Indexed OCR Text
Pages 461-480
الناس أَبْنَاءَهم ونساءهم وأموالهم. فقال دريد: قد شرط لى أَلا يخالفنى فقد خالفنى فأَنا أُرجع إلى أَهلى وتارك ما هنا. قيل: أَفتلقى مالكاً فتكلمه ؟ فَدُعِى له مالك ، فقال : يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك. وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام . مالى أسمع بكاءَ الصغير ورغاءَ البعير ونهاق الحمير وبعار الشاء وخوار البقر ؟! قال : قد سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. قال : ولم؟ قال: أَردتُ أَن أَجعل خلف كل إنسان أهله وماله يُقاتل عنهم . فَأَنْقَضَ(١) به دُريُدٌ وقال : راعى ضأن والله، ما له وللحرب . وصفَّقَ دُرَيْدُ بإحدى يديه على الأُخرى تعجُّباً وقال : هل يردُّ المنهزمَ شىءٌ؟ إنها إِن كانت لك لم ينفعك إلاَّ رجُلٌ بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فَضِحْت فى أهلك ومالك ، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة ، بيضة هوازِن إِلى نحور الخيل شيئاً ، فأرفع الأَّموال والنِّساءَ والذَّرارى إِلى عُلْيَا قومهم ، ومُمْتَنَعِ بلادهم ، ثم ألْقَ القوم على مُتُونِ الخيل والرجال بين أَصفاف الخيل أَو متقدمة دريّة(٢) أمام الخيل فإن كانت لك لَحِقِ بك مَنْ وراءك ، وإن كانت عليك ألفَاك ذلك ، وقد أَحرزْت أَهلك ومالك . فقال مالكُ بنُ عوف: والله لا أَفعل ولا أُغْيِّرُ أَمراً صنعته ؛ إِنَّك قد كَبِرْتَ وكَبِرَ علمك، أَو قال عقلك . وجعل يضحك مما يشير به دُرَيد ، فغضب دُريدُ وقال: هذا أيضاً يا معشر هَوَازن، والله ما هذا لكم برأي، إنَّ هذا فاضِحُكُم فى عودتكم ، ومُمكِّنُ منكم عدوّكم وَلَاحِقٌ بحصْنٍ ثقيف وتارككم، فانصرِفُوا وأتركوه ، فسَلَّ مالكٌ سَيْفَه ثُمَّ نكَّسه ، ثم قال: يا معشر هَوازِن !! واللهِ لتطيعننى أَو لأَنَّكِتَنَّ على هذا السَّف حتَّى يخرجَ منْ ظهْرِى - وكره أَن يكون لدُرَيد فيها ذكرٌ أَو رأى - فمشى بعضُهم إلى بعضٍ وقالُوا : واللّهِ - لئن عصينا مالكًا ليقتلنَّ نفسه وهو شابٌّ، ونبقى مع دُرَيْد وهو شيخ كبير لا قتال معه ، فأَجمعُوا رأيكم مع مالك. فلما رأى دُريْدٌ أَنهم قد خالفوه قال : يا ليتنى فيها جذَع أَخُبُّ فيها وأضع كأَنَّها شاةٌ صَدع أَقودُ وطْفَاءَ الزَّمَعِ (١) ناقض به أى زجره كما تزجر الدابة وهو أن يلصق اللسان بالحنك الأعلى ويصوت به. (السيرة الحلبية ٢: ٢٣٠) وفى المغازى الواقدى ٣: ٨٨٨ ((فانقض بيده)) وشرحها المحقق بقوله أى صفق بإحدى يديه على الأخرى حتى يسمع لهما نقيض أى صوت - النهاية ٤ : ١٧١ . (٢) ((درية)) كذا فى الأصول وسترد كذلك فى شرح الغريب. ولعلها تسهيل لدريئة من الدر, وهو الدفع. - ٤٦١ - قال ابن هشام : أنشدنيه غير واحدٍ من أهل العلم : ثم قال دُرَيْدٌ : ليتنى فيها جذع يا معشر هَوازِن ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : ما شهدها منهم أحد . قال : غاب الحدُّ والجِدُّ، لو كانَ يومَ عَلَاءِ ورِفْعةٍ ، وفى لفظٍ : لو كان ذِكْراً وشَرفاً ما تخلَّفُوا عنه، يا معشر هوَازِن ارْجِعُوا وافعلوا ما فعل هؤلاء ، فأَبوا عليه ، قال : فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامر وعوف بن عامر ، قال : ذانك الْجَذَعَانِ من بنى عامر لا ينْفَعان ولا يضُرَّان. قال مالِك لدُرَيْد : هل من رأى غير هذا فيما قد حضر من أَمر القوم ؟ قال دُريْد : نعم تجعلُ كميناً ، يكونون لك ٤٨٦ت عوناً / ، إِنْ حملَ القومُ عليك جاءهُ الكمينُ من خَلْفهم، وكررْتَ أَنت بمن معك، وإنْ كانت الحملةُ لك لم يُفْلت من القوم أَحدُ . فذلك حين أمر مالك أصحابه أَنْ يكونوا كميناً فى الشِّعاب وبطون الأودية، فحملُوا الحملةَ الأُولى التى أنهزم فيهارسُولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال دُريْد: مَنْ مُقَدِّمَةُ أَصحابِ محمد ؟ قالوا : بنى سُليم ، قال : هذه عادةً لهم غير مُسْتَنْكرة ، فليت بعيرى يُنَحّى من سنن خيلهم ، فنحِىّ ، بعيرُه مُولِّيًا من حيث جاءً . ٢٧٥ ذكر استعماله - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد أميرا على مكة ومعاذ بن جبل - رضى الله عنهما - مُعَلَّما لأهلها / قالوا : لما بلغَ رَسُولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خبرُ هوازِن وما عزمُوا عليه أراد التَّوجَّه لقتالهم، واستخلفَ عَتَّاب بن أسيد أميراً على أهل مكة ، ومُعَاذَ بن جَبَل يعلمهم السَّنَنَ والفقه ، وكان عُمْرُ عَتَّب إِذ ذاك قريباً من عشرين سنة . ذكر استعارته - صلى الله عليه وسلم - أدرعاً من صفوان بن أمية روى ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - وعن عمرو بن شعيب وعبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم والزهرى : أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - لما أجمع السَّير إلى هَوَازِن ذُكِرَ له أن عند صفوان بن أُمَيَّةَ أَدْرُعاً وسلاحاً ، فأَرسل إليه - وهو يومئذ مشرك - فقال: ((يَا أَبَا أُمَّيَّةَ أَعِرْنَا سِلاَحَكَ هَذَا نَلْقَى فِيه عَدُوَّنا) فقال صفوان: أغَصْبا يا محمد ؟ قال: ((لا بَلْ عَاريَة مَضْمُونَة - ٤٦٢ - ١ حَتَّى نَرُدَّهَا إِلَيْك)) قال: ليس بهذا بأُس. فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح ، فسأله رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أَوْطَّاس . ورواه الإِمام أحمد وأبو داود والنسائى عن أُميَّة بن صَفْوَان، وسيأتى فى أبواب معاملاته - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ويُقال إنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - استعار منه أربعمائة درع بما يصلحها . قال السُّهَيْلى: واستعار رسولُ اللهِ - صلَى الله عليه وسلَّم - فى غزوةٍ حُنَيْن من نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رُمح، فقال - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - كأَنى أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهْر المشركين . ذكر أرساله - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن أبى حدرد ليكشف خبر القوم روى ابن إسحاق فى رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله - رضى الله تعالى عنهما - وعمرو بن شعيب ، وعبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم - رحمهم الله تعالى - أَنَّ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - لَمَّا سمع بخبر هَوَازِن بعث عبد الله بن أبى حَدْرَد - - رضى الله عنه - فأَمره أن يدخل فى القوم فيقيم فيهم، وقال: ((إِعْلَمْ لَنَا عِلْمَهُم))(١) فأتاهم فدخل فيهم فأقام فيهم يوماً وليلة أو يومين ، حتَّى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرْبِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وسمع من مالك ، وأَمر هوازن وما هم عليه . وعند محمد بن عمر أنه انتهى إلى خباء مالك بن عَوف فيجد عنده رؤساءَ هوَازن ، فسمعه يقول لأصحابه : إنَّ محمدا لم يُقَاتل قوماً قط قبْل هذه المرة ، وإنما كان يلقى قوماً أَغمارا لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم ، فإذا كانِ السَّحَر فصفُّوا مواشيكم ونساءً كم من ورائكم ، ثم صُفُّوا ، ثم تكونُ الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فَتَلْقَوْنَه بعشرين ألفَ سيف مكْسُورَةِ الجفون ، وأحملوا حملة رجلٍ واحد ، وأعلموا أَنَّ الغلبة لمن حمل أولاً . انتهى . ثم أَقبل حتَّى أَتى رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَخبره الخبر، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلّم - لعُمَرَ بْنِ الخطّاب (( أَلاَ تَسمَعْ مَا يَقُولُ أبنُ أَبِى حَدْرَدْ))؟ فقال: (١) فى (ص) ٢: ٢٣٤ ((إعلى لنا من علمهم)) والمثبت عن بقية النسخ. - ٤٦٣ - عمر : كذب . فقال ابن أَبى حَدْرَدْ: والله لئن كذبتنى يا عمر لُرُبَّما كذبت بالحقِّ . فقال عمر : أَلا تسمع يا رسولَ الله ما يقول ابن أبى حَدْرَد ؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد (( كُنْتَ ضَالاً فَهَدَاكَ الله)). # ذكر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقاء هوازن روى البخارى عن أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه - أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم قال حين أراد حُنَيْناً ((مَنْزِلُنَا غَدًا - إِنْ شَاءَ اللّه تَعَالَى بخيف بن كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وفى رواية قال : منزلنا إن شاءَ الله تعالى إِذَا فَتَحَ اللهُ الْخَيْفِ حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ )) . قال جَمَاعة من أئمة المغازى : خرج رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم فى أثنى عشر ألفاً من المسلمين ؛ عشرة آلافٍ من المدينة وألفين من أَهْل مكّة . وروى أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الَّلْثى - رحمه الله تعالى - قال: كان مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أربعة آلافٍ من الأَنصار، وألف من جهينة وألف من مزينة ، وألف من أسلم . وألف من غفار ، وألف من أَشجع ، وألف من المهاجرين وغيرهم ، فكان معه عشرة آلاف ، وخرج باثنى عشر ألفاً ، وعلى قولٍ عُرْوَة والزهرى وابن عُقبة يكون جميع الجيش الذين سار بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر ألفاً، لأنهم قالوا : إنه قَدِمَ مكَّة بإِثنى عشر ألفاً، وأضيف إليهم أَلفان مِنْ الطُّلَقَاءِ. قال محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - غدا رسول الله - صلىَّ الله عليه وسلَّم - يومَ السبت لستُّ خَلَون من شوَّال . وقال ابن إسحاق لخمس ، وبه قال عُرْوة ، واختاره ابن جرير ، وروى عن ابن مسعود قال ابن عُقبة ، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - ثم بعد فتح مكَّة خرج رسولُ ٣٦ّ صلى الله عليه وسلم / لحنين وكان أهل حنين وفى رواية أهل مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - أنَّه مبادرٌ بهوازن، وصنع الله لرسوله أحسن من ذلك ؛ فتح له مكة وأَفرَّ بها عينه وكَبَتَ بها عدوّه، فلما خرج إلى خُنَیْن - ٤٦٤ - ١ خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا - ركباناً ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دينٍ نُظَّاراً ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أَن تكونَ الصَّدمة لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم . وكان معه أبو سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، وكانت أمرأَته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما ، وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط تُرُسُ أَو سَيْف أَو متاع من أصحاب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نادى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَنْ أَعْطِنِيه أَحمله حتى أَوْقَرَ بعيره . قال محمد بن عمر : وخرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجتاه أُم سلمة وميمونة فضُربَت لهما قبة . ذكر قول بعض من أسلم، وهو حديث عهد بالجاهلية - اجعل لنا ذات أنواط روى ابن إسحاق، والترمذى - وصححَه - والنسائى وابن أبى حاتم عن أبى قتادة الحارث بن مالك - رضى الله عنه - قال: خَرَجْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حُنيْن - ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية فسِرْنا معه إلى حُنين ، وكانت لكفار قريش وَمَنْ سِواهِمٍ مِنَ العرب شجرةٌ عظيمة ، وعند الحاكم فى الإِكليل سِدْرَةٌ خضراء - يُقال لها ((ذاتُ أَنواط)) - يأْتُونها كل سنةٍ، فيعلِّقُون أسلحتهم عليها، ويذْبحونَ عندها، ويعكُّفُونَ عليها يوماً ، فرأينا ونحن نسير مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سدرةً خضراءَ عظيمة، فتنَادَيْنا مِنْ جَنْبَابِ الطريق: يا رسولَ الله، اجعلْ لنا (( ذَاتَ أَنواطِ » كما لهم ((ذاتُ أَنواط)) فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ((اللهُ أَكْبِرَ اللهُ أَكْبَر الله أكْبر، قلتم - والذِى نفْسِى بِيَدِه - كمَا قالَ قَوْمُ مُوسَى لِموسَى ( اجْعَلْ لَنا إِلَها كَمَا لَهم آلِهِةٌ قَالَ إِنكم قوْمُ تَجْهِلُون﴾(١) إنها لسننُ، لَتَرْكُبن سَننَ مَنْ كَان قبلَكم حَذَوَ الْقذة بِالْقُذة )» . (١) سورة الأعراف آية ١٣٨. (٣٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٤٦٥ - ذكر الآية فى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له أن هوازن قد أقبلت عن سهل بن الحنظلية - رضى الله عنه - إنهم سارُوا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ حُنيْن فأَطنبوا فى السَّير حتى إذا كان عشية حضرتُ صلاةَ الظهر عند رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فجاء رجلٌ فارس فقال : يا رسول الله، إِنى أنطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ جبل كذا وكذا ، فإذا (١) بهوازن قد جاءَت عن بَكْرَةِ أَبيهم بِظُعُنِهِم ونَعَمِهِم وشائِهم ، اجتمعوا ، فتبسمَّ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((تِلْكَ غَنِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ تعَالى)). ثم قال: ((مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلة؟)) قال أنس بن أَبِى مرثد: أَنا يا رسولَ الله، قال: ((فارْكَبْ)) فركب فرساً له، وجاءَ إلى رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((اسْتَقْبِلْ هَذَا الشَّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِى أَعْلَاه ولا نُغَرَّن مِنْ قِبَلِكَ اللَّيْلَةِ)) . فلما أصبحنا خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مُصَلاَّه فركع ركعتين ثم قال: ((هَلْ أَحْسَئْتُمْ فَارِسَكُم ؟)) قالوا : يا رسول الله ما أحسسناه ، فثوب بالصلاة فجعل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - يُصلى وهو يَلْتَفِتُ إلى الشِّعب، حتَّى إِذا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: ((أَبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ)) فجعل ينظر إلى خلال الشجر فى الشِّعب، وإذا هو قد جاءَ حتى وقف على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال إِنِّى انطلقْتُ حتى كنتُ فى أَعلى هذا الشُّعب حيث أَمرنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أَصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أَر أَحداً ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هَلْ نَزَلْت اللَّيْلَةَ؟)) قال: لا إِلا مُصلِّياً، أَو قاضى حاجة، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قَدْ أَوْجبت فَلاَ عَلَيْكَ أَن لا تَعْمَل بعْدَهَا)) رواه أبو داود والنسائى. (١) فى السيرة النبوية لابن كثير ٤: ٣٢٥ فإذا أنا بهوازن. - ٤٦٦ - ١ : ذكر شعر عباس بن مرداس - رضى الله عنه - ناصحا لهوازن مِنِّى رسَالَةَ نُصْحَ فِيهِ تِبْيَانُ أَبْلِغْ هَوَازن أَعْلَاهَا وأَسْفَلَهَا جَيْشاً لَه فِى فَضَاءِالْأَرْضِ أَرْ كَانُ إِنِّى أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ صَابِحَكُمْ وَالْمُسْلِمُونَ عِبَادُ اللهِ غسَّانُ فِيهِمْ سُلَيْمُ أَخُوكُمْ غَيْرَ تَارِ كِكُمْ وَالْأَجْرِبَان بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ وَفِى عِضَادَتِهِ الْيُمْنَى بَنُو أَسد وَفِى مُقَدَّمِهِ أَوْسُ وَعُثْمَانُ تَكَادُ تَرْجُفُ منه الْأَرْضُ تَرْهَبُهُ قال ابن إسحاق : أَوس وعثمان قبيلا(١) مُزّيْنة . ذكر الآية فى حفظه - صلى الله عليه وسلم - ممن أراد الفتك به روى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا : قال أَبو بُرْدة - بضمِّ الموحدة ، وسكون الرَّاءِ وبالدَّال المهملة - بن نِيَار - رضى الله عنه - لَمَّا كنا بأَوْطَاس نزلنا تحت شجرة ونظرنا إلى شجرة عظيمة فنزل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تحتها وعلَّق سيفه وقوسه ، وكنتُ أَقرب أَصحابى إليه ، فما راعى (٢) إِلا صوته: يا أَبا بُرْدَة ، فقلت: لَبِّيك يا رسولَ الله، فأَقبلت سريعاً فإذا رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - جالس وعنده رجل جالس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ هذا الرَّجل جاءنى وأَنا نائِم ، فسلَّ سيْفى ، وقام به على رأسى ، فانتبهت وهو يقول: يا محمد من يمنعُك متِّى ؟ فقلت: الله تَعَالى، قال أبو بُردة: فسللتُ سيفى، فقال رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: شمْ(٣) سَيْفَكَ. فقلت: يا رسولَ الله، دعنى أَضربْ عنُق عدُوّ الله؛ فإِنَّه من عيونِ المشركين. فقال لى: ((اسْكُتْ يَا أَبَا بُرْدَة)). قال: فما قال له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - شيئاً ولا عاقبه. قال: فجعلت أصيح به فى العسكر لأُشهره(٤) للنَّاس فيقتله قاتل بغير أَمرِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَما أَنا فقد كفَّى (١) فى ص ٢: ٢٣٥ قبيلتا)) والمثبت عن بقية النسخ. (٢) فى المغازى الواقدى ٣: ٨٩١ ((فما أفزعنى)). (٣) شم سيفك أى أغمده (٤) فى المغازى الواقدى ٣: ٨٩٢ ((ليشهده الناس)) ( الصحاح ) - ٤٦٧ - رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن قتله، فجعل النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((يا أَبا بُرْدَة كف عن الرجل. فرجعت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا أَبا بردة إِنَّ اللّهُ مَانِعِى وَحَافِظِى حَتَّى يُظْهرَ دِينَه عَلَى الدِّين كُلِّه))(١). *** ذكر الآية التى حصلت الجواسيس المشركين فى هذه الغزوة روى أبو نُعيم والبيهقى من طريق ابن إسحاق قال : حدَّثنى أُمية بن عبد الله بن عمرو ابن عثمان بن عفان أَنه حُدّث أَن رسولَ الله - صَلَى الله عليه وسلم - قد انتهى إلى حُنَيْن مساءً(٢) ليلة الثلاثاء لعشرٍ خلوْنَ من شوال، وبعثَ مالكُ بنُ عوف ثلاثةَ نفرٍ من هَوَازن ينظرون إلى رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وأَصحابِهِ، وأَمرهم أن يتفرَّقُوا فى العسكر فرجعوا إليه وقد تفرّقت أَوصالُهم ، فقال: ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأَيْنا رجالاً بيضاً على خَيْلٍ بُلْقَ، فوالله ما تماسكنا أَن أَصابنا ما ترى، والله ما نُقَاتِلُ أَهل الأَرض ، إنْ نقاتِلُ إلاَّ أَهل السماوات وإِن أطعتنا رجعت بقومك، فإِنَّ الناس إِن رَأَوا مثل الذى رأينا أَصابهم مِثْلُ ما أصابنا . فقال: أُفِّ لكم ، أنتم أَجبن أَهل العسكر . فحبسهم عنده فرقاً أَن يشيع ذلك الرعب فى العسكر ، وقال: دُّونى على رجُل شجاع . فأَجمعوا له على رجل ، فخرج ثم رجع إليه قد أَصابه كنحو ما أَصاب مَنْ قَبْلَه منهم ، فقال : ما رأيت ؟ قال : رأيتُ رجالاً بيضا على خيلٍ بُلْق، ما يُطاق النظر إليهم، فو الله ما تماسکت أَن أصابنى ما تری ، فلم يُفْنِ ذلك مَالِگًا عن وجهه ، وروی محمد بن عمر نحوه عن شيوخه . ذكر تعبئة المشركين عسكرهم قال شيوخ محمد بن عمر : لما كان ثلثا (٣) الليل عَمَد مالك بن عوف إِلى أَصحابه فعبأَهم فى وادى حُنَين ، وهو وادٍ أَجوف خطوط ذو شعاب ومضايق ، وفرق النَّاسَ فيها ، وأَوعز إليهم أَن يحملوا على رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وأَصحابه حملةً واحدة . (١) ورد فى هامش (ت) ((وتقدم فى غزوة ذات الرقاع قصة شبيهة لهذه، والظاهر أنها لغير هذه)). (٢) فى (ص) ٢: ٢٣٥ عشية ليلة)) والمثبت عن بقية النسخ. (٣) عبارة ابن عمر الواقدى فى المغازى ٣: ٨٩٥ ((لما كان من الليل)). - ٤٦٨ - وعباً رسولُ الله - صَلَى الله عليه وسلم - أصحابَه وصفَّهم صُفوفاً فى السَّحر، ووضع الأَّلوية والرَّايات فى أهلها ، ولبس درعين والمغفر والبيضة ، وركب بغلته البيضاء ، واستقبل الصفوف ، وطاف عليهما بعضها خلف بعض ينحدرون ، فحضهم على القتال وبشّرهم بالفتح إِنْ صدقوا وصبروا ، وقدّم خالدَ بنَ الوليد فى بنى سُلَيْم وأهل مكة ، وجعل ميمنةً وميسرةً وقلْبا ؛ كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم فيه * ذكر اعجاب المسلمين كثرتهم يوم حنين روى يونس بن بكير فى زيادات المغازى عن الربيع بن أنس قال : قال رجلٌ يوم حُنَيْن : لن نُغلب من قلَّة، فشق ذلك على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكانت الهزيمة . وروى ابن المنذر عن الحسن قال : لمَّا اجتمع أَهلُ مكَّة وأَهلُ المدينة قالوا : الآنَ نُقاتِلُ حين اجتمعنا ، فكره رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما قالوا مما أُعجبهم من كثرتهم ، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد على أَحَد . وروى أبو الشيخ والحاكم - وصححه - وابن مردويه والبزار عن أَنس - رضى الله عنه - قال : لما اجتمع يوم حنين أَهل مكة وأهلُ المدينة أعجبتهم كثرتهُم فقال القوم : اليوم والله نقاتل، ولفظُ البزَّار؛ فقال غلامٌ من الأَنصار يَوْمَ حُنَيْن لن نُغْلَبَ اليومَ من قَلة. فما هو إِلاَّ أَن لقينا عدوّنا فانهزم القومُ، وولُّوا مُديِرين. وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزّهرى ، قال رجلٌ من أصحاب رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لو لقينا بنى شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليومَ أَحدُ من قلَّة . قال ابن إسحاق : حدثنى بعْضُ أَهل مكة: أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال حين فَصَل من مكَّةً إِلى حُنيْن، ورأَى كثرةَ مَنْ معه مِنْ جُنُودٍ الله تعالى: ((لن نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّة)) ، كذا فى هذه الرواية . والصَّحيح أَنَّ قائِل ذلك غير النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما سبق. قال ابن إسحاق / : وزعم بعضُ الناس أَنَّ رجلا من بنى بكر قالها . - ٤٦٩ - ٢٧٨ ت وروى محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب - رحمه اللهُ تعالى - أَنَّ أَبا بكر - رضى الله عنه - قال : يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليومَ من قلة . كذا فى هذه الرّواية ، وبذلك جزم ابنُ عبد البر . قال ابنُ عقبة : ولمَّا أَصبح القومُ ونظَرَ بعضُهم إلى بعض ، أَشرف أَبو سفيانَ ، وأبنه معاوية ، وصفوان ابن أُمية ، وحكيم بن حِزَام على تَلُّ ينظرون لمن تكون الدائرة ذكر كيفية الوقعة وما كان من أول الأمر من غرار أكثر المسلمين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم كانت العاقبة للمتقين، وما وقع فى ذلك من الآيات قال ابن سعد: أَشهد رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِلى حُنَيْن مساءً ليْلَةِ الثّلاثاء لعشرٍ ليالٍ خَلَوْن من شوال . روى ابنُ إسحاق ، والإِمام أحمد وابن حبان عن جابر بن عبد الله ، والإِمام أحمد من طريقين ، وأَبو يَعْلِىَ . ومحمد بن عمر عن أنس ابن مالك - رضى الله تعالى عنهما - لَمَّا استقبلْنا وادِىَ حُنَيْن انحدرنا فى وادٍ أَجوف خطُوط له مضايق وشعاب ، وإِنما ننحدرُ فيه انحداراً، وفى عَمَاية الصُّبْح ، وقد كان القوم سبقونا إلى الوادى فمكثوا فى شِعَابِه وأَجْنَابه ومضايقه " وتَهيَّئُوا، فوالله ما راعنا ونحن مُنْحَطُّونَ إِلَّ الكتائِب قد شدُّوا علينا شَدَّةَ رجلٍ واحد ، وكانوا رماة . قال أَنْسُ - رضى الله عنه - استقلبنا من هوازن شىء، لَا وَاللهِ ما رأَيتُ مثله فى ذلك الزَّمان قط، من كثرةٍ (١) السَّواد، قد ساقوا نساءَهُم وأبناءهم وأموالهم ثم صفُّوا صفوفاً ، فجعلوا النِّساءَ فوق الإِبل وراءَ صفوف الرجال ، ثم جاءُوا بالإِبل والبقر والغنم ، فجعلوها وراءَ ذلك لئلا يفرّوا بزعمهم، فلما رأينا ذلك السَّواد حسبناه رجالاً كلهم ، فلمَّ انحدرْنَا فى الوادى، فَبَيْنَا نحنُ فى غبشِ الصّبح إِنْ شعرنا إِلاَّ بالكتائِب قد خرجت علينا منْ مضيق الوادى وشعبه ، فحملُوا حملةَ رجل واحد ، فأنكشفتْ أَوائلُ (١) فى (ص) ٢: ٢٣٦ ((من الكثرة والسواد)) وفى المغازى للواقدى ٣: ٨٩٧ ((من السواد والكثرة)). - ٤٧٠ - الخيل - خيلُ بنى سليم - مُؤَلِّية وتبعهم أَهل مكة وتبعهم النَّاسُ منهزمين مَا يَلْوُون على شىء وارتفع النقع فما منا أَحدٌ يُبصر كفَّه . وقال جابر : وأنحاز رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ذات اليمين ، ثم قال(١): (( أَيُّهَا النَّاس هلم إِلى أَيُّهَا النَّاس، هَلُمَّ إِلى أَنَا رَسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَنَا مُحَمَّدُ بنُ عبد الله))(١). قال : فلا شىءَ، وحملت الإِبل بعضها على بعض ، فأنطلق النَّاسُ. وذكر كثيرٌ منْ أَهل المغازى : أَن المسلمين لما نزلوا وادى حُنَيْن تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب ، وغالبهم من شبّان أَهل مكّة ، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة ، فحملوا حملة رجلٍ واحد والمسلمون غارون ، فَرَّ مَن فَرَّ ، وبلغ أقصى هزيمتهم مكة ، ثم حُرُّوا بَعْد . وفى الصحيح عن البراء بن عازب - رضى الله عنهما - قال: عجِل سرْعَانُ(٢) القَوْمِ - وفى لفظة: شبان أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليس عليهم سلاح أَو كثير سلاح ، فإِنَّا لَمَّا حملنا على المشركين انكشفوا ، فاقبل الناس على الغنائم ، وكانت هَوَازنُ رُمَاةَ فاستقبلتنا بالِهامِ كَمَا رِجْلُ جَرَاد ، لا يكادُ يسقطُ لهم سَهْمٌ - انتهى . قال : وكان رجل على جملٍ له أَحمر ، بيده رايةٌ سوداء على رمح طويل أَمام هَوَازِن، وهوازنُ خلفه، إِذا أَدْرَكَ طَعَنَ برمحه، وإِنْ فاته النَّاس، رفع رُمحَه لمن وراءه فاتَّبعوه . فبينما هو كذلك إِذْ هَوَى له علىُّ بنْ أَبى طالب، ورجلٌ من الأَنصار يُريدانه ، فأَتاه علىّ بن أبى طالب من خلفه فضربَ عرقوبى الجمل ، فوقع على عَجُزِه ، ووثَبَ الأَنصارىُّ على الرَّجُلِ فضربه ضربةً أَطَنَّ قَدَمَه بنصف ساقه، فانجعفَ عنْ رحله، واجتلد الناسُ، فوالله مَا رَجَعتْ راجعةُ النَّاس من هزيمتهم حتى وجدوا الأَسرى مُكَتَّفِين عنْدَ رسول اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . (١ - ١) وفى (ص) ٢: ٢٣٦ (( إلى أيها الناس هم إلى أنا رسول اللّه أنا محمد بن عبد اللّه)) والمثبت عن بقية النسخ. (٢) السرعان: سرعان القوم أوائلهم المستبقون إلى الأمر. وسرعان الخيل أوائلها. (اللسان ). - ٤٧١ - قال ابن إسحاق : لما أنهزم النّاس ورأى من كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - من جُفَاةِ أَهل مكة الهزيمةَ تكلّم منهم رجال بما فى أنفسهم من الضِّغْن . قال أبو سفيان بن حرب وكان إِسلامه - بَعْدُ - مَدْخُولاً: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر ، وإنّ الأَزْلام لمعه فى كنانته، وصرخ جَبَلَةُ بن الحَنْبَل - وقال ابن هشام : كَلَدَة بن الحنبل - وأَسلم بعد ذلك، وهو مع أخيه لأُمه صفوان بن أُمَيَّة ، وصفوانُ مشرك فى المُّدَةِ الَّتى جعل له رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أَلا بَطَل السِّخْرُ اليومَ !! فقال له صفوان : اسكتْ فضَّ اللهُ فاك! والله أَن يَرُبَّنِى رجلٌ من قريش أَحبٌ إِلىَّ مِن أَن يَرُبَّى رجُلٌ مِن هَوَازِن . وروى محمد بن عمر عن أبى بشير - ككريم - المازنى - رضى الله عنهم - قال : لمَّا كان يومُ حُنَيْنِ صلَّيْنا الصُّبحَ ، ثمَّ رجعنا على تعبئةٍ من رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فما شعرنا - وقد كاد حاجِبُ الشَّمس أن يطلع، وقد طلع - إلا بمقدمتنا قد كرَّت علينا ، قد أنهزموا ، فاختلطتْ صُوفُنا، وأنهزمنا مع المقدِّمة، وأكر ، وأَنا يومئذٍ غُلامُ شابٌّ، وقد علمت أن رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - متقدِّم فجعلتُ أَقول: ياللأنصار، بأَبى وأُفِّى، عن رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - تولُّون ؟ وأَكرٌ فى وُجُوه المنهزمين، ليس لى همَّة إِلَّ النظر (١) إِلى سَلاَمَة رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حتى صرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصيح: ((يَالَلْأَنْصَار)) فَدَنَوْتُ من دابَّته، والتفتُّ من ورائها، وإِذَا الأَنصارُ قد كَرُّوا كَرَّة رجل واحد ورسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - واقفٌ على دابَّته فى وُجُوه العدُوّ، ومضت الأَنصار أَمامَ رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يُقاتلون، ورسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - سائرٌ معهم يغرِّجُون العدوَّ عنه، حتَّى طردناهم فرسخاً ، وتفرّقوا فى الشِّعاب، حتَّى فلُّوا من بين أيدينا ، فرجع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى منزله وقُبْتِهِ، وقد ضُرِبَت له - والأسرى مكُتَّفُون حوله، وإِذَا نفرٌ حولَ قبَّته ، وفى قبته زوجاته أم سلمة وميمونة، حولها النَّفَرُ الَّذين يحرسُون رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهم عباد بن بِشْر ، وأَبو نَائِلَة ، ومحمد بن مَسْلمة . (١) فى (ص) ٢: ٢٣٦ (( فى سلامة)) والمثبت عن بقية النسخ. - ٤٧٢ - قال ابن عقبة : ومرَّ رجلٌ من قريش بصفوانَ بْنِ أُمَيَّة فقال : أَبشِرْ بهزيمةِ محمَّدٍ وأصحابه، فوالله لا يجبرونها(١) أَبداً. فقال صفوان: أَتُبَشِّرُنِى بظهور الأَعراب)) فوالله لرَبُّ من قريشْ أَحبّ إِلىَّ من رَبِّ من الأَعراب، وغضب صفوانُ لذلك، وبعث صفوان غلاماً له فقال : اسمع لمن الشِّعَارُ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بنى عبدالرحمن يا بنى عُبيد الله، يا بنى عبد الله، فقال: ظَهَر محمدٌ وكان ذلك شِعَارُهم فى الحرب. وروى محمّد بن عمر عن أبى قتادة - رضى الله عنه - قال : مضى سَرْعانُ النَّاس مِنَ المنهزمين، حتى دخلوا مكَّة، ساروا يوماً وليلة - يُخبرون أَهلَ مكَّةُ بهزيمة رسولٍ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعتَّب - ابن أَسِيد بوزن أَمير - على مكَّة ومعه مُعَاذُ بن جَبَل، فجاءَهم أَمْرٌ غَمَّهم ، وسُر بذلك قومٌ من أَهل مكَّة وأَظهروا الشَّمَانة ، وقال قائِل منهم : ترجع العرب إلى دين آبائِها ، وقد قُتِل محمد وتفرَّق أصحابُه ، فتكلم عَتَّابُ بن أَسِيد يومئذٍ فقال : إِنْ قُتِلَ محمد ، فإِنَّ دينَ اللهِ قائم - والَّذى يعبده محمد حىٌّ لا يموت، فما أَمسوا من ذلك اليوم حتَّى جاءَ الخبرُ أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَوْقَع بِهَوَازن، فَسُرَّ عتَّبُ بنُ أَسِيد، ومُعَاذُ بن جَبَل، وكَبَتَ اللهُ - تعالى - مَنْ هُنَاك مِّيَّن كان يَسُرُّه خلافُ ذلك . فرجع المنهزمون إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلحقوه بأَوطاس وقد رحل منها إلى الطائف . ذكر ارادة شيبة بن عثمان - قبل أن يسلم - الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم-لما رآه فى نفر قليل، وما وقع فى ذلك من الآيات (٢) روى ابنُ سعد وابن عساكر عن عبد الملك بن عبيد ، وأَبو القاسم البغَوَىّ ، والطَّبرانى، والبيهقى ، وأَبو نُعيم ، وابن عساكر عن عكرمة - رحمهم الله تعالى - قالا : قال شيبة : لَما كان عام الفتح دخل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَكَّة عَنْوَةً، وغزا خُنَيْناً، قلتُ أَسير مع قريش إلى هَوَازِن ، فعسى إِن اختلطوا أَن أُصِيبَ من محمد غِرَّة ، (١) كذا فى الأصول وفى البداية والنهاية ٤: ٣٣٠ والمغازى للواقدى ٣: ٩١٠ ((يجتبرونها، ويجتبرها)). (٢) وانظر سيرة النبى لابن هشام ٢: ٤٤٤، والسيرة الحلبية ٣: ١٢٨، والمغازى للواقدى ٣ : ٩٠٩، والبداية والنهاية ٤ : ٣٣٣. - ٤٧٣ - وتذكَّت أَبِى وَقَتَلَهُ حمزةُ، وعمِى وَقَتَلَهُ علىّ بن أبى طالب ، فقلتُ : اليومَ أُدرك تَأْرِى من محمد، وأكون أنا الَّذى قمت بثأُر قريش كلها ، وأَقول : لو لم يبْقَ من العرب والعجم أَحدٌ إِلا أَتَّبع محمداً ما تَبِعْتُه أَبَداً ، فكنت مرصداً لما خرجتُ له ، لا يزداد الأمر فى نفسى إِلاَّ قوَّة، فلَمَّا اختلطَ النَّاسُ، اقتحم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن بغلته، وأَصلتُّ السَّيْفَ، ودَنَوْتُ منه، أُريدُ ما أُريد - وفى رواية قلما أنهزم أصحابه جئته من عن (١) يمينه فإِذا العبّاس قائم عليه درع بيضاء ، فقلت: عمّه لن يخذله ، فجئته من عن يساره ، فإذا بأبى سفيان بن الحارث فقلت : ابن عمه لن يخذله، فجئته منْ خلفه، فلم يبْق إِلا أَن أُسَوِّرَه سَوْرَةً بالسَّيف إِذا رُفعَ إِلَّ فيما بينى وبينه شُوَاظٌ من نار كأَنّه بَرْقُ . فخفت أن يتمحشى فوضعتُ يدى على بصرى ، خوفاً عليه)) ، ومشيتُ القهقرى، وعلمت أنَّه ممنوع. فالتفَتَ إِلَىَّ وقال: ((يا شَيْبُ أُذْنُ مِى)) فدنوتُ منه، فوضع يده على صدْرِى وقال: ((اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهِ الشَّيْطَان)). فرفعتُ إليه رأسى وهو أحب إليَّ من سَمْعِى وبصرى وقلبى، ثم قال: ((يَاشَيْبَةُ قَاتِل الكُفَّار)) قال: فتقدَّمتُ بين يديه أُحِبُّ - والله - أَن أَقيه بنفسى كلَّ شىءٍ(٢) ، فلما انهزمَت هَوَازنُ رَجَع إلى منزله ودخلت عليه فقال: ((الْحَمْدُ لِ الَّذِى أَرَادَ بك خَيْراً مِمَّا أَردت)) ثمَّ حدثنى بِمَا هممت به - صلَّى الله عليه وسلَّم . *** ذكر ارادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما وقع فى ذلك من الآيات قال محمد بن عمر : حدثنا إبراهيم بن محمد بن شُرَحْبِيلِ العَبْدَرِى عن أبيه قال : كان النضير من أَحلم قريش. وكان يقول: الحمدُ لله الذى أكرمنا بالإِسلام ومَنَّ علينا بمحمد - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ولم نَمُت على ما مات عليه الآباء ، فذكر حديثاً طويلاً ، ثم قال : خرجتُ مع قومٍ من قريش ، هم على دينهم - بَعْدُ - أَبو سفيان ابن حرب ، وصفوان بن أُميَّة، وسُهَيل بن عمرو ، ونحنُ نريد إِنْ كانت دَبْرَة على محمد أَن نُغِير عليه فيمن يُغير ، فلما تراءَت الفِئَتَان ونحن فى حيز المشركين حمَلَت (١) فى (ص) ٢: ٢٣٧ ((من على يمينه)) والمثبت عن بقية النسخ. (٢) فى المغازى الواقدى ٣: ٩١٠ ((بنفسى وبكل شىء)). - ٤٧٤ - ٢٨٠ هوازِنُ حملةً واحدةً ، ظَنَنَّا أَنَّ المسلمين / لا يجبرونها أبداً، ونحن معهم وأَنا أُريد بمحمد ٢٨٠ ما أُريد . وعمدتُ له فإذا هو فى وُجُوه المشركين واقفُ على بغلةٍ شهباءَ حولها رجالٌ بيضُ الوجوه ، فأَقبلتُ عامداً إليه ، فصاحوا بى: إليك، فأُرْعِبَ فُوادى وأُرْعِدَت جوارحى. قلتُ: هذا مثل يوم بدر؛ إِنَّ الرَّجُلَ لعلى حَقِّ، وإنه لمعصوم، وأَ دخل اللهُ تعالى فى قلبى الإِسلام وغيِّرَه عما كنتُ أَهم به ، فما كان حلبَ ناقة حتى كَرَّ أَصحابُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كَرَّة صادقة، وتنادت الأَنصار بينها: الكرة بعد الفَرَّة : يا للخزرج ، يا للخزرج ، فحطمونا / حطاماً ، فرقوا شملنا ، وتشتت أمرنا ، ٤٩٤ ت وهمَّةُ كلِّ رجلٍ نفسه فتنحيت فى غُبَرَات الناس حتى هبطتُّ بعض أَودية أَوْطاس فكمنتُ فى خَمَر شجرةٍ لا يَهْدِى إِلىَّ أَحدُ إِلاَّ أَن يدلَّه الله - تعالى - علىّ، فمكثتُ فيه أَيَّاماً وما يُفارقنى الرُّعْبُ مما رأيتُ، ومضى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى الطَّائف، فأَقام ما أقام، ثُمَّ رجع إلى الجِعرَّانة ، فقلتُ : لو صرتُ إِلى الْجِعرانة ، فقاربتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودخلتُ فيما دخل فيه المسلمون ، فما بقى أحدٌ فقد رأيتُ عِبراً ، وقد ضربَ الإِسلامُ بجرانه ، ولم يبق أَحدٌ ، ودانت العربُ والعجمُ لمحمَّدٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فَعِزُّ محمَّدٍ لنا ◌ِزٌّ، وشرفُه لنا شَرَفُ، فوالله إنِّى لعلى ما أَنا عليه إِن شعرت إِلاَّ برسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يلقانى بالجعرانة كنَّة لكِنَّة فقال: ((النضير؟)) قلت: ((لَبَّيك، فقال: ((هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِمَّا أَردْتَ يَومَ حُنَيْنِ مِمَّا حَالَ اللهُ بينك وبينه)) فأَقبلت إليه سريعاً، فقال: ((قد آن لك أَن تُبصر ما أنت فيه توضع. قلت : قد أَرى أَن لو كان مع الله - تعالى - إلهاً غيره لقد أَغْنِى شيئاً ، وإنى أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأَنك رسولُ الله . قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اللَّهُمَّ زِدْهُ ثَبَاتاً)) قال النَّضير: فواللهِ الَّذى بعثه بالحقِّ لكأَنَّ قلبى حجر ثباتا فى الدين وبصيرةً فى الحق ، وذكر الحديث . ذكر ثبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورميه الكفار، ونزوله عن بغلته ، ودعائه ربه سبحانه وتعالى، وما وقع فى ذلك من الآيات روى ابنُ إسحاق ، والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ، وابن إسحاق ، وعبد الرزّاق، ومسلم عن العباس عم رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال العبّاس: شهدتُ - ٤٧٥ - i مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يومَ حُنَيْن، فلزمتُ أَنا وأبو سفيان بن الحارث رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فلم نفارقْه، ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على بغلة له شَهْبَاء، قال عبدُ الرَّزَّاق: وربما قال معمر: بيضاءُ، أَهداها له فَرْوَةُ بن نُفَائة الجذامى ، قال(١) فلما التقى المسلمون والكفار وَلَّ المسلمون مدبرين، فطفِقٍ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يركضُ بغلتَه قِبَلَ الكُفَّار، وأَنا آخذٌ بلجام بغلة رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وفى رواية: أَكُفُّها أَن لاَ تُسرع، وهو لا يَأْلو ما أَسرع نَحْوَ المشركين، وأَبو سفيان ابن الحارث آخذٌ، بركاب رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وفى رواية بغرزه ، وفى رواية بثفره (٢)، فالتفتَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - إلى أَبِى سُفيان بن الحارث وهو مُقِنَّحٌ فى الحديد ، فقال: ((مَنْ هَذَا)) فقال: ابنُ عمك يا رسولَ الله، وفى حديث البراء: وأَبُو سفيان بن عمه يقود به، قال بن عقبة - رحمه الله تعالى: وقام رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى الرِّكابين، وهو (٣) على البغلة، فرفع يديه إلى الله - تعالى - يدعو يقول: ((الَّلُهُمَّ إِنِّى أَنْشُدُكَ مَا وَعَنْتَنِيِ .. الَّلُهُمَّ لاَ يَنْبَغِى لَهُمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْنَا)) انتهى. قال العباس: فقال رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم ((يا عبَّس !! نَادِ يامَعْشَرٌ الْأَنْصَارِ ، يا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، يَا أَصْحَابَ سُورَة الْبَقَرَةِ )). قال العبّاس - وكنت رجلا صيتاً - فقلت بأعلى صوتى : أَين الأَنصار ، أين أصحاب السَّمُرَة ، أين أصحاب سورة البقرة ، قال: واللهِ لكأَنما عطفتهم حين سمعُوا صوتى عطفة البقر على أولادها . وفى حديثِ عُثمان بن شيبة عند أبى القاسم البغوى، والبيهقى (( يا عبَّاس، اصرخ بالمهاجرين الَّذين بَايَعُوا تحت الشَّجرة، وَبِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا)) قال: فما شبهت عطفة الأَنصار على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلاَّ عطفة الإِبل على أولادها. حتى تُرِك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - كأنه فى حَرَجة (٤)، فَلرمَاح الأَنصار كانت (١) أى العباس عم النبى صلى اللّه عليه وسلم. (٢) النمر: هو السير فى مؤخرة السرج. (القاموس المحيط). (٣) فى (ص) ٢: ٢٣٧ (( وموجها البغلة)) والمثبت عن بقية النسخ. (٤) الحرجة: شجر ملتف كالغيضة. ( شرح المواهب ٣ : ١٢) - ٤٧٦ - أَخوف عندى على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من رِمَاح الكفّار - انتهى. فقالوا: يا لَبَّيْك يا لبَّيْكِ يالَبَّيْك. قال: فيذهبُ الرجل يُثْنِى بعيرَه ولا يقدرُ على ذلك ؛ أَى لكثرة الأعراب المنهزمين - كما ذكره أبو عمر بن عبد البر - فيأُخذ دِرْعه فيقذفها فى عنقه ويأخذ سيفه وتُرْسَه ويقتحم عن بعيره ، فيخلّى سبيلَه، فيؤمّ الصوتَ حتَّى ينتهى إلى رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - حتَّى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلُوا النَّاسَ فاقتتلواهم والكُفَّار، والدَّعوةُ فى الأَنصار يا معشَرَ الأَنصار، ثم قصرت الدَّعوةُ على بنى الحارث بن الخزرج ، وكانوا صُبَّراً عند الحرب، وأَشرف رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فى ركابيه ، فنظر إلى مُجْتَلَدِهِم وهم يَجْتَلِدُون / وهو على بغلته ٢٨١ كالمُتَطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلّم : - ((هَذَا حين حَمِىَ(١) الوطيس، ثم أَخذ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حصيات فرَفَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكْفَّار، ثم قال: ((انْهَزِمُوا وَرَبِّ مُحَمد)) فذهبتُ أَنظرُ فإِذا القتالُ على هيئته فيما أَرى، فوالله ما هو إلاَّ أَن رماهم بحصياته فما زلت أَرى حَدَّهم كَلِيلاً وأَمْرَهُم مُدِراً ، فوالله ما رَجَعَ النَّاسُ إِلا وأُسَارَى عند رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مُكَتَّفُون، قتل الله - تعالى - منهم من قتل، وأنهزم منهم من أنهزم، وأَفاءَ الله تعالى على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم . وروى ابن سعد ، وابن أبى شيبة ، والإِمام أحمد ، وأبو داود ، والبغوى فى معجمه ، والطبرانى وابن مردويه ، والبيهقى برجال ثقات عن أبى عبد الرحمن بن يزيد الفِهْرى - يقال اسمه كرز - رضى الله تعالى عنه - قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى حُنَّيْن فى يومٍ قائظ شديد الحرّ، فنزلنا تحت ظلال السُّمُر(٢)، فلمَّا زالت الشمس لبستُ لأَمتى ، وركبت فرسى فأَّتيتُ رسولَ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وهو فى فُسطاطه، فقلتُ : السَّلامِ عليْكَ يا رسولَ الله ورحمته، الرواح قد حان ، الرواحُ يا رسولَ الله، قال: ((أَجَلْ)) ثم قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَا بلال)) فثار من تحت سَمُرَة كأَنَّ ظِلَّه ظِلُّ طائر، فقال: لَبَّيْك وسَعْدَيْك، وأَنا فداؤك. قال : (١) فى المغازى الواقدى ٣: ٨٩٩ ((الآن حمى الوطيس)) .. (٢) فى (ص) ٢: ٢٣٨ ((الشجر)) والمثبت عن بقية النسخ. - ٤٧٧ - ((أَسْرِجْ لِ فَرَسى)) فأَناه بسرجٍ دقّتَاه مِن لِيف ليس فيهما أَشْرٌ ولا بَطَر، فركب فَرَسَه، ثم سِرْنا يَوْمَنَا، فلقِينَا العَلُوَّ، وتشامت الخيلان، فقاتلناهم فوَلَّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى(١)، فجعل رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلم - يقول: ((يَاعِبَادَ الله. أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه، يَأَيُّهَا النَّاسِ إِنِّى أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه)) فَآقتحم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن فرسه، وحدثَّنى مَنْ كان أَقرب إليه منِّى أَنَّه أَخذ ٤٩٦ ت حفنةً من تراب فَحَثَاها / فى وُجُوهِ القوم، وقال: ((شَاهَت الْوُجُوه)) قال يعلى بن(٢) عطاء: وأخبرنا أَبناوُهم عن آبائهم أَنَّهم قالوا: ما بقى منَّا أَحدُ إِلاَّ امتلأَّتْ عينَاهُ وَفَمُهُ من التُّراب، وسمعْنَا صلصَلَةً من السَّماءِ كَمَرِّ الحديد على الطَّست، فهزمهم الله تعالى. وروى أبو يَعْلى والطبرانى برجالٍ ثقاتٍ عن أنس - رضى الله عنه - أن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أَخذ يومَ حُنَيْنٍ كَفَّا من حصىً أَبيض فَرَتَى به وقال: ((هُزموا ورب الكعبة )) وكان علىَّ - رضى الله عنه - يومئذٍ أَشدّ النّاسِ قِتالاً بين يديه . وروى أبو نُعيم بسندٍ ضعيفٍ عن أَنسٍ - رضى الله عنه - والطَّبرانى عن عكرمة - - رحمه الله تعالى - قالا: لما أنهزم المسلمون بِحُنَيْن ورسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلم - على بغلته الشهباءَ - وكان اسمها دُلْدُل - فقال لها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - (( دُلْدُلُ الْبَدِى)) فأَّزقت بطنها بالأَرض، فأَخذ حفنةً من تراب فرمى بها فى وجوههم وقال: ((حَمْ لَا يُنْصَرُون )) فأنهزمَ القوم، وما رَمَيْنَا بسهمٍ ولا طَعَنًا برمح ، كذا فى هذه الرواية اسمها دُلْدُل، والصَّحيح أَنْ دُلْدُل أَهداها المُقَوْقِس فهى غير التى أَهداها فروةُ بنُ نفاثَة . وروى أبو القاسم البغوى ، والبيهقى ، وأَبو نُعيم ، وأين عساكر عن شيبةَ بْنِ عثمان - رضى الله عنه - : أَنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال يوم حُنَين: [ يَا عَبَّاس نَاوِلْنِى مِن الْحَصباء. قال: وأَفْقَهَ الله - تعالى - البغْلَةَ كلامَه، فانخفضت به حتَّى (١) وهو قوله تعالى ( ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) التوبة ٢٥ .. (٢) وهو يعلى بن عطاء العامرى ويقال الفيثى الطائفى الثقة توفى سنة ١٢٠ ه أو بعدها وروى له مسلم والأربعة. ( شرح المواهب ٣ : ١٤ ). - ٤٧٨ - كادَ بَطْنُهَا يمُ الأَرض، فتناول رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم من البطحاء فحثا فى وُجُوههم وقال: ((شَاهَتِ الْوُجُوه، هُمْ لَا يُنْصَرُون)). وروى عَبْدُ بن حُميد فى مُسْنَده، والبخارىُّ فى تاريخه، والبيهُّ وابنُ الجوزىّ عن يزيد بن عامر السُّوائى - رضى الله عنه - وكان شهد حُنَيْناً مع المشركين ثم أسلم - قال: أَخذ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - يومَ حُنَيْن قبضةً من الأرض ، ثم أقبل على المشركين فرمى بها فى وُجُوهِهِم وقال: ((ارْجِعُوا، شَاهَتِ الْوُجُوة)) قال: فما من أَحَدٍ يَلْقَى أَخاه إلاَّ وهو يشكُو القَذَى فى عينيه ويمسح عينيه . وروى الإمام أحمد ، والطَّبرانى، والحاكم، وأَبو نُعَيْم ، والبيهقىُّ برجال ثقات عن ابن مسعود - رضى الله تعالى عنه - قال : كنتُ مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ حُنَيْن، فولَّى النَّاسُ عنه، وبقيتُ معه فى ثمانين رَجُلاً من المهاجرين والأنصار، فقمنا على أقدامنا ولم نولِّهِم الدُّبُر ، وهم الذين أَنزل الله - تعالى - عليهم السّكينة، ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على بغلته لَمْ يمض قُدُماً، فحادت به بغلتُه فعال عن السَّرْجِ، فقلت له ارْتفع رَفعك الله. فقال: ((نَاوِلْنِى كَفَّا مِن تُرَاب)) فناولته، فضرب وُجُوهَهُم فامتلأَّ أَعينهم تُرَاباً، ثم قال: ((أَين المهاجرُون والأَنصار؟)) قلت: هم أَولاء، قال: ((اهْتِفْ بِهِمْ)) فهتفت بهم، فجائموا وسيوفهم بأَيْمَانهم كأَّها (١) الشُّهُب، وولّی المشركون أدبارهم . وروى ابن أبى شيبة والإِمام أحمد ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقى عن أَنسِ - رضى الله عنه - قال: جاءَت هوازِنُ يومَ حُنَيْن بالنِّسَاءِ / والصِّبْيَان والإِبل والغَنَم ٢٨٢ ٢ فجعلُوهم صُفُوفاً ؛ ليكثرُوا على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فالتقى المسلمون والمشركون ، فولَّى المسلمون مُدْبِرِين - كما قال الله تعالى - وبقى رَسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وَحْدَه / فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَا عِبَادَ اللهِ أَنَا عَبْدُ الله وَرَسُولُه)) ٥٤٩٧ وتنادى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نِداءَيْن لم يخلط بينهما كلاماً، فالْتَفَتَ عن بيمينه فقال: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه)) فقالوا: ((لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، (١) فى الأصول كأنهم ولعل الصواب ما أثبته . - ٤٧٩ - نَحْنُ مَعَك)) ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله ، فقالوا : لبيْك يا رسول الله نحن معك. فهزم اللهُ تعالى المشركين، ولم يضربْ بسيف ، ولم يطعن برمج . وروى ابن سعد وابن أبى شيبة ، والبخارى ، وابن مردويه ، والبيهقى من طُرُق عن أبى إسحاق السَُّيْعى - رحمه الله تعالى - قال : جاءَ رجلٌ من قيسِ إلى البراء بنٍ عَازِبٍ - رضى الله عنهما - فقال: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُم؟ وفى رواية: أَوَلَّيْتَ ؟ وفى أُخرى : أو ليتم مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ وفى أُخرى: أَفَرَرْتُم يوم حُنَيْن يا أَبا عمارة؟ فقال: أَشهدُ على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه ما وَلَّى، وفى رواية: لَا والله ما وَلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ حُنَيْن دُبُرَه، ولكنه خرج بشُبَّان أَصْحَابِهِ وهم حسِّر ليس عليهم سِلاَحِ أَو كثير سلاح ، فلقوا قَوْماً رُمَاة لا يكاد يسقُطُ لهم سهم فلما لقيناهم وحَمَلْنَا عليهم أنهزموا ، فأَقبلَ النَّاسُ على الغنائم ، فاستقبلونا بالسِهام كأَّا رِجْلُ جَرَاد لا يكادون يخْطِئُون، وأَقبلُوا هناك إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - على بغْلَته البَيْضَاءَ، وأَبو سفيان بن الحارث يقودُ به، فنزلَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودعا واستنفر، وقال - صلَّى "الله عليه وسلَّم -: ((أَنَا النَّىُّ لَا كَذِب، أَنَا ابْن عَبْد الْمُطَلِّب، اللَّهُمَّ أَنْزِلِ نَصْرَك)). قال البراءُ : وكنا إِذا أحمَرَّ البَأَس نَتَّقِى برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وإن الشجاعَ منا الذى يُحَاذيه : يعنى النَّبِىَّ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وروى البخارى، ومسلم ، والبيهقى عن سلمة بن الأكوع - رضى الله عنه - قال : غزونا مع رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حُنَيْناً . فلما واجهنا العدوّ تقدمتُ فأَعلو ثنيّة فاستقبلنى رجلٌ من المشركين فأَرميه ، بسهم ، وتوارى عنِّى فما دريتُ ما صنع ، ثم نظرتُ إلى القوم فإذا هم طلعوا من ثنيّة أُخرى، فالتقوا هُمْ وأصحابُ رسولٍ(١) الله - صلَّى الله عليه وسلم - فولَّى أَصحابُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَرجع منهزما . وعلَىْ بُرْدَتان مؤتزرا بإحداهما مرتديا بالأُخرى ، فاستَطْلَق إزارى ، فجمعتهما (١) فى (ص) ٢: ٢٣٩ ((النبى)) والمثبت عن بقية النسخ. - ٤٨٠ -