Indexed OCR Text
Pages 301-320
ذو الْحُليْفَة - بضم الحاء المهملة تصغير الْحَلَفَة بفتحات، واحد الْحَلْفَاءِ ؛ وهو النبات المعروف . هَاجَه: حركه ؛ الْهَيَجُ - بفتح الهاءَ ، والتحتية ، وبالجيم : الحرب . مَرّ الظّهران : تقدم الكلام عليه غير مَرَّة . # * * شرح غريب ذكر خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة قوله الْفُرُعْ - بضم الفاء ، والراء ، وبالعين المهملة : عمل واسع من أعمال المدينة . البيداء : فى الأصل المفازة ، وهنا الشرف الذى قُدَّام ذى الحليفة إلى جهة مكة . يَأْجَج - بتحتية، فهمزة ساكنة، فجيمين ؛ الأولى مفتوحة - وقد تكسر : واد قريب من مكة . أَنْصَاب الحرم : الأعلام على حدوده . الْعَجَف ، وزان التَّعَب : الضعف . حَسَوْنا - بحاءٍ فسين مهملتين مفتوحتين ، فواو ساكنة ، فنون : شربنا . الْحَنَقُ - بفتح الحاء المهملة ، والنون وبالقاف: الغيظ(١) النفاسة - يقال نَفِسَ الشئُ بالكسر نفاسةً: حسده عليه ولم يره أَهْلاً له . ذى طوّى - بتثليث الطاء : واد بقرب مكة ، يصرف ولا يصرف . القصواء : كحمراءَ . محدقين : محيطين . توشح السيف : ألقى طرف علاقته على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى ، ويأخذ طرفه الذى ألقاه على منكبه الأَيسر من تحت يده اليمنى ، ثم يعقدهما على صدره . (١) وفى اللسان: الغيظ الذى يلازم الإنسان. - ٣٠١ - الثّنِيّة : كل عقبة مَسْلُوكَة . الحَجُون - بفتح الحاءَ المهملة ، وضم الجيم ، وبالواو ، والنون : جبل بمكة . ٢٢٦ ط. الْهَامُ . جمع هامة ! . وهى الرأس . وَهَنَتْهُمُ الْحُمَّى: صعفتهم . اضطبع بثوبه : جعل وسط الثوب تحت الإبط اليُمنى ، وطرفه على الكتف اليسرى . العضد - بفتح العين المهملة . وضم الضاد المعجمة وتسكن ، وبفتح العين ، وكسر الضاد. وبضمهما . وبضم العين وسكون الضاد : خمس لغات ، وهى مؤنثة عند أهل تهامة، وتُذَكَّر عند بنى تميم: وهى ما بين الْمِرْفَقِ والْكَتِف. رَمَلَ فى ضوافه - بالراء هرول . الأشواط - بالشين المعجمة جمع شوط : وهو الجرى إلى الغاية ، وهى هنا من الحجر إلى الحجر . جلدهم - بفتح الجيم واللام : قُوتّهم وصبرهم . وَارَاه : ستره . أَبقى عليه: رفق [ به وأَشفق ](١) عليه. فُعَيْقِعَان - بقافين ، الأولى مضمومة ، بعد كل منهما عين مهملة وبعد الأولى تحتية : جبل بمكة . نقز - بالقاف والزاى : وثب . الظُّبَى - جمع ظبى : حيوان معروف . - (١) الإضافة عن شرح المواهب ٢: ٢٥٨. - ٣٠٢ - الْمِحْجَنُ - بكسر الميم ، وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم : عصا مقنعة الرأس يلتقط بها الراكب ما سقط منه . يشتدون : يعدون . المروة : جبل معروف بمكة . الْفِجَاجُ - بكسر الفاء جمع فج ، وبالفتح : هو الطريق الواسع . نَنْشُدُكَ الله: نذكرك به ونستعطِفُك، أَو نسألك به ، مُقْسِمِين عليك . الأَبطح : كل مسيل فيه دقاقُ الحصى ، والمراد هنا مكان معروفٌ بمكة . سَرِف - بفتح السين المهملة وكسر الرَّاء، وبالغاء: ما بين التَّنْعِيمِ وَبَطْنِ مَرْو، وهو إلى التنعيم أقرب . حَجَلَ - بحاٍ مهملة ، فجيم ، فلام مفتوحات : رفع رِجلاً وقفز على الأُخرى من الفرح، وقد يكون بالرِّجْلَيْنِ، إِلَّ انه قفز، وقيل الْحَجَلُ : المشى المقيد. - ٣٠٣ - الباب السابع والعشرون فى غزوة الفتح الأعظم الذى أَعزّ الله تعالى به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأَمين(١) وهو الفتح الذى استبشر به أهل السماء ، وضربت أَطناب عزه على مناكب الجوزاء ، ودخل الناس فى دين الله أفواجا ، وأَشرق به وَجْهُ الأَرض ضياءٌ وآبْتِهاجاً ، وكان فى شهر رَمَضَان سنةَ ثمانِ . قال ابن عباس - رضى الله عنهما - غزا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - غزوة الفتح فى رمضان . قال الزُّهرى : وسمعتُ سعيد بن المسيّب يقول مثل ذلك ، رواه البخارى . ** * ذكر الأسباب الموجبة للمسير الى مكة كانت خُزَاعةُ فى الجاهلية أصابوا رجلاً من بنى الْحَضْرَمِّ واسمه مَالِك بن عَبَّاد ، وحِلْفُ الْحَضْرَبِىُّ يومئذٍ إلى الأسود بن رَزْن، خرج تاجراً، فلمَّا توسَّط أَرض خُزَاعَةً عَدَوْا عليه فقتلوه وأَخذوا ماله فَمَرَّ رَجُلٌ من خُزَاعة على بنى الدِّيل بعد ذلك فقتلوه ، فوقعت الحربُ بينهم ، فمرّ بنو الأسود بن رَزْن . وهم نُؤْيب، وسُلمى، وكُلْتُوم ٢٢٧, على خُزَاعَة فقتلوهم بعرفة عند أَنْصَاب الحرم، وكان قومُ الأَسْود مَنْخَرَ(٢) بنى / كنانة يُودَونَ فى الجاهلية دِيَتَيْنِ لفضلهم فى بنى بكر ، ونُودَى دية، فبينا بنو بَكْرٍ وخُزَاعة على ذلك بُعِثَ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم-فَحُجز بالإِسلام بينهم، وتشاغل الناس به - وهم على ما هم عليه من العداوة فى أنفسهم - فلمَّا كان صُلْحُ الْحُدَيْبِيَة بين رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلم - وبين قريش، ووقع الشَّرْطُ ((ومن أَحَبَّ أَن يدخُل فِى عقْدٍ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - فليدخل ، ومن أَرادَ أَن يدخل فى عقْدٍ قريش (١) انظر شرح المواهب الزرقانى ٢: ٢٨٨، ونهاية الأرب للنويرى ١٧: ٢٨٧، والسيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٢٦، والمغازى الواقدى ٢: ٧٨٠. وسيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٨٩، والسيرة الحلبية ٣: ٨١. (٢) وابن كثير وهم مفخر بنى كنانة ٣ / ٨٢٥. - ٣٠٤ - : : فليدخُل)) فَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فى عقْدِ رسولِ - صلى الله عليه وسلم - وكانت خُزَاعَةُ حلفاء عبد المطلب بن هاشم ، وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم - بذلك عارِفاً، ولقد جاءته خُزَاعَةُ يومئذٍ بكتابٍ (١) عبد المطلب فقرأَه عليه أُبَىُّ بنُ كعب - رضى الله عنه - وهو: ((باسْمِكَ اللَّهُمَّ، هَذَا حِلْفُ عَبْدِ الطَّلبِ بنِ هَاشِمٍ لخزاعة، إذ قَدِمَ عليه سَرَوَاتُهم وأَهْلُ الرأى ، غائبهم مُقِرُّ بما قَاضَى عليه شَاهِدُهُم، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم عهودَ الله وعقودَه، وَمَالَا يُنْسَى أَبداً، اليَدُ وَاحِدة، والنصرُ وَاحِد ما أَشرف ثبير ، وثبت حراء مكانه وما بلَّ بحرٌ صوفة، ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبَدَ الدهرِ سرهدا . فَقَالَ رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: (( مَا أَعْرفَنِى بِخُلُفِكُم وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَسْلَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْفِ! فَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ فلا يزيده الإِسلام إِلاَّ شِدة وَلَا حِلْفَ فِ الإِسْلاَمِ. ذكر نقض قريش العهد لما دَخَل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صُلْحِ الحديبية، كلمت بنو نُفَاثة وبنو بكر أَشرافَ قريش أَن يُعِينُوهم بالرِّجَال والسّلاح على عَدُوِّهم من خُزَاعة ، وَذَكَّروهم القتلى الذين أصابت خُزَاعَةُ منهم، وأَرَادُوا أَن يُصيبُوا منهم ثأر أُولئك النَّفَرِ الذين أصابوا منهم فى بنى الأَسود بن رَزْن ، وناشدوهم بأَرْحامهم ، وأخبروهم بدخولهم فى عقْدِهِم وعدم الإِسلام ، ودخول خُزَاعَةً فى عقْدِ محمد وَعهده ، فوجَدُوا القَوْمَ إِلى ذلك سِرَاعاً، إِلا أَن أَبَا سُفْيَانَ بن حربٍ لم يُشاوَر فى ذلك ولم يَعْلِم ، ويُقَالُ إنهم ذاكروه فأَّبى ذلك، فأَعانوا بالسِّلاح والْكُرَاعِ والرِّجَال، ودسُّوا ذلك سِرًّا لئلاَّ تحذر خزاعة ، وخزاعة آمنون غارون لحال المُوادَعة ، وَلِمَا حجز الإِسلام بينهم . ثم اتِّعَدَت قريش وينوبكرٍ وبنونُفَاثَة الْوَتير(٢)، (٣) وهو موضع أسفل مكة، وهو ماء لخزاعة(٣) فوافوا للميعاد فيهم رجال من قريش من كبارهم متنكرون منتقبون ؛ (١) انظر كتاب عبد المطلب خزاعة فى شرح المواهب ٢: ٢٨٨، ٢٨٩. (٢) الوتير: هو الورد الأبيض سمى به الماء (شرح المواهب ٢: ٢٨٩). (٣) ما بين الرقين إضافة عن المغازى الواقدى ٢: ٧٨٣ ونهاية الأرب للنويرى ١٧: ٢٨٦، وشرح المواهب ٢ : ٢٩٠. (٢٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٥) - ٣٠٥ - صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبى جهل، وحُوَيْطب(١) بن عبد العزى، وشيبة بن عثمان - - وأَسلموا بعد ذلك - ومكرز بن حفص، وأجلبوا معهم أرقاءهم، ورأس بنى بكرٍ نوفل بن معاوية الدّئلى(٢) - وأَسلم بعدذلك - فبيّتُوا خُزَاعَةَ ليلاً وهم غَارُون آمنون - وعاَمَّتَهُم صِبْيَانٌ ونساءُ وضُعَفَاءُ الرِّجال- فلم يزالوا يقتلوهم حتى انتهوا إِلى أَنْصَابِ الْحَرَم، ٢٢٧ ط فقال أصحاب نَوْفَل بن / معاوية له : يا نوفل إِلَك إِلَكُ قَدْ دخلْتَ الحرم ! فقال : كلمةٌ عظيمة ، لا إِله لى اليوم ، يا بنى بكر ، لعمرى إِنكم لَتَسْرِقُون الحاج فى الحرم ، أَفلا تدركون ثأركم من عدوكم، ولا يتأخر أحدٌ منكم بعد يومه عن ثأْره ؟! فلمَّا أنتهت خُزَاعَةً إلى الحرم دخلت دارَ بديل بن ورقاءَ ، وَدَارَ مولى لهم يقال له رافع - الْخُزَاعِيين ، وأنتهوا بهم فى عِمَايةِ الصُّبْح، ودخلت رؤساء قريش منازلَهُم وهم يظُّنون أنهم لا يعرفُون، وأَنه لا يَبْلُغُ هذا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصبحتْ خُزَاعَةُ مُقَتَّلِين على باب بديل ورافع . وقال سهيل بن عمرو لنوفل بن الحرث : قَدْ رأيت الَّذى صنعنا بك وبأَصحابك وَمَنْ قتلت من القوم، وأَنت قد حصدتهم تريد قتل مَنْ بقى ، وهذا ما لا نُطَاوعك عليه ، فاتركهم فتركهم ، فخرجوا وندعت قريش ، ونَدِعُوا على ما صَنَعُوا، وعرفُوا أَنَّ هذا الذى صنعوه نقضُ للدِّمة والعهد الذى بينهم وبَيْنَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجاءَ الحارِثُ بنُ هِشَام ، وعبد الله بن أبى ربيعة إِلى صَفْوان بن أمية ، وإلى سُهيل ابن عمرو وعكرمة بن أبى جهل فَلاَمُوهم بما صنعوا من عَوْنِهم بنى بكر على خُزَاعَةِ - وقالوا : إِنَّ بينكم وبين محمدٍ مُدَّةً وهذا نقض لها . ذكر إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بما حصل لخزاعة يوم أصيبوا روى محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قال لعائشة صبيحة كانت وقعة بنى نُفَاثَة وخُزَاعة بالوَتِير: ((يَا عَائِشة: لَقَدْ حَدَثَ (١) حويطب كذا فى الواقدى ٢: ٧٨٣ وفى نهاية الأرب ١٧: ٢٨٧، وسيرد فى شرح غريب المفردات ((خويطب)) بخاء معجمة مكسورة . (٢) فى المغازى للواقدى ٢: ٧٨٣ ((النولى)). - ٣٠٦ - فِى خُزَاعَةَ أَمْرُ(١) )) فقالت عائشة: يا رسول الله، أَتَرى قريشاً تجترئ على نَفْض العهد الذى بَيْنَك وبينهم ، وقد أَفناهم السيفِ ؟ فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : (ينْقُضُونَ الْعَهْدَ لِأَمرِ يُرِيدُه اللهُ تَعَالَى)) فقالت: يا رسولَ الله ((خيرَ)) قال: ((خير(٢))) وروى الطَّبَرَانِىُّ فى الكبير والصغير عن مَيْمُونَة بنت الحارث - رضى الله عنهما - أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بات عندها ليلةً، فقام ليتوضأً إِلى الصَّلاة، فسمعته يقول فى مُتَوَضَّتِه: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ - ثلاثاً - نُصِرْتَ نُصِرْتَ نُصِرْتَ - ثلاثاً -)) فلما خرج، قلتُ: يا رسولَ الله، سمعتُك تَقُول فى متوضئك ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ - ثَلاَثًا)) - نُصِرْتُ نُصِرْتُ)) ثلاثا، كأَنك تكلِّمُ إنساناً، فهل كان معك أَحد؟ قال: (( هَذَا رَاجِزُ بَنِى كَعْب يَسْتَصْرِخُنِى، وَيَزْعُمُ أَنَّ قُريشاً أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ بَكْرَ بْنَ وائِل)). قالت ميمونة : فَأَقْمنَا ثلاثا ثم صلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصبح بالناس فسمعتُ الرَّاجز ينشد : يَارَبِّ إِنِّى نَاشِدٌ مُحَمَّدَا حِلْف أَبينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا فذكرت الرجز الآتى . ذكر قدوم عمرو بن سالم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبره بما وقع لهم / ٢٢٨ و روى الطَّبَرَانِىُّ فى الكبير والصَّغير عن ميمونة بنت الحارث ، والْبَزَّارُ بسندٍ جَيِّدٍ عن أبى هريرة - رضى الله عنه - وابنُ أَبِى شيْبَةً فى المصنف عن عكرمة ، والبيهىُّ عن ابن إسحاق ، ومحمدُ بن عمر عن شيوخه: أَن عَمْرَو بْنَ سَالِمِ الْخُرَاعِى خرج فى أربعين راكباً من خْزَاعَةً يستنصرون رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويخبرونه بالذى أصابهم ، وَمَا ظاهرت عليهم قريشٌ ومعاونتهم لهم بالرجال، والسِّلاَح، والْكُرَاعِ ، وحُضُورٍ صفوان بن أمية وعكرمةٍ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ قُرَيْش، وَأَخْبَرُوه بِالخبر ورسولُ (١) فى المغازى الواقدى ٢: ٧٨٨ ((لقد جرت فى أمر خزاعة)). (٢) فى المرجع السابق ((قالت عائشة: خير أو شر يارسول الله؟ قال: خير)) -- ٣٠٧ - الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فى المسجد بين أَظْهُرِ الناس، ورأْس خزاعة عَمْرُو ابنُ سالمٍ ، فلما فرغوا من قِصَّتِهِم ، قام عمرو بن سالم فقال(١) : حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَعْلَدَا يارَبِّ إِنِّى نَاشِدٌ مْحَمَّدًا ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا قَدْ كُنْتُمْ وُلْداً وَكُنَّا وَالِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤكَّدَا إِنَّ قُرَيْشَا أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا وَهُمْ أَذِلُّ وَأَقَلُّ عَدَدًا وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا(٢) وَقَتَّلُونَا رُكَّعا وَسُجَّدًا(٣) هُمْ بَيِّتُونَا بِالوَتِيرِ مُجَّدَا فَانْصُرْ رَسُولَ اللهِ نَصْرًا أَيدا(٤) وَجَعَلُوا لى فى كدَاءِ رُصَّدَا فيهم رسولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا وادْعُ عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَددا فِى فَيْلَقِ كَالبِحْرِ يَجْرِى مُزْيدَا أنْ سِيمَ خَيْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدا قَرْم لقرم من قروم أَصْيَدَا فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ((نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بن سَالِم)) فما برح حتَّى مرت عَنَانَةُ(٥) من السماءِ فرَعَدَت، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - : ((إِنَّ هَذِهِ السْحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرٍ بَنِى كَعْب)). وروى أبو يَعْلَى بسندٍ جَيِّدٍ عن عائشة - رضى الله عنهما - قالت : لقد رأيت (١) انظر الشعر فى السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٢٧، وسيرة النبى لابن هشام ٢: ٣٩٤، ٣٩٥، وشرح المواهب ٢ : ٢٩٠ وقد وردت القصيدة بروايات مختلفة. (٢) فى الأصول (أن ليس تدعو أحدا .. ) والمثبت عن المغازى الواقدى ٢: ٧٨٩ والسيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٠٥٢٧ (٣) فى الأصول ( .. تتلوا القرآن ركعاً وسجداً .. ) والمثبت عن السيرة النبوية لابن كثير ٣ : ٥٢٧ ونهاية الأرب ١٧ : ٢٨٨ . (٤) سيأتى فى شرح غريب المفردات أن المصنف اختار مكة ((اعتدا)) بدل ((أيداً)) وجعل أيدا رواية مرجوحة وقد أثبتها اتباعاً لنهاية الأرب ، والسيرة النبوية لابن كثير ، وشرح المواهب وسيرة النبى لابن هشام . (٥) العنانة: السحاب هامش السيرة النبوية لابن كثير ٣: ٥٢٧. وشرح المواهب ٢: ٢٩٢ - ٣٠٨ - ١ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - غضب مِمَّا كان مِنْ شَأَن بنى كَعْب غضباً لم أرهُ غضبه مُنْذُ زمان. وقال: ((لَا نَصَرَنِى الله - تعالى - إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِى كَعْب)). وروى محمد بن عمر - رحمه الله تعالى - عن ابن عبّاس - رضى الله عنهما - أَن رسولَ الله - صلَّى اله عليه وسلَّم - لما سمع ما أَصاب خُزَاعَة، قام - وهو يَجُرُّ رِدَاءَه - وهو يقول: ((لَانصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُر بَنِى كَعْبٍ مِمَّا أَنْصُر مِنْهُ نَفْسِى)). وروى عبد الرزَّاق وغيره عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا بلغه خَبَرُ خُزَاعَة قال: ((والَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَأَمْنَعَنَّهُم مِمَّا أَمْنَعُ مِنْهُ نَفْسِى وَأَهْلِى وَبَيْتِى)). قال ابن إسحاق وغيره : وقدم بذلك ورقاءُ الخزاعى فى نَفَرٍ من قومه على رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فأخبروه بما حَصَلَ لهم. قال ابن عقبة، ومحمد بن عُمَر : إِن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لعمرُو بن سالم وأصحابه: ((أَرْجِعُوا وَتَفَرَقُوا فِى الْأَوْدِية)). فرجعوا / وتفرقوا، وذهبت ٢٢٨ ط فِرْقَةٌ إلى السَّاحل بعارِض الطَّريق، ولزم بُدَيل بن وَرْقَاءَ فى نفرٍ من قومه الطَّريق . وروى محمد بن عمر عن مِحْجَن بن وهب قال: لم يَرُمْ بُدَيْلُ بن(١) ورقاءً مكَّةَ من حين انصرف رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلم - من الْحُدَيْبيَة حتى لقيه فى الْفَتْحِ بِمَرِّ الظَّهرَان . قال محمد بن عمر وهذا أَثبت . وأخبر عمرو بن سالم ومن معه أَن أَنس ابن زنيم هجا رسولَ الله - صلَّى الله عليه : وسلَّم - فأَهْدَرَ دَمه . (١) عبارة محمد بن عمر الواقدى - كما فى شرح المواهب ٢: ٢٩٢ (( أن بديلا لم يفارق مكة من الحديبية حتى لقيه فى الفتح بمر الظهران )). - ٣٠٩. ذكر ما قيل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه خبر خزاعة أرسل الى قريش يخيرهم بين أمور ثلاثة روى ابن عائذ عن ابن عمر - رضى الله تعالى عنهما ، ومحمدُ بن عمر عن حِزام بن هشام الْكَعْبِىِّ ومسدد فى مسنده بسندٍ صحيح عن محمد بن عباد بن جعفر أَحد ثقات التَّابِعِين وأَئِمَّتِهم - رحمهم الله تعالى - واللفظ لمحمد بن عمر، قال حزام: إن قريشاً ندمت على عَوْنِ بنى نفائة، وقالوا : محمد غَازِينَا ، فقال عبد الله بن أبى سرح - وهو يومئذ عندهم حال رِدَّته عن الإِسلام - وأَسلم بعد ذلك - إنَّ عندى رأياً ، إِن محمدا لن يغزوكم حتى يَعْذِر إليكم، ويخيِّركم فى خصالٍ كلها أَهون عليكم من غزوه ، قالوا ما هى؟ قال: يرسل إليكم أن دوا(١) قَتْلى خزاعةم وهم ثلاثة وعشرون قتيلاً، أَو تبرُوا مِنْ حِلْفِ مَنْ نقضِ الصُّلح وهم بنو نُفَائة، أَو ينبِذ إليكم على سواء ، فما عندكم فى هذه الخصال ؟ فقال القوم : أَخْرِ بما قال ابن أبى سرح - وقد كان به عالما - قال سهيل بن عمرو : ما خلة أَهون علينا من أَن نبراً من حِلْفِ بنى نُفَائة. فقال شيبةُ ابن عثمان العبدرى(٢) حفظت أَخوالك، وغضبت لهم. قال سهيل (٣): وأَى قريشٍ لم تلده خُزَاعة ؟ قال شيبة : ولكن ندى قتلى خُزَاعَة فهو أَهون علينا ، وقال قرظة (٤) ابن عبد عمرو : لا والله لا يُودَوْنَ ولا نبرأ من حِلْفِ بنى نُفَاثَة، ولكنا نَنْبِذُ إِليه على سواء. وقال أبو سفيان: ليس هذا بشئ، وما الرأى إِلَّ جَحْد هذا الأمر ؛ أن تكون قريش دخلت فى نقض عَهْدٍ أَو قَطْعِ مدة وإِنه(٥) قطع قوم بغير رضى مِنَّا ولا مشورة فما عَلَيْنَا . قالوا : هذا الرأى لا رأى غيره . وقال عبد الله بن عمر - رضى الله تعالى عنهما - : إِن رَكْبَ خُزَاعَةً لَمَّا قدموا على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه خبرهم، قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه (١) دوا قتلى خزاعة : ادفعوا ديتهم. (٢) الإضافة للتوضيح عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٨٧ . (٣) سقط فى الأصول والإثبات عن المرجع السابق . (٤) فى الأصول قريظة والمثبت عن الواقدى وشرح المواهب ٢: ٢٩٢. (٥) كذا فى الأصول. وفى المغازى الواقدى ٢: ٧٨٨ ((فإن قطعه قوم بغير هوى )). - ٣١٠ - وسلَّم -: ((فمن تُهَمَتُكُم وظِنَّتَكُم؟)) قالوا: بنو بكر، قال:((أَكلها ؟)) قالوا : لا، ولكن بنو نُفَائة قَصْرَةً ورأس القوم نَوْفَلُ بن معاوية النُّفانى. قال: ((هَذَا بَطْنٌ مِنْ بَنِى بَكْرٍ، وأَنَا بَاعِثُ إِلى أَهْلِ مَكَّةَ فسائلهم عن هذا الأَمر ومُخَيِّرُهُم فى خِصَالٍ ثلاث))، فبعث إليهم ضمرة - لم يسم أَباه محمدُ بن عمر - يُخَيِّرُهُم بين إِحدى خلال ، بين أَن يَدُوا قَتْلَى خُزَاعَةٍ أَو يبرءُوا من حلف بنى نفاثة ، أَو ينبذ إليهم على سواء . فأَناهم ضمرة رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأَناخ راحلته / بباب المسجد ، ٢٢٩ و فدخل وقريش فى أَنْدِيتها ، فأخبرهم أنه رسول رسول اله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخبرهم بالذى أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به فقال قَرَظَة(١) بن عبد عمرو الأَعمى: أَمَّا أَن ندى قتلى خُزَاعة فإِن نُفَائة فيهم عُرَام (٢) فلا نديهم حتى لا يبقى لنا سَبَدً(٣) ولا لبد ، وأَما أَن نتبرأ من حِلْف نُفاثة فإنه ليس قبيلة من العرب تحجّ هذا البيت أَشد تعظيماً له من نُفَائة، وهم حلفاؤنا، فلا نبرأ من حِلْفِهم، أَو لا يبقى (٤) لنا سَبَدٌ ولا لَبَد ، ولكن نَنْبِذِ إِليه على سواء ، فرجع ضمرةُ إِلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بذلك من قولهم . وندمت قريشٌ على ردِّ رسول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - وبعثت أَبَا سُفْيَان فذكر قصة مجيئه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سيأتى . ذكر أخباره - صلى الله عليه وسلم - بأن أبا سفيان سيقدم ليجدد العهد فكان كما أخبر روى محمد بن عمر عن حِزَام بن هشام عن أَبيه - رحمهما الله - أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لكأَنَّكُم بِأَبِى سُفْيَانَ قَدْ جاءَ يَقُول: جَدِّد العَهْدَ وَزدْ فِى الْهُدْنَةِ(٥) ، وَهْوَ رَاجِعٌ بِسُخْطِهِ)) . (١) فى الأصول ((قرنطة)) وانظر التعليق قبل السابق. (٢) العرام: الشدة والقوة والشراسة (النهاية فى الغريب ٣: ٨٩). (٣) السيد: الشعر. واللبد : الصوف (القاموس ). (٤) كذا فى الأصول - وفى المغازى الواقدى ٢: ٧٨٧ ((ما بقى لنا)). (٥) كذا فى المغازى الواقدى ٢: ٧٩١ - وفى شرح المواهب ٢: ٢٩٢ ((المدة)) وكذا فى البداية والنهاية ٤: ٢٨٠ - ٣١١ - ١ وروى عبد الرزّاق عن نعيم مولى ابن عباس ، وابن أبى شيبة عن عكرمة ، ومحمدُ ابن عمر عن شيوخه ، واللفظ له : أَن الحارث بن هشام ، وعبد الله بن أبى ربيعة مشيا إلى أبى سفيان بن حرب ، فقالا : هذا أَمر لأبدَّ له من أَن يُصْلِح، والله لئن لم يُصْلَحْ هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد فى أَصحابه ، فقال أبو سُفيان : قد رأَت هند بنت عتبة رؤيا كَرِهْتها وأَفظعتُها . وخفتُ من شَرِّها ، قالوا : وما هى ؟ قال : رأت دماً أَقبل من الْحَجُون يسيل حتَّى وقف بالْخنْدَمَةِ (١) مَلِيًّا، ثم كأَن ذلك الدَّم لم يكن . فكره القوم الرُّؤيا . وقال أبو سُفيان : لما رأَى ما رأَى من الشَّر: هذا والله أمرٌ لم أَشْهَدْه، ولم أَغِبْ عنه ، لا يحمل هذا إلا علىّ، ولا والله ما شوورتُ فيه، ولا مَوِيْتُه حين بلغنى ، والله ليغزونا محمدٌ إِن صدَقَنِى ظنى ، وهو صادق ، وما بد من أَن آتى محمداً فأُكله أَن يزيدَ فى الْهُدْنة وَيُجَدِّدَ العهد. فقالت قريشُ: قد والله أَصَبْتَ، ونَلِمَتْ قريشٌ على ما صنعت من عون بنى بكرٍ على خِزَاعَة، وتَحَرَّجُوا أَن رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يدعهم حتى يغزوهم . فخرج أبو سفيان ، وخرج معه مولى له على راحلتين ، فأَسرع السَّير وهو يرى أنه أَوّل من خرج من مكة إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلقى بُدَيْلَ ابن وَرْقَاءَ بِعُسْفَان ، فأَشفق أَبو سفيان أَن يكون بُدَيْل جاءَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل كان اليقينُ عنده ، فقال للقوم : أَخبرونا عن يثرب متى عهدكم بها ؟ قالوا : لا علم لنا بها ، فعلم أنهم كتموه ، فقال : أَما معكم من تَمْرٍ يثرب شئ تطعموناه ، ٢٢٩ ط فإن لِتَمْرِ يثْرب فضلا على تمور تِهَامة ؟ قالوا: لا . فأَبت نفسه / أَن تُقِرَّه حتى قال: يا بُدَيْل : هل جئت محمداً ؟ قال : لا ما فعلت ، ولكن سِرْتُ فى بلاد بنى كعب وخزاعة من هذا السَّحل فى قتيل كان بينهم فأَصلحت بينهم (٢). فقال أبو سُفيان: إِنك - والله - ما علمت برُّ واصلٌ، ثم قايلهم أَبو سفيان حَتَّى راح بُدَيْل وأَصحابه ، فجاءَ (١) الخدمة: جبل بمكة ( معجم ما استعجم ٣١٩). (٢) الإضافة عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٩٢. - ٣١٢ - أبو سفيان مِنْزَلهم فَفَتَّ أَبعار أَباعرهم فوجد فيها نوى(١) من تمر عجوة كأَّها ألسنةُ الطَّير ، فقال أبو سفيان : أَحلفُ بالله لقد جاءَ القومُ محمَّدًا . وكان القومُ لما كانت الوقعة خَرَجُوا من صُبْح ذلك اليوم فسارُوا ثلاثاً ، وخرجوا من ذلك اليوم فساروا إلى حيث لقيهم أَبو سُفيان ثَلاثاً ، وكانت بنو بكرٍ قد حبست خُزَاعَةٍ فى دارى بُدَيْل ورافع ثلاثةَ أيام يكلمون فيهم ، وأنتمرت قريش فى أن يخرج أبو سُفيان، فأَقام يومين. فهذه خمس بعد مقتل خُزَاعة ، وأَقبل أَبو سُفَيَان حتى دخل المدينة ، فدخل على ابنته أُم حبيبة زوج النَّبِى - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأَراد أَن يَجْلِسَ على فِرَاشِِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - فطوته دونه. فقال: يا بُنَّيّة !! أرغبت بهذا الفراش عنى أوبى عنه ؟ قالت: بل هو فراشُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلَّم - وأنت أمرؤُ مشرك نَجِس ، فلم أُحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: يا بُنَّيّة لقد أصابك بعدى شرٌ، فقالت: بل هدانى اللهُ للإِسْلَام. وأنت يا أبت سيِّد قُريش وكبيرها ، كيف يسقُط عنك الدّخول فى الإِسلام ؛ وأَنت تعبدُ حجراً لا يسمع ولا يبصر ؟ فقام من عندها، فَأَتَى رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو فى المسجد، فقال: يا محمد !! إِنِّى كنتُ غائباً فى صلح الحُدَيْبِيَة فاشده العهد، وزدْنا فى المدّة، فقال رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((فَلِذَلِكَ جِئْتَ يَا أَبَا سُفْيَان؟)) قال: نعم. فقال رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: ((هَلْ كَانَ من قبلِكُم من حدث ؟)) قال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحُدَيْبيّة لا نغير ولا نُبَدِّل، فقال رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -: ((فَنَحنُ عَلَى مُدَّتِنَا وَصُلْحِنَا يَوْمَ الحُدَيْبِيَة لا نغيّر ولا نبدّل)) فأَعاد أَبو سفيان على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - القَوْلَ ، فلم يردّ عليه شيئاً . فذهب إِلى أَبى بكر - رضى الله عنه - فكلمه وقال : تُكلمُ محمدا أو تجير أَنت بين الناس، فقال أبو بكر : جِوَارى فى جِوَار رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - زاد ابنُ عُقْبَة : واللهِ لو وجَدْتُ الذرّ تقاتلكم لأَعنتها عليكم . (١) فى الأصول ((نوايتين)) والمثبت عن المرجع السابق. ويؤكده عود الضمير فى ((كأنها ألسنة الطير)). - ٣١٣ - فأَنتَى عمرَ بن الخطاب - رضى الله عنه - فكلمه بمثل ما كلَّم به أبا بكر ، فقال : أَنا أَشفعُ لكم عنْدَ رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم !! فوالله لو لم أجد إلاَّ الذرَّ لجاهدتكم ٢٣٠ و به ، ما كان من حلفنا جديدا فأَخلقه الله ، وما كان منه متيناً فقطعه الله / ، وما كان منه مقطوعاً فَلاَ وَصَلَهُ الله. فقال أَبُو سفيان جُوزِيتَ من ذِى رحم شرًّا . فَأَنَى عثمانَ بْنَ عمَّان - رضى الله عنه - فقال إنَّه ليس فى القوم أَحدُ أَقرب رحماً منك ، فَزِدْ فى المدة، وَجَدِّدِ العهد ؛ فإِنَّ صاحبك لا يرُدُّه عليك أَبدا، فقال عُثمان : جَوَارِى فى جوار رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم . فَأَتَى عليًّا - رضى الله تعالى عنه - فقال: يا على إِنك أَمَسّ القوم بى رحما ، وإِنى جئتُ فى حاجةٍ فلا أَرجع كما جئت خائبا ، فاشفع لى إلى محمد . فقال : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفيان ! واللهِ لقد عزم رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أَمرٍ ما نستطيعُ أَن نكلمه فيه، فأتى تسعدَ بن عُبَادة - رضى الله تعالى عنه - فقال: يا أبا ثابت أَنت سيد هذه البحيرة فأَجِرْ بين الناس ، وزِدْ فى المدة ، فقال سعد : جوارى فى جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يجير أَحدٌ على رسولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأنى أشراف قريش والأَنصار فكلهم يقول جوارى فى جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَا يجير أَحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أَيِسَ مِمَّا عندهُم ، دخل على فاطمة الزَّهراء - رضى الله عنها - والحسن غلامٌ يَدِبُّ بين يَدَيْهَا فقال : يا بنت محمد، هل لك أن تجيرى بين النَّاس؟ فقالت: إِنَّما أَنا امرأة، وأَبت عليه، فقال : مُرِى آبْنَكِ هذا - أَى الحسن بن على - رضى الله عنهما - فيجير بين النَّاس، فيكون سيّد العرب إلى آخر الدّهر . قالت: والله ما بلغ آبنى ذلك أَن يُجِيرَ بين الناس ، وما يجير أَحَدٌ على رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . فقال لعلى: يا أَبا الحسن ، إِى أَرى الأمورَ قد اشتدَّت علىّ فانْصَحنى. قال : والله ما أعلم شيئاً يُغْنِى عنك شيئاً ، ولكنك سيِّدُ بَنى كنانة وقال : صدقت، وأَنا كذلك. قال : فقم فأَجِرْ بين الناس ثم الحَق بأَرضك، قال : أَوَ تَرَى ذلك مُغْنِيًا - ٣١٤ - عَنِّى شيئاً ؟ قال: لا والله(١)، ولكن لا أجدُ لك غير ذلك، فقام أَبُو سُفيان فى المسجد ، فقال : أَيُّهَا النَّاس إِنِّى قد أَجَرْتُ بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرنى أَحد ، ثم دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد إنى قد أجرت بين الناس فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا حَنْظَلَة !! )) ثم ركب بعيره وانطلق . وكان قد احتبس وطالت غيبته ، وكانت قريش قد اتَّهمته حين أَبطاً أَشدّ. التهمة ؛ قالوا: والله إنّا نراه قد صباً، واتَّبَع محمداً سِرًّا وكتم إسلامه. فلما دخل على هند آمرأَته ليلا ، قالت : لقد اخْتَبَسْتَ حتَّى انَّهمك قومُك ، فإِن كنت مع الإِقامة جئتهم بنُجْحٍ (٢) فأَنت الرجل ، ثم دنا منها فجلس مجلس الرجل من امرأته (٣) . فقالت ما صنعت ؟ فَأَخْبَرها الخبر ، وقال : لم أَجد إلاَّ ما قال لى عَلِيّ ، فضربت برجلها فى صدره وقالت : قُبِّحْتَ من رسُولِ قوم ، فما جئت بخير . فلما أصبح أَبو سفيان حلق رأسه عند إساف ونائلة ، وذبح لهما ، وجعل يمسح بالدم رؤوسهما ويقول : لا أُفارق عبادتكما حتَّى أَموت على ما مات عليه أبى ، إبراءً لقريش مما اتهموه به ، فلما رأته قريش ، قاموا إليه فقالوا : ما وراءك ؟ هل جئت بكتابٍ من محمد أو زيادة فى مُدَّةٍ مَا نَأْمَن به أن يغزونا محمد ؟ فقال: والله لقد أَبى علىّ ، وفى لفظ: لقد كلمته ، فوالله ما ردًّ على شيئاً، وكلمتُ أَبا بكر فلم أَجِدْ فيه خيراً ، ثم جئت ابنَ الخطَّب - رضى الله عنه - فوجدتُه أَدنى العدو(٤) ، وقد كلمت عِلْية أصحابه ، فما قدرت على شىءٍ منهم إلا أنَّهم يرموننى بكلمة واحدة ، وما رأَيت قوماً أطوعَ لملك عليهم منهم له ، إلاَّ أَن عليًّا لما ضاقت بى الأُمور قال: أَنت سيد بنى كنانة، فأَجِرْ بين النَّاس، فناديتُ بالجوار، فقال محمد (( أنت تقول ذلك يا أَبا حنظلة !! )) (١) وفى شرح المواهب الزرقانى ٢: ٢٩٣ ((قال: لا والله ما أظنه)). (٢) كذا فى ت، ط، م. وفى ص ((جئتهم بشىء)). (٣) كذا فى ت، ط، م. وفى ص ((من أمته)). (٤) وفى شرح المواهب الزرقانى ٢: ٢٩٤ (( أعدى العدو)) وكذلك فى السيرة الحلبية ٣: ٨٦. - ٣١٥ - لم يزدنى. قالوا : رضيت بغير رضى؛ وجثْتَ بما لا يُغنِى عَنَّا ولا عَنْكَ شيئا، ولعمْرُ اللهِ ما جوارُكَ بجائِزِ، وإِنّ إِخْفَارك عليهم لهيّن، ما زاد (١) عَلَىٌّ من أَن لَعِبَ بك تلعباً . قال : والله ما وجدت غير ذلك . / ٢٣١ م ٤٦٥ت ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعمر ــ رضى الله عنهما - فى غزو قريش روى ابن أَبِى شَيْبَة عن محمد بن الحنفيّة - رحمه الله - عن أبى مالك الأَشْجَعَىّ - رضى الله عنه - قال: خرج رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - من بعض حجره فجلس عند بابها - وكان إذا جلس وَحْدَه لم يأْتُه أَحدٌ حتى يدعوه -، فقال ((أُدْعُ لى أبا بكر)). فجاء فجلس أَبو بكر بين يديه ، فناجاه طويلاً، ثم أَمَرَه فجلس عن يمينه ، ثمّ قال: ((ادْعُ لى عمر )) فجاءَ فجلس إلى أَبى بكر فناجاه طويلا، فرفع عُمَرُ صوته فقال : ((يا رسول اللّه هُمْ رأسُ الكُفْرِ، هم الذين زَعَمُوا أَنَّك سَاحر، وأَنك كاهن، وأَنْك كذَّب، وأَنك مفتر))، ولَمْ يَدَعْ عمر شَيْئًا، مما كان أَهلُ مكة يقولونه إِلَّ ذَكَرَه، فأمره أن يجلس إلى الجانب الآخر ، فجلس أَحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثُمَّ دَعَا الناس فقال: ((ألا أُحَدِّكم بمَثَل صاحبيكم هذين ؟ فقالوا : نعم يا رسولَ الله، فأَقبل بوجهه إلى أبى بكر فقال: ((إِنَّ إِبْرَاهيم كان أَليَن فى الله تعالى من الدّهن الليّن، ثم أقبل على عمر، فقال: ((إِنَّ نُوحاً كان أَشَدَّ فى الله من الحَجَر ، وَإِنَّ الْأَمْرَ أَمرُ عمر ، فتجهزوا وتعاونوا ، فتبعوا أَبا بكرٍ فقالوا : يا أَبا بكر ، إِنا كَرِهْنَا أَن نسأَّل عمرَ عمّا ناجاك به رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم - قال : قال لى: ((كيف تأمرنى فى غزو مكة؟)) قال: قلت يا رسولَ الله هم قَوْمُك !! ، حتى رأيتُ أَنَّه سيطيعنى، ثم دعا عمر فقال عمر : هم رأس الكفر ، حَتَّى ذكر له كل سوء كانوا يقولونه ، وأيم الله وأيم الله لا تَذِلّ العرب حتى تذل أهل مكة ، وقد أمركم بالجهاد ليغزوا مكة . (١) كذا فى ص. وفى ت، ط، م ((مازاد على أن لعب بك)) وفى شرح المواهب ٢: ٢٩٤ (( مازاد - أى على بن أبى طالب )). - ٣١٦ - ٢٣١ و ذكر جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم / - واجابة دعائه بأن لا تعلم قريش بمسيره ، وأمره بحفظ الطرق ذكر ابن عقبة ، وابن إسحاق ، ومحمد بن عمر - رحمهم الله تعالى - أن رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مكث بعد خروج أبى سفيان ما شاءَ اللهُ أَن يمكث ثم قال لعائشة: ((جَهْزِينَا وأخفى أَمرك)). وقال: ((اللهم خذ على أَسماعهم وأبصارهم فلا يَرَوْنَا إلَّ بغتة، وَلَا يسْمَعُونَ بِنَا إِلَّ فجأَّةٌ(١))) وأَمر رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جماعةً أن تقيم بالأَنقاب(٢)، وكان عمر بن الخطاب يطوفُ على الأَنقاب ، فيمر بهم فيقول : لا تَدَعُوا أَحدًا يمر بكم تُنْكِرُونه إلا رَدَدْتُمُوه، وكانت الأَنقاب مُسلمة - إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ به ويسأل عنه . ذكر كتاب حاطب بن أبي بلتعة (٣) - رضى الله عنه - الى قريش ليعلمهم بغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياهم، وما وقع فى ذلك من الآيات روى الإِمام أحمد ، والخسةُ عن أبى رافع عن على ، وأبو يعلى ، والحاكم والضياء عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - والإِمام أحمد، وعبد بن حُمَيْد عن جابر ، وابن مردويه عن أنس - رضى اللهُ عنهم - وابن مردويه عن سعيد بن جبير ، وابن إسحاق عن عُرْوَة ، وابن مردويه عن عبد الرحمن عن حَاطب بن أَبِى بَلْتَعَة ، ومحمد ابن عمر عن شيوخه - رحمهم الله تعالى: أن رسولَ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا أَجمع السَّيْرَ إِلى مكة، كتب حَاطِبُ بن أَبِى بَلْتَعَةَ - رضى الله عنه - كتاباً إلى قريش يُخْبِرهم بالذى أجمع عليه رسولْ اللّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الأَمر فى المَسِير (١) فى الأصول ((إلا فلتة)) والمثبت عن السيرة الحلبية)) ٣: ٨٦، والمغازى الواقدى ٢ : ٠٧٩٦. (٢) الأنقاب : الطرق، كما فى السيرة الحلبية ٣: ٨٦ . (٣) هو عمرو بن عمير الخمى، حليف بنى أسد، اتفقوا على أنه شهد بدرا. مات سة ثلاثين من الهجرة (شرح المواهب ٢ : ٢٩٤). - ٣١٧ - إليهم ، ثم أعطاه آمرأَةً، قال ابن إسحاق ، زعم محمد بن جعفر أنها مِنْ مُزَيْنَة - قال محمد بن عمر : يقال لها كُنُود ، قال ابن إسحاق : وزعم لى غير ابن جعفر : أَنَّهَا سارة مَوْلَاةٌ لبعض بنى المطلب ، وجعل لها جُعْلاً، قال محمد بن عمر ديْنَاراً ، وقيل عشرة دنانير ، على أن تبلغه أَهل مكة ، وقال لها : أَخفيه ما استطعت ، ولا تَمُرى على الطريق ؛ فإِن عليه حَرَساً ، فجعلته فى رَأْسِهَا، ثم فَتَلَت عليه قُرونَها ، ثم خرجت به ؛ فسلكت غير نقب عن يسار المَحَجَّة فى الفُلوق(١) حَتَّى لَقِيَت الطريق بالعقيق . وذكر السّهيلى - رحمه الله - تعالى - أنه قد قيل إنه كان فى كتاب حاطب : إِن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجّه إليكم بجيش كالليل ، يسير كالسَّيْل ، وأقسم بالله لو سار إليكم وَحْدَه لنصره الله تعالى عليكم ، فإِنه منجزٌ له ما وعده فيكم ، فإِن الله - تعالى - ناصره ووليّه . ٢٣١ ط وفى تفسير ابن سلام أنه/ كان فيه: إن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد نفر فإِمَّ إِليكم، وإما إلى غيركم ، فعليكم الحذر . انتهى. وذكر ابن عقبة أن فيه : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد آذن بالغزو ، وَلَا أَراه إِلَّ يريدكم، وقد أَحْبَبْتُ ، أَن يكون لى يَدٌ بكتابى إليكم . وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما صنع حاطِب ، فبعث علىّ بن أبى طالب، والزّبير بن العوام - زاد أَبو رافع: المِقْدَاد بن الأسود وفى رواية عن أبى عبد الرحمن السلمى عن على: أَبا مَرْنَد ، بدل المقداد، فقال رسولُ الله - صَلَّى الله عليه وسلَّم - ((أَدرك أمرأة قد كتب معها حاطِبٌ بكتابٍ إلى قريش، يُحَذِّرهُم ما قد أَجْمَعْنَا له فى أَمْرِهم، ولفظ أبي رافع ((انطلقوا حَتَّى تَأْتوا روضة خاخ(٢)، (١) فى الأصول ((العلوق)) ويقول المصنف فى شرح الغريب ص((لم أجد له ذكرا)) (.والمثبت عن المغازى الواقدى ٢ : ٧٩٩ والفلوق جمع فلق بمعنى الشق. يقال مررت بحرة فيها فلوق أى شقوق) الصحاح ١٥٤٤، (٢) روضة خاخ. موضع بين الحرمين بقرب حمراء الأسد من المدينة (مراصد الاطلاع) وهو على بريد من المدينة ( شرح المواهب ٢٩٥:٢ (وفى وفاء الوفا ٤: ١١٩٨) ((وقال الواقدى: روضة خاخ بقرب ذى الحليفة على بريد من المدينة ، وفى حديث على بعثى ... الخ وبين فيه أن المكان على قرب من اثنى عشر ميلا من المدينة وبقرب خاخ خليقة عبد الله ابن أبى أحمد ... )). - ٣١٨ - فإِن بها ظعينة معها كتاب)) فخرجوا - وفى لفظ: فخرجا، حَتَّى إِذا كان بالخَلِيقَة، خليقة بنى أحمد(١) وقال ابن عقبة : أَدركاها ببطن ريم ، فاستنزلاها فالتمساه فى رَحْلِها ، فلم يجدا. شيئاً ، فقال لها على بن أبى طالب - رضى الله عنه - : إنى أَحلف بالله ما كذب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وما كذبنا ، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أَو لَنَكْشِفَنَّكِ ، فلما رأَت الجِدّ ، قالت : أَعْرِضَا . فحلَّت قُرُونَ رأْسها ، فاستخرجتُ الكتابَ منها ، فدفعته إليه فأََّى به رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فإذا فيه : من حاطب بن أَبِى بَلْتَعَة إلى أُناسٍ من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسولِ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ◌ِ فدعا حَاطِبًا، فقال: ((يا حاطب، مَا حَمَلَك عَلَى هذا؟ قال: يا رسولَ: الله. إِنِى والله لمؤمن بالله ورسوله ؛ ما غيّرتُ، ولا بدّلتُ ، ولكنى كنت امْرَأْ ليس لى فى القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لى بين أظهرهم ولدٌ وأهل ، فصانعتهم عليهم - . ولفظ أبي رافع - فقال: يا رسولُ الله لا تعجل علىّ، إنى كنتِ امْرَأْ مُلْصَقاً فى قريش ، ولم أَكُنْ من أَنْفُسِهِم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم بها وأهليهم بمكة، ولم يكن لى قرابة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك من بنيهم أَن أَنَّخذ فيهم يَدًا أَحمى بها قرابتى، وما فعلت ذلك كُفْراً بعد إِسلام. فقالَ رسولُ الله - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - ((إِنَّه قَدْ صَدَقَكُم)). فقال عمر لحاطب: قاتلك الله !! ترى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأخذُ بالأَنقاب وتكتب إلى قريش تحذرهم ؟ دعنى يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضرب عنقه ؛ فإن الرجل قد نافق ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( ما يُدْريك يا عمر أَن الله عز وجل أَطََّع إِلى أَصحاب بدر يوم بدر فقال: ((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم)) فَاغْرَورقت عينا عمر، وقال: الله ورسولُهُ أُعلم ، حين سمعه يقول فى أهل بدر ما قال . (١) هى خليفة عبد الله بن أحمد بن جحش، وهى أرض بنواحى المدينة يدفع فيها سيل العقيق بعد خروجه إلى النقع والتقائه بوادى ريم، وبها مزارع وقصور ونخيل، ويقال إنها على اثنى عشر ميلا من المدينة، (وفاء الوفا ٤ : ١٢٠٢). - ٣١٩ - ٢٣٢ و وأَنْزِل الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَخِذُوا عَدُوِّىٍ وَعَدُوَّكُمْ)) أَى كفّار مكة ((أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ)) توصلون ((إِلَيْهِمْ)) قصد/النبى غَزْوَه الذى أُسره إِليكم - وَوَرّى بخبره ((بالمّوَدّة)) بينكم وبينهم ((وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الْحَقِّ)) دين الإِسلام والقرآن (( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإِيَّاكُمْ)) من مكة بتضييقهم عليكم لأجل ((أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً)) للجهاد ((فِى سَبِيلِيٍ وَأَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِى)) وجواب الشَّرط دلَّ عليه ما قبله: أَى فلا تتخذوهم أولياءَ ((تُسِرُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلُهُ مِنْكُم)) أَى إِسرار خبر النبى إليهم ((فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل)) أَخطأً طريق الهدى، والسواء فى الأَّصل: الوَسَطُ ((إِنْ يَثْقَفُوكُمْ)) يظفروا بكم (( يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءٌ وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُم)) بالقتل والضرب ((وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسّوءِ)) بالسَّب، والشّم ((وَوَدُّوا)) تمنوا ((لَوْ تَكْفُرُونَ. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ)) قراباتكم ((ولا أَوْلَادُكُمْ)) المشركون، الذين لأَجلهم أسررتم الخبر من العذاب فى الآخرة ((يَوْمَ الْقِيْمَةِ يَفْصِلُ)) بالبناءَ للمفعول والفاعل ((بَيْنَكُمْ)) وبينهم فتكونون فى الجنة، وهم فى جملة الكُفَّار فى النار ((واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(١))). * ذكر إجماع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير الى مكة قال ابن عقبة، وابن إسحاق ، ومحمد بن عمر ، وغيرهم: لَمَّا أَرادَ رَسُولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - المسيرَ إِلى مكَّة، بعث أَبا قَتَادَةً بن ربعى إلى بطن إِضَم؛ ليَظُنَّ الظَّانُّ أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توجَّه إلى تلك الناحية، وأَن لا تذهب بذلك الأخبار وأبان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير إلى قريش، وأرسل إلى أهل البادية، ومن حولهم من المسلمين؛ يقول لهم ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة)) وبعث رُسُلاً فى كل ناحية حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم . (١) سورة الممتحنة الآيات ١، ٣،٢. - ٣٢٠ -