Indexed OCR Text

Pages 521-540

الْبُرْمة، فلما انكسَر العَجينُ وكادت البُرِمة أن تنضج وأمسينا، وأراد رسول الله صلى الله
عليه وسلم الانصراف - قال: وكنا نعمل نهارًا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهلنا - قالت لى :
لا تَفْضَخْىٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه. فأَّيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاررتُه فقلت: ◌ُعَيِّمُ لى ، فقُمْ أَنت يا رسول الله ورجلٌ أَو رجلان. فشَبِّك أصابعَه فى
أصابعى وقال: كم هو؟ فذكرت(١) له، فقال: كثير ◌َيِّب لاتُنزلنَّ بُرْمتكم ولاتَخِْزِنَّ
عجينكم حتى أَجىء(٢)، وصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أهل الخندق إِن جابرًاً
قد صَنَع لكم سُورًا فَحَىَّ، هَلَّا بِكُم (٣)، وصار رسول الله صلى اله عليه وسلم يَقْدُمُ الناسَ،
ولَقِيتُ من الحياء مالا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وقلت: جاء الخَلق، والله إنها لَلْفَضِيحة
على صاع من شعير وَمَنَاق ، فدخلتُ على امرأتى فقلت : وَيَحْك ! جاء النبيُّ صلى الله عليه
وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم ، فقالت : بِكَ وبِكَ ، وفى رواية : هل سأَك ؟ قلتُ :
نعم ، وفى روايةٍ: قالت: أَنت دعوتَهم أَو هو ؟ قلت: بل هو دعاهم. قالت: دَعْهم ، الله
ورسوله أعلم، نحن قد أخبرناه بما عندنا. فكثفَتْ عَنِّى. فدخل رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال: ادخُلُوا عشرةَ عشرة ،ولاتَضَاغَطُوا، فأَخرجت له عجينًا فَبَصَق فيه وبارك ، ثم
عَبَدَ إِلى بُرمتنا فَبَصَق فيها وبارك، فقال لنا : اخبزوا واغرفوا وخَطُّوا الْبُرْمة ، ثم
أَخرجوا الخبز من التَّنُّورِ، وَغَطُّوا الخُبْز، ففَعَلْنا؛ فجَعَلْنا نعرف ويُغَعَّى البرمة، ثم يفتحها
فما نراها نقصت شيئًا، ويُخرِج الخبزَ من التِّنُور ، ثم يُغَطِيه فما نراه نقص شيئًا ، فجعل
يَكْسِرِ الخُبزَ ويجعل عليه اللحم ، ويُقَرِّبُ إلى أصحابه ويقول لهم : كُلوا. فإِذا شبع قوم
قاموا، ثم دعا غيرهم حى أكلوا وهم ألف، وانحرفوا وإن بُرْمَتنا لتَغِطُّ كما هى، وإِنَّ
عَجِينَنا لِيُخْبَزُ كما هو ، فقال: كُلُوا واهْدُوا ، فإنَّ الناس أصابتهم مجاعة شديدة. فلم
نَزَّل نأكل ونُهدى يومَنا ذلك أجمع ، فلمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَهَب ذلك.
وروى ابن إسحاق ، وأبو نعيم عن ابنة لبَشِير - بفتح الموحّدة - بن سعد أُخت النعمان
ابن بشير رضى الله عنه ، قالت : بعثَتْنِى أَهِى بجَفْنةٍ تمرٍ فى طرف ثوبى إلى أَبِى وخالى عبدِ الله
(١) ص: ((فقلت له)).
(٢) البداية والنهاية ٩٧/٤: ((قل لها لا تفزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتى)).
(٣) ص: ((صنع لكم سويقاً فحى هلابكم)).
- ٥٢١ -

ابن رَوَاحة، وهم يحفرون فى الخندق، فنادانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُه فأخذ النَّمر
مِنِّى فى كَفِّه فما مَلأَّها، وبسط ثوباً فِنَثَرِه عليه فتساقط - وفى لفظٍ فَتَبَدَّدَ - فى جوانبه، ثم قال
الإنسان عنده: اصرُعْ: يَا أَهلَ الخندق أَن هَلُمْ إِلى الغَداء. فاجتمعوا وأكلوا منه ، وجعل
يَزِيد حتى صَدَرُوا عنه ، وإِنَّه لَيَسْقُط من أَطْراف الثَّوب .
وروى ابن عساكر عن عبيد الله بن أَبى بُرْدَةَ قال: أَرسَلَتْ أُمُّ عامِرِ الأَشْهَلِيَّةُ بِقَعْبةٍ
فيها حَيْس(١) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فى قُبَّته عند أُمِّ سَلَمة، فَأَكلت أُمُّ سلمةً
حاجَتَها ، ثم خرج بالقَعْبة ، ونادى منادِى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائه ،
فَأَكلَ أَهلُ الخَتْدق حتى نَهِلُوا منها ، وهى كما هى .
وروى أبو يَعْلَىَ وابن عساكر ، عن عبد الله بن أبي رافع ، عن أبيه رضى الله عنه ،
قال : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بشاةٍ فى مِكتَل، فقال: يا أَبا رافع ،
ناوِلْنى الذَّراعِ ، فناولتُه، ثم قال: ناولى الذراع ، فناولتُه، ثم قال: ناوِى الذراع، فناواتُه،
ثم قال : ناولنى الذراع، فناولته ، فقلت: يا رسول الله أللشاةٍ إِلَّ ذِراعان؟! قال: لوسكتَّ
ساعةً لناوَلْتَنِهِ ما سأَلْتُك.
ذكر بركة يده عليه وت
روى الطبرالى وأبو القاسم البغوىُّ عن معاوية بن الحكم رضى الله عنه قال : لمّا أجرى
أَخى علىّ بن الحكم فرسَه ؛ فدَقَّ جِدارُ الخندق ساقَه، فأَتينا به إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم على فرسه ، فقال : بسم الله. ومَسَح ساقَه فما نزل عنها حتى بَرأَ .
ذكر تخلف جماعة من المنافقين عن مساعدة المسلمين
قال ابن إسحاق: وأبطأً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين فى عملهم ذلك
رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون بالضَّعِيفِ من العمل ، ويتسللون إلى أهليهم بغير عِلْم من
(١) م ، ت: فيها ((حا))، وهو طعام رقيق يصنع من الدقيق والمساء (المعجم الوسيط)
- ٥٢٢ -
:

٠٠٠
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إِذْن، وجعل الرجلُ من المسلمين إذا نابتْه النائبةُ من
الحاجة التى لابد منها يذكر ذلك للنبيُّ صلى الله عليه وسلم ، ويستأذنه فى اللُّحوق بحاجته،
فيأُذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله ، رغبةً فى الخير ، واحتسابًا له .
فأنزل الله تعالى فى أولئك المؤمنین: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا"
معه على أمرٍ جامعٍ لم يَذْهَبُوا حتى يَسْتَأْذِنُوه، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك أولئك الذين يُؤْمِنُون
بالله ورسوله، فإِذَا استَأْذَنُوك لِبَعْضِ شأنِهِمْ فَأُذَنْ لِمَنْ شِئْتَ منهم واستَغْفِرْ لهم اللهَ، إِن الله
غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)).
وأنزل الله سبحانه وتعالى فى المنافقين: ﴿ ... قَدْ يَعلَمُ اللهُ الذين يُتَسَلَّلون منكم لواذًا
فَلْيَحْذَرِ الذين يُخالِفون عن أمرِهِ أَن تُصِيبَهم فِتنةٌ أو يُصيبَهم عذابُ أَليم، أَلا إِنَّ ه
ما فى السَّمواتِ والأَرْضِ ، قد يَعْلَمُ ما أَنْتُم عليه، ويَوْمَ يُرْجَعُون إليه فَيُنَبُّثُهم بما عَوِلوا والله
بكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾(٢) .
ذكر عرضه عليه وسلّم الغلمَان
صَلى الله
روى محمد بن عمر ، عن أبى واقد الليثيّ رضى الله عنه قال: رأيتُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعرض الغلمانَ وهو يحفر الخَنْدق، فأَجازَ مَنْ أَجاز وردّ مَنْ رَدَّ، وكان الغلمان
الذين لم يبلغوا يعملون معه ولم يُجِزِهم، ولكن لَمَّا لَحَمَ الأَمْرُ أَمَر من لم يَبْلُغَ أَن يَرجِعَ إلى
أَهلِهِ إلى الآطام مع الذَرارِىّ والنساء .
وِّن أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم :- عبد الله بنَ عُمَر بن الخطاب، وزيدَ بنَ ثابت
وأَبًا سَعِيدِ الخُدْرِى ، والبراء بن عازب ، وهم أبناء خمس عشرة سنة .
ذكر تهيؤ رسول الله عملية وعلم لحرب المشركين ووصولهم إلى المدينة
لمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل الخندق ، واستخلف على المدينة ابنَ أُمُ
مكتوم - فيما قال ابن هشام - ونزل أَمام سَلْع فجعله خَلْفَ ظَهْره ، والخَنْدق أمامه ، وكان
(١) سورة النور : الآية ٦٢
(٢) سورة النور: الآيتان ٦٣، ٦٤
- ٥٢٣ -

٦٠.
عسكرُه فيا هنالك، وضُربت له قُبَّةٌ من أَدَم كانت عند المسجد الأعلى الذى بأصل الجُبّل ..
جَبَل الأحزاب - وكان المسلمون فيا قالوا: ثلاثةَ آلاف، ووَهِم من قال: إنهم كانوا
سَبْعمائِةِ .
وكان لواءُ المُهاجرين مع زَيْد بن حارثة ، ولواُ الأَنصار مع سعد بن عُبادة .
وجعل النساء والنَّرارىّ بين الآطام ، وشَبَّكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهى كالحصن.
روى ابن سعد ، عن المهلِّب بن أبى صُفْرةَ ، قال : حدثنى رجل من صحابة النبيَّ صلى
الله عليه وسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ليلة الخندق: إنى لأَّرَى القومَ الليلةَ فإن
شِعارَكم: ((هم لايُنْصَرُون)).
وكان حسّان بن ثابت مع النِّساء والذّرارىّ فى الآطام .
فَرَوَى محمدُ بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزُّبير ، ومحمد بن عمر عن شُيوخِه ،
وأبو يَعْلى والبزار بِسَنَّدٍ حَسَن ، عن الزُّبَير بن العوام رضى الله عنه، والطبرانىُّ برجالٌ
الصحيح ، عن عروة بن الزبير مرسلًا :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَج إلى الخندق فجعل نساءه وعَمَّتَه صَفِيَّة فى أُطْم يقال
له : فارع ، وجعل معهم حَسَّانَ بنَ ثابت. وخَرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخَنْدق ،
فأقبل عشرة من يَهُود ، فجعلوا ينقَمِعُون(١) ويرمون الحِصْن، ودنا أحدُهم إلى باب الحِصْن،
وقد حاربتْ قريظة. [ وقطعتْ مابينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم](٢)، وليس بيننا(٣)
وبينهم أحدٌ يدفع عنا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى نحر العدوّ ، لا يستطيعون أن ينصرفوا
عنهم إلينا إذْ أَنانا آتٍ ، فقلتُ لِحَسَّان: ياحَسَّان قم إليه فاقتلْه، فقال: يغفر الله لكِ يابنْتَ
عبد المطلب، والله لقد عَرفْتٍ ما أَنا بصاحب هذا، ولو كان ذلك فِىِّ لخرجتُ مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم. قالت صَفِيَّة: فلما قال ذلك، ولم أَرَ عنده شيئًا احتَجَزْتُ(٤) ثم أخذتُ
(١) م، ت: ((يتعمقون))،، وينقمعون: أى يستترون.
(٢) التكملة عن ابن هشام ٢٣٩/٣
(٣) الكلام لصفية بنت عبد المطلب رضى الله عنها، كما يتضح من سياق الحديث .
(٤) احتجزت: شددت وسعلى. هكذا فى الأصول، وسترد فى شرح الغريب: ((احتجرت)) بالراء أى استترت.
- ٥٢٤ -

سيفًا فربطْتُه على ذِراعِى، ثم تقدّمت إليه حتى قتلتُه، وفى لفظٍ : فأَخذتُ عمودًا، ثم
نزلت من الحصن فضربتُه بالعمود ضربةً شَدَخْتُ فيها رَأْسَه ، فلما فرغتُ منه رجعتُ إلى الحصن،
فقلتُ: ياحَسَّان، انْزِلْ إليه فاسْلُبْهِ، فإنه لم يَمْنَعْنى من سَلْبَهُ إِلا أَنَّه رَجُل، قال : مالِ
بِسَلْبِهِ من حاجة يابِنتَ عبد المطلب. فقلتُ له: خُذُ الرَّأْس وارمٍ به على اليَهود ، قال:
ماذاك فىء(١)، فأَخذَتْ هى الرِّأْسَ فرمتْ به على اليهود ، فقالوا: قد علمنا أن محمدًا لم
يَتْرُك له خُلُوفًا ليس معهم أحد، فتغرّقوا. زاد أبو يَعْلَى: فَأُخْبِرَ بذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فضرب لِصَفِيَّةً بسَهْم كما يَضْرب للرّجال.
ومَرَّ سعدُ بنُ مُعاذ على عائشةَ أُمِّ المؤمنين رضى الله عنها وهى فى الحِصن ،وعليه درعٌ(٣)
مُقَلِّصة قد خرجت منها أَذْرُعُه كلُّها وفى يده حَرْبَتَهِ يَرْقَدُّ بها وهو يقول :
لَبِّثْ قليلًا يَشْهَدِ الهَيْجَا حَمَلْ لا بأسَ بالموت إِذا حانَ الأَجَلْ(٣)
فقالت له أُّه وكانت مع النساء فى الحِصْن: الحَقْ بُنَىَّ فقد والهِ أَخِّرْتَ ، فقالت لها
عائشة: يا أُمَّ سعد، واللّه لَوَدِدْتُ(٤) أَنَّ يِرْعَ سعد كانت أَوْسَعَ ثَّا هى عليه ، قالت : وِفِتْ
عليه حيث أَصاب السهمُ منه فقالت أُمُّ سَعْد: يَقْضِى الله ما هو قَاضٍ ، فقضى الله أن
أُصِيبَ يومئذ.
ذكر وصول المشركين بعد فراغ الخندق
وأَقبلت قريش حتى نزلتْ بمجتمع الأَسْيَال من رُومةَ فى أَحابيشها، ومن ضّوَى(٥) إليها
من بنى كِذانة وأهل تِهامة .
وأَقبلت غَطّفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بلّنَبٍ نَقَمَى إلى جانب أُحُد ،
فسَرَّحَتْ قريشْ ركابَها فى عِضَاءِ وادِى التَقيق، ولم تَجد لِخَيْلِها هناك شيئًا إلا ما حَمَلَتْ
من عَلَفها من الذُّرة .
(١) ص: ((ماذاك فى)).
(٢) الواقدى ٤٦٩/٢: ((وعليه درع له مشمرة عن ذراعيه)».
(٣) رواية البداية والنهاية ١٠٨/٤ (( جمل)) بالجيم المعجمة. أما رواية الواقدى ٤٦٩/٢ فهى:
لبث قليلا يدرك الميجاحل ما أحسن الموت إذا حان الأجل
(٤) الواقدى ٤٦٩/٢: ((لوددت أن درع سعد أسبغ على بنائه))، ورواية البداية والنهاية١٠٨/٤: ((أسبغ مما هى)).
(٥) البداية ١٠٢/٤: ((ومن تبعهم من بنى كثافة)).
- ٥٢٥ -

وسرَّحت خَطَفَانُ إِبلَها إلى الغابة فى أَثْلِها وطَرْفَائِها، وكان الناس قد حَصَدُوا زَرَعْهَم
قبل ذلك بشهر ، وأَدخلوا حصادَهم وأَتْبائّهم ، وكادت خَيْل خَطَّفان تَهْلِك .
ذكر ما قاله المؤمنون لما رأوا الأحزاب
روى ابن جرير وابن مَرْدَوَيْه والبيهقىّ فى الدلائل عن ابنِ عباس، والطيالسىّ وعبد الرزاق
وابن جرير والبيهقىّ عن قتادة : أن الله تعالى قال لهم فى سورة البقرة: ﴿ أَم حَسِبْتُم أَن
تَدْخُلُوا الجنةَ ولَمَّا يَأْنِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قبلكم مَسَّتْهم البأُسَاءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ
الرَّسولُ والذينَ آمِنُوا مَعَه مَتَى نَصْرُ الله، أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّه قَرِيب﴾(١) فَلَمَّا مَسَّهم البَلاءُ حيث
رابطوا الأحزابَ فى الخندق ﴿قَالُوا: هَذَا مَا وَعَدَنا الله ورسُولُه وَصَدَقَ اللهُ ورَسُولُه وما
زادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾(٢) للقضاء، رضى الله عنهم .
ذكر نقض بنى قريظة العهد الذى بينهم وبين رَسول اللّه ◌ُعَيَّهُ وَسَّم
لمّا نزل المشركون فيما ذُكر، خرج عدوُّ الله حُبَىُّ بنُ أَخطبَ النَّضرىُّ حتى أتى كعبَ
ابن أَسَدِ القُرَظِىَّ صاحب عَقْدٍ بنى قريظة وعَهْدِهِم، وكان قد وَادَع رسول الله صلى الله عليه
وسلم على قَومِهِ، وعاهَدَه على ذلك ، فلمَّا سمع كَعْبٌ بِحُبَىّ أَغلقَ دونه باب حِصْنِهِ ،
فاستأُذَن عليه، فأَبَى أَن يفتحَ له، فناداه حُبَىّ : وَيْحك يا كَعْب! افتحْ ، قال: ويحك
ياحُيَىّ ! إنك امرؤ مشئوم، وإِنِّى قد عاهدتُ محمدًا، فلستُ بناقضٍ مابينى وبينه، ولم
أَرَ منه إلا صِدْقًا ووفاء. قال : ويحك! افتحْ لِ أُكَلِّمْك، قال: والله ما أنا بفاعل،
قال : والله، إِن أغلقتَ دُونِى إِلا خوفًا على جَئِيشَتِك أَن آكُلَّ مَعَك منها. فأَحفظَ الرَّجلَ،
ففتح له ، فقال: وَيْحك يا كعب! جِئْتُك بعِزِّ الدهر، وبَحْرٍ طامٍ، جِئْتُك بقُريش على
قادتها وسادتها حتى أَنزلتُهم بمجتمع الأَسْيال من رُومة، وبغَطَفان على قادتها وسادتها حتى
أَنزلتهم(٣) بِذَنَب نَقَمَى إلى جانب أُحد، قد عاقَدُونِى وعاهَدُونى على ألَّ يبرحوا حتى
نستأُصلَ محمدًا ومَنْ معه. قال له كَعْب : جِئْتَنِى واله بِذُلِّ الدَّهر وبجَهامٍ قد أُهْرِقَ ماؤه،
(١) سورة البقرة : الآية ٢١٤
(٢) سورة الأحزاب : الآية ٢٢
(٣) الواقدى ٢ / ٤٥٥: ((حتى أنزلتهم بالزغابة إلى نقمى)).
- ٥٢٦ -
-------

فهو يَرْعُد ويَبْرُق، وليس فيه شىءٍ ، وَيْحك ياحُمَىّ! خَلَّى وما أَنا عليه، فإنى لم أَرَ من محمد
إلا صدقًا ووفاء. فلم يزل حُيَّىَّ بِكَعْب يَفْتِلِه فى الدَّرْوَةِ والغارِب حتى سَمَح له على أن أعطاه
عهدًا وميثاقًا: لئن رجعتْ قريشٌ وخَطَفان ولم يُصيبوا محمدًا أَن أَدخل معك فى حِصْنِك
حتى يُصِيبنى ما أصابَك، فنقَضَ كَعْب بن أسد عهده وبَرِىءٌ مِّ كان بينه وبين رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
ووعظهم عمرو بن سُعْدَى وخَوَّفهم سُوءَ فِعالهم، وذكَّرهم ميثاقَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعهدَه ، وقال لهم : إذا لم تنصروه فاتر کوه وعَدُوَّه ، فأَبَوْا .
وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى قُرَيْظة بَنُو سَعْنة: أَسَد وأَسِيد وثَعْلَبة
فكانوا معه ، وأسلموا .
وأمر كعبُ بنُ أَسَدِ حُبَىَّ بن أخطب أَن يَأُخذ لهم من قريش وغطفان رهائِنَ تكون عندهم .
فبلغ عمرَ بن الخطاب خَبَرُ نَقْضٍ بنى قُرَيْظَة العَهدَ ، فأَعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بخبرهم ، فبعث سعدَ بنَ مُعاذ ، وسعد بن عُبادة وهما سَيِّدا قومهما ، ومعهما عبد الله بن رواحة
وخَوَّاتُ بن جُبِير - زاد محمد بن عمر: وأُسَيْد بن حُضَيْر - فقال : انطلقوا حتى تنظروا
أَحقُّ ما بَلَغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقًّا فالْحَنُوا إِلىّ لَحْناً أعرفه ولا تَفُُّوا
فى أَعضادِ النَّاس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجْهَرُوا به للناس .
فخرجوا حتى أَتَّوْهم فوجدوهم قد نقضوا العهد ، فناشدوهم اللهَ والعهدَ الذى كان بينهم
أن يرجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك، قبل أن يلتحم الأمر، ولا يُطيعوا حُبَىَّ بن أَخْطب،
فقال كعب: لانردُّه أبدًا؛ قد قطعتُه كما قَطعتُ هذا القِالَ - لِقِبالٍ(١) نَعْلِه- وقالَ : مَنْ رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ لاعَهْدَ بيننا وبينه. فشَاتَمَهم سَعْدُ بنُ عُبَادَةً، كما قال ابنُ عُقْبة
ومحمد بن عمر وابن عائذ وابن سعد - وقال ابن إسحاق: إنه سعد بن معاذ - وشاتموه وكان
رَجُلًا فيه حِدّة ، فقال له سعد بن معاذ - أُو سَعْد بن عُبادة إن كان الأُّوْل سعد بن معاذ - :
دَعْ عنك مُثْاتَمَتهم ؛ فما بَيْنَنا وَبَيْنِهِم أَرْبَى(٢) من المشاتمة. وقال أُسيد بن حُضَيْر لكَعْب:
(١) القبال من النحل: سير من جلد يكون بين الإصبع الوسطى والتى تليها .
(٢) الاكتفاء ٢ / ١٦٤: ((أولى من المشاتمة)).
- ٥٢٧ -

أَتَسُبُ سَيدَك يا عدوّ الله، ما أَنت له بكفه يابْنَ الْيَّهُودِيَّةِ، ولَتُوَلِّيَنَّ قُرَيْثُر إِن شاء الله
منهزمين ، وتتركك فى عُقْر دارك فتَسِير إليك ، فتُنزلك من جُحرك هذا على حُكمنا .
ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سعد بن عُبادة: عَضَل والقارة ، يعنى
كغَدْر عضل والقارة بأصحاب الرَّجيع. وسكت الباقون، ثم جلسوا. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أَبشروا يا معشر المؤمنين بنَصْرِ الله تعالى وعَونِه، إنى لأرجو أن أَطوفَ
بالبيت العتيق وآخذ المفتاح، وليهلكنَّ كسرى وقَيْصَر ولتُنْفَقَنَّ أَموالُهم(١) فى سبيل الله.
يقول ذلك حين رأى ما بالمسلمين من الكَرْب. قال ابنُ عقبه: ثم تقَنَّع رسول الله صلى الله
عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بنى قريظة ، فاضْطَجَع ومكث طويلا ، وانتهى الخبر إلى
المسلمين بنقْض بَنِى قريظة العهدَ، فاشتد الخوف وعَظُمِ البلاءُ، وخِيفَ على الذّرَارِىّ والنساء،
وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿ إِذا جَاءُوكم مِن فوقِكم ومِنْ أَسْفَلَ منكم، وإذ زَاغَت الأَبصارُ
وبلَغَتِ القُلوبُ الحَنَاجِرِ (٢)).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قُبالةَ عدوّهم، لايستطيعون الزَّوالَ عن مكانهم ،
یعتقبون خندقهم يحرسونه .
ونجمَ النفاقُ من بعض المنافقين ؛ فقال مُعَنِّب بن قُشَير : كان محمد بعِدُنا أن نأُخذ
كنوز كسرى وقيصر وأَن أَموالَهما تُنفَق فى سبيل الله، وأَحدُنا اليوم لا يأُمَنُ على نفسه
أن يذهب إلى الغائِط ( ما وَعَدَنَا الله ورسُولُه إِلا غُرُورًا (٣)﴾ وقال رِجالٍ مِّن معه: ﴿يا أَهْلَ
يَغْرِبِ لامُقَامَ لكم فارْجِعُوا (٤)) وهمَّتْ بنو قُرَيظةً بالإِغارة على المدينة ليلًا ، فبلغ ذلك المسلمين،
فعظم الخَطْب ، واشتدّ البلاء، ثم كفَهَّم الله تعالى عن ذلك لمّا بلغهم أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أرسل سلمةً بن أسلم بن حُريش الأَشْهَلِيِّ فى مائىْ رجل ، وزيد بن حارثة
فى ثلاثمائة يحرسون المدينة، ويُظهرون التكبير ، فإذا أَصبحوا أَمنوا .
(١) م، ت: ((ولتنفقن أموالهما)).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ١٠
(٣) سورة الأحزاب: الآية ١٢
(٤) سورة الأحزاب : الآية ١٣
- ٥٢٨ -

واجتمعت جماعة من بنى حارثة فبعثوا أَوسَ بن قَيْظىّ - بالتحتية والظاء المعجمة
المشالة - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: يا رسول الله إن بيوتَنا عَوْرةٌ، وليس
دارٌ من دور الأَنصار مثلَ دُورِنا ، ليس بيننا وبين غطفان أَحد يردُّهم عنّا، فأُذَنْ انا
فلْنرجع إلى ◌ُورنا، فنمنع ذَرَارِينا ونِساءنا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرحوا
بذلك وتبيَّئوا للانصراف .
قال محمد بن عمر: فبلغ سعدَ بن مُعاذَ ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :
يا رسول الله: لاتَأُذنْ لهم، إِنا والله ما أصابنا وإِيَّاهم شِدَّةٌ قطُّ إلا صنعوا هكذا ، ثم أقبل
عليهم فقال : يابنى حارثة ، هذا لنا منكم أبداً، ما أصابنا وإياكم شدةً إلا صنعتم هكذا . مردّهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان المسلمون يتناوبون حراسة نَبِيِّهم ، وكانوا فى قُرِّ شديد وجوع، وكان ليلُهم نهارًا.
روی محمد بن عمر عن عائشة رضى الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم،
يختلف إلى ثُلْمَة فى الخندق يحرُّسُها، حتى إذا آذاه البردُ جاءفى فأَدْفَأَتُه فى حِضْنِى، فإذا
دَفِىءَ خرج إلى تلك الثُّلمة ، ويقول: ما أخشى أَن يُؤْتَى الناسُ إلَّا مِنها. فبينما رسول اله
صلى الله عليه وسلم ، فى حضنِى قد دفِىءَ وهو يقول: ليتَ رجلًا صالحًا يَحرُس هذه الثُّلمة
الليلة ، فسمع صوتَ السِّلاح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من هذا؟ فقال سَعدُ
ابن أبى وقاص : سعدٌ يا رسول الله ، فقال : عليك هذه الثُّلمة فاحرسْها . قالت : فنام
رسول الّه صلى الله عليه وسلم ، حتى سمعتُ غَطِيطَه .
قال ابنُ سَعْد: وكان عبّاد بن بِشْر، والزُّبير بنُ العوام، على حَرَس رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
وروى محمد بن عمر عن أُمِّ سَلَمةَ رضى الله عنها قالت: كنتُ مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فى الخندق ، وكنا فى قُرِّ شديد، فإنى لأَنظر إليه ليلةَ قامَ فصلَّى ما شاء الله أن يصلى
فى قُبَّته، ثم خرج فنظر ساعةً فأَسمعه يقول : هذه خيلُ المشركين تُطِيف بالخَنْدِق ، ثم
نادى عبّادَ بنَ بشْر ، فقال عَبَّاد: لبيك! قال: أَمعَك أَحدٌ ؟ قال: نعم ، أَنا فى نَفَر من
- ٥٢٩ -
( ٣٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤)

أصحابى حولَ قُبَّتك. قال: انطَلِقْ(١) فى أَصحابك فَأَطِفْ بالخَنْدِق، فهذه خَيْلُ المشركين
تُطِيف بكم، يَطْمَعُون أَن يُصِيبُوا منكم غِرّة، اللهمَّ فَاذْفَعَ(٢) عَنَّا شَرَّهم، وانْصُرْنا عليهم ،
واغْلِيْهم ؛ فلا يَغْلِبُهم أحدٌ غيرك. فخَرج عبَّاد فى أصحابه فإذا هو بأبى سفيان بن حرب
فى خيل المشركين يطوفون بمضيق من الخندق، وقد نَذِرَ بهم المسلمون فرَمَوْهم بالحجارة
والنَّبْل، حتى أَذْلَقَهم المسلمون بالرّثى، فانكشفوا منهزمين إلى منازلهم، قال عبَّاد: ورجعتُ
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدتُهُ يُصلِى فأخبرته . قالت أُمُّ سلمة: يرحم الله عبَّاد
ابن بشر؛ فإنه كان أَلْزَمَ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لِقُبَّته بحرسُها أبدا. فلما
أُصبح المشركون ورأو! الخندق قالوا: إن هذه مكيدةُ ما كانت العرب تصنَعُها ، ولا تَكِيدُها .
قال بعضُهم : إنَّ معه رجلًا فارِسِيًّا فهو الذى أشار عليه به . قالوا: فَمَن هناك إِذَا ؟ ونادوا
المسلمين ، وكان بينهم الرمىُ بالنَّبل والحجارة ، والخندق حاجزٌ بين الفريقين .
وكان المشركون يتناوبون بينهم فيَغدو أبو سفيان بن حرب فى أصحابه يومًا ، ويَغدُو
خالدُ بنُ الوليد يومًا ، ويَغدُو عِكْرمةُ بن أبى جهل يومًا، ويَغدُو ضِرار بن الخطاب الفهرىّ
يومًا، فلا يزالون يُجِيلُون خَيَلَهم، ويتغرَّقون مرة، ويجتمعون أُخرى، ويُناوشون أصحابَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويُقدمون رُماتَهم .
ذكر إرادة رسول الله عَيُّ وعلم مصالحة غطفان
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضُ بنى قريظة العهدَ أرسل إلى عُيَيْنَةَ بن حصن
والحارثٍ بن عوف ، وهما قائدا غطفان - وأسلما بعد ذلك - فلما جاءا فى عشرة من قومهما
قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتُما إن جعلتُ لكما ثُلثَ تَمْرٍ المدينة أَترجعان بمَنْ
معكما ، وتُخذِّلان بين الأَعراب ؟ فقالا : تعطينا نصفَ تَمْر المدينة ، فأبى رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن يزيدهما على الثلث، فرَضِيًا بذلك، فأَحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصَّحِيفَةَ والدَّولةَ، وأحضر عثمان بن عفان فأعطاه الصَّحِيفة، وهو يريد أن يكتُب الصلح
بينهم ، وعَبَّادُ بنُ بشر قائِم على رأسٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مُقَنَّعٌ فى الحديد ،
(١) ص: ((انطلق بأصحابك)).
(٢) ت، ص: ((اللهم ادفع)).
- ٥٣٠ -

فَأَقْبل أُسَيْد بن حُضَيْر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه الرُّمح ، ولا يدرى بما كان ..
من الكلام ، فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعُيَيْنة بن حصن مادَّ رِجْلَيْه بين
يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعَلِمٍ مايُرِيدُون قال : ياعينَ الهِجْرِسِ اقبضْ رجليْك ،
أُتَدُّهما بین یدی رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
لأَنفذْتُ خُضيتيك(١) بالرمح ! ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول
الله إن كان أمرًا من السماء فامْضٍ له، وإن كان غير ذلك فواله لانُعطيهم إلا السيفَ، متى
طَمِعُوا بِهَذَا مِنَّا(٢) ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا سعد بن معاذ، وسعدٌ
ابن عُبادة، فاستشارهما فى ذلك وهو (٣) متّىيُ عليهما، والقوم ◌ُلُوسُ، فتكلم بكلام يُخْفِيه ،
وأخبرهما الخَبَر .
وقال ابن إسحاق: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشارهما فى ذلك، فقالا: يا رسول
الله إن كان الأَمر من السماء فامضٍ له، وإن كان أَمرًا لم تُؤْمَر به ولك فيه هَوَّى فامضٍ له
سَمْعًا وطاعة، وإن كان إنَّما هو الرأى فما لهم عندنا إلا السيف. وأَخذسعدُ بن معاذ الكِتابَ ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى رأيتُ العرب قد رَمْكُم عن قَوْسٍ واحدة، وكالَبُوكُم
من كل جانب ، فأردتُ أن أَكسير عنكم من شوكّتِهم إلى أَمرٍ مّا ، فقال له سعد بن معاذ :
يا رسول الله قد كنَّا نحن وهؤلاء القوم على الشّرك باله وعبادة الأوثان ، لانعبد الله تعالی
ولا نَعْرِفِه، وهم لا يطمعون أَن يأُكلوا منها تَمْرَةً واحدة إلا قِرَى أَو بَيْعًا، أَفَحِينَ أَكْرَمَنا الله
تعالى بالإِسلام، وهَدَانا له ، وأَعزَّنا بك وبه، نُعطيهم أموالنا؟! مالنا بهذا من حاجة، والله
لانُعطِيهم إِلَّ السيفَ، [حتى يحكم الله بيننا وبينهم(٤)]. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أَنتَ وذَاكَ. فتناول سعد [بن معاذ](٤) الصحيفة فَمَحا ما فيها من الكتاب ، ثم
قال : لَيَجْهَدُوا علينا.
(١) الإمتاع ١ / ٢٣٦:" ... لأنفذت حضنيك بالرمح)).
(٢) ص: ((متى طمعوا بهذا منك)).
(٣) م ، ت: ((وهو يتكىء إليهما)).
(٤) تكملة عن سيرة ابن هشام ٣ / ٢٣٤ - والبداية والنهاية ٤ / ١٠٥.
- ٥٣١ -

وروى البزَّار والطبرانىّ عن أبى هريرة رضى الله عنه نحو ذلك مختصرًا قال :.... (١) إِلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد ناصِفْنا تَمْرَ المدينة وإلا ملأَّتُها عليك خَيْلًا
ورِجالًا، فقال حتى أَسْتَأْيِرَ السُّعُودَ : سعدَ بن عُبادة، وسعدَ بن مُعاذ، وسعدَ بن الرّبيع ،
وسَعَدَ بنَ خَيْئَمة ، وسعدَ بن مَسْعود ، فكلَّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك، فقالوا :
لا، والله ما أَعطَيْنا الدِّنِيَّةَ فى أَنفسِنا فى الجاهلية، فكيف وقد جاء الله تعالى بالإسلام ، فرجع
إلى الحارث فأَخبره ، فقال : غدرتَ يامحمد .
ذكر قتل على بن أبى طالب بحب الله عمرو بن عبدود العامرى
روى البيهقىّ عن ابن إسحاق ، ومحمد بن عمر عن شيوخه : أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أَقام مُرابِطًا والمشركون يحاصرونه . قال ابن إسحاق: بِضْعًا وعشرين ليلة قريبًا
من شهر ، ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال من الخَنْدق ، إلا الرَّمى بالسهام والحجارة ،
ثم إِن رُؤَساء المشركين وساذتهم أجمعوا على أن يغدوا جميعًا لقتال المسلمين فغدا أبو سفيان
ابن حرب وعِكْرِمة بنُ أَبى جهل ، وضِرارُ بن الخَطَّب، وخالِدُ بن الوَلِيد، وعمرُو بن العاص
ونوفَلُ بن معاوية الدَّيْلَمِىّ - وأسلموا بعد ذلك - ونوقَلْ بنُ عبد الله المخزومى، وتَعْرُو
ابنُ عبد وُدّ ، فى عِدَّة ومعهم رؤساء غطفان: عُيَيْنَةِ بنُ حِصن، والحارثُ بن عوف ، ومسعود
ابن رُخَيْل - بالخاء المعجمة والتصغير - وأسلم الثلاثة بعد ذلك. ومن بنى أسد رؤوسهم،
وتركوا الرجال خُلُوفًا فجعلوا يطوفون بالخندق يطلبون مَضِيقًا، يريدون أن يُقحموا خيلَهم
إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتَيَمَّموا مكانًا من الخندق ضَيِّقًا قد أَغفله المسلمون، فجعلوا
يُكرِهون خيلَهم ويضربونها حتى اقتحمت ، فعبر عكرمةُ، ونوفلُ بن عبد الله، وضِرارٌ
ابن الخطاب ، وهُبيرة بن أبى وهب، وعمرو بن عبد وُدّ، وأَقام سائِرُ المشركين من وراء
الخندق ولم يعبروا ، فقِيل لأبى سفيان: ألا تعبر قال: قد عبرتم، فإِن احتَجْتُم لنا
عَبَرنا ، فجالت بالذين دخلوا خيلهم فى السَّبَخَة بين الخندق وسَلْع، وخرج نَفَرٌ من المُسْلمين
(١) بياض بالأصول، ويفهم ما كان مذكوراً به مما سبق من حوار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والحارث بن
عوف وعينية بن حصن .
- ٥٣٢ -

حتى أَخذوا عليهم الثّغْرة التى أَقْحموا منها خيلَهم ، وأَقبلت الفرسان تُعْنِقِ نحوهم ،
وكان عمرو بن عبد وُدّ قد قائل يوم بدر حتى أثبتتْه الجراحة، وارتُثَّ فلم يشهد أُحدًا ،
فحرَّم الدُّهنَ حتى يَثْأَر من محمد وأصحابه ، وهو يومئذ كبير . قال ابنُ سعد : إنه بلغ
تِسْعِين سنة، وكان من شجعان المشركين وأبطالهم المُسَمَّيْن ، فلما كان يوم الخندق خرج
ثائر الرأس مُعلِمًا لِيُّرَى مكانه ، فلما وقف هو وخيله دعا إلى البِراز ، فقام علىّ بن أبى طالب،
فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاه
سيفَه وعَمَّمه ، وقال : اللهمّ أَعِنْه عليه ، فمشى إليه وهو يقول :
لاَتَعْجَلَنَّ فقد أتا ك مُجِيبُ صوتِك غير عاجزْ
والصِّدق من خير الغرائز(١)
ذُونِيَّةٍ وبَصيرةٍ
ـبمَ عليك نائِحةَ الجَنَائِز
إنى لأرجو أن أقــ
قَى ذِكْرُها عند الهَزاهز(٢)
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلاء يَبــ
ثم قال له : يا عمرو إنك كنت تقول فى الجاهلية : لايدعونى أَحد إلى واحدة من
ثلاثٍ إلا قبلتُها ، قال : أَجل ، فقال علىّ: فإنى أَدعوك إلى أَن تشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدًا رسول الله، وتُسلِمِ لربِّ العالمين، قال: يابن أَخِى أَخِّرْ عِنِّى هذه، قال: وأُخْرَى
ترجع إلى بلادك ، فإن يكُ محمدٌ صادقًا كنت أَسعدَ الناس به ، وإِن يكُ كاذبًا كان الذى
تُريد. قال : هذا مالا تُحدِّث به نِساءُ قريش أبدًا، وقد نَذرتُ مانذرت، وحرَّمتُ الدُّمن،
قال : فالثالثة ؟ قال : البِرازِ. فضحك عمرو وقال : إن هذه الخصلةٌ ماكنتُ أَظن أن أحدًا
من العرب يَرُومُنى عليها ، فمن أنت ؟ قال : أَنا علىّ بن أبى طالب . قال : يابن أَخى
مِنْ أَعْمامك مَنْ هو أَسَنُّ منك، فإنى أكره أَن أُهْرِيقِ دَمَك ، فقال علىّ رضى الله عنه :
(١) الاكتفاء ٢ / ١٦٧ ط الخانجى، والبداية والنهاية ٤ / ١٠٦: ((والصدق منجى كل فائز)).
(٢) البيت الأخير من ص، والبداية والنهاية ٤ / ١٠٦ ساقط من باقى النصخ.
- ٥٣٣ -

:
لكنِّى واللهِ لا أكره أن أُهريق دمك. فغضب عمرو، فنزل عن فرسه وعَقَرها، وسَلَّ صيغه
كأَنّه شُعْلَةُ نار، ثم أقبل نحو علىّ مُغضّبًا، واستقبله علىَّ بدرَقَته، ودَنَا أَحدُهما من
الآخر، وثارت بينهما غُبرة ، فضربه عمرو فاتَّقى علىّ الضَّربةَ بالدَّرَقة فَقَدَّها(١)، وأُثِتَ فيها
السيف ، وأَصابَ رأْسَه فشَجَّه .
قال البَلاذُرىّ : ويقال: إن عليًّا لم يُجرح قطَ، وضربه علىّ على حَبْل عَائِقِه [ فسقط
وثار العَجَاجِ](٢) ، وقِيل: طَعَنه فى تَرْقُوته حتى أخرجها من مراقُّه، فسقط. وسَمِع رسول
الله صلى الله عليه وسلم التكبيرَ فعرف أَنَّ عليًّا قدقتله .
فَثَمَّ علىّ رضى الله عنه يقول :
ونَصرتُ ربَّ محمدٍ بِصَوائِى(٣)
نَصْرِ الحِجارةَ من سفاهةٍ رأیهِ
كالجذع بين دَكادكِ ورَوابِى
فصدرْتُ حين تركتُهُ متجدِّلا
كنتُ المُقَطِّرِ بَزَّزِى أَثوابِى
وعففتُ عن أَثوابِه ولو أننى
ونَبِّه يامَعْثَرَ الأحزاب(٤)
لاتَحسِبَنَّ اللّهُ خاذلَ دِینهِ
قال ابنُ هِشام : وأكثر أَهل العلم بالشِّعر يَشُكُّ فيها لعلىّ رضى الله تعالى عنه .
ثم أقبل علىّ رضى الله تعالى عنه نحو رسول الله صلى اله عليه وسلم، ووجهه يتهَلِّل ، ولم
يكن للعرب يِرْعٌ خيرٌ من درعه، ولم يَسْتَلِيةْ لأَنه اتَّقاه بسَوءته، فاستَحْيَاه، وخرجتْ
خُيُولُهم مُنَزِمَةً حتى اقتحمت الخندق . قال ابن هشام : وأَلْقَى عِكرمةُ بن أبى جَهْل رمحه
يومئذ وهو منهزم عن عمرو . فقال حَسَّان بن ثابت فى ذلك :
(١) م ، ت: ((فأنفدت)).
(٢) تكملة من البداية والنهاية ٤ / ١٠٦.
(٣) الاكتفاء ٢ / ١٦٩: ((ونصرت دين محمد بصواب)).
(٤) الأبيات فى سيرة ابن هشام ٣ / ٢٣٦ والبداية والنهاية ٤ / ١٠٥.
- ٥٣٤ -

فَرِّ وأَلْقَى لنا رُمحه لعلَّكَ عِكْرِمَ لِم تَفْعَلِ
وَوَلَّيْتَ تَعْدُو كَعَدْوِ الظَّلِيمِ ما إِن تَجُورُ عن المَعْدِل
ولم تُسلق ظهرَك مستَأْنِساً كأَنَّ قَفَاك قفَا فُرْعُلِ(١)
ورجع المشركون هاربين، وخرج فى آثارهم الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ وعُمرُ بنُ الخطاب
فناوَثُوهُم ساعة، وحَمَل الزُّبير بنُ العَوَّام على نوفل بن عبد الله بالسيف حتى ثَقَّه باثْنَيْن،
وقطع أُبْدُوجَ سرجه ، حتى خلص إلى كاهل الفرس ، فقيل : يا أبا عبد الله ما رأينا مثل
سيفك ، فقال : والله ماهو السيف ، ولكنها الساعد .
وحمل الزُّبير أيضًا على هُبَيْرة بن أبى وهب فضرب ثَفَرَ (٢) فرسِه، فقُطِع تَفَرِه، وسقَطَتْ
حِرْعٌ كان مُحْقِبَها الفرس، فأَخذها الزُّبَير ، فلما رجعوا إلى أبى سفيان قالوا : هذا يوم لم
يكن لنا فيه شىء فارجعوا .
قال الحاكم : سمعتُ الأَصمَّ ، قال : سمعت العطاردىّ، قال: سمعت الحفظ يحيى بن
آدمَ يقول: مشَبَّهتُ قَتْل علىَّ عَمْرًا إِلا بقَوْله تَعالى: ﴿فهزَمُوهُم بإِذْن اللهِ وَقَتَل دَاوُدُ
جَالُوتَ ﴾(٣).
قال ابنُ إسحاق ، كما رواه البيهُّ عنه: وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، يَشْترون جِيفَةً عَمْرو بنِ عَبْدٍ وُدِّ بعشرة آلاف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هو لكم لا نّأْكل ثَمَّنَ الموتى.
وروى الإمام أحمد والترمذىُّ والبيهُّ عن ابن عباس قال : قَتَل المسلمون يومَ الخندق
رجلًا من المشركين ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَن ابعَتْ إلينا بجَسَدِهِ،
(١) البيت من ص وساقط من بقية النسخ.
(٢) الثّقْر: سير فى مؤخر السرج ونحوه يقدَّ على عجز الدابة تحت ذنبها (المعجم الوسيط).
(٣) سورة البقرة : الآية ٢٥١ .
- ٥٣٥ -
i

ونعطيكم اثنى عشر ألفا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاخير فى جِيفَتِه ولا فى ثمنه،
ادفعوه إليهم فإنه خبيثُ الجيفة ، خَبِيثُ الدِّية ، فلم يقبل منهم شيئًا .
وروى أبو نعيم: أَن رجلًا من آل المغيرة قال: لأَّقتلنَّ محمدًا، فَأَوْثَبَ فرسَه فى الخندق.
فوقع ، فاندقَّتْ عُنْقُه ، فقالوا: يا محمد ادفعَه إِلينا نُوارِيه ، وندفع إليك دِيتَه ، فقال :
خُذُوه فإنه خَبِيثُ الدِّيَةِ .
وذكر ابن عُقبة: أَنَّ المشركين لمَّا بعثوا يطلبون جسدَ نَوْفَلٍ بن عبد الله المخزومىِّ
حين قُتِل ، وعرضوا عليه الدِّيَةَ، فقال: إنه خبيث الدِّية، فَلَعَنَّه الله ولَعَن دِيتَه، فلا أَربَ
لنا فى دِيَته، ولسنا نمنعكم أن تدفنوه .
وذكر أبو جعفر بن جرير : أَنَّ نَوفلًا لما تورّط فى الخندق رماه الناس بالحجارة ،
فجعل يقول : قِتْلَةٌ أَحسنُ من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علىَّ فقتله ، وطلب المشركون
رِمَّتَه ، فمكَّنهم من أخذه . وهذا غريب .
قال ابنُ سَعْد : ولم يكن لهم بعد ذلك قِتال جميعًا حتى انْصَرَفُوا، إِلَّا أَنَّهم لا يدعون
الطلائِعِ باللَّيل يَطْمَعُون فى الغارة .
ذكر اتفاق المشركين على محاصرة المسلمين من جميع جوانب الخندق
لما قتل الله عَمْرًا، وانهزم من كان معه، أنَّحد المشركون أن يغدوا جميعاً ، ولا يتخلف
منهم أحد ، فباتوا يُعَبِّئون أصحابَهم، ثم وافَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخَنْدق ،
قبل طلوع الشَّمس ، وعبَّأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه، وجَمَعَهم على القتال ووعدهم
النَّصرَ إِن ثبتوا(!). والمشركون قد جعلوا المسلمين فى مِثْل الحِصْن من كتائبهم، فأَحدقوا (٢)
بكل وجه من الخَنْدق، ووجَّهوا نحو خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبةً غليظة ،
(١) ت، ص، الواقدى / ٤٧٢: ((إن صبروا)).
(٢) الواقدى ٤٧٢ : فأخذوا ..
- ٥٣٦ -

فيها خالدُ بنُ الوليد فقاتلهم(١) يومه ذلك إلى هَوِى من الليل ، وما يَقْدِير رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولا أحدٌ من المسلمين أَن يَزُولُوا من مواضعهم، ولا قَدَر رسول الله صلى الله عليه
وسلم ولا أصحابُه على صلاة ظهرٍ ولا عَصْرٍ ولا مَغْربٍ ولا عشاءٍ ، فجعل أصحابه يقولون:
يا رسولَ الله ما صَلَّيْنَا، فيقول صلى الله عليه وسلم: والله ماصَلَّيت حتى كَثَفَهم الله تعالى:
فرجعوا مُتَفَرِّقين، ورجع كل فريق إلى منزله وأَقَام أُسَيْد بن حُضَير [ على الخندق ](٢)
فى مائتين [ من المسلمين فهم ](٢) على شَفِير الخَنْدق، فكرَّتْ خيل المشركين، وعليها خالد
ابن الوليد يطلبون غِرّةٌ، فناوشهم ساعة، فَزَرَق وَخْشِىُّ بن حرب الطُّفَيْلَ بن النُّعمان ،
وقِيل: الطُّفَيل بن مالك بن النعمان الأَنْصارى بِعِزْرَاقِهِ فَقَتَله ، كما فعل بحمزة سَيِّد
الشهداء بأحد.
ذكر رمى بعض المشركين سعد بن معاذ رضي الله
روى ابن سعد ، عن عاصم بن عمرو بن قتادة أَن حِبَّان بن قَيْسِ بن العَرِقة رَمى سعد
ابن مُعاذ بسَهم ، فقطع أَكْحَلَه، فلما أَصَابَه، قال: خُذْها وأَنا ابنُ العَرِقَة . فقال له سَعْد -.
ويقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: عَرِّقَ اللّه وَجهَك فى النَّار. وقال سعد: اللَّهُمَّ إِن
كنتَ أَبقيتَ من حرب قريش شيئًا فَأَبْقِى لها؛ فإنه لاقومَ أَحبّ إلىّ أَن أُجاهدهم من قوم
آذَوْا رسولك، وأَخَرَجُوه، وكَذَّبُوه ، اللهم إِن كُنتَ وضعتَ الحرب بيننا وبينهم فاجْعَلْها
إلى شهادةً، ولا تُمِثْنِى حتى تَقَرَّ عينى من بنى قريظة. وقيل: إن الذى أصاب سعدًا أَبو أسامة
الجُشمئُّ ، وقيل : خفاجة بن عاصم فالله أعلم . وسیأتی لهذا مزید بیان فى حوادث سنة خمس.
وخرجتْ طليعتان للمسلمين فالتقتا ، ولا يشعر بعضهم ببعض ، ولا يظنون إلا أنهم.
العدوّ، فكانت بينهم جراحةٌ وقَتْل، ثم نادَوْا بِشِعار المسلمين: ((بحم (٣) لايُنصرون))،
فكفَّ بعضُهم عن بعض ، وجَاءُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : جراحكم فى سبيل
(١) ص، م، ت: ((فقاتلوم)).
(٢) تكملة عن الواقدى / ٤٧٣.
(٣) م ، ت: ((هم)).
- ٥٣٧ -

الله، ومَنْ قُتِل منكم فهو شَهِيد ، فكانوا بعد ذلك إذا دنا المسلمون بعضهم من بعض
نادوا بشعارهم .
وكان رجال يستأُذُِّون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يطلعوا إلى أَهْلِهم ، فيقول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى أَخاف عليكم مِنْ بَنِى قُرَيْظَةَ، فإذا أَلَحُوا يقول:
مَنْ يذهب منكم فليأُخذ بسلاحه . وكان فتّى حديث عهد بعُرْس ، فأخذ سلاحَه وذهب ،
فإذا امرأَتُه قائِمةُ بين البابَيْن فَهَيَّأَ لها الرُّمح ليطعَنَها فقالت: اكفُفْ حتى ترى مافى بيتك
فإِذا بحَيَّةٍ على فراشه، فركز فيها الرّمح فانْتَظَمها فيه، ثم خرج به فَنَصَبه فى الدار ،
فاضطربت الحيّةُ فِى رأسِ الرّمح، وخَرّ الفَتَّى مَيِّتًا، فما يدرى أيهما كان أسرعَ موتًا:
الفتى أم الحية ؟ فأُخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن بالمدينة جِنَّاً قد أسلموا،
فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذِنوه ثلاثة أيام، فإنْ بَدَا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان .
ذكر قضائه عَّه لمّ مَافاته من الصَّلوات
روى الخمسة عن علىّ رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال يوم الخندق :
ملأَّ الله بيوتَهم وقُبورهم نارًا، كما شَغَلُونا عن الصَّلاة الوسطى ، حتى غابت الشَّمس .
وروى الشّيخان والتِّرمذىّ والنَّسائىّ عن(١) جابر بن عبد الله ((أَنَّ عمر بن الخطاب
رضى الله عنه جاء يوم الخندق بعد ماغربت الشمس، جَعَل يَسُبّ كُفَّارَ قريش ، وقال :
يا رسول الله ماكدت أن أُصلِّ حتى كادت الشمس أَن تَغْرُب ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم،
واللهِ ماصلَّيتُها ، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بُطْحانَ، فتوضاً للصلاة، وتوضَّأُنَا
لها، فصّلَّى العصر بعد ما غربت الشمس، وصلى بعدها المغرب))(٢).
وروى الإمام أحمد والنَّسائىّ عن أبى سعيد الخُدرىّ، والإِمام أحمد عن ابن مسعود ،
والبزار عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهم ، قال أبو سعيد: حُيِسنا . وقال جابر وابن
(١) م: ((عن جابر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب)).
(٢) صحيح البخارى ٥ / ٤٨، ٤٩.
- ٥٣٨ -
٠

مسعود : إن المشركين شَغَلُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الظهر والعصر والمغرب
والعشاء ، فلما ذهب حَوِىَّ من الليل أمر بلالاً فأَذِّنَ وأَقامَ، فصَلَّى الظُّهرَ كما كان يصلِّيها
فى وقتها ، ثم أمره فأقام فصلى العصر كذلك ، ثم أمره ، فأقام فصلى المغرب كذلك ، ثم
أمره فأَقام فصلَى العِشاء كذلك ، ثم قال : ما على وجه الأرض قَومٌ يذكرون الله تعالى فى هذه
الساعة غيركم. قال أبو سَعِيد: وذلك قبل أَن تَنْزِل صلَاةُ الخَوْف ﴿فإِن خِفْتُمْ فرِجالا
أَو رُكْبانًا﴾(١).
وروى ابن سَعْد من طريق ابن لميعة عن أبى جُمعة رضى الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه
وسلم عام الأحزاب صلَّى المغرب ، فلما فرغ قال : هل أَحد منكم عَلِمَ أَنَّى صلَّيتُ العصر ؟
قالوا: يا رسول الله ما صلَّيتَ، فأَمر المؤذِّنَ فأَقام الصَّلاةَ فصلَّى العَصرَ ، ثم أعاد المغرب.
ذكر ما غنمه المسلمون من المشركين
قال محمد بن عمر : حدثنى محمد بن عمر بن رفاعة بن ثعلبة بن أبى مالك عن أبيه
عن جَدِّه أَن أَبا سفيان قال لِحُبِىّ بنِ أَخطب: قد نَفِدَت عِلاقَتُنا فهل عندكم من عَلَف(٢)؟
فقال حُِّّىّ: نعم، فَكلَّ (٣) كَعْبَ بن أَسَدَ ، فقال: مالُنا مالك فاصنَعْ ما رأيت، مُرِ القومَ
يأُتُوا بِحَمُولةٍ فيحملوا ما أرادوا، فأرسل إليهم خُيِّيّ أَنِ ابْعثوا بحَمُولِكم تحمل العَلَف،
فأرسلوا عشرين بعيرًا، فحمَّلوها شعيرًا وتمرًا وتبنًا، وخرجوا بها إلى قريش ، حتى إذا كانوا
بِصَفْنَة وهم يريدون أن يسلكوا العقيق جاءوا جمعًا من بنى عمرو بن عوف، وهم يريدون
منازلهم بأنصاف النهار يطلبونهم، وهم عشرون رجلًا، فيهم أبو لبابة ابن عبد المنذر، وتُوَيْم
ابن ساعدة ، ومَعْن بن عَدِىّ ، خرجوا لميت لهم مات منهم فى أُطْعِهِم ليدفنوه ، فناهضوا
الحَمُولة، وقاتلهم القرشيون ساعة، وكان فيهم ضِرار بن الخطاب فمنع الحمولة، ثم جُرح
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٩.
(٢) ص: ((علافة)).
(٣) م، ت: ((فكلف سعد بن أسيد)).
- ٥٣٩ -
1

وجَرَح، ثم أسلموها، وكَثَرُهُم(١) المُسلِمُون، وانصرفوا بها يقودونها ، حتى أتوا بنى عمرو
ابن عوف ، فدفنوا مَيِّتَهم ، ثم ساروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، فكان أهل
الخندق يأكلون منها، فتوسَّعوا بذلك، وأكلوه حتى نَفِد ، ونحروا من تلك الإِبل أَبْعِرةٌ
فى الخندق ، وبقى منها مابقى حتى دخلوا به المدينة . فلما رجع ضرار بن الخطاب أخبرهم
الخبر، فقال أبو سفيان: إن حُبَيًّا لمشئوم، ما أَعلمه إلا قطع بنا، مانَجِدُ مانتحمَّل عليه
إذا رجعنا .
ـتهوايته على الأحزاب
ذكر اشتداد الأمر على المسلمين ودعائه عنّيهُ وُّ
وكيف صرفهم الله تعالى وقدوم نعيم بن مسعود رضى الله عنه
أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشِّدة ؛
◌ِتَظاهُرِ عَدُوِّهم عليهم ، وإتيانهم إِيَّاهم من فوقهم ومن أسفل منهم .
روى الإمام أحمد وابن سعد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أَتَى مسجِدَ الأحزاب يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء بين الصلاتين
الظهر والعصر ، فوضع رداءه ، وقام فرفع يديه يدعو عليهم . قال جابر : فعرفنا البِشْر
فی وجهه .
وروى البخارىُّ وابن سعد وأبو نُعيم عن عبد الله بن أُبَيِّ بن أَوْفِى رضى الله عنه قال :
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب - زاد أَبو نعيم : انتظر حتى زالت الشمس
ثم قام فى الناس - فقال: ((يا أيها الناس لاتتمنَّوْا لِقَاءَ العدوّ، واسألوا الله العافية، فإن
لَقِيتُم العدوَّ فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنةَ تَحتَ ظِلالِ السيوف)». اهـ.
(١) كثرهم المسلمون: غلبوهم (عن القاموس : كثر).
- ٥٤٠ -