Indexed OCR Text

Pages 301-320

لرجوتُ أَن أَبرّ أنه ليس أحدٌ منّا يريد الدنيا، حتى أنزل الله تعالى: ﴿ منكمْ مَنْ يُريدُ
الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يُريدُ الآخرة﴾(١) فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعَصَوْا
ما أمروا به أُفرِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تسعة: سبعة من الأَنصار، ورَجُلَيْن
من قريش، وهو عاشِرهم، فلما رَهُوه قال: رَحِمِ الله رجلا رَدَّهُم عِنَّا (٢) فذكر نحو الحديث
الذى قبلَه .
وقال ابن إسحاق : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غَشِيَه القوم قال : مَنْ رجلٌ
يَشْرِى لنا نَفْسَه؟ فقام زيادُ بنُ السَّكّن فى خمسة من الأنصار - وبعض الناس يقول: إنما
هو عُمارة بن يَزِيد بن السُّكّن -، فقاتلوا دُونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً
يُقتَلُون دُونَه ، حتى كان آخرهم زياداً أو عُمارة ، فقاتل حتى أَثبتَتْه الجِراحة ، ثم فاءت
فِئةٌ من المسلمين فأَجهَضوهم عته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَدْنُوه منِّى، فأَدنَوْه منه
فوسّده قَدمَه ، فمات وخدُّه على قدم رسول الله صلى الله عليه الله عليه وسلم ، وبه أربعَ
عشرةَ جِراحةً .
وقاتل علىَّ بن أبى طالب عن رسول الله عليه وسلم من ناحية ، وأَبو دُجانة من ناحية ،
وسعدُ بن أبى وقّاص من ناحية ، وانفرد علىَّ بن أبى طالب بفرقة فيها عِكرِمةُ بن أبى جهل ،
فدخل وَسَطّهم بالسّیفیضرِب به وقد اشتملوا عليه ، حتى أُفضى إلى آخرهم ، ثم گرِّم ثانياً حتى
رجع من حيث جاء . وكان الحُباب بن المنذر يَجُوسُ المشركين كما تُجاس الغنم(٣) ، ثم
اشتملوا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسَّيْعُ فى يده، وافترقوا عنه. وأبلى أبو طلحة يومئذ
بلاء شديدًا .
وروى الشيخان(٤) ومحمد بن عمر الأَسلمىّ، عن أنس رضى الله عنه قال: لمّ كان
يوم أحد انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدى رسول الله صلى الله
عليه وسلم يَجُوب(٥) عنه بحَجَفَتِهِ - وفى لفظ: يجوب عليه بحَجَفتِه - وكان أبو طلحة
رجلاً راميًا شديد الرّمى - وفى لفظ: النَّرْع - فتَثَرَ كِنانَتَه بين يدى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فلم يَزَلْ يَرمى بها ، وكَسَر يومئذٍ قوسَيْن أَو ثلاثة ، وكان الرجل يَمُرُّ بالجُعْبة من
(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢
(٣) الواقدى ٢٥٦/١: ((وإنه ليحوشهم يومئذ كما تحاش الفم)).
(٤) صحيح البخارى ٢٥٦/١ وصحيح مسلم ١٠٣/٢
(٢) مسند أحمد ٤٦٣/١.
(٥) البخارى: ((مجوب عليه بحجفة له)).
- ٣٠١ -

النَّبل، فيقول صلى الله عليه وسلم : انثُرْها لأَبى طلحة ، ويُشْرِفُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم يَنْظُر إلى القوم ، فيقول أبو طلحة: يانبيِّ الله، بأَّبِى أَنتّ وأَمِّى؛ لا تُشْرِفْ يُصِبْك
سهمٌّ من سِهامِ القَوْم ، نَحْرِى دُونَ نخْرِك ! .
ذكر إرسال الله تعالى النعاس على المسلمين الذين ثبتوا مع رسول اللّه عليه وسلم
روى الإمام أحمد والبخارىّ(١) والحاكم عن أبي طلحة والبخارىّ عن أنس عن أبى
طلحة ، قال أبو طلحة : كنت فيمن يغشاه النُّعاس يوم أحد حتى سقط سيفى من يدى
مِراراً من النّعاس، الذى ألقاه الله تعالى عليهم أَمَنةً منه، يسقطُ وآخذُه، وجعلتُ
أنظر وما منهم أحد إلاَّ وهو يَمِيدُ تحت حَجَفَتِهِ من النُّعاس.
وروى الطبرانى فى الأوسط عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قال : أُلْفِىَ علينا
النّومُ يومَ أُحد .
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: آمَنَهم اللهُ تعالى يومئذٍ بنُعاسٍ
غَشَّاهٍ؛ وإنما ينعَس مَنْ يَأْمن .
وروى ابنُ جَرِير ، عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: النعاس عند القتال أَمَنَّةٌ
مِنَ الله ، والنُّعاس فى الصّلاة من الشَّيْطان .
وروى محمد بن عمر الأسلمى عن أبى اليَسَر - بفتح التحتية والسين المهملة - واسمه
كعب بن عمرو الأنصارىّ(٢) رضى الله عنه قال: لقد رأيتُنِى يومئذ فى أربعةَ عشرَ رجلاً
من قومى إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابنا النُّعاسُ أَمَنةً منه ، مامِنْهم
أَحَدٌ إِلا يَغُطُّ غَطِيطًا؛ حتى أَن الحَجَفَ لَتَتَنَاطح، ولقد رأيتُ سيفَ بشر بن البراء بن مَعْرور
سَقَط من يده ، وما يَشْعر ، حتى أخذه بعد ما تعلَّم ، وأن المشركين لتحتنا .
وروى الإِمام إسحاق بنُ راهَوَيْهِ عن الزبير بن العوام رضى الله عنه قال : واللهِ
إِنَّ النُّعاس لِيَغْشَانى. وفى رواية: لقد رأيتُنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حين
(١) مسميح البخارى ٣٥/٥ - مسند أحمد ٠٢٩/٤ وذكره فى يوم بدر).
(٢) ط: ((كعب بن عمر الأنصارى)).
- ٣٠٢ -

اشتدَّ علينا الخوف، وأُرْسِل علينا النوم، فما منا أحدٌ إلا وذقنُه فى صدره ؛ فوالله إنى
لأُسمع كالحلم قولَ معتّب بن قُشَير: ((لو كان لنا من الأَمر شئْ ما قُتِلْنا مُهنا)) ، فحفظتها،
فأنزل الله تعالى فى ذلك: ( ثُمَّ أَنْزَلَ عليكم مِنْ بعد الغَمِّ أَمَنَةً) إلى قوله: ( ما قُتِلِنا هُهنا(١) ﴾
كقول معتِّب بن قُشير .
قال محمد بن إسحاق: أَنزل الله تعالى النعاس أَمَنَةً منه لأهل اليقين ؛ فهم نِيام
لا يخافون، والذين أَهَّمتْهم أَنفسُهم أَهلُ النفاق فى غاية الخوف والذُّعر.
ذكر ماجاء فى حضور الملائكة وقتالهم يوم أحدٍ
روى أبو داود الطَّيالسيّ والشيخان(٢) عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال:
رأيتُ عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله یوم أُحد رجلين عليهما ثياب
بيضٌ يقاتلان عنه كأَشَدُّ القِتال ، وما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ ، يعنى جبريل وميكائيل .
ورواه البيهتى. ثم روى مُجاهِد، قال : لم تُقاتل الملائكة إلا يوم بدر قال البيهقىّ:
مرادُه لم يقاتلوا يوم أُحُد عن القوم حين عَصَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يَصْبِروا
على ما أمرهم به .
روى محمد بن عمر عن شيوخه فى قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِن تصبروا وتتقوا ) الآية (٤)
لم يصبروا وانكشفوا فلم يُمَدُّوا .
ورُوِىَ أَيضاً عنهم قالوا : قُتل مصعبُ بنُ عمير فأَخذ اللّواء مَلَكٌ فى صورة مُصْعَب ،
وحضرت الملائكةُ يومئذٍ ولم تقاتل .
وروى الطبرانىُّ وابن مَنْدَه وابنُ عساكر من طريق محمود بن لَبِيد ، قال الحارث
ابن الصِّمَّة: سأَلتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو فى الشِّعب عن عبد الرحمن بن
عوف ، فقلت : رأيتُه إلى جنب الجبل ، فقال : إن الملائكة تقاتل معه . قال الحارِث :
فرجَعْتُ إِلى عبد الرحمن فوجدت بين يديه سبعةٌ صَرَعى، فقلت: ظَفِرِتْ بِمِينُك، أَكُلَّ
(١) سورة آل عمران: الآية ١٥٤
(٢) صحيح البخارى ٣٢/٥
: (٣) سورة آل عمران: الآية ١٢٥
- ٣٠٣ -

هؤلاء قتلتَ؟ قال: أَمَّا هذا وهذا فَأَنَا قَتَلْتُهما، وأَمَّا هؤلاء فَقَتَلَهُم مَنْ لم أره . فقلتُ:
صدق اللهُ ورسولُه .
وروى ابنُ سعد(١) عن عبدالله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب،
قال: أَعْطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مُصعَبَ بنَ عُمَير الَّلواء فقُتِل مُصحَب،
فأَخذه مَلَكُ فى صورة مُصْعَب فَجَعَل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقدَّمْ يَا مُصْعَب.
فالتفتَ إِليك المَلَكُ فقال: لستُ بمصعب ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مَلَكٌ
أيِّد به .
وقال ابنُ أبى شيبة فى المصنّف : حدّثنا زيدُ بن الحُباب عن موسى بن عبيدة : حدّثنی
محمد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحد: أَقدِمْ(٢) يا مُصعب ، فقال
له عبد الرحمن بن عوف : يا رسول الله أَلم يُقتَل مصعَب ؟ قال : بلى ، ولكنْ مَلَكُ قام
مَكَانَه ، وتَسَمِّى باسمه .
وروى ابنُ عساكر عن سعد بن أَبى وَقَّاص رضى الله عنه قال : لقد رأيتُنى أَرمى بالسهم
يوم أُحد فيردّه علىَّ رجلٌ أَبيضُ حَسَنُ الوجه لا أَعرفه، حتى كان بعدُ فظننتُ أنَّه مَلَك .
وروى ابنُ إسحاق والبيهقىُّ وابن عساكر عن عبد الله بن عَوْن(٣) عن ثُمَير بن إسحاق
قال: لما كان يوم أُحد انكشفوا عن رسول الله وسعد يرمى بين يديه، وفَتَّى يُنَبِّلُ له، كلما
ذهب نبلُه أتاه بها ، قال: ارمِ أَبا اسحاق ، فلما فرغوا نظروا مَنِ الشّابّ فلم يروه، ولم
يُعْرَف .
وروى البيهقىُّ عن عروة فى قوله تعالى: ﴿ولقد صَدَقكم اللهُ وَعْدَه(٤)) قال: كان الله
تعالى وعدهم على الصَّبْر والتَّقوى أَن يُمِدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوَّمين، وكان قد
فعل ، فلما عَصَوْا أَمْرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا مَصافّهم، وتركت الرُّمَاةُ
عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَلَّ يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدُّنْيا، رفع عنهم
(١) ابن سعد ٢٩/٢
(٢) ط: ((تقدم)).
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٥٢
(٢) م ، ت: ((عبدالله بن عوف)) والمثبت من سائر النسخ.
- ٣٠٤ -

1
مدّدَ الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿ولقد صَدَقكم الله وعده إذا تَحُسُونَهم بإِذْنِهِ﴾ فَصدقَ ال
وعدَهُ وأَراهُم الفتح ، فلما عَصَوْا أَعقَبَهم البَلاء .
ذكر رجوع بعض المسلمين بعد توليهم إلى رسول اللّه عليه وسلم
روى ابن المنذر عن كُلَيْب بن شهاب قال: خَلَبنا عُمَر فكان يقرأ على المنبر
آل عمران ويقول: إنها أُحُدِيَّة(١) فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذين تَوَلَّوْا مِنكُم
يوم الْتَّقَى الجَمْعَانِ﴾(٢) قال: لمّا كان يوم أحد هُزِمْنا ونَفرتُ، حتى صَعدتُ فى الجبل، فلقد
وأَيتُنى أَنْزُو كأَنِّى أَرْوَى، فسمعتُ يَهُودِيًّا يقول: قُتِّل مُحمد، فقلت: لا أسمع أحداً يقول:
قُتِل محمد إِلاَّ ضَرْبتُ عُنُقَه، فَتَظَرَتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يَتَّرَابَمُون
إليه .
قال ابن إسحاق(٣): وكان أولُ من أَقبل من المسلمين بعد الثَّولية قَيْسَ بنُ مُحرِّث ،
ويقال : قيس بن الحارث بن عدىٍّ بن جُثَّم مع طائفة من الأنصار، فصادفوا المشركين
فدخلوا حَوْمَتَهم، فما أَفلت منهم رجلٌ حتى قُتِل ، ولقد ضاربهم قيسٌ حتى قتل نفرًا، فما
قَتَلُوه إلا بالرِّماحِ، نَظَموه، وُوُجِد به أَرَبَعَ عشرةَ طَعنة، قد جافَتْه، وعشر ضربات
فى بدنه .
ونادى الحُباب بن المنذر: يا آل سَلَّمة، فأَقبلوا عليه عَنَّقًا واحداً: لَبِيْك داعىَ الل!
وكان عباس بن عُبادةَ بنِ نَضْلة - بالنون والضاد المعجمة - وخارجةُ بن زيد ، وأَوْمُ
ابن أَرقَم، يرفعون أصواتهم، فيقول عباس: يا مَعْشَر الْمُسْلِمين: اللهُ ونَبِيِّكم ، هذا
الذى أصابكم بمعصية نَبيِّكم؛ فوعدكم النصرَ ما صَبَرْتُم، ثم نزع مِغْفَرَه وخلع درعَه ،
وقال لخارجةً بنٍ زيد : هل لك فيها ؟ قال : لا ، أَنا أُريد الذى تريد ، فخالطوا القوم
جميعا، وعبّاس يقول: ما عُذْرُنا عند رَبّنا إِن أُصِيب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ومنًا
(١) أى نزل كثير منها فى شأن أحد.
(٣) وانظر الواقدى ٢٨٠/١
:
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٥٥
- ٣٠٥ -
( ٢٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤)

عينٌ تَطْرِفُ ؟! فيقول خارجةُ: لا عُذْرَ لنا عند ربِّنا ولا حُجَّة . فقَتَل سُفْيانُ (١) بنُ
عَبْد شمس عبَّاسًا، وأَخَذَت خارجة [بن زيد ](٢) الرماحُ فجرح بِضْعَةً عَثَرَ جُرْحًا ،
وأَجهز عليه صَفوانُ بنُ أُميَّةَ - وأَسلم صفوان بعد ذلك - وقُتِلَ أَوسُ بنُ أَرقم رضى
الله عنه .
وَمَرّ مالكُ بنُ الدُّخْثُم على خارجةً بن زيد [بن أبى زهير] (٣) وهو قاعد فى حُشْوَته
وبه ثلاثة عشر جرحا كلها قد خلصتْ إلى مقتل ، فقال : أما علمتَ أَن محمداً
قد قُتْل ؟ فقال خارجةُ : إِن كَان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد قُتِل فإنّ اللّه حَىّ
لايَمُوت ، فقد بلَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتِلْ عن دينك !
ومرّ على سَعْد بن الرَّبيع وبه اثْنَتَا عَشْرَةَ جراحة كلُّها قد خلص إلى مقتل ، فقال :
أَعلمتَ أن محمدًا قد قُتِل؟ فقال سعد: أَشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ رسالةً
ربِّهِ ، فَقاتِلْ عن دِينك، فإن الله تعالى حىَّ لاَيَموتُ ! قالوا: وكان أول من عَرَف رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد أن انهزم المسلمون وقَولِ النَّاسِ: قُتِلَ رسول الله - كما ذكر الزُّمرىُّ -
كعب بن مالك ، قال: رأيتُ عَيْنَىْ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم تَزْهَران (٤) من تحت
المِغْفَر ، فناديتُ بأَعلى صَوْتِى: يا معشر المسلمين أَبْشِروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأشار إلىَّ أَن اسكُتْ(٥)، ودعا بلأُمة كعب، وكانت صفراء أَو بعضَها، فلَبِسَها ونَزَع لأُمته
فلبسها كَعْب ، وقاتل كَعْبٌ حتى جُرِحِ سَبْعَ عشرةَ جراحة ؛ لشدة قتاله .
وروى الطَّبرانى بسندٍ رِجالُه ثِقات ، عن كعب بن مالك رضى الله عنه قال : لمَّا كان
يوم أُحد وصِرْنا إلى الشِّعْب كُنتُ أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت : هذا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلىَّ بيده أن اسكتْ، ثم ألبسنى لَأُمْتَه وَلَيِس ◌َأُمَتى،
(١) م ، ت: ((أبوسفيان)) والمثبت عن الواقدى ٢٥٨/١ وبقية النسخ.
(٣) تكملة عن الواقدى ٢٨٠/١
(٢) تكملة عن الواقدى ٢٥٨/١
(٤) القاموس (زهر): زهر السراج والقمر والوجه كمنع زهوراً: تلألأ.
(٥) ابن هشام ٨٨/٣: ((أن انصت)).
- ٣٠٦ -

فلقد ضربتُ حتى جُرحت عشرين جراحة - أَو قال : بضعة وعشرين جراحة - كلُّ مَنْ
يضربنى يحسبنى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه
وسلم أَقبلوا عليه(١). ولما رأوه سالماً كأنهم لم يصبهم شى ءٌ حين رأوه، وفَرِحوا بذلك فرحًا
شديدًا، فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نبضوا به ، ونهض معهم نحو الشُّعب
ومعه أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب، وعلىّ بن أبى طالب ، وطلحةُ بن عُبَيْد الله ،
والزبير بن العوام ، والحارث بن الصُّمَّة ، ورهط من المسلمين .
ذكر قتله عليه وسلم أبى بن خلف عدوّ اللّه تعَالى
روى البيهقىّ(٢) عن سعيد بن المسَيِّب، وأبو نعيم عن عروة: أَنَّ أُبَىَّ بن خَلَف قال حين
افتدى من الأُسر ببدر (٢): والله إن عندى العُودَ - فَرَسًا- أَعلِفِها كلَّ يومٍ فَرَقًا من ذُرَةٍ، ولأَقتلنَّ عليها
محمدًا ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال : بل أَنا أَقتله إن شاء الله . انتهى.
وقيل : إنه كان يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، فلما كان يوم أحد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : إنى أَخشى أن يأْتِى أُبَىُّ بنُ خَلَف من خَلْفِى،
فإذا رأيتموه فَآذِنُونى به، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لايلتفت فى القتال وراءه ،
فلما أُسند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشِّعْب أدركه، وهو مقنّع فى الحَديد يَرُضُ على
فرسِهِ ، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أين محمد ؟ لا نجوتُ إِن نجا .
فاستقبله مُصعبُ بنُ عُمَيَر يَقِى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقَتَل مُصْعَبًا، فقال
القوم : يا رسولَ الله ما كنتَ صانِعًا حين يَغْشاك أُبَىُّ فقد جاءك ، فإن شِئْتَ يَعطِفُ عليه
رجلٌ مِنَّا ، وفى رواية : فاعترض له رِجالٌ من المؤمنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
دَعُوه وخَلُّوا طريقَه، فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: يا كذابُ ، أَين
تَفِرّ ؟ فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحَرْبةَ من الحارث بن الصِّمَّة ، ويقال : من
الزُّبير بن العَوَّام ، فلما أَخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض بها انتفاضةً تطاير عنه
(١) ت: ((أقبلوا إليه)).
(٢) ابن هشام ٨٩/٣ - البداية والنهاية ٣٢/٤-٣٥
(٣) الواقدى ٢٥١/١: ((کان أبی بن خلف قدم فی فداء ابنه ، و کان أُسر یوم بدر )).
- ٣٠٧ -
----

أصحابُه تَطَايُرَ الشّعْراء(١) من ظهر البعير إذا انتفض بها ، ولم يكن أحدٌ يُشبه رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا جَدِّ الجِدّ ، ثم استقبله بها فطعَنَه فى عنقه - وفى لفظٍ: فى تَرْقُوَتِه من
فُرجةٍ سابغةِ البَيْضَةِ والدِّرع - طعنةً تَدأدَأَ منها مرارًا عن فَرَسه، وجعل يَخُور كما يَخُور.
الثَّور، وفى لفظٍ : فخدشه فى عنقه خَدْشًا غير كبير فاحتقن الدمُ ، وفى لفظٍ : أنه كسر
ضِلْعًا من أضلاعه فرجع إلى قومه ، فقال: قتلنى واللهِ محمد ! فقالوا: ذهب والله فؤادُك ،
واللّهِ إِنْ بك بأُس ، وما أَجزعك، إنما هو خَدْش، ولو كان هذا الذى بك بعَيْن أَحدنا ماضرً ..
فيقول : لا واللَّاتِ والعُزَّى، لو كان هذا الذى بى بأَهْل ذِى المجاز - وفى لفظٍ: بربيعة
ومضر - لمَاتُوا أَجمعون؛ إنه قد كان قال لى بمكة : أَنا أَقْتُلك ، فوالله لو بَصَق علىَّ لقتلى.
فمات عدوُّ الله بسَرِفَ وهم قافِلُونٍ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ((اشتَدَّ
غضبُ الله عَزَّ وجَلَّ على رجل قَتَله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فسُحقًا لأَصْحابِ السَّعِيرِ(٢)).
وروى(٣) محمد بن عمر الأَسلمىّ عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: مات أُبَىُّ بنُ
خَلَف بَبَطْن رابِغ ؛ فإنَّى لأَسِير بعد هَوِىِّ(٤) من الليل إذا نار تَأَجِّحُ لى فهِبْتُها فإذا رجل
يخرج منها فى سِلسِلة يجتذبها يَصِيحُ: العَطّشَ! وإذا رجل يقول: لاَتَسقِهِ؛ فإن هذا قَتَيلُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال حسان(٥) بن ثابت رضى الله عنه فى ذلك :
أُبَيٌّ يوم بارزَه(٦) الرَّسولُ
لقد وَرِثَ الضلالةَ عن أبيه
وتُوعِدُه وأَنت به جَهُول(٧)
أتيتَ إليه تحمل رِمِّ عَظْمٍ
أُميّةَ إِذ يُفَوِّث: يا عَقِيل
وقد قَتَلَتْ بَنُو النَّجَّار منكم
(١) القاموس (شعر): ((الشعراء: ذباب أزرق أو أحمر يقع على الإبل والحمر والكلاب)) وعند الواقدى ٢٥١/١
(( تطاير الشعارير)» .
(٢) البداية والنهاية ٣٣/٤
(٣) الواقدى ٢٥٠/١ - ٢٥٢
(٤) م، ت: ((هو)) والمثبت من بقية النسخ.
(٦) الديوان: ((فارقه الرسول)).
(٥) الديوان /٣٤٠ ط الرحمانية والبداية والنهاية ٣٥/٤
(٧) روى البيت فى الديوان :
أجمت محمداً عظيماً رميها لتكذيه وأنت به جهول
- ٣٠٨ -

وتَبَّ ابنَا رَبِيعة إِذْ أَطاعَا أَبا جَهْلٍ، لِأُمِّهِما الهُبُولُ
بأَشْر القوم، أُسْرَتُه قَليل (١)
وأفلتَ حارثٌ لما شُغْلْنَا
وقال(٢) حسان أيضًا فى ذلك :
أَلا مَنْ مُبْلِغْ عَتّى أَبِيًّا لقد أُلْقِيتَ فى حُقِّ(٣) السَّعِيرِ
وتُقْسِمٍ أَنْ قَدَرْت مع النذور
تُمنِّى بالضَّلالة من بعيد
وقَولُ الكُفْرِ يَرِجِعُ فى غُرور
تَمِنِّيك الأَمانِى من بعيد
كَرِيم البَيْت ليس بذی فُجور
فقد لاقتْك طَعْنَةُ ذى حِفاظِ
إذا نسابت مُّلِمَّاتُ الأُمور
له فَضْل على الأحياء خُرًّا
ذكر مقتل عثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى
قال محمد بن عمر: أقبل عثمان بن عبدالله [ بن المغيرة المخزومى (٤)] على فرس أَبلق وعليه،
لَأُمَّة كاملة، يرِيد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو متَوجّهُ إلى الشِّعْب وهو يصيح: لا نجوتُ
إن نجوتَ ، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعثر بعثمان فرسُه فى بعض تلك الحُفّر ،
فوقع وخرج الفرس عائرًا، فأخذه المسلمون ، ومشى الحارث بن الصِّمَّة إليه فاصطدما ساعة
بسيفيهما ، ثم ضربه الحارث على رجله [وكانت الدِّرع مُشَمَّرة](٤) فبرك وذَفَّف عليه،
وأخذ الحارِثُ يومئذ درعه ومِغْفَرَه، ولم يُسْمَع بأَجدٍ سُلِبَ يومئذ غَيْرُه ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذی أحانه . و کان عبد الله بن جحش رضی الله عنه أُسره
بَطْنٍ نَخْلَةَ، فَافْتَدَى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعاد إلى مكة حتى قدم ، فَقَتَله الله
تعالى بأُحد .
وأَقبل عُبَيْدُ بن حاجِزِ العامِرِىّ يَعْدُو كأَنه سَبُع فضرب الحارث بن الصِّمَّة فجرحه على
(١) لم يرد هذا البيت فى الديوان .
(٢) لم أقف على هذه الأبيات فى ديوانه ط الرحمانية، وهى فى سيرة ابن هشام ٩٠/٣ والبداية والنهاية ٣٥/٤.
(٣) ط، وسيرة ابن هشام ٩٠/٣ والبداية والنهاية ٣٥/٤: ((محق السعير)).
( ٤) تكملة عن الواقدى ٢٥٢/١، ٢٥٣
- ٣٠٩ -

عاتقه، فاحتمله أصحابُه، ووثب أَبو دُجَانة إلى عُبَيْد فناوشه ساعَةً، ثم ذَبَحه بالسَّيف
ذَبْحًا ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذكرانتهائه علیهوسلم إلى الشعب وماداوی بهجرحه
ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشِّعْب خرج علىُّ بن أبى طالب حقِّی
ملَأَّ دَرَقَته من المِهْراس ، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليشرب منه ،
فوجد له ريحًا ، فعافه فلم يشرب منه ، وغسل عن وجهه الدَّمَ، وصَبَّ على رأسه وهو
يقول: ((اشتَدَّ غَضبُ الله على مَنْ أَدعَى وجهَ نبيّه صلى الله عليه وسلم)). وخرج محمد بن
مَسْلَمَة يَطلُب من النِّساء ماءً فلم يجد عندهنَّ ماء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
عَطِش عطَشًا شديدًا، فذَهَب محمد إلى قناة حتى استَقَى، فأَّى بماء عَذْب نشربرسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ودَعَا له بخير .
وروى الشيخان(١) والبيهقىّ والطبرانىّ واللفظ له عن سَهْل بن سعد رضى الله عنه: أَن وَجْهَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم جُرِحَ يومَ أُحد، وكُسِرِتْ رَبَاعِيَتُه، وهُثَّمت البَيْضَةُ على
رأسيه ، وانصرف المشركون ، فخرج النساء إلى الصحابة ، فكانت فاطمة فِيمَن خرج ، فلما
لَقِيتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم اعتنقَتْه، وجعلت تَغْسِل جِراحتَه وعلىّ يَسكُب الماء بالسِجَنِّ
فتزايد الدَّم ، فلما رأَتْ ذلك أَخذَتْ شيئًا من حصير؛ فأَحرقَتْه بالنَّار حتى صَارَ رَمادًا، فأخذت
ذلك الرَّماد وكَمَّدتْه حتى لَصِقَ بالجُرح، فاستَمْسَك الدَّمُ .
وروى أبو سليمان الجُوزجانى عن أبى أمامة بن سهل بن حُنيف رضى الله عنهما: أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم دَاوَى جُرْحَه يوم أُحد بعَظْمِ بالٍ ، قال فى البداية: هذا حَدِيث غريب.
ذكر إرادته عليه وسلم صعود صخرة فى الشعب لينظر حال الناس
روى ابنُ إسحاق والإِمام أحمد (٢) والتّرمذىّ، عن الزبير بن العوام رضى الله عنه ،
قال : رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب لينهض إلى الصَّخْرة من الجبل لِيَعْلُوَها
(١) صحيح البخارى ٣٨/٥ - صحيح مسلم ٩٠/٢ - البداية والنهاية ٢٩/٤، ٣٠.
(٢) مسند أحمد ٤٤٩/٣ - سنن ابن ماجة ٩٣٨/٢ - سنن أبي داود ٢٥٦/١
- ٣١٠ -

وقد كان بَدَّنَ(١) رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وظاهَرَ بين دِرْعَيْن، فلما ذهب لِيَنْهَض
لم يستَطِعِ، فجلس تحته طَلحةُ بنُ عُبَيْد اللّه فَتَهَض به حتى استوى عليها ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أَوجَبَ(٢) طلحةُ حين صَنَع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صَنَع .
ذكر استنصاره عليه وسلم ربّه تبارك وتعالى
قال ابنُ إِسحاق(٣) ... وابنُ جُريج فيما رواه ابنُ المُنذِر وابنُ جَرير وابنُ أَبِى حاِمٍ: أَنَّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو فى الشعب مع أولئك النَّفَر من أصحابه، إِذْ عَلَتْ عاليةٌ
من المشركين : خالِدُ بنُ الوَلِيدِ ونَفَرٌ معه الجَبَل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
اللهمَّ لاقُوَّةَ لنا إلا بك ، وليس أَحدٌ يَعْبُدك بهذه البلدة غير هؤلاءِ النَّفَرِ فلا تُهلِكْهم ، اللهمَّ
إِنَّه لا يَنْبَغِى لهم أَن يَعْلُونا. وثاب نَفَرٌ من المهاجرين رُماةٌ ، منهم عمرُ بن الخطاب فرمَوْا
خبلَ المشركين حتى هزموهم ، وعلا المسلمون الجبل .
وروى الإمام أحمد(٤) ومسلم عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يقول يوم أحد: ((اللهم إن تشأ لا تُعبد فى الأَرض)).
وذكر الأُموىّ فى مغازيه: أَن المشركين صعدوا على الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لسَعْدٍ: اردُدْهم، قال : كيف أَردُّهم وَحْدِى؟ فقال ذلك ثلاثا، فأَخذ سَعْد سَهْمًا من
كِنانَتِهِ فرَى به رَجُلًا فقَتَله قال: ثم أَخذتُ سَهْمِى أَعرِفُه فرمَيْتُ به آخر فقتَلْتُه ، ثم
أَخذتُهُ أَعرفه فرمَيتُ به آخر ، فقتلته ، فهبطوا من مكانهم .
وقال ابن جُريج: وأَنزل الله تعالى: ﴿ ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنْتُم الأَعَلَوْن إِن كنتم
مؤمنين ﴾(٥) .
وصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهرَ يومئذ قاعداً من الجراحة التى أصابته،
وصلى المسلمون خلفه قعوداً .
(١) ت، م: ((وقد كان بدنه ... الخ)) وهو تحريف.
(٢) أوجب: وجبت له الجنة، وفى المغازى ٢٥٤/١: ((قد أنجب)) قال ابن أبى الحديد أى قضى نذره.
(٣) بياض فى جميع النسخ. انظر ابن هشام ٩١/٣
(٤) مسند أحمد ١٥٢/٣
(٥) سورة آل عمران: الآية ١٣٩
- ٣١١ -

ذكر مقتل حسّيل
وهو بضَمُّ الحَاء وفَتْح السِّين المهملتين ويقال مكبّراً ، وهو اليَمان وَالِدُ حُذَيْفَةَ، وَمَقْتَل
ثابت بن وَقْش - بفتح الواو وإسكان القاف ، وبالشين المعجمة - رضى الله عنهما قالوا
لمّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد رُفِعَ حُسَيْل وثابت بن وَقْش فى الآطام
مع النساء والصبيان ، فقال أحدهما لصاحبه - وهما شيخان كَبِيران - : لا أَبا لك،
ما تَنتظر، فوالله ما بقى لواحد منا من عمره إلا ظِمْء حمار، إنما نحن هامةُ اليوم أو غدا، أَفَلاَ
تَأْخُذُ أَسياقَنا، ثم نَلْحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله تعالى يَرزُقُنا الشَّهادةَ،
فأَخذَا أَسيافَهما، ثم خرجا حتى دَخَلا فى النَّاس من جهة المشركين، ولم يعلَم المُسلِمُون
بهما . فأَما ثابتٌ فَقَتله المشركون، وأَما حُسَيْل فاختلفت عليه أَسيافُ المسلمين فقتلوه
ولم يَعْرِفُوه ، وقيل : إن الذى قَتَله عُقْبَةُ بن مسعود رضى الله عنه، فقال حُذَيْفَة: أَبى !
فقالوا : ما عَرَفْناه وصَدَقُوا ، فقال حذيفة يغفر الله تعالى لكُم وهو أرحم الراحمين ،
فأَراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يَدِيَه، فَتَصدَّق حُذَيفَةُ بديته على المسلمين ، فزاده
ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا .
قال عروة : فوالله مازالت فى حذيفة بقية خير حتى لقى الله تعالى .
ذكر مقتل مخيريق النضرى الاسرائيلى
من بنى النَّضير - وهو بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فتحتيه ساكنة فراء فتحتية
فقاف ــ ذكر محمد بن عمر الأَسلمىّ أنه أسلم، ويقال إنه من بنى قَيْنُقاع ويقال من بنى
[ ثعلبة بن الفِطْيَوْن](١) وكان عالماً من أحبار يَهُود، وكان يَعرِف رسول الله صلى الله عليه
وسلم بصِفته وما يَجِد فى عِلمه وغَلَب عليه إلفُ دِينه، فلما كان يوم السبت قال : والله
يامَعْشَرَ يهود، إنكم لتعلمون أَنَّ نَصْرَ محمد عليكم لحقُّ ، قالوا : اليوم يوم السبت قال :
لاسبت لكم ، ثم ◌َهِد إلى من وَرَاءه من قومه : إن قُتِلتُ هذا اليوم فأَموالى إلى محمد
(١) بياض فى الأصول كلها، والتكملة عن ابن هشام ٩٤/٣
- ٣١٢ -

يصنع فيها ما أراد، ثم أَخذ سلاحَه، فخرج، فلما اقتتل النَّاسُ قاتل حتى قُتِل ، فكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مُخَيْرِيق خيرُ بَهُود .
وروى الزُّبَيْر بن بَكَّار عن ابن شهاب مرسلاً أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
مُخَيْرِيقِ سابقُ يهود، وسَلْمان سابقُ الْفُرس، وبلال سابق الحَبَشة، وقَبَض رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمواله، وهى سَبْع خرائط، يأتى ذكرها فى ذكر صدقاته صلى الله
عليه وسلم .
ذكر مقتل الأصیرم عمرو بن ثابت بن وقش
ويقال: أُقيش . روى ابن إسحاق عن محمود بن لبيد وأبو داود(١) والحاكم عن أبى
هريرة رضى الله عنهما: أَن الأُصَيْرم كان يَأْبَى الإِسلام على قَومِه، زاد الحاكم كان له رَئِىّ(٢)
فی الجاهلية ،فکان يمنعه ذلك الرئیّ من الإِسلام حتی یأخذه، فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه بأُحد فقال: أين سعد بن معاذ؟ فقيل: بأُحد، فقال: أَين بَنُو أَخيه؟
قيل : بأُحُد ، فسأل عن قومه فقيل : بأُحد، فبدا له فى الإِسلام فأسلم ، وأخذ سيفه ورمحه
وأخذ لأُمتَه وركب فَرسَه فَعَدا حتى دخل فى عُرْض الناس، فلما رآه المسلمون قالوا : إليك
عنا يا عَمْرو ، قال: إنى قد آمنْتُ . فقاتل حتى أَثبتَتْه الجِراحة ، فبينا رجال من بَنِى عبد
الأَشْهل يلتمسون قَتْلاهم فى المعركة إِذا هم به، فقالوا: والله إن هذا الأُصَيْرم ، ما جاء به ؟
لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث ، فسألوه: ما جاء به؟ فقالوا: ما جاء بك؟ أَحَدَبُ
على قومك أَم رَغبةٌ فى الإِسلام ؟ فقال: بل رغبة فى الإِسلام ، آمنتُ بالله تعالى ورسوله
صلى الله عليه وسلم ، وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم
قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى، وإن متُّ فأَ،والى إلى محمد يضعها حيث شاء ـ ولفظ
أبى هريرة فجاءه سعد بن معاذ فقال لأَخيه: سَلْه: حَميَّة لقومه أو غضّباً لله ورسوله؟ فقال:
بل غَضَباً لله ورسوله. انتهى. ثم لم يلبث أن مات فى أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال : إنه من أهل الجنة .
(١) أبو داود ٢٥٢/١ والرواية فيه مختلفة عماورد هنا.
(٢) م ، ت: ((رداء)» والمثبت من ص وباقى النسخ.
- ٣١٣ -

وكان أبو هريرة رضى الله عنه يقول : حدّثونى عن رجل دخل الجنة ولم يُصلّ قط
فإِذا لم يعرفه الناس سألوه [ من هو؟](١) فيقول: هو أُصَيْرم بنى عبد الأشهل.
قال فى الإصابة: فجمع بين الرّوايتين بأَنَّ الذين قالوا له أولا: ((إِليك عنا))
قَومٌ من المسلمين من غَير قَومِهِ بَنِى عَبْد الأشهلى. وبأَنّهم لمّا وَجَدُوه فى المعركة حَملُوه إِلى
بعضِ أَهلِهِ .
ء
ذكر مقتل حنظلة رضِي الله عنه
روى ابن إسحاق عن محمود بن لبيد ، وابن سعد عن عُروة وأَبو نُعَيم ، عن يحيى بن
عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جَدّه قالوا: لمّا انكشف المشركون ضَربَ
حَنظلةُ فَرَسَ أبى سفيان بن حرب فوقع على الأرض ، فصاح وحنظلة يُريد ذبحه، فأَدركه
الأسود بن شدّاد - ويقال له: ابن شَعُوب - بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وآخره
موحدة - ووقع فى بعض نسخ العيون شداد بن الأسود وليس بصواب - فحمل على حَنظلَة
بالرمح فأَنفذَه ، ومشى إليه حنظلةُ فى الرمح وقد أَثبته ، ثم ضربه الثانية فقتله ، فذُكر
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنى رأيت الملائكة تُغَسِّلُه بين السماء والأرض بماء
المُزْنِ فى صحاف الفِضَّة .
قال أبو أُسَيْد الساعدىّ - وهو بضم الهمزة - فذهبنا إليه فإذا رأْسُه يقطر ماء، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاسأَلُوا أَهله ما شأْنُه ؟ فسألوا صاحبتَه عنه ، فقالت : خرج
وهو جُنُب حين سمع الهَاتِفَةَ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلذلك غَسَّلَتْه الملائكة.
قال محمد بن عمر: وصاحِبتُه أَى زَوْجته وهى جَميلة بنت أبيّ بن سَلُول ، دخلتْ
عليه فى تلك الليلة التى فى صبيحتها أُحد، وكان قد استَأْذَن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى ذلك، فأُذِن له ، فلما صلَّى الصبحِ غَدًا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلزِمَتْه جَمِيلٌ ،
فعاد فكان معها فأَجنب منها (٢) ، وقد أُرسلت إلى أربعةمن قومها فأَشهدتهم على الدخول بها
(١) تكملة عن ابن هشام ٩٥/٣
(٢) المصباح: الجنابة معروفة، يقال منها: أجنب بالألف، وجنب وزان قرب، فهو جنب، ويطلق على الذكر والأنثى
والمفرد والتثنية والجمع »
- ٣١٤ -

خشيةَ أن يكون فى ذلك نِزاع ، فقيل لها : لِمَ أَشهدتِ ؟ فقالت: رأيتُ كأَنَّ السَّماء قد
فُرجتْ فدخل فيها ثم أُطبقَت ، فقُلتُ : هذه الشَّهادة. وعَلِقَتْ بعبدِ الله بن حنظلة، رضى
الله عنهم .
ذكر مقتل عمرو بن الجموح وتعبد الله بن حرام تما طلهما
كان عمرو أَعرج شديدَ العَرَج، وكان له بَنُون أربعة مثل الأُسْد ، يشهدون مع رسول
اله صلى الله عليه وسلم المشاهدَ، وهم خلَّاد ومُعوَّذ ومُعاذ وأَبو أَيمن، فلما كان يوم أُحد
أَرَادُوا حَبْسَه وقالوا: إن الله قد عَذَرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بَنِىِّ
يريدون أَن يَحْبِسُونى عن هذا الوجه وللخروج معك فيه ، فوالله إنى لأَرجو أَن أَطأَّ بعَرْجَتِى
هذه فى الجنة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَمَّا أَنتَ فقد عَذَرك الله تعالى، فلاجهادَ
عليك ، وقال لبَنِيه : ما عليكم أَلَّا تَمْنَعوه لعل اللهُ أَن يرزقَه الشَّهادة ، فخرج وهو يقول
مُسْتَقْبَلَ القِيْلة: اللهمّ لا تردَّى إِلى أَهلى خائبًا، فقُتِل شَهِيدًا!
وروى الإمام أحمد (١) عن قتادة بن الحارث بن رِبْعِىّ الأَنصارىّ قال: أتى عمرو
ابن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أَرأَيتَ إِن قاتلتُ فى سبيل
الله حتى أُقتل، أَمشى برِجلى هذه صَحِيحة فى الجنة - وكانت رجله عرجاء(٢) - فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقَتَلوه يوم أُحُد هو وابن أخيه ومولّى لهم(٣) ، فمرَّ عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال : كأَّى أَنظر إليك تَمشِى برجلك هذه صحيحة فى الجنَّة، فأَمر
بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجُعِلوا فى قبر واحد. انتهى .
واستشهد ابنُه خَلَّاد بن عمرو، وعبدُ الله بن عمرو بن حرام والدُ جابر فحملتهم هندُ بنت عمرو
ابن حرام زوجةُ عمرو بن الجَمُوح على بعير لها تريد بهم(٤) المدينة، فلقيتها أُمّ المؤمنين عائِشةُ ـ
رضى الله عنها - وقد خرجت فى نِسْوة تَسْتَرْوِحُ الخَبَرَ ، ولم يُضْرَب الحجاب يومئذ، فقالت
(١) مسند أحمد ٢٩٩/٥
(٣) ت، م: ((ومولاهم)).
(٢) ص: ((العرجاء)).
(٤) م: ((تريد لهم)
- ٣١٥ -

لها : هل عندك خَبَر؟ ما وراءك؟ قالت: أَمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالح وكُلُّ مصِيبَة
بعده جَلَل. واتَّخَذ الله من المؤمنين شهداء ﴿ ورَدَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم يَنَالُوا خَيْرًا ،
وكَفَى الله المؤمنين القِتالَ وكان الله قَوِيًّا عزيزًا(١)) قالت عائشة : مَنْ هؤلاء ؟ قالت : أُخى
وابنى خَلَّاد، وزَوجِى عَمْرو بن الجَموح. قالت: وأين تَذْهَبِين بهم(٢)؟ قالت: إلى المدينة
أَقبرهم فيها ، ثم قالت : حَلْ حَلْ ، تزجر بعيرها ، فبَرك ، فقالت لها عائِشة : لِمَا عليه ؟
قالت : ماذاك به لَربَّما حَمَل ما يَحْمل بَعِيران ، ولكن أُراه لغير ذلك، وزجرته فقام وَبَرك ،
فوجَّهته راجعَةً إلى أُحد، فأسرَع فرجعت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرتْه بذلك،
فقال: إِنَّ الجَمَلِ مأمور ، هل قال عمرو شيئًا؟ قالت: إِن عَمْرًا لَمَّا توجَّه إلى أُحد قال :
اللهم لا ترتّنى إلى أهلى [ خِزْيًا](٣) وارزُقْنِى الشهادةَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فلِذَلِك الجملُ لايَمْضى، إِنَّ مِنْكم - معشرَ الأَنصار - مَنْ لو أقسم على الله لأَبَّره . منهم
عَمُرُو بنُ الجَمُوح، ولقد رأيته [يطأُ](٣) بعرجته فى الجنَّة، يا هنهُ، مازالت الملائكةُ مُظِلَّةً
على أَخِيك من لَدُن قُتِل إلى الساعة ينتظرون أَيْنَ(٤) يُدْفَن، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى قَبَرَهم ، ثم قال: ياهند، قد ترافَقُوا فى الجنة ، قالت: يا رسول الله، ادعُ الله
عسی أن یجعلنی معهم .
قال جابر بن عبد الله : كان أَبِى أَولَ قتيل قُتل من المسلمين ، قَتَلَه سُفيانُ بن عبد
شمس وهو والد أبى الأعور السُّلمىّ .
وروى محمد بن عمر عن شيوخه قالوا : قال عبد الله بن عمرو بن حرام - بالراء -
رأيت فى النوم قبل أُحُد مُبَشِّر(٥) بن عبد المنذر يقول لى: أَنت قادمٌ علينا فى أيام ، فقلت:
وأين أنت ؟ قال: فى الجنة، أَسرَحُ فيها كيف أَشاء ، قلت: أَلم تُقْتَل يوم بدر؟ قال :
بَلَى ، ثم أُخْبِيت ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذه الشهادة يا أَبا جابر.
(١) سورة الأحزاب: الآية ٢٥
(٢) م، ت: ((وأنى تذهبين معهم)).
(٣) تكملة عن الواقدى ٢٦٦/١
(٤) م ، ت: ((ينظرون أنى يدفن)).
(٥) م ، ت: ((بشر بن عبد المنذر)).
- ٣١٦ -

ذكر مقتل قزمَان
وهو بضَمِّ القاف وسكون الزاى وآخره نون، كان أَتِيًّا(١) لايدرى ثَمن هو، وكان يعرف
بالشجاعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذُكِر له: إنَّه من أَهلِ النَّار، فتأَخَّر
يوم أُحد فعيّرته نِساءُ بَنِى ظَفَر ، فأَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوِّى الصُّفوفَ
حتى انتهى إلى الصفِّ الأَول، فكان أولَ مَنْ رمى من المسلمين بسَهْم، فجَعَل يُرسِلُ نَبْلًا
كأَنَّها الرِّماح ويكتُّ كَتِيتَ الجَمَل ثم فعل بالسَّيف الأفاعيل حتى قَتَلَ سبعة أَو تِسعةً
وأصابته جِراحة ، فوقع ، فناداه قتادةُ بن النعمان : يا أَبا الغَيْداق هنيئًا لك الشهادة ،
وجَعل رجال من المسلمين يقولون له : والله لقد أَبليتَ اليومَ يا قُزْمان فأَبشر ، قال : بماذا
أَبشر؟! فواله ما قاتلتُ إِلَّا على أَحساب قومى، ولولا ذلك ما قاتلْتُ. ثم تَحاملَ على سيفه -
وفى لفْظ : أَخذَ سهما من كِنانته - فقَتل نفسَه، فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : إنَّه من أهل النار ، إنَّ الله تعالى يؤيّد هذا الدّين بالرجل الفاجر !
ذكر مقتل أنس بن النضر تَفي الله
وهو بالنون والضاد المعجمة .
رَوَى الطَّيالِىّ وابنُ أَبِى شَيْبة وابنُ سَعْد والشَّخان (٢) والتِّرمذى والبَغَوىّ الكبير وغيرهم
عن أنس بن مالك رضى الله عنه وابن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن أَن أَنَس بنَ النَّضر
عَمَّ أَنَس بن مالك رضى الله عنه وبه سُمِّىَ أَنَسًا، غَابَ عن بَدْر فشَقَّ عليه وقال: أُولُ مَشْهد
شَهِدَه رسول الله صلى اله عليه وسلم غِبْتُ عنه، لئن أَشْهدِنِى الله تعالى قِتالَ المشركين ليريَنَّ
الله تعالى ما أَصنعَ ، فلما كان يوم أُحد وانكثَف المسلمون فقال: اللهم إنَّى أَعْتَذِر إليك
بِمّ صنع هؤلاء - يعنى أصحابه - وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء - يعنى المشركين - فانتهى إلى
رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم ، فقال: ما يجلسكم ؟ قالوا : قُتِل رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تصنعون بالحَياة بعده؟! قوموا فُوتُوا على ما مات عليه
(١) الواقدى: ((كان قزمان عنيداً فى بنى ظفر لا يدرى من هو))، والأتى: الغريب الدمى.
٢٠
(٢) مصحيح البخارى ٣١/٥ ومسند أحمد ٢٠١/٣
- ٣١٧ -
٠

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استقْبل القومَ، فَلَقِيَه سعدُ بنُ معاذ دون أُحُد ، فقال
سَعْد : أَنا معك. قال سعد : فاستقبل أَنَس القوم فلم أَستَطِعِ أَن أَصنَعَ ما صنعَ ، فقال :
يا سعْدُ بنَ معاذ - وفى لفظ يا أَبا عمرو - واهًا لِرِيح الجَنَّة، ورَبِّ النضر إِنَّى لأجد ريحَها
من دُونِ أُحد . ثم تَقَدَّمَ فقَائلَ حتى قُتِل، فوجدوا فى جسده بِضْعًا وثمانين ضَرْبةً (١) من بين
ضَرْبةٍ بسيَفٍ ، وطَعْنَةٍ برمح، ورَمْيةٍ بسَهْم : قال أنس: ووجَدْناه قد مَثَّل به المشركون
فما عرفه أَحدُ منَّا إِلاَّ أُختُه بشامةٍ أَو ببَنانِهِ، فكُنَّا نرى أَو نَظُن أَن هذه الآية نزلت فيه
وفى أَشْباهه : ﴿ رِجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾(٢) الآية.
ذكر مقتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضى الله
روى ابن أبى عاصم عن عبد الله بن السائب أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يومٍ
أُحد (٣) آخر أصحابه، ولم يكن بينه وبين العدوّ غيرُ حمزة يقاتل العدوَّ، فَرَصَده وَحْشِىٌّ
فقَتَله، وقد قَتَل الله تَعالى بيَد حَمْزة من الكُفَّار أَحدًا وثلاثين، وكان يُدعى: ((أَسَدَ اله)).
قال ابن إسحاق : وقائل حمزةُ بن عبد المطلب حتى قَتلَ أَرطاةَ بن عبد شُرَحْبِيل بن هاشم،
وكان أحد النَّفَر الذين يحملون اللواء، وكذلك قَتلَ عثمانَ بن أَبِى طَلْحة وهو حاوِلُ اللَّواء
وهو يقول :
إِنَّ على أَهْلِ اللواءِ حَقًّا أَن يَخْضُبُوا الصَّعْدَةَ أَو تندقَّ (٤)
فحمل عليه حمزةُ فقَتَله . قال : وَحْشِىّ كما رواه ابنُ إِسحاق والطيالسىّ والبُخارِىّ وابن
عائِد عنه ، وابن أبى شيبة عن عُمَر(٥) وابن إسحاق قال وَحْشِىُّ: إِنَّ حمزة قَتل طُعَيْمَةَ
ابنَ عَدِىُّ ببدر ، فلما سارَتْ قُريش إلى أُحُد قال لى مولاى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِم - وأسلم بعد
ذلك - : إِنْ أَنتَ قَتلتَ حمزة عَمَّ محمد بعَمَىِّ فأَنتَ حُرُّ، فلما خَرجَ الناسُ عامٍ عَيْنَيْن -
وعَيْنَيْنٍ: جَبَل بجِبال أُحد بينه وبينه وادٍ - فخرجتُ مع الناس إلى القتال، وكنت رجلا
(١) الواقدى ٢٨٠/١: ((ووجد به سبعون ضربة فى وجهه)).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢٣
(٣) م ، ت: ((يوم الشعب)).
(٥) م، ت، ط: ((عن عمير إبن إسحاق)).
(٤) الرجز فى البداية والنهاية ١٧/٤ وابن هشام ٧٩/٣
- ٣١٨ -

حبشيًا أَقذفُ بِالحَرْبَة قَذْفَ الحَبَشة، قَلَّ أَن أُخطِىِّ بها شيئًا، فلما التقى الناسُ خرجت أَنْظُر
حمزةً(١) وَتَبَصْرُه حتى رأيته فى عُرضِ الناس مِثْلِ الجَمَلِ الأَوْرَق، يَهدُّ الناس بسيفه هَدًّا،
ما يقوم له شىءٌ - وفى لفظ: ما يُلِيق شيئًا، وفى لفظ: ما وقع له أحد إلا قَمعه بالسيف،
وفى لفظ : رأيت رجلاً لايرجع حتى يَهْزِمِنَا - فقلت: مَنْ هذا؟ قالوا: حمزة ، قُلتُ:
هذا صاحِبِى، فواله إنى لأَنياً له أُريد منه ما أُريد وأَتستِّر منه بشَجَرَة أَو بحَجَر ليدنو منى
. إِذْ تَقَدَّمنى(٢) إليه سِباعُ - بكسر المهملة وتخفيف الموحدة - بنُ عبد العُزَّى الغُبْشانى - بضم
الغين وإسكان الموحدة وبالشين المعجمة - فلما رآه حمزةُ قال: هلمَّ إِلىَّ يابْنَ مُقَطّعٍ
الْبُطُور - وكانت أُمُّه خَتَّانَةً بمكة - أَتحادّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟! ثم شَدّ عليه
عليه فكانَ كأَمِ الذاهب"- وفى لَفْظ: فضَربَه ضربةً فكأَنَّمَا أَخطأَ رأْسَه - وأَكبٌّ عليه
ليأْخُذَ دِرْعه، وكَمنتُ لحمزةَ تحتَ صَخْرةٍ، فلما دَنا مِنِى - قال عُمَيرِ (٣) بن إسحاق:
فعثرَ حمزة فانكَشَف الدرع عن بَطْنِهِ ، فَأَبصره العبد الحَبَشِ فرَمَاه بالحَرْبة . انتهى .
قال وحشىّ - كما عند الطيالسىّ - : جَعلتُ أَلوذُ من حمزةَ بشجرة ومعى حَرْبَتِى، حتى إذا
استمكَّنْتُ منه هَزِزْتُ حَرَبَتِى حَتَّى إِذا رَضِيتُ منها دفَعْتُها عليه فوقعتْ فى ثُنَّتِهِ - وفى لفظٍ:
فى ثُنْدُوَتِه - حتى خرجَتْ من بَيْن رِجْلَيه، وجعل (٤) يَنوءُ نحوِى فِغُلِب فوقع فتركتُه وإِيَّاها،
حتى إذامات أتيتُه فأخذتُ حَرْبتى، ورجعتُ إلى العسكر فَقعدتُ فيه، ولم يكن لى بغيره حاجة ،
إنما قتلتُهُ لأُعْتَق، فلما قَدِمِتُ مكَّةَ عُثِقْتُ .
ثم أَقمتُ حتى إذا فتح(٥) رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّةَ هَربتُ إِلى الطَّائِفِ فكنتُ
بها، فلما خَرجَ وَفدُ أَهلِ الطَّائِفِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تَعَيَّتْ (٦) عَلَّىَّ المذَاهبُ:
فقلتُ : أَلحقُ بالشَامِ أَو الْيَمَن أَو بِبَعْض البِلادِ، فوالله إنى لَفى ذلك من مَمِّى إِذْ قال
لى رَجُل: وَيْحَك، والله إنَّه ما يَقْتُل أحدًا من الناس دَخَل فى دِينِهِ. فلما قال ذلك خرجتُ
حتى قَدِمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةً .
(١) ص: ((أنتظر حمزة)).
(٢) ت، م: ((تقدمت)).
(٣) ص: ((عمر بن إسحاق)).
(٤) ص: ((وذهب ينوء نحوى)).
(٥) ص: ((افتتح)).
(٦) القاموس (عى): ((تعيا: لم يبتد لوجه مراده، أو عجز عنه ولميطق إحكامه)).
- ٣١٩ -

قال ابن إسحاق وفى رواية يونس: لَمَّا قَدِمَ وحْشِىٌّ المَدِينة قال النَّاس: يا رسول الله
هذا وَحْشِىّ ، فقال: دعوه، فالإِسلامُ رَجُلٍ واحدٍ أَحبُّ إِلىَّ من قتل ألف رجل كافر. قال
وحشىّ : فلم يَرُعْهُ إِلَّ بِى قائِمًا على رأسِهِ أَشهَد شهادةَ الحقّ، فلما رآنى قال: أَوحثِىّ ؟
قلتُ : نعم ، يا رسول الله، قال: أُقْعُد فحدّثنى كيف قتلتَ حمزة؟ قال: فحدثْتُه، فلمَّا
فرغتُ من حديثى ، قال: وَيْحك ! غَيِّبْ وجهَك عنى فلا أَراك !
وروى الطبرانى بسند لا بأس به، وتَمَّام الرازىّ عن وحشیّ قال: لما رأيتُ رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعد قتل حمزة تَفَل فى وجهى(١) ثلاث تفلات، ثم قال: لاتُرِفِى وَجهَك!
وروى الطبرانيّ بسندٍ حسنٍ عن وَحْشِىّ ، قال: أَتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : يا وحْشِىّ ، قلت : نعم ، قال : قتلتَ حمزة ؟ فقلت: نعم، والحمد لله الذى أكرمه
بيدى(٢) ولم يُهنَّى بيده ، فقالت له قريش : أَتحبه وهو قاتل حمزة ؟ ! فقلت : يا رسول
الله استغفِرْ لى ، فَتَفَل فى الأَرض ثَلاثةٌ ، ودفع فى صَدرِى ثلاثة ، وقال : يا وحْشِىّ ، اخرُجْ
فقاتِلْ فى سبيل الله كما قاتلتَ لتصُدَّ عن سبيل الله .
قُلتُ: وكونه صلى الله عليه وسلم تَفَل فى الأَرض أُصحُّ من كونه تَفَل فى وجهه ؛ لِمَا
عُلِمٍ من حَيَائِهِ صلى الله عليه وسلم ومحامينٍ أَخلاقه. قال وَحْشِىّ: فكنتُ أَتَنكَّب رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى، فلما خرج المسلمون إلى مُسيلمة الكذَّب صاحبٍ
اليمامة خرجت معهم، وأخذتُ حربَتى التى قتلتُ بها حمزة ، فلما التقى الناس رأيتُ مسيلمة
قائِمًا فى يده السيف وما أعرفه، فتهيَّأْتُ (٣) له وتهيَّأَ له رجل من الأنصار من الناحية الأُخرى
كِلانَا يُريده ، وهَززتُ حربتى حتى إذا رَضِيتُ منها دفعتُها عليه فوقعت فيه ، وشدَّ عليه
الأَنصارىُّ فضرَبه بالسَّيف، فربُّك أَعلم أيُّنا قَتَلَه ، فإن كنتُ قَتلتُه فقد قَتَلتُ خَيرَ النَّاس
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قَتلتُ شَرِّ النَّاس .
قال محمد بن عمر فى كتاب الرِّدَّة: والأَّنصارىُّ المُبْهَم عبدُ الله بنُ زيد بن عاصم
(١) القاموس: ((الوجه: الجهة)) وليس المقصود الوجه المعروف، لأن خلق الرسول العظيم يأبى ذلك.
(٣) ص: ((حتى تهيأت له)).
(٢) ص: ((أكرمه على يدى)).
- ٣٢٠ -
٠٠٠٠٠