Indexed OCR Text

Pages 541-560

ثم قال: ((اللهم مُنْزِلَ الكِتَاب(١)، سَرِيع الحساب، اهْزِمِ الأحزاب. اللهم اهزمهم
وانصرْنا عليهم)) .
وروى ابن سعد ، عن سعيد ابن المسيَّب قال: حُصِر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأصحابُه
بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكَرْب ، وحتى قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((اللهم إنى أنشدك عهدَك ووعدك. اللهم إن تشأُ لا تُعُبد))(٢).
وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخُدرىِّ رضى الله عنه وعن أبيه قال: قلنا يا رسول الله
هل من شىءٍ نقوله فقد بَلَغَتِ القُلوبُ الحناجِر ، قال: نعم ، قولوا: اللهم اسْتُرْ عَوْرَاتِنا
وآمِنْ رَوْعَاتِنا)) ، قال : فصرف الله تعالى ذلك .
وروى محمد بن عمر عن عبد الله بن عاصم الأشجعىّ ، عن أبيه، وأبو نُعيم عن عروة
وابن شهاب : أَن نُعَيم بن مسعود كان صديقًا لبنى قريظة ، فلما سارت الأحزاب إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، سار مع قومه وهو على دينهم، فأَقامت الأحزاب ما أقامت ، حتى
أَجدب الجَناب، وهلك الخُفُّ والكُرَاعِ، فقَذَف الله تعالى فى قلبهِ الإِسلامَ وكتم قومَه
إسلامَه، فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بين المغرب والعشاء ، فوجده يصلّى،
فلما رآه جلس ، ثم قال : ما جاء بك يا نْعَيْم ؟ قال : جئتُ أَصدقك، وأَشهد أَنَّ ماجئتَ
به حَقّ، فأَسلم، وأخبره أن قريشًا تحرِّبوا عليه، وأنهم بعثوا إلى قريظة: أَنه قد طال .
ثَوَاءُنا وأجدب ما حولنا، وقد جئنا لنقاتل محمدًا وأصحابه ، فنستريح منه ، فأرسلت
إليهم قُرَيْظَة: نِعْمَ ما رَأَيْتم فإِذا شِئْتُم، فابْعثوا بالرَّهْن، ثم لا يحبسكم إلَّا أَنفُسكم. فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنُعَيم: فإنهم قد أرسلوا إِلىَّ يدعونَنِى إِلى الصلح، وأَرُدُّ بَنِى
الَّضير إلى ديارهم وأموالهم، فقال نُعَيم: يا رسول الله فهُرفِى بما شِئْت، والله لاتأمرنى بأمر
إِلا مَضَيْتُ له ، قال: وقومى لا يعلمون بإسلامى ولا غيرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنَّا الناسَ ما استَطِعْتَ ، فإِنَّ الحربَ خَدْعة . قال
أَفْعَل، ولكن يا رسول الله إنّى أَقولُ فَأُذَنْ لى فأَقُول، قال: قُلْ مابَدًا لك، فأَنت فى حِلِّ.
(١) م: ((الكتب)).
(٢) هكذا ورد بنسخ الكتاب، وقد سبق مثل هذا الدعاء فى غزوة بدر الكبرى، ونصّه: ((اللهم إنى أنشدك
عهدك ووعدك، اللهم إن تبلك هذه العصابة لا تعبد».
- ٥٤١ -

٠٠٠
قال : فذهبتُ حتى جِئْتُ بنى قُرَيْظَة فلما رأونى رَحَّبُوا بى وأكرمونى ، وعرضوا علىّ الطعام
والشراب ، فقلت: إنَّى لم آتٍ لطعام وشراب، إنما جِئتكم نَصِبًا بأمركم وتَخَوفا عليكم ،
الأَشِير عليكم برأى ، وقال: قد عَرَفْتُم وُدِّى إِيّاكم وخاصةً مابينى وبينكم ، فقالوا :
قد عرفنا ولستَ عندنا بمُتَّهم ، وأَنت عندنا على ما نُحبّ من الصِّدق والبِرّ ، قال : فاكتموا
عَنِّى. قالوا : نَفْعل. قال: إِنَّ أَمرَ هذا الرجل بَلاء - يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم -
صَّنَع ما رأيتم ببنى قَيْتُقاع وبنى النَّضير، وأَجلاهم عن بلادهم بعد قَبْضِ الأَموال، وإنّ
ابنَ أَبِى الحُقَيْقِ قد سار فِينا ، فاجتمعنا معه لِنَنْصُركم، وأَرَى الأَمرَ قد تطاول كما ترون،
وإنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة ؛ أما قريش وغطفان فإنهم قَومٌ
جائموا سَيَّارة حتى نزلوا حيث رأيتم، فإِن وجدوا فُرصةً انتهزوها، وإن كانت الحرب
فأصابهم ما يكرهون انشمروا(١) إلى بلادهم، وأنتم لاتقدرون على ذلك؛ البَلدُ بلدكم فيه
أموالكم وأبناؤكم ونِساؤُكم، وقد كبر عليهم جانب محمد؛ أَجلَبوا(٢) عليه بالأمس إلى
الليل ، فقتل رأسَهم عمرو بن عبدوُدٌ، وهربوا منه مَجْرُوحين ، لاغنى بهم عنكم ؛ لما يعرفون
عندكم، فلا تُفَاتلوا مع قريش [ ولا غطفان](٣) حتى تأخذوا منهم رَهْنًا من أشرافهم ،
تستَوثِقُون به مِنْهم أَلَّا يبرحوا حتى يُناجِزوا محمدًا. قالوا: أَشْرتَ علينا بالرّأى والنُّصح ،
ودعَوْا له وشكروه ، وقالوا : نحن فاعلون. قال : ولكن اكتُموا علىّ ، قالوا: نفعل.
ثم أَتى نُعَيْم أبا سفيان بن حرب فى رجالٍ من قريش . فقال : أبا سفيان جئتُك
بنصيحة ، فاكتُم علىّ. قال : أَجل. قال: تَعْلمِ أَنَّ بَنِى قريظة قد نَدِمُوا على مافعلوا فيما
بينهم وبين محمد ، فأرادوا إِصلاحه ومراجعته، أرسلوا إليه وأنا عندهم ، إنَّا سنأُخذ من
قريشٍ وغطفانَ من أشرافهم سبعين رجلاً، نُسلِمُهم إليك تَضْرب أعناقهم ، وتردُّ جَناحنا
الذى كسرتَ إلى ديارهم - يعنون بنى النضِّير - ونكون معك على قريش حتى نردِّهم عنك .
(١) م، ت: ((انشرموا)).
(٢) ص: ((أجلبوا علينا بالليل)).
(٣) تكملة عن الواقدى ٢ / ٤٨١.
- ٥٤٢ -
:
/

فإن بعثوا إليكم يسألونكم رَهْنا فلا تدفعوا إليهم شيئًا(١)، واحذروهم على أشرافكم، ولكن
اكتموا علىَّ، ولا تذكروا من هذا حَرْفًا . قالوا : لانذكره .
ثم أتى إلى غَطّفان. فقال: يا معشَر غَطَفان ، قد عرفتم أَنى رجل منكم فاكتموا علىّ ،
واعلموا أَن بَنِى قُرَيْظة بعثوا إلى محمد - وقال لهم مِثْلَ ما قال لأَّبِى سفيان - فاحذَرُوا أَن
تدفعوا إليهم أحدًا من رجالكم. فصَدَّقوه.
وأرسلت هودُ عَزَّلَ - وهو بعين مهملة فزاى مشددة - بنَ سَمَوْأَل إلى قريش: إِنَّ
ثَوَاءُكم قد طال ، ولم تَصْنَعُوا شيئًا ، فليس الذى تَصْنَعون بِرَأْى، إنكُم لو وَعَدْتُمونا يومًا
تزحفون فيه إلى محمد ، فتأتون من وجه ، وتأتى غطفان من وجه ، ونخرج نحن من وجه
آخر ، لم يُفلت محمد من بعضنا ، ولكن لانخرج معكم حتى تُرسلوا إلينا برهان من أشرافكم؛
ليكونوا عندنا، فإننا نخاف إِن مَسَّتكم الحرب أَو أَصابكم ماتكرهون أَن تُشَمِّرُوا إِلى
بلادكم، وتتركونا فى عُقْز دارنا ، وقد نابذنا محمدًا بالعداوة. فلما جاء الرسول لم يرجع
إليه أبو سفيان بشىء، وقال - بعد أن ذهب - : هذا ما قال نُعَيْم.
وخرج نُعَيمٍ إِلى بنى قُرَيْظة ، فقال: يامعشر بنى قريظة بَيْنا أَنا عند أبى سفيان إذ جاء رسولكم
إليهم يطلب منه الرِّهانَ ، فلم يردّ عليه شيئًا، فلما ولَّ قال: لو طلبوا مِنِّى عَناقًا ما رَهَنتها ،
أنا أرهنهم سَرادَ أصحابٍ يدفعونهم إلى محمد يَقتُلهم ، فارتأُوا رأيكم ، ولاتقاتلوا مع أَبى
سفيان وأصحابه ، حتى تأُخذوا الرَّهْن، فإنكم إن لم تُقاتِلُوا محمدًا ، وانصرف أبو سفيان،
تكونوا على مُوَاعَدْتِكم (٢) الأُولى. قالوا: نرجو ذلك ياْنُعَيم. وقال كعبُ بنُ أَسد: أَنا والله
لا أُقاتله، لقد كنتُ لهذا كارهًا، ولكن حُبَيًّا رجلٌ مشئوم. قال الزَِّيرُ بنُ باطًا: إن
انكشفت قريش وغطفانُ عن محمد لم يقبل منا إلا السيف ، لنخرجنَّ إلى محمد ولاتطلبوا
رهنًا من قريش ، فإنها لاتُعطينا رَهْنًا أبدًا، وعلى أى وجه تُعطينا قريش الرَّهْن وعَدَدُهم
(١) الواقدى / ٤٨٢: ((أحداً)).
(٢) م، ت، ص: ((موادعتكم)).
- ٥٤٣ -
:

أَكْثَرُ من عدَدِنا ، ومعهم الكُراع ولا كُراع معنا ؟ وهم يقدرون على الحرب ، ونحن لانقدر
عليه، وهذه غَطَفان تَطلُب إلى محمد أَن يُعطيَها بعض(١) ثمار المدينة فأبى أن يعطيهم
إلا السيف ، فهم ينصرفون من غير شىءٍ . فلم يُوافق الزَّبِير غيره من قومه على مساعدة
قريش إلا برهن .
فلما كان ليلة السبت أرسل أبو سفيان ورءُ وسُ غَطَفان إلى بنى قريظة عِكرمةَ بن أبى جَهْل
ونَفَرًا من قريش وغَطَفان ، فقالوا لهم: إِنا لسنا بدار مُقام، قد هلك الخُفُّ والحَافِرِ ،
فأَعِدُّوا للقتال حتى نُناجز محمدًا، ونَفرغ ◌ِّ بيننا وبينه، فأرسلُوا إليهم: إِنَّ اليومَ يوم
السبت وهو يوم لانَعْمَل فيه شيئًا، وقد كان أحدث فيه بعضُنا حَدَثًا فأصابه مالم يخفَ
عليكم ، وإِنَّا لسنا مع ذلك بالذين نُقاتل معكم محمدًا حتى تُعْطُونا رَهْنًا من رجالكم ،
يكونون بأيدينا؛ ثقةً لنا، حتى نُناجز محمدًا؛ فإِنَّا نخشى إن ضربتكم (٢) الحرب، واشتد
عليكم القتال ، أَن تُشَمِّروا(٣) إلى بلادكم وتتركونا ، والرجل فى بلادنا ، فلا طاقَةً لنا
بذلك منه .
فلما رجعتْ إليهم الرسلُ بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : إِن الذى ذكر
نُعَيْمٌ لحَقٌّ فأرسلوا إلى بنى قريظة : إِنا والله ماندفع إليكم رجلًا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم
تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا .
فقالت بنو قُرَيْظة لمَّا سمعوا ذلك: إِن الذى ذكر لكم نُعَيْمُ لحَقُّ، مايريد القوم إلا أَن
يقاتلوا، فإن رأوا فُرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انْشَمُرُوا(٤) إِلى بلادهم، وخَلُّوا بينكم
وبين الرجل فى بلدكم .
وتَكرَّرت رسلُ قريشٍ وغطفانَ إِلى بنى قريظة، وهم يردُّون عليهم بما تقدَّم ، فَيَئِسَ
(١) الواقدى / ٤٨٣: ((بعض تمر الأوس)).
(٢) الواقدى / ٤٨٣: ((إن أصابتكم الحرب))، وعند ابن هشام ٣ / ٣٤٢: ((إن ضرستكم الحرب)).
(٣) ابن هشام ٣ / ٣٤٢: ((أن تنشروا إلى بلادكم)).
( ٤) الطبرى ٣ / ٥١ : ((تشمروا)).
- ٥٤٤ -

هؤلاء من نصر هؤلاء ، فاختلف أمرهم ، وخذَّل الله تعالى بينهم على يد نُعَيْم بن مسعود رضى
الله عنه .
ذكر انهزام المشركين وإرسال الله تعالى عليهم البرد والريح والملائكة تزلزلهم
:قال ابن إسحاق : وبعث الله الرِّيحَ فى ليلةٍ باردةٍ شاتِية ، فجعلت تكفأُ قُدورَهم ،
وتَطرح آنِيَتهم .
وروى ابنُ سَعْد ، عن سعيد بن جُبير قال : كان يوم الخندق أَتى جِبْريل ومعه الرِّيح ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى جبريل: أَلاَ أَبْشِرُوا! ثلاثاء فأَرسل الله
تعالى عليهم الرَّيْحَ ، فهتكت القِبَابَ، وكفأت القُدورَ، ودَفَنَت الرجال ، وقطعت الأوتادَ ،
فانطلقوا لا يلْوِى أَحدٌ على أحد ، وأنزل الله تعالى: ﴿ إِذ جاءتْكم جنودٌ فأرسلْنا عليهم ريحًا
وجُنُودًا لم تَرَوْهَا(١)﴾ .
وروى ابنُ أَبن حاتم وأَبو نُعيم والبَزَّار برجال الصحيح ، عن ابن عباس رضى الله عنهما
قال: لما كانت ليلةً الأحزاب جاءت الثَّمال إلى الجَنوب فقالت : انْطَلّى فانصرِى الله
ورسوله ، فقالت الجنوب : إن الحُرَّةِ لاَتَسْرِى باللَّيل، فغضب الله تعالى عليها فَجَعَلها
عَقِيمًا، وأرسل الصَّبا، فأَطفأَتْ نيرانَهم ، وقطّعت أطنَابَهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكتْ عادٌ بالدَّبُور(٢)).
وروى الإمام أحمد والشيخان والنَّسائيّ عنه : أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
• نُصِرتِ بالصَّبا، وأُهلِكَت عادٌ بالدَّبور)».
وروى البيهقىّ عن مجاهد فى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عليهمِ رِيحًا﴾ قال: يَعْنِى رِيحَ
الصَّبا، أُرسِلت على الأحزاب يوم الخَنْدق، حتى كفأَتْ قُدورَهم على أَفواهِها، ونَزَعتْ
فَساطِيطَهم حتى أَظْعَنَتْهم. ﴿وجُنُودًا لم تَرَوْهَا) قال: الملائكة . قال: ولم تُقاتل يومئذ .
(١) سورة الأحزاب : الآية ٩
(٢) صحيح البخارى ٥ / ٤٧
- ٥٤٥ -
( ٣٥ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤)

وروى ابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة قال : بعثَ اللهُ تعالى عليهم الرِّيح والرُّعب
كلما بَنَوْا بناءً قطع الله أَطنابَه، وكلما رَبَطوا دابَّة قطع الله رِباطها، وكلما أوقدوا نارًا
للحرب أَطفأَّها الله ، حتى لقد ذُكر لنا : أن سيِّدَ كلِّ حَىِّ يقول: يابنى فلان، هلمَّ إِلَىّ
حتى إذا اجتمعوا عنده قال: ((النَّجاةَ النجاةَ، أَتِيتُم))! لِمَا بَعَث الله تعالى عليهم من الرَّعب.
قال البلاذُرىّ : ثم إِنَّ الله تعالى نصر المسلمين عليهم بالريح ، وكانت ريحًا صفراء
فملأَّت عُيونَهم ، فداخلهم الفشلُ والوهنُ وانهزم المشركون، وانصرفوا إلى معسكرهم ، ودامت
عليهم الرِّيح، وغشيتْهم الملائكة تَطمِس أَبصارهم، فانصرفوا ﴿ وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَروا بِغَيْظِهِم
لم يَنالُوا خَيْرًا وكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قويًّا عَزِيزًا(١)).
قال أبو الخطاب(٢) بن دِحْيَة: هذه الملائكة بعثَها الله تعالى فنَفَئَتْ فى رُوعهم الرُّغْبَ
والفَشَلَ، وفى قلوب المؤمنين الثُوَّةَ والأَّمَل، وقيل: إِنَّمَا بَعَث الله الملائكة تزجُر خيلَ
العَدُو وإِيلَهم ، فَقَطْعُوا مدة ثلاثة أيام فى يوم واحد . فارِّين منهزمين .
ذكر إرسال رسول الله عميلُ له حذيفة بن اليمان لمبالله ليكشف له خبرهم
روى الحاكم وصحَّحه ابن مَرْدَوَيْه، وأبو نعيم والبيهقىّ كلاهما فى الدلائل من طرق عن
حُذيفة ومسلم ، وابن عساكر عن إبراهيم بن يزيد النَّيمىّ عن أبيه ، وابن إسحاق
عن محمد بن كعب القُرَظِىّ، وأبو نُعيم مختصرًا عن ابن عمر: أَن حذيفة رضى الله عنه
ذكر مَشَاهِدَهم(٣) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال جلساؤه: أَمَا والله لو شهدنا ذلك
لكنا فعلنا وفعلنا - وفى لفظِ: فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
لقائلتُ معه وأَبليْتُ - فقال حُذيفة: لانتسَنَّوْا ذلك، لقد رأيتُنا ليلةَ الأَحزاب ونحن صافُونٌ
قُعُود(٤) ، وأَبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقَنا، وقُريظةُ اليهود أسفل منَّا ذَخافُهم على
(١) سورة الأحزاب: الآية ٢٥ .
(٢) م: ((أبو الحافظ بن دحية)).
(٣) ص: ((مشاهد)).
(٤) م ، ت: ((ونحن صافون نفوراً)).
- ٥٤٦ -

ذّرارِينا، وما أَتَتْ علينا ليلةٌ قطُّ أَشدُّ ظلمةً، ولا أَشدُّ ريحًا منها، فى أَصواتِ ريحها أَمثالُ
الصَّواعق، وهى ظلمة ما يَرَى أَحدُنا إِصْبَعَه، فجعل المنافقون يَسْتَأْذِنُون رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويقولون: ﴿ إِنَّ بُيوتَنا عَوْرةٌ وما هى بِعَوْرة (١)). فما يستأْذِنُه أَحدٌ منهم
إلا أَذِنَ له، فيَتَسلَّلُون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، فاستقبلنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم رجلًا رجلًا، يقول: ألا رجلٌ يأْتِينى بخبر القوم يكون معى يوم القيامة - وفى لفظٍ :
جعله الله رفيقَ إبراهيم يوم القيامة - فلم يُجبه منا أحد ، ثم الثانية ، ثم الثالثة مثله .
فقال أبو بكر : يا رسول الله ابعثْ حُذَيفةَ، فقلتُ : دونك والله ، فمرَّ علىّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم وما علىّ جُنَّة من العَدُوّ ولا مِنَ البَرْد إلا مِرْطًا لامْرَأَتِى مايُجَاوِزُ(٧) رُكْبَتِى،
قال : فأَتانى وأَنا جاثٍ على ركبتى ، فقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : حذيفة. فقال حذيفة: فتقاصرتُ الأَرض، فقلت: بَلَى يا رسول الله،
كراهيةَ أَن أَقوم ، قال : قم ، فقمتُ ، فقال : إنه (٣) كائن فى القوم خبر، فأُتِى بخبر
القوم . فقلت : والذى بعثَك بالحق ، ماقُمت إِلا حياء منك من البرد . قال : لابأُس
عليك مِنْ حَرِّ ولا بَرْد حتى ترجع إلىّ. قال: وأَنا من أشدِّ الناس فزعًا وأَشدْهم قُرًّا، فقلت :
والله مالى أن أُقتَل، ولكن أَخشى أن أُؤْسَر، فقال : إِنك لن تُؤْسَر ، قال : فخرجتُ ، فقال :
اللهم احفَظْه من بَيْن يديه ومن خلفِهِ وعنِ يَمينِهِ ، وعن شماله ، ومن فَوقِه ومن تَحْتِه .
قال: فوالله ما خَلَق الله تعالى فى جوفى فزعًا ولا قُرَّا إِلا خرج، فما أَجدٍ فيه شيئًا، فمضيت
كأَمَا أَمشى فى حَمَّامٍ ، فلما ولَّيتُ ، دعانى فقال: ياحذيفة، لا تُحْدِثَنَّ فى القوم شيئًا
حتى تأتینی .
وفى روايةٍ : فقلت . يا رسول الله مُرْنِى بما شئت ، فقال صلى الله عليه وسلم : اذهبْ حتى
تدخل بين ◌َهْرَىِ القوم ، فأُتِ قريشًا ، فقل: يامعشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان
غدًا أن يقولوا: أَين قريش ؟ أينَ قادة الناس ؟ أَين رُؤُوس الناس؟ فَيُقَدِّموكم، فَتَصِلوا
القتال فيكون القتلُ فيكم ، ثم اثْتِ بن كنانة فقل : يامعشر بنى كنانة ، إنما يريد
(١) سورة الأحزاب: الآية ١٣
(٢) م، ت: ((ما يجوز ركبتى)).
(٣) م، ت: ((إنه كان فى القوم خبر)).
٥٤٧-

الناس إذا كان غدًا أَن يقولوا: أَين بَنِى كنانة ؟ أَين رُماة الحَدَّق(١) فيقدِّموكم، فتّصِلُوا
القتال ، فيكون القتل فيكم ، ثم انتٍ قيسًا فقل : يامعشر قيس ، إنما يريد الناس إذا
كان غدًا أَن يقولوا : أين قيس ؟ أين أَجلاس الخيل ؟ أين الفرسان ؟ فيُقدِّموكم ، فتصلوا
القتال ، فيكون القتل فيكم. قال حذيفة : فخرجتُ حتى إذا دنوتُ من عسكر القوم نظرتُ
فى ضوء نارٍ لهم تُوقد، وإذا رجل أَذْهَمُ ضَخْمٍ يَقولُ(٢) بيده على النار ويمسح خاصرته ،
وحوله عُصْبَة، قد تفرق عنه الأحزاب، وهو يقول: الرَّحِيلَ الرّحيلَ ولم أكن أعرف
أبا سفيان قبل ذلك فانتزعتُ سهمًا من كنانتى أبيض الرِّيشِ فوضعته (٣) فى كبد القوس
الأَرميه فى ضوء النار ، فذكرتُ قول رسول اله صلى الله عليه وسلم: لا تُحْدِثَنَّ فى القوم شيئًا،
حتى تأتينى، فأمسكتُ ورددتُ سَهمِى. فلما جلستُ فيهم أَحسَّ أَبو سفيان أَنْ قد دخل
فيهم غيرهم ، فقال : ليأُخذ كل رجل منكم بيد جليسه ، وفى لفظٍ : فلينظرْ مَنْ جَليسه .
فضربتُ بيدى على يد الذى عن يمينى فأَخذتُ بيده ، فقلت : من أنت ؟ قال : معاوية
ابن أبى سفيان ، ثم ضربتُ بيدى على يد الذى عن شمالى فقلت : من أنت ؟ قال : عَمرُو
ابن العاص ؛ فَعَلْتُ ذلك خَشْيَةً أَن يُفْطَنِ بِى فَبَدَرْتُهم بالمسألة، ثم تلَّثْتُ فيهم هُنيهةٍ .
وأَتيتُ بنى كنانة وقيسًا ، وقلتُ ما أمرنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم
دخلتُ فى العسكر ، فإِذا أَدنى الناسِ مِنِّى بَنُو عامر ، ونادى عامر بن علقمة بن عُلاثة :
يابنى عامر ، إن الريح قاتلتى وأنا على ظهر. وأخذتهم ريح شديدة ، وصاحٍ بأصحابه. فلما
رأى ذلك أصحابُه جعلوا يقولون: يابنى عامر، الرحيلَ الرحيلَ، لامقام لكم. وإذا الريح
فى عسكر المشركين ما تُجاوز عسكرهم شِيْرًا، فوالله إنى لأُسمع صوت الحجارة فى رحالهم،
وفرشهم والريح تضرب بها ، فلما دنا الصبح نادَوْا : أَين قريش ؟ أين رؤوس الناس ؟ فقالوا:
أَيْهاتَ ، هذا الذى أُتِينا به البارحة . أَين كنانة ؟ فقالوا : أَيْهاتَ ، هذا الذى أُتِينا به
البارحة ، أين قيس ؟ أين أَحْلاس الخيل ؟ فقالوا : أَيْهات ، هذا الذى أُتِينا به البارحة .
(١) ص: ((رماة الخندق)).
(٢) القاموس (قول): ابن الأنبارى: قال يجىء بمعنى تكلم، وضرب، وغلب، ومات، ومال، واستراح
وأقبل . ويعبر بها عن التهيؤ للأفعال والاستعداد لها .
(٣) م، ت: ((فأضعه ... فأرميه)).
- ٥٤٨ -

فلما رأى ذلك أبو سفيان أمرهم بأَن تَحمَّلُوا فتحيَّلوا ، وإن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم
حتى رأيتُ أبا سفيان وثَب على جعل له مَعْقُول، فجعل يستحِثُه ولا يستطيع أن يقوم ، حتى
حُلَّ بعد . ثم خرجتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصف بى الطريق أونحو
ذلك إذا أَنا بعشرين فارسًا أو نحو ذلك مُعْتَمِّين، قالوا : - وفى لفظِ : فارسين ،
فقالا - : أَخبرْ صاحبك أَن الله تعالى كَفاه القومَ بالعنودِ والرِّيح،، فرجعتُ إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتملٌ فى شملةٍ يصلّى، فوالله ماعدا أَن رجعتُ راجعنى القُرّ،
وجعلتُ أُقَرْقِنُ، فأَوماً إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، [ وهو يصفى](١) فدنوتُ
منه، فسَدَلَ(٢) علىّ من فَضْلِ شَمْلته - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَّبَه أَمْرٌ
صلَّى - فأُخبرتُه خبر القوم، وأَنِّى تركتُهم يرحلون. فلم أزل نائِمًا حتى جاء الصبح(٣)
فلما أَن أَصبحتُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قُمْ يانَوْمان.
وذكر ابن سعد أَنَّ عمرو بن العاص وخالد بن الوليد أَقاما فى مائتى فارس ساقةً للعسكر،
ورِدْءًا لهم مخافةً الطلب .
ذكر انصارف رسول اللّه عليه وسلم عن الخندق بعد رحيل أعدائه
وإخباره بأن قريشًا لا تغزوه أبدًا وأنه هوَ الذى يغزوهم
روى الإِمام أحمد والبخارىّ عن سُليمان بن صُرَد والبَزَّار برجال ثقات وأبو نعيم ،
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهم ، والبيهقىّ عن قتادة رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال حين أَجْلَى الله تعالى عنه الأحزاب: ((الآن نَغْزُوهم ولا يغزوننا، نحنُ نَسِيرُ إليهم)»(٤).
قال ابن إسحاق: فلم تَعُدْ قريشٌ بعد ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُوهم
بعد ذلك حتى فتح مكة .
(١) التكملة من البداية والنهاية ٤ / ١١٥
(٢) البداية والنهاية ٤ / ١١٥: ((فأسبل على شملته)).
(٣) ت، ص: ((حتى الصبح)).
(٤) كذا فى صحيح البخارى ٥ / ٨:
- ٥٤٩ -

وروى البخارىّ عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((لا إلهَ
إلا الله وَحْدَه، أُعزَّ جندَه، ونَصرَ عبده، وغلب - وفى لفظ: وهَزَم - الأحزاب وحده ،
فلا شىءَ بعدَه ))(١) .
قالوا : وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وليس بحضرته أحد من عساكر
المشركين ، قد هَربُوا وانْفَشَعوا إلى بلادهم، فأَذِنَ للمسلمين فى الانصراف إلى منازلهم.
" فخرجوا مُبادِرين مسرورين بذلك ، فكّره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعلم بنو قريظة .
حُبَّ(٢) رَحْتَتَهم إلى منازلهم، فأَمر برَدِّهم، فبعث مَنْ يُنادى فى إثرهم، فما رجع منهم
رجلٌ واحد .
روى الطبرانىُّ من طريقيْن رجالُهما ثِقات ، ومحمد بن عمر ، عن عبد الله بن عمر ،
ومحمد بن عمر عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أُمرَ پِرَدِّهم، قالا: فجعلنا نَصِیح فی إثرهم فی کل ناحية : « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يأمركم أن ترجعوا)) ، فما رجع منهم رجلٌ واحد؛ من القُرِّ والجوع. قالا: وكره رسول الله
عليه وسلم سُرعَتَهم(٣) ، وكره أَن يكون لقريش عُيونٌ . قال جابر: فرجعتُ إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلقيتُه فى بنى حرام منصرِفًا فأخبرتُه، فضحك صلى الله عليه وسلم .
وكان المنافقون بناحية المدينة يتحدثون بنىٌّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،
ويقولون : ما هلكوا بعدُ، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب، وسَرَّهم أَنْ جاءهم الأحزاب وهم
بادُون فى الأعراب ؛ مخافةً القتال .
واستُشهد من المسلمين : سعدُ بن معاذ - وتأتى ترجمته فى حوادث سنة خمس -
وأنس بن أَوس ، وعبد الله بن سهل - رماه رجلٌ من بنى عوف أَو عويف من بنى كنانة -
والطُّفيل بن النعمان - قتله وَحْشِىّ - وثعلبة بن عَنّمة (٤) - بعين مهملة ونون مفتوحتين -
(١) صحيح البخارى ٥ / ٤٩.
(٢) الواقدى ٤٩١: (( .. أن تعلم بنو قريظة رجعتهم إلى منازلهم».
(٣) الواقدى / ٤٩٢ : ... يرى سرعتهم.
(٤) البداية والنهاية ٤ / ١١٦: ((غنمة)).
- ٥٥٠ -

ابن عدىّ - قتله هُبَيْرة بن أَبِى وَهْب المَخْزُومىّ - وكَعْب بن زيد [النجارىّ](١)، وكان
قد ارتُثَّ يومٍ بِئر مَعُونَة فَصَحّحتى قُتِل يوم الخندق ، قَتَله ضِرارُ بنُ الخطّاب. هذا
ما ذكره ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر .
وزاد الحافظ الدّمياطىّ فى الأنساب: قيسَ بن زيد بن عامر ، وعبد الله بن أبى خالد .
وأبو سنان بن صيفىّ بن صخر، ذكر الحافظ فى الكُتَى أَنه شهد بدرًا ، واستشهد فى الخندق .
وقُتِل من المشركين ثلاثة : عمرُو بنُ عبدُوُدٌ ، قتله علىّ بن أبى طالب . ونوفلُ بن
عبد الله بن المغيرة ، قتله الزبيرُ بن العَوَّام ، ويقال : علىّ بن أبى طالب . وعثمان (٢) بن منبه ،
مات بمكة من رمية رُمِيهَا يوم الخندق .
ذكر كتاب أبى سفيان إلى رسول اللّه عليه ى اللهم
روى محمد بن عمر عن أبى وَجْزَة السَّعدىّ(٣) وهو - بفتح الواو وسكون الجيم وفتح
الزّاى - واسمه يَزِيدُ بنُ عبيد، قال: لمَّا ملَّتْ قريش المقام، وأَجدَبَ الجَناب وضاقوا
بالخَذْدق ، وكان أبو سفيان على طمع أن يُغِيروا على بَيْضَة المدينة كتب كتابًا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيه :
باسْسِك اللهمَّ فإنى أَحلِفُ باللَّات والعُزَّى: لقد سِرْتُ إليك فى جمع، وأَنا أُريد أَلَّا أَعود
إليك أبدًا حتى أَستأُصلكم، فرأيتُك قد كرهتَ لقاءنا، واعتصمت(٤) بالخندق، ولَكَ
مِنِّى يومٌ كيوم أُحُد ؛ تُبْقَرْ فيه النِّساءُ.
وبَعَث بالكتاب مع أبى أُسامة الجُشَمِىّ ، فقرأه على النبيّ صلى الله عليه وسلم أُبىّ بن كعب،
و کتب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
٠
(١) التكملة من البداية والنهاية ٤ / ١١٦ .
(٢) البداية والنهاية ٤ / ١١٦: ((منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة)).
(٣) ص: ((الساعدى)) وهو تحريف.
(٤) الواقدى/٤٩٢: ((وجعلت مضايق وخنادق فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد)).
- ٥٥١-
/

(( أما بعد؛ فقد أَتانى كتابُك، وقَدِيمًا غَرَّك بالله الغَرُورُ، وأَمّا ما ذكرتَ من أَنك
سِرْتَ إِلينا [فى جمعكم](١)، وأَنَّك لاتريد أن تعود حتى تستأْصِلَنا، فذلك أمرٌ يَحُولُ الله
تعالى بينك وبينَه، ويجعل لنا العاقِبةَ، وليأُتْيَنَّ عليك يومُ أُكسِر فيه اللَّاتَ والْعُزَّى وإِسافَ
ونائلةَ وهُبَلَ ، حتى أُذكِّرك ذلك ، ياسَفِيهَ بنى غالب ! .
ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى فى شأن هذه الغزوة من سورة الأحزاب
﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمِنُوا اذْكُرُوا نِعمةَ اللهِ عليكم إذْ جاءتْكم جُنُودُ﴾ من الكفار فَتَحَزَّبُوا
أَيَّامِ حَفْر (٢) الخَنْدِق ﴿فَأَرْسَلْنا عليهم رِيحًا وجُنُودًا لم تَرَوْها) ملائكةٌ ﴿ وكان الله بما تَعْمَلُون﴾
بالتاء من حَفْرِ الخندق وبالياء من تخريب المشركين ﴿ بَصِيرًا، إِذْ جَاءُوكُم من فَوْقِكم ومِنْ
أَسْفَلَ مِنْكُم) من أَعْلَى الوَادِى ومن أَسفلِهِ، من المَشْرق والمَغرِب ﴿وإذ زَاغَتِ الأَبصارُ ﴾
مالَتْ عن كل شىءٍ إِلا عَدُوَّها من كل جانب ﴿وبَلَغت القُلوبُ الحَنَاجِرَ﴾ جمع حَنْجرة ،
وهى منتهى الحُلْقُوم من شِدَّة الخوف ﴿وَتَظُنُّون باللّه القُّنونا﴾ المختلفة بالنَّر واليأْس
﴿عُنالِكَ ابْتُلَِ المُؤْمِنُون وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ من شِدَّة الفَزَع (ر) اذكر ﴿ إِذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ
والذين فى قُلُوبِهِم مَرَضٌ) ضَعْفُ اعتقادِ ﴿ ما وَعَدَنَا اللهُ ورَسُولُه﴾ بالنصر ﴿ إِلا غُرُورًا) باطلا.
﴿ وإذ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُم) أَى المنافقون ﴿يا أَمْل يَثْرِبَ) هى المدينة ولم تنصرف للعلمية
ووزن الفعل ﴿ لامُقَامَ لكم) بضم الميم وفتحها أى لا إِقامة ولا مكانة ﴿ فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم
من المدينة ، وكانوا خرجوا مع النبى إِلى سَلْع: جَبَل خارج المدينة، للقتال ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ
منهم النَّبِىَّ﴾ فى الرجوع ﴿يَقُولُون إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ غيرُ حَصِينةٍ نَخْشَى عليها. قال تعالى:
﴿ وما هِىَ بِعَوْرةٍ إِنْ﴾ ما ﴿يُرِيدُون إِلَّا فِرارًا﴾ من القِتال ﴿ولو دُخِلَتْ عَلَيْهم) أى المدينة
﴿ مِنْ أَقْطارِها) نواحيها ﴿ثم سُئِلُوا﴾ أَى سأَلَهم الداخلون ﴿الفِتْنَةَ﴾ الذِّرك ﴿لآتَوْها) بالمَدّ
والقصر أَى أَعطوها وفعلوها { وما تَلَبَُّوا بها إِلا يَسِيرًا﴾ ﴿ولقد كانوا عَاهَدُوا الله من قَبْلُ
لا يُوَلُّونَ الأَّدبارَ وكان عهدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به ﴿قُلْ لَن يَنْفَعَكُم الفِرارُ إذ فَرَرْتُم
(١) تكملة عن الواقدى / ٤٩٣
(٢) م، ت: ((حرب الخندق)).
- ٥٥٢ -

من الموتِ أَو القَتْلِ وإِذَا ﴾ إِن فَرَرْتُمْ ﴿لاتُمَنَّعُون) فى الدنيا بعد فراركم (إلا قَلِيلًا﴾ بقيةً
آجالكم ﴿قُلْ مَنْ ذا الذى يَعْصِمُكم) يُجِيركم ﴿مِنَ الله إِنْ أَرادَ بكم سُوءًا) هلاكًا وهزيمة
﴿أَوْ) يُصيبكم بسوء إِن ﴿ أَرادَ﴾ الله (بكم رَحْمة) خيرًا (ولا يَجِدُون لهم من دُونِ الله) أَى
غيره ﴿ وَلِيًّا) ينفعهم ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يدفع الضُّرّ عنهم ﴿قَدْ يَعْلَمَ اللهُ المُعَوِّقِينَ﴾ المُثَبُّطين
﴿منكم والقائلين لإِخْوانهم ◌َلُمَّ﴾ تعالوا ﴿إلينا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ القِتالَ ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
رياء وسمعة ﴿ أَشِحَّةً عليكم) بالمعاونة جمع شحيح وهو حال من ضير يأتون ﴿فإِذَا جَاءَ
الخَوْفُ رَأَيْتَهم يَنْظُرُون إليكَ تَدُورُ أَعينُهم كالَّذِى) كنظر أو كدوران الذى ﴿ يُغْشَى عليه
من المَوْت) أَى سَكَّراته ﴿فإذا ذَهَب الخَوفُ﴾ وحِيزَتِ الغنائم (سَلَقُوكم) آذّوْكم وضربوكم
﴿ بأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً على الخَيْر) أَى الغَنِيمة يطلبونها ﴿ أُولَئِكَ لم يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة ﴿فَأَحْبَطُ
الله أعمالهم وكان ذَلِكَ﴾ الإِحباط ﴿ على اللّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته ﴿ يَحْسَبُونَ الأَحزابَ﴾ من الكفار
﴿ لم يَذْهَبُوا﴾ إلى مكةً لخوفهم منهم ﴿وإِن يَأْتِ الأَحزابُ﴾ كَرَّةً أُخرى ﴿يَوَدُّوا لو أنَّهم
بأدُونَ فى الأعرابِ﴾ أى كائنون فى الأعراب ﴿ يَسْتَلُون عن أَنْبائكم) أخباركم مع الكفار
﴿ولو كَانُوا فِيكم) هذه الكَرَّة ( ما قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رِياءً وخوفًا عن التَّعْبير ﴿لَقَدْ كانَ لكم
فى رسولِ الله أُسْوَةٌ﴾ بكسرة الهمزة وضمها (حَسَنَةٌ﴾ اقتداء به فى القِتال والثَّبات فى مواطنه
﴿ لِمَنْ﴾ بدل من لكم ( كان يَرْجُو اللّه﴾ يخافه ﴿واليومَ الآخِرَ وذَكَرَ اللّهَ كَثِيرًا﴾ بخلاف مَنْ
ليس كذلك ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُون الأَحزابَ﴾ من الكُفَّار ﴿قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ
ورسولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وصَدَقَ اللهُ ورَسُولُه﴾ فى الوَعْدِ ﴿ وما زَادَهم﴾ ذالك ﴿ إِلَّا إِيمانًا﴾
تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيما) لأَمره. ﴿مِنَ المُؤْمِنِين رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عليه ) من
الثَّبات مع النبى ﴿ فيِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَه﴾ مات أَو قتل فى سبيل الله ﴿ ومِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرِ ﴾
ذلك ﴿ ومابَدَّلُوا تَبْدِيلا) فى العهد وهم بخلاف حال المنافقين ﴿ لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بصِدْقِهِم
ويُعذِّبَ المُنافِقِينِ إِنْ شَاء) بأَن يُمِيتهم على نِفاقهم ﴿ أَو يَتُوبَ عَلَيهم إنَّ اللهَ كان غَفُورًا ﴾
لمن تاب ﴿رَحِيمًا﴾ به ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أى الأحزاب ﴿بَغَيْظِهِم لَم يَغَالُوا خَيْرًا﴾
مُرادهم من الظَّفر بالمؤمنين ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينِ القِتالَ) بالريح والملائكة ﴿ وكان اللهُ قَوِيًّا ﴾
على إيجاد ما يُرِيده ﴿ عَزِيزًا﴾(١) غالبًا على أمره .
(١) سورة الأحزاب : الآيات من ٩ إلى ٢٥
- ٥٥٣ -

ذكر بعض ما قيل فيها من أشعار المسلمين
قال كعب(١) بنُ مالِك رضى الله عنه يُجيب ضِرارَ بنَ الخَطَّب عن قَصِيدٍ قالها :
ولو شَهدتْ رأَتنَا صَابِرِينًا
وسائِلةٍ تُسائِل مالَقِيْنَا
على مسانابنا .. متوكلينا(٢)
صبرنا لانرى لله عدْلًا
به نَعلُو البرية أجمعينا
وكان لنا النبىُّ وزيرٌ صِدْقٍ
وكانوا بالعداوة مُرصِدینا
نُقاتِل مَعْشَرًا ظَلَموا وعَقُّوا
بضرب يُعْجِلِ المُتَسَرِّعينا
نعاجلهم(٣) إذا نهضوا إلينا
تسرانا فى فَضافِضَ سَابِغَاتٍ
وفى أيماننا بِيضُ غِافٌ
بباب الخَنْدَقَيْنِ كأَنَّ أَنْدًا
فَوارسُنَا إِذا بَكَرُوا وَرَاحُوا
ويعلمُ أَهلُ مكّةَ حين ساروا
لِنَنْصُرَ أَحمدًا والله حتى
بأَنّ اللهَ ليس له شريكٌ
فإِمَّا تَقْتُلُوا سَعْدًا سِفِاهًا
كُدرَانِ المَلَّا مُتَسَرْبِلِينا
بها نَشْفِى مِراءَ الشاغِينًا
شَوَابِكُهُنّ يَحْمِينِ العَرِينَا
على الأعداءِ شُوسًا(٤) مُعْلِمِينَا
وأحزابٌ أَتْسَوْا مُتَحَزُّبِينًا
تكون عِبادَ صِدْقِ مُخْلِصِینَا
وأَنَّ اللّه مَولَ المُؤْمِنِينَا
فإنَّ اللّه خَيرُ القَادِرِينا
تكون مُقامةً للصَّالِحِينا
سُدخِلُهُ جِنسانًا طَيِّبَاتٍ
كما قَدْ رَدِّكم فَلاَّ شرِيدًا
بِغَيْظِكُمُ خَزَايا خائِينا
(١) الأبيات فى السيرة النبوية لابن هشام ٣ / ٢٦٧ - والديوان / ٢٧٩ ط بغداد.
(٢) هذا البيت ساقط من م ، ت .
(٣) م، ت: ((نعالجهم)) والمثبت من سائر النسخ، والديوان، وابن هشام.
(٤) م ، ت : شئما .
- ٥٥٤ -
١

وكسدتُمْ أَن تکُونُوا دامِینا
خَزايَا لم تَنالُوا ثَمَّ خَيْرًا
بريحٍ عاصفٍ هَبَّتْ عليكم وكُنْم تحتها مُتَكِّمُهِينَا
وقال حسان(١) بن ثابت رضى الله عنه يُجِيبُ عبدُ الله بن الزِّبَعْرَى عن قصيدة قالها:
مُتْكلِّمٌ لِمُحاورٍ بجواب
هل رَسْمُ دَارسةِ المُقَامِ يَبابِ
قَفْرٌ عَفَا رِهُمُ السِّحاب رُسومَه
ولقد رأيتُ بها الحُلُولَ يَزِينُهُم
فدَعِ الدِّيارَ وذِكْرَ كلِّ حَريدةٍ
واشْكُ الْهُمُومَ إِلى الإِلْهِ وما تَرَى
ساروا بجمعهمُ إِليه وأَّبُوا(٣)
جَيْثُ عُيَيْنَهُ وابنُ حَرْبٍ فِيهِمُ
حتى إذا ورَدُوا المدينةٌ وارتّجوْا
وغَدَوْا علينا قادرين بِأَيْدِهِم
بِهُوبٍ مُعْصِفَةٍ تُغُرِّقُ جَمْعَهم (٦)
فَكَفَى الإِلْهُ المُؤْمِنِينَ قِتالَهم
من بعد ماقَنَطُوا فَفَرَّق جمعَهم
وهُبوبُ كل مُطلَّةٍ مِرْبَابٍ
بِيضُ الوُجوهِ ثواقِبُ الأَحساب
بيضَاء آنِسَةِ الحديث كَعاب
من مَعْثَرٍ ظَلَمْوا الرّسول خِضاب(٢)
أهلَ الْقُرَى وَبَوادِىّ الأَعرابِ
مُتَخيِّطينِ بِحَلْبَةِ الأَحزاب(٤)
قَتْلَ(٥) الرَّسول ومَغْتَم الأَسلاب
رُدُوا بِغَيْظهمُ على الأُعقاب
وجُنُودٍ رَبِّك سيِّدِ الأَرباب
وأُثابَهم فى الأجر خَيرَ ثَواب
تَنْزِيلُ نَصْر مَليكنا الوهّاب(٧)
(١) الأبيات فى الديوان / ١١ ط الرحمانية والاكتفاء ٢ / ١٩١ ط الحلبى وسيرة ابن هشام ٣/ ٢٧٠
(٢) الديوان: ((من معشر متألبين غضاب)) والمثهت من النسخ والاكتفاء وابن هشام.
(٣) الديوان: ((أموا بغزوهم الرسول وألبسوا)) والمثبت من النسخ والاكتفاء.
(٤) م، ت، الاكتفاء: ((متخطمين بحلية الأحزاب)، والمثبت من ابن هشام، وسائر النسخ.
(٥) الديوان: ((قتل النى)).
(٦) الديوان: ((تفرق جمعهم)) برفع جمعهم.
(٧) الديوان : ... ففرج عنهم .. تنزيل نص مليكنا الوهاب.
سير
- ٥٥٥ -
----- --

وأَذلَّ كُلِّ مُكذِّب مُرْتسابٍ
وأَقْرَّ عينَ محمد وصِحابه
فى الكُفْر ليس بطاهِرِ الأَثواب(١)
عسائِى الفُؤَادِ مُوقّعٍ ذى رِيبَةٍ
فىِ الكُفْرِ آخر هذه الأحقاب
علِ الشَّقاءُ بقَلْبه فَفؤاده(٢)
وقال(٣) كعب بن مالك رضى الله عنه يُجِيبُه أيضًا:
/
أَبقى لنا حَدثُ الحرُوبِ بقيةً
بيضاءَ مُشرقةً(٤) الدُّرَى ومعاطِئًا
كاللُّوبِ يُبذَل جَمُّها وحَقِيلُها
ونَزَائِعًا مثل السَّاحِ نَمَا بِهَا
عَرِى الشَّوَى منها وأَردف نَحْفَها
قُودًا تُراحُ إلى الصّياحِ إِذا غَدَتْ
وتَحوطُ سَائِمَةَ الدِّار وتارةً
حُوشُ الوُحوشِ مُطارة عند الوغى
عُلِفَتْ عَلَى دَعةٍ فصارتْ بُدَّنا
يَغْدُونَ بِالرَّغْفِ المُضاعفشَكَّه
وصَوارمٍ نَزَعَ الصَّيَاقِلُ ثُلْبَها
يَصِلُ اليمينَ بمسارنٍ مُتقاربٍ
وأَغَرَّ أَزْرَق فى القَناةِ كأَنَّه
وكَتِيبة يَنْفِى القِرانَ قَتِيرُها
من خيرِ نِحلةٍ رَبِّنا الوَهّاب
.
حُمَّ الجُنُوعِ غزيرةَ الأَحلاب
للجسارِ وابن العَمِّ والمُنْتَاب
عَلِفُ الشَّعير وجِزَّةُ المِقْضابِ
جُرْدُ المُثُونِ وسَائِرُ الآرابِ
فعلَ الضُّراءِ تْراحُ للكَلَّاب
تُرْدِى العِدَا وَتَؤُوب بالأَسلاب
عُبْس اللَّقاءِ مُبِينة الإنجاب
دُخْسَ البَضِيع خفيفَة الأَقصاب
وبسُتْر صَاتٍ فى الثِّقاف صِیابٍ
وبكُلُّ أَروعَ ماجدِ الأَنساب
وُكِلَتْ وَقِيعَنُه إِلى خَبَّساب
فى طُخْية الظّلمساء ضوء شهاب
وتَرُدُّ حَدَّ قواحز النُّشَّاب(٥)
(١) الديوان: مستشعر الكفر دون ثيابه .. والكفر ليس بظاهر الأثواب
(٢) الديوان: ((فأرانه)) بدل: ((ففؤاده)).
(٣) الأبيات فى ديوانه / ١٧٨ ط بغداد، وسيرة ابن هشام ٣ / ٢٧١، والاكتفاء ٢ / ١٩١ ط الحلبى.
(٤) فى الديوان وسيرة ابن هشام ((مشرفة)) بالفاء .
(٥) كذا فى ط، م، ت. وفى ص: ((قوارح النشاب)). وعند ابن هشام قواحد)) بالذال.
- ٥٥٦ -

جَأْوَى مُلَعْلَمة كأَن رماحَها فى كلِ مَجْمَعَةٍ ضَريمةُ غاب
فى صَعْدةِ الخَطِّىِّ فَىءُ عُقاب
يَأْوِى إِلى ظِلّ اللواء كأنه
وأَبتْ بَسالتُها على الأَعراب
أَعيتْ أَبَا حَرِبٍ وَأَعَتْ تُبَّعا
ومواعِظٍ من ربِّنا نُهْدَی بها
بلسان أزهرَ طَيِّسب الأَثْواب
من بعدما عُرِضت على الأحزاب
عُرِضَتْ عنينا فاشتَهَيْنا ذكرها
خَرجًا ويفهمها ذَوُو الألبابِ
حِكَمًا يَراهَا المشركون(١) بزعمهم
فَلَيُغْلَبَزَّ مُغَالِبُ الغَلَّاب
جاءت سخِينُ کی تُغالِبِ رَبُّها
قال ابن هشام : حدَّثنى مَنْ أَثِقِ به قال : حدثنى عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله
ابن الزبير قال : لَمَّا قال كعبُ بن مالك :
جَاءت سخِينةُ كَىْ تُغَالِبَ رَبَّها فليُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّاب
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا.
وقال كعب(٣) بن مالك رضى الله عنه :
بَعْضًا كمعْمَعَةِ الأَباءِ المُخْرَقِ
من سَرَّهُ ضَرَبٌ يُرَعْبِلِ(٣) بَعْضُه
بين المَذَّادِ وبين جِزْعِ الخَنْدق
فلْيَأْتِ مَأْسِدَةً تُسَنُّ سُيوفُها
مُهُجاتٍ أنفسِهِمِ أَربِّ المَشْرِق
قَرِبُوا بِضَرْبِ المُعْلِمِين فأسلموا
بِهِمُ وكان بَعَبْده ذَا مَرْفَق
فى عُصْيةٍ نَصَرَ الإِلْهُ نَبِيَّه
كالنّهِى هَبَّت ريحُه المُتِرفْرِق
فى كل سابغةٍ تَخُطُّ فُضُولُها
بَيْضاء مُحكمَةٍ كأَنَّ قَتِيرَها
حَدَقُ الجَنادِبِ ذات شَكِّ مُوثَق
(١) ابن هشام، والديوان، والاكتفاء: ((المجرمون)).
(٢) الأبيات فى الديوان / ٢٤٤ ط بغداد، والسيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٧٣
(٣) ابن هشام، والديوان: ((يمعمع بعضه)).
- ٥٥٧ -

جَدْلَاءِ يَحفِزِها نِجادُ مُهنَّد
تِلكُم مع النَّقوى تكونُ لِيأْسِنا
نَصِلُ السّيوفَ إِذَا قَعْرِن بخَطْوِن
فَتَرَى الجَمَاجِمَ ضاحِيًا هاماتُها
نَلْقَى العَلُوَّ بِفَخْمَةٍ مَلْمُومة
ونُعِدُّ للأعداءِ كلِّ مُقَلِّص
تَرْدِى بفرسانٍ كأَن ◌ُماتَهم
صُدُق يُعاطون الكُماةَ حُتُوفَهم
أمر الإِلهُ بربْطها لِعَدوه
لتكونَ غَيظًا للعدو وحُيَّطًا
ويُعِينُنَا اللهُ العَزِيزِ بِقُوَّةٍ
ونُطِيعُ أَمرَ نبِيِّنَا ونُجِيبُه
ومَتَّى يُنادِ للشدائِد نأْتِها
من يَتَّبع قولَ التّى فإنَّه
فيذاك يَنْصِرُنا ويُظْهر عِزّنا
إن الذين يُكلِّبُون محمدًا
صافى الحديدة صارم ذى رَوْنق
يوم الحِياج وكلَّ ساعةٍ مَعْدَّق
قُدُمًا ونُلحِقَها إذا لم تَلْحَقٍ
بَلْهَ الأُكُفْ كأَنَّها لم تُخْلَقِ
تَنْفِى الجُموعَ كَفَصْدٍ رأْسِ المَشْرق
وَرْدٍ وَمَحْجولِ القَوائم أَبْلَقٍ
عند الغياجِ أُسود طَلِّ مُلْفِقَ(١)
تحت العَماية بالوَشيح المُزْدِقِ
فى الحَرْبِ إِنَّ الله خَيرُ مُؤَقِّقٍ
لندَّار إِنْ دَلَفتْ خُيُولُ النُّرَّق
منه وصِدْقِ الصَّبرِ ساعةً نَلْتَقِى
وإِذا دَعَا لِكَرِية لم نُسبَق
ومَتّى نَرَى الحَوْمَاتِ فِيهَا نُعْنِسق
فينا مُطاعُ الأَمر حقّ مُصَدَّقٍ
ويُصيبُنا من نَيْل ذاكٍ بِمرفَقٍ
كفروا وضَلُّوا عن سَبيل المُتَّقِى
وقال كعبُ(٧) بنُ مالِك رضى الله عنه أيضًا :
أَلاَ أَبْلِغْ قُرِيشًا أَنَّ سَلْعًا وما بين الْعُرَيْضِ إِلى الصِّمادِ
وخُوصٌ ثُقِبَتْ من عَهْدِ عادِ(٣)
نّواضحُ فى الحُروبِ مُدَرِّباتٌ
(١) ص: ((أسود طل موثق)).
(٢) الأبيات فى الديوان / ١٩٢ ط بغداد والاكتفاء ٢ / ١٩٤ ط الحلى وسيرة ابن هشام ٣ / ٢٧٦.
(٣) ص: ((مذريات)) بدل ((مدربات)). وفى الاكتفاء: ((بقيت)) بدل وثقبت)).
- ٥٥٨ _

:
رَوَاكِدُ يَزْخَر المُرَّار (١) فيها فليست بالجِمام ولا الثّمادِ
أَجَثُّ إذا تَبَقَّع للحَصادِ
كأنّ الغَابَ والبَرْدِىّ فيها
ولم نَجْعَل تِجارتَنَا اشْتراء الْ حَمِير لأَرْض ◌َوْسٍ أَو مُرادِ (٣)
بلادٌ لم تُثَر إلا لِكَيْما نُجالِدِ إِن نَشِطْتُم للجِلاد
فلم تَرَ مِثلَها جَلّهات واد
على الغَايَاتِ مُفْتَدِرِ جَواد
من القَولِ المَبِيَّسن والسِّداد
لكم منَّا إلى شَطْرِ المَذادِ
وكُلِّ مُطَهَّم(٤) سَلِس القِياد
تَدِفّ دَفِيفَ صفراء الجَرادِ
تَسِمِ الخّلْق من أُخْرِ وهادى
خُيُولُ النَّاس فى السَّنة الجمادِ
إذا نادَى إِلى الفَزَع المنادى
توكَّلنا على رَبِّ الِعِباد
سِوَى ضَرْب القَوانِس والجِهادِ
أَثَرْنَا سِكَّةَ الأَنْباط فيها
قَصَرْنَا كُلَّ ذِى خُضْرٍ وطَوْلٍ
أَجِيبُونا إلى ما نَجْتَدِيكم(٣)
وإلاّ فاضِرُوا لِجِلاد يَومٍ
نُصبُّحكم بكُلٌ أَخِى حُرُوبٍ
وكلُّ طِمِرَّةٍ خَفِق حَشاها
وكلِّ مُقَلَّص الآرابِ نَهدٍ
خُيُولٌ لانُضَاعُ إذا أُضِيعت
يُنازِعْنِ الأَعِنَّةَ مُصْغِياتٍ
إذا قالت لنا النُّنُر: اسْتَعِدُّوا
وقُلْنا: لن يُفَرّجِ مالَفِينًا
فلم نَر عُصْبَةً فيمَن(٥) لَقِينا من الأقوام من قار وباد
(١) م، ت: ((المران)).
(٢) ص: ((لأرض دوبس أو مراد)».
(٣) م، ت: ((نححذيكر)).
(٤) ص: ((وكل مطمعطم)).
(٥) ص: ((فيما لقينا)).
سعد ٥٥٩

أَرْنَاهُ وألينَ فى السوِدادِ
أَشدَّ بَسالةً مِنَّا إذا ما
إذا ما نحن أَشْرَجْنَا عليها
قَذَفْنا فى السَّوابغِ كُلِّ صَغْر
جِياد الجُدْلِ فِى الأُزَبِ الشِّداد(١)
كريمٍ غير مُعْتَلِك الزِّنِادِ
غَدَاةَ نَدَى بِبَّطْنِ الجزْعِ غَادِى(٢)
أَثَمّ كأَنّه أسدٌ عَبوسُ
صَبِىِّ السَّيفِ مُسْتَرخى النِّجاد
يُغَشِّى هامةَ البَطَّلِ المذكّى
بكّفُّكَ فاهدِنا سُبُلَ الرَّشَادِ
لَيَظْهَرِ (٣) دِينُكِ اللَّهُمَّ إِنا
٥٠٠
١
(١) ص: ((إذا ما نحن أسرجنا عليها .. جياد الجد ... )).
(٢) ص: ((عداء ندى ... ناد)» .
(٣) فى الديوان وسيرة ابن هشام ((لنظهر)) بالنون.
- ٥٦٠ -