فى سفرهم وهلكوا . فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، فساءهم ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُم﴾(٢) * ** ذكر بيع المسلمين أسلحتهم وقولهم : قد انقطع الجهاد ١٣٤٦ قال ابن سعد : وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون : قد انقطع الجهاد./ فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاهم وقال: ((لا تزال عصابة من أُمتى يجاهدون على الحق حتى يخرج الدَّجَّال)). * ذكر أمر مسجد الضرار عند رجوع رسول الله - صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك روى ابن إسحاق عن أبى رُهْم كُلْثُوم بن الحصين الغِفَارِى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه من طريق آخر . والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس - رضى (١) بياض فى الأصول. ولم يذكر قصيدة العباس رضى الله عنه - وهى "كما فى السيرة النبوية لابن كثير ٥ : ٢٧، ٢٨ وشرح المواهب ٣ : ٨٤ . مستودع حيث يخصف الورق من قبلها طبت فى الظلال وفى ثم هبطت البلاد لا بشر بل نطفة تركب السفين وقد أنت ولا نطفة ولا علق ألجم نسرا وأهله الغرق إذا مضى عالم بدا طبق تنقل من صالب إلى رحم فى صلبه أنت كيف يحترق وردت نار الخليل مكتما حندق علياء تحتها النطق حتى احتوى بيتك المهيمن من وأنت لما ولدت أشرقت الأرض فضاءت بنورك الأفق فنحن فى ذلك الضياء وفى النسور وسبل الرشاد نخترق (٢) سورة التوبة آية ٥٠ . - ٦٧٤ - د. الله عنهم - وابن أبى حاتم وابن مردويه عن طريق آخر عن ابن عباس ، وابن المنذر عن سعيد بن جبير ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان - رحمهم الله تعالى - أن بنى عمرو بن عوف بنوا مسجداً فبعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيهم فيصلى فيه ، فلما رأَى ذلك ناسٌّ من بنى غَنْم بن عوف فقالوا : نبنى نحن أيضاً مسجدا كما بنوا ، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام : ابنو مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من قوة وسلاح فإنى ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتِى بجيش من الروم فأُخْرِج محمَّداً وأَصْحَابَه . فكانوا يرصدون قدوم أبى عامر الفاسق ، وكان خرج من المدينة محارباً لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أَن يُصَّى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر والعناد ، فعصم الله تبارك وتعالى رسولَه - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة فيه ، فأَتَى جماعة منهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوجه إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله إنا بَنَيْنَا مسجداً لذى العِلَّة والحاجة والليلة المطيرة، وإِنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه قال: ((إِنى على جَنَاحِ سَفرٍ وحال شغل، وإِذا قدمنا إن شاءَ الله صَلَّينا لكم فيه)) فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك ونزل بذى أوان - مكان بينه وبين المدينة ساعة - أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿والَّذِينِ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وكُفْراً﴾(١) الآية روى البيهقى فى الدلائل عن ابن عمر - رضى الله تعالى عنهما - فى قوله تعالى : ( والَّذِين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً) / هم أُناس من الأنصار ، ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر : ٥٩٦ت ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح فإنى ذاهب إلى قيصر ملك الروم ،. فآتى بجند من الروم فأُخرج محمدا وأصحابه . فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : فرغنا من بناء مسجدنا [ ونحن نحب ](٢) أن تصلى فيه وتدعو لنا بالبركة ، فأَنزل الله عز وجل: ( لَا تَقُمْ فِيه أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْم) - يعنى مسجد قباء - ( أَحقُّ أَن تَقُومَ فيه فيه رجَالٌ) إلى قوله: ﴿ إِلَى جُرُف هار ٣٤٦ب فانْهار بِهِ فِى نارِ جَهَنَّم واللّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمِ الظَّالِمِينِ)(٣) قال الحافظ بن حجر: (١) سورة التوبة آية ١٠٧ . (٢) سقط فى الأصل، والمثبت عن شرح المواهب ٣: ٨١. (٣) سورة التوبة آية ١٠٩. - ٦٧٥ - والجمهور على(١) أن المسجد المراد به المسجد الذى أسس على التقوى مسجد قباء ، وقيل : هو مسجد المدينة . قال : والحق أن كلا منها أسس على التقوى . وقوله تعالى - فى بقية الآية (فيه رجالٌ يُحبُّون أَن يتطهروا ) يؤكد أن المسجد مسجدُ قباء . قال الداودى وغيره : ليس هذا اختلاف ، فإن كلا منهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلى وزاد أَن قوله : ( مِنْ أَوَّلِ يَوْم ) يقتضى مسجد قباء، لأَن تأسيسه كان مِنْ أول يوم وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - بدار الهجرة . وروى ابن أبى شيبة ، وابن هشام عن عروة عن أبيه قال : كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها ليَّه كانت تربط حماراً لها فيه ، فأبتنى سعد بن خيثمة مسجداً ، فقال أَهل مسجد الضرار : نحن نصلى فى مربط حمار لَيَّه ؟ لا لعمر الله ، لكنا نبنى مسجدا فنصلى فيه ، وكان أبو عامر برئٍّ من الله ورسوله ، ولحق بعد ذلك بالشام فتنصر فمات بها، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ أَنَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً (٢) ) قال ابن النجار : هذا المسجد بناه المنافقون مضاهياً لمسجد قُبَاء ، وكانوا مجتمعين فيه يعيبون النبى - صلى الله عليه وسلم - ويستهزئون به ، وقال ابن عطية : روى عن ابن عمر أنه قال : المراد بالمسجد الذى أُسس على التقوى هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمراد بقوله ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ(٢) ﴾ هو مسجد قُبَاءِ، وأَن البنيان الذى أُسس على شفا جرف هار فهو مسجد الضِّرَار بالإجماع . قال ابن إسحاق ، وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا : خِذَامُ بن خالد من بنى عبيد ابن زيد ، ومُعتِّبُ بن قشَيْر من بنى ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأَزعر من بنى ضبيعة بن زيد ، وعَبَّادُ بن حُنَيْف أَخو سهل بن حنيف من بنى عمرو بن عوف ، وجَارية بن عامر، وابناه مُجَمَّع بن جارية وزيد بن جارية ، ونُفَيْل بن الحرث من بنى ضبيعة، ويَحْزَج بن عثمان من بنى ضبيعة، ووديعة بن ثابت من بنى أمية بن عبد المنذر(٣). (١) فى ت ((والجمهور على أن المراد بالمسجد الذى أسس على التقوى)). : (٢) سورة التوبة آية ١٠٩. (٣) وفى سيرة النبى لابن هشام ٣: ١٤٣ ((ووديعة بن ثابت وهو من بنى أمية بن زيد رهط أبى لبابة بن عبد المنذر)). - ٦٧٦ - ١ وقال بعضهم : إن رجالا من بنى عمرو بن عوف وكان أبو عامر المعروف بالراهب- وسماه النبي صلى الله عليه وسلم - بالفاسق - منهم ، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْتُم أَخا بنى سالم بن عوف، ومعن بن عَدِىّ وأَخاه / عاصم بن عَدِى - ٣٤٧ ١ زاد البغوى : وعامر بن السكن ووحشى قاتل حمزة ، زاد الذهبى فى التجريد : سويد ابن عباس الأَنصارى - فقال: ((انطلقوا إلى / هذا المسجد الظالم أَهله فَهدِّمُوه وحرِّقُوه)) ٥٩٧ت فخرجوا مسرعين حتى أتوا بنى سالم بن عوف ، فقال مالك لرفيقيه : أَنظِرانى حتى أَخرج إليكما ، فدخل إلى أَهله وأخذ سعفاً من النخيل فأَشْعَلَ فيه ناراً ، ثم خرجوا يشتدون حتى أتوا المسجد بين المغرب والعشاء ، وفيه أهله وحرقوه وهدموه حتى وضعوه بالأَرض وتفرق عنه أصحابه ، فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة عرض على عاصم ابن عدى المسجد يتخذه دَاراً ، فقال عاصم يا رسول الله : ما كنت لأَنخذ مسجداً - قد أَنزل الله فيه ما أنزل - داراً، ولكن أَعطه ثابت بن أَقْرَم فإنه لا منزل له ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثابت بن أقرم. فلم يولد فى ذلك البيت مولود قط(١) . ولم ينعق فيه حمام قط، ولم تحضن فيه دجاجة قط . وروى ابن المنذر عن سعيد بن جبير ، وابن المنذر وابن أبى حاتم ، وأَبو الشيخ عن قتادة ، وابن المنذر عن ابن جريج - رحمهم الله تعالى - قالوا : ذكر لنا أنه حُفِرَ فى مسجد الضِّرار بقعة فأَبصروا الدخان يخرج منها . ذكر ملاقاة الذين تخلفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال ابن عقبة: لما دنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة تلقاه عامة الذين تخلفوا عنه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لأصحابه ((لا تكلموا رجُلاً منهم ولا تجالسوهم حتى آذن لكم )) فأعرض عنهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأَخيه ، وحتى إِن المرأة لتعرض عن زوجها ، فمكثوا كذلك (١) أضاف الواقدى فى المغازى ٣: ١٠٤٧ بعد هذا ((وكان أبو لبابة بن عبد المنذر قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموص عليه فى النفاق . ولكنه كان يفعل أموراً تكره له ، فلما هدم المسجد أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلا ، وكان بيته الذى بناه إلى جنبه قال : فلم يولد له فى ذلك البيت مولود قط)). - ٦٧٧ - أياماً حتى ركب(١) الذين تخلفوا ، وجعلوا يعتذرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . بالجهد والأسقام ، ويحلفون له، فرحمهم وبايعهم واستغفر لهم . *** ذكر حديث كعب بن مالك وأصحابه - رضى الله عنهم (٢) روى ابن إسحاق ، وعبد الرزاق ، وابن أبى شيبة ، والإِمام أحمد ، والشيخان عن كعب ابن مالك - رضى الله عنه - قال: لم أَتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة غزاها إِلا فى غزوة تبوك ؛ غير أنى كنت تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحداً تخلف عنها ، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم ٣٤٧ب وبين علوهم على غير ميعاد، / ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقْنَا على الإِسلام ، وما أُحِبُّ أَنَّ لى بها مَشْهَدَ بدر ، وإِن كانت بدر أَذكر - وفى رواية : وإن كانت بدر أكثر ذكراً فى الناس منها . كان من خبرى أَنِّى لم أكن قَطُّ أَقوى ولا أيسر منِّى حين تخلَّفْتُ عنه فى تلك الغزوة ، والله ما اجتمعت عندى قبله راحلتان قط حتى جمعتهما فى تلك الغزوة ، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إِلا وَرَّى بغيرها، وكان يقول: ((الحرب خدعة)) حتى كانت تلك الغزوة ؛ غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حَرِّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومغازاً(٣) وعدداً كثيراً ، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأَهبوا أُهْبَةُ غزوهم - وفى لفظ أُعْبَةَ عدوهم - فأخبرهم بوجهه الذى يريد ، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرون - وعند مسلم يزيدون على عشرة آلاف . ٥٩٨ت وروى الحاكم فى الإكليل عن معاذ - رضى الله عنه / قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفا ، وقال أَبو زُرْعَة الرازى: لا يجمعهم كتابٌ حافظ - قال الزهرى: يريد الديوان ، قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلاَّ ظن أَنْ (٤) سيخفى له ما لم ينزل فيه وحى الله تعالى . (١) كذا فى الأصول. وفى شرح المواهب ٣: ٨٥ (( كرب الذين تخلفوا)). (٢) انظر حديث كعب فى البداية والنهاية ٥: ٢٣، والمغازى للواقدى ٣: ٩٩٧، وشرح المواهب ٣: ٦٣، ٨٥ . (٣) كذا فى الأصول. وشرحها المصنف فى الغريب فقال: المفازة الفلاة. وفى شرح المواهب ٣: ٦٣ (( وغزا عدداً كثيراً)) وكذا فى ت ٥٩٧. وفى المغازى للواقدى ٣: ٩٩٠ ((وغزا وعدداً كثيراً)) وفى البداية والنهاية ٥: ٢٣ (( واستقبل سفراً بعيداً وعدواً وعداداً كثيراً )) . (٤) كذا فى النسخ ماعداً ت ٥٩٨ ففيهاً (إنه سيخفى)) وفى البداية والنهاية ٥: ٢٣ ((أنه يستخفى)). - ٦٧٨ - : ١٠ وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والغلال فى قيظ شديد ، فى حال الخريف والناس خارفون فى نخيلهم ، وتجهّزَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتَجهَّزَ المسلمون معه ، فخرج فى يوم الخميس وكان يُحِبُّ إذا خرج فى سفر جهاد أو غيره أن يخرج يوم الخميس ، فطفِقت أَغدو لكى أَتجهز معهم فأَرجع ولم أَقض شيئا ، فأَقول فى نفسى : أَنا قادر عليه ، وفى رواية : وأَنا أَقدر شيئا فى نفسى على الجهاد وخفة الجهاد ، وأَنا فى ذلك أصبو إلى الظلال والثمار، ولم يزل يتمادى بى الحاذ(١) حتى اشتد بالناس الجِدُّ ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاديا والمسلمون معه يوم الخميس ، ولم أَقض من جهازى شيئا ، فقلت : أَتجهز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحقهم ، فغدوتُ بعد أَن فَصَلُوا لأَنجهز فرجعت ولم أَقْض شيئاً . فلم يزل ذلك يُتْمَادى بى حتى أَمعن القوم وأسرعوا وتفارط الغزو ، وهممت أَنْ أَرتحل فأدركهم - وليتنى فعلت - !! فلم يُقْتَر لى ذلك ، فکنت إِذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزننى أَنى لا أَرى إلاَّ رجُلاً مغموصاً عليه بالنفاق ، أَو رجُلاً مِمَّن عذَّر الله - تعالى - من الضعفاء - وعند عبد الرزاق : وكان جميع من تخلَّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة وثمانين رجُلاً - ولم يذكُرْنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك. فقال وهو جالس فى القوم بتبوك: ((مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِك؟ )) فقال رجُلٌ من بنى سَلِمة، وفى رواية من قومى - قال محمد بن عمر: هو عبد الله بن أنيس السَّلَمى - بفتح اللام - لا الجهنى: يارسول الله حبسه بُرْدَاه ونَظَرُه فى عِطْفَيه . فقال معاذ بن جبل - قال محمد بن عمر : وهو أَثبت ، ويقال : أَبو قتادة : بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمتُ عليه إلا خيرا . فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم . قال كعب بن مالك : فلما بلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجه قافلا حضرنى همى ، وطفقت أعد عُذْراً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهيئ الكلام، وأقول : بماذا أخرج من سخطه - صلى الله عليه وسلم - غدا ، واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أَهلى ، فلما قيل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أَظلَّ قادماً زاح عنى الباطل ، (١) كذا فى النسخ ماعداً ت ٥٩٨، ففيها ((الحال)) وفى شرح الغريب قال ((الحاذ هى الحال وزنا ومعنى)). - ٦٧٩ - وعرفت أنى لم أخرج منه أبداً بشئ فيه كذب ، فأَجمعت صدقه ، وعرفت أنه لا ينجينى منه إلا الصدق ، وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً، قال ابن سعد : فى رمضان، قال كعب : وكان إذا قدم من سفر لا يقدم إلا فى الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم يدخل على فاطمة ثم على أزواجه ، فبدأ بالمسجد فركعهما ، ثم جلس للناس . فلما فعل ذلك جاءَه المُخلَّفُون فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة ٥٥٩ت وثمانين / رجلا ، فقبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسّم المنْضَب ، فقال : ((تعال)) فجئت أَمشى حتى جلست بين يديه - وعند ابن عائذ : فأَعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ، لم تعرض عنى ؟ فوالله ما نافقت ، ولا ارتبت، ولا بدَّلت - قال كعب: فقال لى: ((ما خلَّفَك؟)) أَلم تكن قد أَبْتَعْتَ ظَهْرَك؟)) فقلت : بلى إِى والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأُخرج من سخطِهِ بعُذر ، ولقد أُعُطِيتُ جَدَلاً، ولكنى - والله - لقد علمت لئن حدَّثْتُكَ اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله تعالى أَن يُسْخِطَكَ على، ولئن حَدَّثْتُك اليوم حديث صِدْقٍ تجِدُ علىَّ فيه، إنى لأَرجو فيه عَفْوَ الله عنى، لا والله ما كان لى من عُذْر ، والله ما كنت أَقْوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((أَمَّا هذا فقد صَدَق، فقم حتى يَقْضِى اللهُ تعالى فيك ما يشاء)) فَقُمت، فمضيت ٣٤٨ب وثار رجال من بنى سَلمة فاتبعونى ، فقالوا : ما علمناك / كنت أَذنبت ذنباً قبل هذا ، ولقد عجزت أَن لا تکون اعتذرت إِلی رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر به إليه المخلَّفون ، وقد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك. فوالله مازالوا يُؤَّنِّبُوننى ، حتى أَردت أَن أَرجع فأُكَذِّبَ نفسى ، فقلت : ما كنت لأَجمع أمرين : أَتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكذبه ، ثم قلت لهم : هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هُمَا ؟ قالوا : مُرَارةُ بنُ الربيعِ العَمْرِى ، وهلال بن أُميَّة الواقف. وعند ابن أبى حاتم من مرسل الحسن: أَن سبب تخلف الأَول أنه كان له حائط حين زها ، فقال فى نفسه : قد غزوت قبلها فلو أَقمت عامى هذا ؟! فلما تذكر ذنبه - ٦٨٠ -