Indexed OCR Text

Pages 281-300

وروى ابن جرير عن السُّدِّىِّ فى الآية قال: هم بنو سَلِمة وبنو حارثة هُمُّوا بالرُّجوع،
حين رجع عبد الله بن أُبِّ فَعَصَمهم الله .
وروى الشّيخان عن زَيْدِ بنِ ثابت ، وابن إسحاق عن البَرَاء بن عَازِب رضى الله عنهما
قالا: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد خرج معه بأُناس، فرجعوا، فكان أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتيْن؛ فقالت فرقة: نقتلهم، وقالت فرقة: لانقتلهم ،
فَأَنزل الله تعالى: ( فما لكم فى المُنَافِقِينِ فِئَتَيْن والله أَركَسَهم بما حَسَبُوا)(١) رَدِّهم إلى كُفْرِهِم
بما كَسَبُوا بأعمالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّها طَيْبَة وإنَّها تَنْفِى الخَبَث(٢)
كما تنفى النارُ خَبَثَ الفِضَّة » .
وذكر الزُّهرىُّ أَن الأَنصار استأُذنوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لمّا رجع ابن أبىّ فی
الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاحاجة لنا بهم.
قال الجمهور: بتی رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبعمائة وفرسه، وفرس لأبى بُردة . وقال ابنُ
عُقْبة : لم يكن مع المسلمين فرس . ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشّعب
من أحد فى عُدوة الوادِى إلى الجبل ، فجعل ظهرَه وعسكره إلى أُحد، واستقبل المدينة ،
وجعل عَيْنَيْن - الجَبَلَ - عن يمينه، وصُفَّ المُسلِمون بأَصلٍ أُحد، وحانت الصَّلاة يومَ
السبت والمسلمون يرون المشركين، فأَذَّن بلال ، وأقام ، وصلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم بأصحابه الصُّبح صُفْوفًا .
ذكر خطبته ميل اسم وتهيئته للقتال
قال محمد بن عمر الأسلمىّ: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناسَ فقال : .
(( أَيُّهَا النَّاس أوصِيكم بما أوصافى الله تعالى به فى كتابه؛ من العمل بطاعته، والتّناهِى
عن مَحارِمه، ثم إنكم اليوم بمنزلِ أَجْرٍ وخُخْرٍ لمن ذكّر الذى عليه ، ثم وَأَن نفسه له على
الصَّبر واليقين، والحِدِّ والنشاط، فإِن جِهادَ العدو شديد كَرِيه(٣) ، قَلِيلٌ من بَصْبِر عليه
(١) سورة النساء: الآية ٨٨
(٢) مصحيح البخارى ٥ / ٣١: ((تنى الذنوب)).
(٣) الواقدى ١ / ٢٢١: ((فإن جهاد المدى شديد، شديد كربه)).
- ٢٨١ -

إلا من عَزَمَ اللهُ تعالى رُشْدَهُ(١)، فإن الله تعالى مع مَنْ أَطاعه ، وإن الشيطان مع مَنْ عصاه
فافتتحو(٢) أعمالَكم بالصبر على الجهاد، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله تعالى [ وعليكم(٣) ]
بالذى أمركم به ، فإنى حريص على رُشْدِكم ، وإن الاختلافَ والتنازعَ والتَّقْبيط من أمر
العَجْز ، والضعف، ممّا لايُحِبّ الله تعالى، ولا يُعطى عليه النَّصر ولا الظَّفَرُ يا أَيّها الناس
[ جُدِّدَ فى صدرى أَنّ(٣) ] مَنْ كان على حَرامٍ فرَّق الله تعالى بينه وبينه، ومن رَغِب له عنه
غفر الله تعالى له ذَنْبه ، ومن صَلَّى علىّ صلاةً صلَّى الله عليه وملائكتُه عَشرًا، ومن أحسنَ
مِنْ مُسلمٍ أَو كافٍ وَقَع أجرُه على الله، فى عاجل دُنْياه وآجلٍ آخرته ، ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فعليه الجُمعة إلا صَبِيًّا أو امرأةً أَومريضاً أو عبداً مملوكا، ومن استَغْنَى
عنها استغنى الله عنه، والله غَنِىٌّ حميد ، ما أَعْلَمُ من عَمِلٍ يُقَرِّبكم إلى الله تعالى إلا وقد
أمرتُكم به ، ولا أَعلَم من عَمَل يُقَرِّبكم إلى النَّار إلا وقد نَهَيْتُكم عنه، وأنه قد نَفَث فى رُوعِى
الرُّوحُ الأَمِينُ أنه لن تَموتَ نَفْسُ حتى تستوفِىَ أَقْصَى رِزْقِها لايُنْقَصُ منه شىء ، وإِن أَبطأً
عنها، فاتقوا الهَ رَبَّكُم، وأَجْيلوا فى طلب الرزق ، ولا يحملنكم استبطاؤُهُ أَن تطلبوه
بمعصية الله تعالى، فإِنَّه لايُقْدَر على ما عنده إلا بطاعَتِهِ، قد بَيَّن لكم الحَلالَ والحرامَ
غير أن بينهما شُبَهًا من الأمر، لم يعلمها كثيرٌ من الناس إلاَّ مَنْ عَصَم الله تعالى، فمَن تركها
حَفِظَ عِرِضَه ودينَه، ومن وقع فيها كان كالرَّعى إلى جَنْبِ الحِتَى أَوْشَك أن يقع فيه ،
وليس مَلِكٌ إلَّا وله حِمَّى، أَلاَ وإنَّ حِمَى الله تعالى مَحارِمُه، والمؤمن من المؤمنين(٤) كالرأس
من الجَسَد إذا اشتكى تَداعَى عليه سائِرُ جَسَده، والسلام عليكم)».
وتَعبَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وقال: ((لايُقاتلن أحد حتى نَأُمره بالقتال)).
وقد سَرَّحَتْ قُرَيْش الظَّهْرَ والكُراع فى زروع المسلمين، كانت بالصَّمْغة - بالصاد المهملة والغين
المعجمة بينهما ميم - فقال رجل من الأنصار: أَترعَى زُروعَ بنِى قَيْلَةً ولمّا تُحارِب! وأَمَّر
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الرُّمَاة عبدَ الله بنَ جُبَيرأخا بنى عمرو بن عوف وهو مُعْلِمٍ يومئذ
(١) م: ((وشده)) وهو تحريف.
(٢) م: ((فافتحوا)).
(٣) تكملة عن الواقدى ١/ ٢٢٢.
(٤) النسخ: ((من المؤمن))، والمثبت عن الواقدى ٢٢٣/١
- ٢٨٢ -

بثياب بيض، والرُّماة خمسون رجلا، فقال: ((انْضَحُوا الخيلَ عنّا، لا يأتون من ورائنا؛ إن
كانت لنا، اثْبُتُوا مكانكم لانُؤْتَيَنَّ من قِبَلِكَم، الزَمُوا مكانكم لاتبرحوا عنه ، وإذا رأيتمونا
نَهْزِمُهم حتى ندخل فى عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا تَخَطّفُنا الطيرُ فلا
تبرحوا ، حتى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا نُقتل فلا تُعِينُونا ولاتَدفعوا عنّا، وأرشقوهم
بالنّبْل فإِن الخيل لاتُقْدِمُ(١) على النبل، إنّا لن نزال غالبين ما ثَبَتْم مكانكم. اللهم إنى
أُشْهدُكِ علیھم ».
وجعل على إحدى المُجَنَّبَتَيْنِ الزُّبير بن العوّامِ، وعلى الأُخرى المنغيرَ بن عمرَ الغنَوِىّ .
وقال صلى الله عليه وسلم : من يحملُ لواء المشركين ؟ قيل : طلحة بن أبي طلحة ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن أحقّ بالوفاء منهم. فأَخذه من علىّ ودفعه إلى مُصعب
ابن عمير .
وروى أبو يَعْلَى بسنَدِ رِجالٍ ثِقات، عن معاذ - رجل من تَيْم - والحارِث والبزار بسند
حسن ، كما قال الحافظ فى زوائِد البزار ، عن سعد بن أبى وقاص، وأبو يعلى ، عن طاحة
ابن مُبيد الله : أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهَرَ يومئذ بيْن دِرْعين، وكان شعار
المسلمين يومئذ: ((أَمِتْ أَمِتْ)).
ذكر تهيئ المشركين للقتال
وصُفَّ المشركون بالسّبخة، وتَعَبِّئُوا للحَرْب ، وهم ثلاثة آلاف، معهم مائتا فرس
قد جَنَّبوها ، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عِكْرَمة بن أبي جهل،
وعلى المشاة صفوان بن أميَّة، ويقال : عمرو بن العاص، وعلى الرُّماة عبدَ الله بن أبى
ربيعة - وأسلموا كلهم - ودفعوا اللواء إلى طلحة بن أبى طلحة بن عبد الله بن عبد العُزَّى
ابن عثمان بن عبد الدار بن قُصَى . وقال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار
يُحَرِّضهم بذلك: يابنى عبد الدار ، إنكم قد وليتم إوائنا ببدر فأصابنا ماقد رأيتم ،
(١) ت: ((لا تقدر)).
- ٢٨٣ -

فإنما يُؤتى الناسُ من قِيَل راياتهم ؛ إذا زالت زالوا، فإِمّا أَن تَكْفُون لواعن، وإما أن تُخَلُّوا
بيننا وبنيه فنّكفيكموه، فَهَمُّوا به وتواعدوه وقالوا: أَنحن نُسْلِم إليكم لواءنا ؟ ! ستعلم
إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك الذى أراد أبو سفيان .
ذكر ابتداء الحرّب واشتداد القتال
>
أُولُ مَنْ أَنْشَبَ الحربَ أبو عامر عبد عمرو بن صيفىّ الفاسق ؛ طلع فى خمسين من
قومه ، ويقال: خمسة عشر ، الذين ذهبوا معه إلى مكة ، والأحابيش وَعُبْدان أَهل مكنة ،
فنادى: يامعشر الأوس أنا أبو عامر ، فقالوا: لاأَنعم الله بك عَيْنًا(١) يافاسق، بذلك
سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يسمى فى الجاهلية الراهب، فلما سمع ردِّه
عليه قال: لقد أصاب قومى بعدى شَرّ ، ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضَخَهم بالحجارة .
ولمّا التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة فى النسوة اللاتى معها، وأَخَذْنَ
الدفوف یضرین بها ، فقالت هند فيما تقول :
وَيْهِأَ بَنِى عبدِ الدار ويهاً حُماةَ الأَدبار
ضرباً بكلِ بّار (٢)
وتقول أيضاً :
نمشى على النَّمارق
نحن بنـات طارق
والمسك فى المفـارق
الدرٌّ فى المخائق
أو تُديروا نُفارق
إن تُقبلوا نُعانق
فِراقٌ غير وامق(٣)
(١) م، ت: (( لا أنعم اله بك علينا يا فاسق)) والمثبت عن ابن هشام ٣ / ٧٠
(٢) ابن هشام ٣ / ٧٢.
(٣) ابن هشام ٣ / ٧٢ برواية :
وتفرش المارق
إن تقبلوا نعانق
فراق غير وأميق
أو تدبروا نفارق
- ٢٨٤ -

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع، ذلك يقول: ((اللهم بك أَجُولُ ،
وبك أصُولُ، وفيك أُقَائِل، حَسْبى اللهُ ونِعْمَ الوَكِيل)). وروى الإمام أحمد ومساء(١) عن
أنَس والطَّبرانىّ عن عُبادةً بن النُّعمان، وإسحاق بن راهَوَيْهِ والبزَّار، عن الزَّبَيْرِ بنِ العَوَّام
قالوا : عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً يوم أحد، فأخذه رجالٌ فجعلوا ينظرون
إليه - وفى لفظٍ: فبسطوا أيديهم - كلُّ إنسان يقول: أَنا، فقال: مَنْ بأُخذه بحقّه؟
فأَحجم القومُ ، فقام رجال، فأمسكه عنهم .
وعند ابن عتبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا عرضه طلبه منه عُمر ، فأَعرض
عنه ، ثم طلبه الزُّبير فأعرض عنه، فَوجِدا فى أنفسهما من ذلك.
وعند ابن إسحاق بن راهويه عن عمرو بن يحيى المازنى أن الزبير طلبه ثلاث مرات
کل ذلك بُعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وعند الطّبرانى عن قتادة بن النعمان: أَن عليًّا قام فطلبه فقال له: اجلس ، ثم قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ يأخذه بحقُّه؟ فقام إليه أبو دُجَانة - بضم الدال المهملة
وبالجم والنون ۔ فقال : يا رسول الله، وما حقُّه ؟ قال : أن تضرب به فى العدوّ حتى ينخى.
قال: أنا آخذُه يا رسول الله بحقّه. قال: لعلَّك إن أعطيتُكه تُقاتِل فى الكُيُّول قال:
لا، فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب ، وكان له غِصابة
حَمْراء يُعْلَم بها عند الحرب، يعتصب بها ، فإذا اعتصب بها عَلِمَ الناسُ أَنّه سيُقائل ، فلما
أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك ، فعَصَب بها رأسه ،
فقالت الأَنصار : أَخَرَجَ أبو دجانة عِصابةً الموت . وهكذا كانت تقول إذا اعتصب بها ،
ثم جعل يتبخْتَر بين الصَّفَّيْن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه يتبخترُ :
إنها لمِثْيَةً يُبغضها الله إلا فى مثل هذا الموطن. قال الزُّبَيْر: ولمّا أَعطى رسول الله صلى الله
عليه وسلم السيفَ لأَّبِى دُجانَة وَجِدْتُ فى نفسى حين سأَتُه فمنعنى وأعطاه إيّاه ، وقلت :
أَنا ابنْ صَفِيَّةً عَمَةٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قمتُ إليه وسألته إيّاه قَبْلَه، فأعطاه
(١) صحيح مسلم ٢ / ٣٤٦
- ٢٨٥ -

إِيَّاه وتركنى، واللهِ لأَنظرنَّ ما يَصْنَع به ، فاتَّبعتُه ، فخرج وهو يقول :
ونحن بالسَّفْح لَدَى النَّخيلِ
أنا الذى عاهَدنى خَلِيلى
أضربْ بسيف الله والرسول(١)
أَلاَّ أَقُومَ الدهرَ فى الكُيُولِ
قال : فجعل لايمرُّ بشىء إِلا أَفْراه (٢) وفتَكه، وفلَق به هامَ المشركين، وكان إذا كَلَّ
شحذَه بالحجارة، ثم يضرب به العدوَّ كأَنه منجل ، وكان فى المشركين رجلٌ لايَدَعُ لنا
جريحاً إلا ذَقَّفَ عليه، فجعل كل واحدٍ منهما يدنو من صاحبه ، فدعوتُ الله تعالى أن
يجمع بينهما ، فالتقيا فاختلفا ضربتيْن، فضرب المشركُ أَب دجانة فاتَّقاه بدَرَقَتِهِ فَعَضَّت
بسَيْفِه ، وضربه أبو دجانةَ فقتله .
قال ابن عقبة : قال كعب بن مالك : وخرج رجلٌ من المشركين نحو المسلمين وهو
يقول: استوسَقوا كما استوسَت جُزر(٣) الغنيم، وإذا رجل من المسلمين قائِمٌ ينتظره وعليه
لَأُمَته ، فمضيتُ حتى كنتُ من ورائه ، ثم قمتُ أُقَدْرُ المسلمَ والكافرَ بنظرى ، فإذا الكافر
أفضلهما عُدَّةً وهيئة ، قال : فلم أزل أَنتظرهما حتى التقيا ، فضرب المسلمُ الكافرَ على حبل
عاتقه ضربة بالسيف، فبلغت وركيْه وانفرق فرقتيْن، ثم كشف المسلمُ عن وجهه وقال :
كيف ترى يا كعب ؟! أَنا أَبو دُجانة .
قال الزُّبير : ثم رأيتُه حمل على مَفْرِق رأس هند بنت عتبة ، ثم عدل السيفَ عنها ،
فقلتُ له: كُلُّ سِعِك رأيتُه فأعجبنى غير أنك لم تقتل المرأة، قال: إنها نادت: بالصخر !
فلم يُجِبها أَحد ، وفى لفظ : رأيتُ إنسانًا يحمش الناس حمشاً شديداً فصمدت إليه ،
فلما حمات عليه السيف وَلْوَلَ، [ فإِذا امرأةٌ](٤) فكرهتُ أَن أَضرب بسيف رسول الله
صلى الله عليه وسلم امرأةً لا ناصِرَ لها، فقلت: الله ورسولُه أعلم .
(١) ابن هشام ٧٣/٣: ويروى فى الكبول، بضم الكاف والباء.
(٢) عند ابن عشام: ((فجعل لا يلى أحداً إلا قتله».
(٣) الواقدى ٢١٠/١ (( جرب الفم)).
(٤) تكملة من ابن هشام ٧٣/٣ .
- ٢٨٦ -

1
وذكر ابنُ إسحاق فى رواية يونس والزُّبير بن بكار أن رجلاً من المشركين خرج
فدعا إلى البِراز ، فأُحجم عنه الناس، حتى دعا ثلاثاً وهو على جَملٍ له ، فقام إليه الزبير
ابن العوّام فوثب حتى استوى معه على بعيره ، فعانقه، فاقتتلا فوق البعير ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: الذى يَلى حضيضَ الأَرض مقتول، فوقع المشرك . ووقع عليه الزبير
فذبحه، فأَنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: ((إن لكل نَبِىُّ حَوَارِيّاً ، وإنّ
حَوَارِىِّ الُّبير (١)) وقال: ((لو لم يَبْرُز إليه الزبير لبرزتُ إليه))؛ لِمَا رأى من إحجام الناس
عنه .
واقتتل الناسُ يومئذ قتالاً شديدا، وحَمِيَت الحربُ، وأَبلى أبو دجانة الأُنصارىّ،
وطلحةُ بن عُبيد الله، وأَسد الله وأَسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ، وعلىّ بن أبى طالب ،
وأنس بن النَّضر، وسعد بن الربيع ، بلاءً شديدا . وأنزل الله تبارك وتعالى نَصْره على
المسلمين، وصدقهم وعدَه، فَحَسُّوا المشركين بالسيف حتى كشفوهم عن العسكر، ونهكوهم
قَتْلًا ، وقد حملتْ خَيلُ المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كلُّ ذلك تُنْضَح بالنَّبْل
فترجع مَفْلُولة، وكانت الرُّماة تَحمِى ظُهور المسلمين، ويرشقون خيلَ المشركين بالنّبل،
فلا يقع إلا فى فرس أو رَجُل، فتُولِّى هوارِبَ ، وقال عمر بن الخطاب يوم أُحد لأَخِيه زَيْدٍ
ابنُ الخَطَّب: يا أَخى، خُذ دِرْعِى هذه ، فقال له : إنى أُريد من الشهادة مثلَ ما تريد،
فتركاها جميعاً ، رواه أبو نعيم .
ولما اشتدَّ القِتال يومئذ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار ،
وأرسل علىَّ بن أبى طالب أن قدّم الرايةَ، فتقدم علىّ وقال: أَنا أَبو القُصَم (٢)، وصاح
طلحةُ بنُ أَبى طلحة صاحبُ اللواء ، من يُبارز ؟ فلم يَبرز إليه أحد، فقال: يا أصحاب
محمد ، زعمتم أن قتلاكم فى الجنة، وقتلانا فى النار ، كذبتُم، واللاتٍ أو تعلمون أن ذلك
حَقٌّ لخرج إلىّ بعضُكم ، فبرز إليه علىّ بن أبى طالب فالتقيا بين الصَّفَيْنِ فبدره علىّ
(١) صحيح البخارى ٤٩/٥ ومسند ابن حنبل الأحاديث: ٦٨٠، ٦٨١، ٧٩٩، ٨١٣ ط دار المعارف.
(٢) ابن هشام ٣/ ٧٨: ((أنا أبو الفصم)). واختار السبيلى فى الروض الأنف أن تضبط على الروايتين ((بضم ففتح)) على
أنها جمع قصمى أو فصمی .
- ٢٨٧ -

فصرعه، ولم يُجهز عليه ، فقال له بعض أصحابه: أَفلا أَجهزْتَ عليه ؟ فقال: إنه
استقبلنى بعَوْرَتِهِ فَعَطَّفِى عليه الرَّحِمُ، وعرفتُ أَن الله تعالى قد قتله، وكان قَتْلُ صاحبٍ
لواء المشركين تصديقًا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كأنَّى مُرْدِفٌ كَبْشًا»؛ فَسُرّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر التِّكْبير وكَبَّر المسلمون، وشدُّوا على المشركين
يَضْرِبُونهم حتى اختلَّت صفُوفهم. قال أبو عبيدة والزبيرُ بن بَكَّار: وفى ذلك يَقُول
الحَجَّاجِ بنُ عِلاط - بكسر العين المهملة وتخفيف الَّلام وآخره طاء مهملة - السُّلَمِىِّ.
أَعْنِى ابنَ فاطِمَةَ المُعِمَّ المُخْوِلَا
◌ِ أَىُّ مُنَبِّبٍ عن حُرمـةٍ
تركَتْ طُلَيْحَةً للجبين مُجَدِّلا
جادتْ يَدَاك لهم بعاجِلٍ طَعْنَةٍ (١)
بالجَرِّ إِذْ يَهْرُونَ أَخْوَلَ أَخْولا
وَشَدَدْتَ شِدَةٍ باسلٍ فَكَثَفْتَهم
وعَذْلتَ سَيفَك بالدِّماءِ ولم تكن لتردَّه حرَّان حَتِى يَنْهَلَا(٢)
وصار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتائب مُتَّفَرْقة فحاسوا العدوّ ضرباً حتى
أَجْهَضُوهم عن أثقالهم، فحمل لواءهم أبو شَيْئَة عثمان بن أبى طلحة ، فحمل عليه حمزةُ بن عبد
المطلب [ فضربه بالسيف على كاهله(٣)] فقطع يدَه ورجله حتى انْتَهَى إِلى مُؤْتَزِره وبَدَا سَخْرُه
فقتله ، فحمله أبو سعد بن أبى طلحة ، فرماه سعد بن أبى وقاص، فأُصاب حَنْجَرَته، فداع(٤)
لسانُهُ، فَقَتَله، فحمله مُسافع بن طَلْحة [بن أبى طَلْحة](٣) فرماه عاصم بن ثابت بن أبى الأُقلح -
بالقاف - فقتله، فحمله الحارث بن طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله؛ كلاهما يُشْعِرُه
سهماً فيأتَى أَنَّه سُلاَفَة [بنت سَعْدِ بن الشُّهَيْد](٣) فيضع رأسه فى حجرها، فتقول :
يابُنَىَّ: مَنْ أَصابك؟ فيقول: سمعتُ رجلاً رَمَانى يقول: خُذْها وأَنا ابنُ الأَفْلحِ، فَنَذَرتْ
(١) ابن هشام ١٥٩/٣: ((سبقت يداك له بعاجل طعنة)).
(٢) لم يرد هذا البيت عند ابن هشام .
(٣) تكملة عن الواقدى ٢٢٧/١
(٤) الواقدى ٢٢٧/١: ((فأدلع لسانه إدلاع الكلب)).
- ٢٨٨ -

إِن أَمكّنها الهُ من رأسٍ عاصِمٍ أَن تشربَ فيه الخَمْر ، وجعلتْ لمَنْ جاء به مائةً من الإبل ،
فحَمل اللواء كِلابُ بن طَلْحة بن أبى طَلْحة فقَتَله الزُبير بن العوام، وقيل: قُزْمان، فحمله
الجُلاَس بنُ طَلْحة بن أبى طلحة - وهو بضَمِّ الجيم وتَخْفِيفِ اللَّام وفى آخره سين مهملة -
فَقَتّله طلحةُ بنُ عُبَيْد الله، فحمله أرْطاةُ بن شُرَحْبِيل ، فقتله علىّ بن أبى طالب ، فحمله
شُرَيْحُ بن قارظ - وهو يضم الشِّين المعجمة وفتح الرّاء فمثناة تحتية ساكنة فحاء مهملة، وأبوه
بقاف فألف فراء مكسورة فظاء معجمة مُثالة - فليس يُدْرَى من قتَلَه ، فحمله أبو زيد
ابن عُمير بن عبد مناف بن هاشم بن عبد الدار فقتله قُزْمان ، فحمله قاسط بن شُرَحْبِيل
أبن هاشم بن عبد الدار فقتله قُزْمان أيضًا، فحمله صُؤَاب - غلام لم حَبْشِىّ - فقالوا : لانُؤْتَيَنْ
من قِبَلِكَ فَقُطعتْ بمينُه، فأخذ اللَّواء بشماله فقُطعت، فالتزم القَنَاة بصدره وعنقه وقال :
اللهم هل أعززتُ ؟ فقالوا: نعم ، فرماه ◌ُزْمان فقتله، وهو أثبت الأقاويل، فتفرّق المشركون،
فأخذت اللواء عمرةُ بنت علقمة الجارثيّة فأَّقامته فثابوا عليه، وفى لفظٍ: لَانُوابه .
ولما قُتِل أصحابُ اللواء انكشف المشركون منهزمين، لا يَلْوُون على شىءٍ، ونساؤهمٍ يَدْعُون
بالويل، وتبعهم المسلمون يقتْلُونهم حيث شاءوا ، حتى أَجْهَضوهم عن العسكر .
قال الزبير بن العوام، والبَرَاء بن عازب: لقد رأيتُنا ننظر إلى خَدَم هند بنت عتبة،
وصواحبُها مُثَمِّراتٌ هَوَارِبُ يَرْفَعْنَ عن سُوقهنّ، حتى بدتْ خَلَاخِلُهُنّ، وانهزم القومُ
مادُونَ أَخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كثير، وكانت الهزيمة لا شَكَّ فيها ، ودخل المسلمون عسكرَ المشركين
فانْتھبُوه .
ذكر ترك الرُّماة مكانهم الذى أقامهم فيه رسول اللّه عليه واللحم
وما حصّل بسَبب ذلك
لما رأى أصحاب عبد الله بن ◌ُبَيْر وهم الرُّماة ما حصل للمشركين قالوا : أَىْ قوم ،
الْغَنِيمةَ الغَنِيمةَ، لِمَ تُقيمون هاهنا فى غير شىء، قد هزم الله تعالى العدوّ، وهؤلاء إخوانكم
قد ظَهروا ، وهم يَنْتَهبون عسكرهم، فادخلُوا عسكرَ المشركين فاغْتَموا مع إخوانكم ، ففال
- ٢٨٩ -
(١٩ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤ )

عبد الله (١) بن جُبَيْر ومَنْ وافَقْه: ألم تعلموا أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكم:
احْمُوا ظُهورَنا ولا تَبرحُوا من مكانكم، وإذا رأيتُمونا نْقْتَل، فلا تَنْصُرونا ، وإن غَيِمنا
فلا تشركونا ، احموا ظهورَنا ؟! فقال الآخرون: لم يُرِدِ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا .
وانْطَلَقوا فلم يَبق مع أميرهم عبدِ الله بن جُبَيْرِ إِلا دُونَ العَشْرة(٣) ، وذهب الباقون إِلى عسكر
المشركين ينتهبون ، فلما أتوهم صُرفت وجوهم فأقبلوا منهزمين، ونظر خالد بن الوليد إلى
الجبل وقِلَّةٍ أَهله، فَكَرِّ بالخيل وتبعه عكرمة بنُ أَبى جهل - وأسلما بعد ذلك - فحَملُوا
على مَنْ بَقِىَ من الرُماة فقْتَنُوهم، وثبت أَميرُهم عبدُ اللهَ، فقاتل حتى قُتِل، فجَرَّدوه ومَثَّلوا
به أَقبحّ مُثْلَة ، وكانت الرماح قد شرعت فى بطنه ، حتى خرقت ما بين سُرَّتِه إلى خاصرته
إلى عانَتِه، وخرجت حُشْوتُه(٣)، وأحاطوا بالمسلمين. فبينما المسلمون قد شُغلوا بالنَّهب والغنائم
إذ دخلت الخيولُ تَذَادَى فُرساتُها بشِعارهم: يا لَلْعُزَّى، بِالَّهُبَل ، ووضعوا السيوفَ فى
المسلمين وهم آمنون وكلٌّ فى يديه أو حِضْنِه شىء قد انتهبه . ولما رأى الشركون خيلهم
ظاهرةً رجعوا فشدُّوا على المسلمين فهزموهم ، فقالوا فيهم قتلاً ذريعًا ، وتفرّق المسلمون فى
كل وجه ، وتركوا ما انتهبوا، وخَلَّوْا مَنْ أَسروا، وانتقضتْ صفوف المسلمين ، واستدارت
رَحاهم، وكانت الرِّيحِ أَولَ النهار صبًا فصارت ذبُورا، وكرِّ الناس منهزمين يحطم بعضُهِم
بعضا، فصاروا ثلاثا: ثُلثّا جريحا، وثلثًا منهزها، وثالثًا مقتولا، وصرخ الشيطانُ - لعنه
الله - : أَىْ عبادَ الله، إِخوانكم. فرجعت أُولاهم ، فاجتداتْ هى وأُخراهم، وهم يظنون أنهم
من العدوّ. وكان غرضُ إِبليس بذلك أن يقتل المسلمون بعضُهم بعضا ، وكان أول النهار
للمسلمين على الكفار، كما قال تعالى: ( ولقد صَدَقكم الله وعده إِذ تَحُسُّونهم بإِذنه حتى
إذا فَئِلْتُم وتنازعْتُم فى الأَمرِ وعَصَيْتُم من بَعْدٍ ما أراكم ما تُحِبُون، منكم مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا
ومنكم مَنْ يُرِيدُ الآخرة، ثم صَرَفكم عنهم لِيَبْتَلِيكُم ، واقد عَفًا عنكم والله ذو فَضْل على
المُؤْمنين)(٤). فما كانت دولةٌ أُسرعَ من دولة المشركين. وصرخ الشيطان عند جبل عَيْنَيْن
وقد تَصَوَّر فى صورة جُعال بن سُراقة رضى الله عنه: ((إن محمدًا قد قُتِل)) ثلاث صرخات،
(١) الواقدى ٢٢٩/١: ((فقال بعض الرماه لبعض)).
(٢) الواقدى ٢٣٠/١: ((إلا نفير ما يبلغون العشرة)».
(٤) سورة آل عمران: الآية ١٥٢
(٣) الحشوة: جميع مافى البطن عدا الشحم .
- ٢٩٠ -

ولم يُشَكَّ فيه أنه حقّ وكان جُعالُ إِلى جَنْب أَبِى بُردة يُقاتِل أَشَدَّ القِتال ، فقال جماعة من
المسلمين لمّاً سمعوا ذلك : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل أَفلا تُقاتلون على
دينكم ، وعلى ما كان عليه نبيّكم، حتى تَلْقَوا الله تعالى شهداء؟! وقال جماعة: ليت لنا
رسولاً إلى عبد الله بن أبىّ ليأخذ انا أماناً من أبى سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قُتِل
فارجعوا إلى قومكم ، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم . واختلط المسلمون؛ فصاروا يقتلون على غير
شِعار ، ويضرب بعضُهم ، بعضا؛ من العجلة والدَّهش وما يدرى .
وتفرّق المسلمون فى كل وجه ، وانهزمت طائفة منهم حتى دخلت المدينة، فلقيتْهم أُمُّ أيمن
فجعلت تحثو فى وجوههم التّرابَ وتقول لبعضهم: ((هاك المِغزلَ فاغزِلْ به، وهَلُمْ سَيْفَك)).
ولمَّا انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يَبقَ منهم إلا نَفَرُ
يَسِير لم يبق للمسلمين لواءٌ قائِمٍ ولا فِئَةٌ، وإن كانت خَيْلُ المشركين لَتجوسهم مقبِلةً
مديرة فى الوادى ، يَلْتَقُون ولا يَفْتَرقون، ما يرون أحدًا من الناس بَردُّهم ، حتى رجعوا
إلى معسكرهم، وأَصْعَد بعضُ المسلمين فى الجبل، واستشهد منهم من أكرمه الله تعالى بالشّهادة،
ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صَرغَ به الشَّيطانُ قال: هذا إِزْبُ العَقْبةِ(١).
صَلى الله
ذكر ثبات رسول اللّه عليه وسلم
روى البيهتىّ عن المقداد بن عمرو رضى الله عنه فذكر حديثًا فى يوم أُحُد وقال :
فَأَوْجَعُوا واللهِ فينا قَتْلاً ذريعًا، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نالوا ، أَلاَ والذى
بعثه بالحقِّ إن زال رسول الله صلى الله عليه وسلم شِبْرًا واحدًا، وإنه لَفِى وَجْهِ العَدُوِّ وَيَفِىءُ
إليه طائفة من أصحابه مَرّة ، وتفترق مَرَّةٌ عنه، فربما رأيتُه قائماً يَربى عن قوسه، وير مى
بالحَجَر حتى تَحاجزوا ، وثَبَت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عصابةٍ ثبتتْ معه .
وقال محمد بن عمر : ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانَه ما يَزُول قدمًا واحدًا ،
(١) ابن هشام ٨٢/٣: الصارخ: أزب (بفتح الهمزة وتشديد الباء ) العقبة، يعنى الشيطان .
- ٢٩١ -

بل وقف فى وجه العدوّ، وما يزال(١) يرمى عن قوسه حتى تقطّع وَتَرُه، وبقيتْ فى يده منه
قطعةٌ تكون شِبرًاً فى سِيَة القَوْس، فأَّحد القوسَ عُكَّاشةُ بن مِحْصَن لِيُوتِرَه له ، فقال :
:
يا رسول الله لايبلغ الوَتر، فقال: مُدّه فيبلغ، قال عُكَّاشة: فوالذى بعثه بالحقّ لَمَدَدْتُه
حتى بلغ، وطويتُ منه لَيَّتَيْن أَو ثلاثًا على سِيّة القوس ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم قوسه ، فما زال يرمى به وأبو طلحة يَسْتُره مُتَتَرْساً عنه حتى تحطّمت القوس، وصارت
شظايا، وفَنِيَتْ نَبْلُه، فأخذ القوسَ قَتادةُ بنُ النعمان ، فلم تزل عنده ، ورمى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالحجارة ، وكان أقرب الناس إلى العدوّ ، وثبت معه صلى الله عليه وسلم
خمسةَ عشرَ رجلا : ثمانية من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ ، وطلحة ، والزبير ،
وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبو عبيدة بن الجرّاح. وسبعه من الأنصار:
الحُبَابُ بن المنذر، وأبو دُجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصُّمَّة، وسهل بن حُنَيف
وسعد بن معاذ - وقيل: سعد بن عبادة - ومحمد بن مَسْلَمة . ويقال : ثَبَت بين يديه
يومئذ ثلاثون رجلا كلُّهم يقول: وَجْهِی دُونَ وَجْهِك، ونَفْسِى دون نَفْسك، وعليك السلام
٠
غيرَ مودّع !
وروى الطَّرانىّ عن ابنِ عباس: أَنَّ ابنَ مسعود ثبت يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّ انكثف الناسُر عنه إلى الجبل لايَلْوُون عليه
يدعوهم فى أُخرامٍ يقول: إِلىَّ يا فُلان، أَنا رسول الله، فما يُعَرِّج عليه أَحدُ، هذا والنَّبْل
يأتيه صلى الله عليه وسلم من كل ناحية ، والله تعالى يَصرفُ ذلك عنه .
وروى محمد بن عمر الأسلمىّ عن نافع بن جُبَير قال : سمعتُ رجلا من المهاجرين
يقول : شهدتُ أُحُدًا فنظرت إلى النَّبْل من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ،
كل ذلك يُصرَف عنه . ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهرىّ يقول يومئذ: دُلُّونى على
محمد ، لانَجوتُ إِن نجا . ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جَنْبه ما معه أحد ، ثم جاوزه
(١) ت، م: ((وما يزول)). وانظر الواقدى ٢٤٢/١.
- ٢٩٢ -

فعاتبه صفوانُ بن أُميّة فى ذلك، فقال: والله ما رأيتُه، أَحلفُ بالله إِنّه مِنَّا منوعٌ، أَمَا والله
خرجنا أربعةً فتعاهدنا، وتعاقدنا على قتله ، فلم نَخْلُصْ إليه .
قال ابنُ سَعد : قال أبو النَّيرِ الكِتانىّ وهو جَدّ شريك بن عبد الله بن أبى نَير: شهدت
أحدًا مع المشركين ، ورميتُ يومئذ بخمس مرعاة ، فأَصبتُ منها بأُسهم ، وإنى لأُنظر إلى ..
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أصحابه لَمُحْدِقِون به، وإِنَّ النَّبْلَ لَتَمرُ عن يمينه وعن
شِاله، {وَتَقْصُر](١) بين يديه، وتخرج من ورائه، ثم هَدَانِى الله للإسلام.
وروى عبد الرزاق بسندٍ مُرْسَل قوىّ عن الزُّمرىّ قال: ضْرِبَ وجهُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم أحد سبعين ضربةً بالسيف، وقاه اللّه شَرَّها كُلّها .
قال الحافظ : ويُحتمل أنه أراد بالسبعين حقيقتها، أَو المبالغة فى الكثرة. انتهى.
وبايعه يومئذٍ على الموت ثمانية : ثلاثةٌ من المهاجرين ، وهم : علىّ ، والزبير ، وطلحة .
وخمسة من الأنصار: أَبو دُجابة ، والحارث ابن الصِّمّة، والحُباب بن المنذر ، وعاصم بن
ثابت ، وسهل بن حُنيف ، فلم يُقتل منهم أحد .
وروى أبو يَعْلَّى بسند حسن ، عن علىّ رضى الله عنه قال : لمَّ انجلى الناسُ عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد نظرتُ فى القَتْلى، فلم أَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقلتُ : والله ما كان ليَغِرِّ وما أراه فى القتلى، ولكنْ أَرَى اللهُ تَعالَى غَضِبَ علينا بما صنعنا،
فرفع نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم ، فما لى خيرٌ من أَن أُقاتل حتى أُقْتَل ، فكسرتُ جَفْنِ سَفِى،
ثم حملتُ على القوم فَأَفْرَجُوا لى ، فإذا أَنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم؛ أى يُقاتلهم
صلَّى الله عليه وسلم .
(١) تكملة عن الواقدى ٢٦٣/١
- ٢٩٣ -
:

ذكر تعظيم أجر رسُول الله عليه وسلم بما فعله معه المشركون
تكاثر المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأرادوا قَتْلَه . رمى عتبةُ بن أبى
وقاص - لعنه اله .. رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أحجار فكسر (١) حَجرُ منها رَبّاعِيَتَه
اليُمنَى السُّفْلى وجَرحَ شَفْتَهِ السُّغْلَى.
قال الحافظ: والمراد بكسر الرَّبَاعِيَة - وهى السُّنُّ التى بين الثَّنِيَّة والتَّاب - أنها ◌ُكُسيِرِتْ
فذهب منها فِلْقَةٌ، ولم تُقْلَع من أصلها .
وروى عبد الرّزاق فى تفسيره عن مِقْسَم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبةً
ابن أبى وقاص حين كسر رباعيتَه ورمى وجهه، فقال: اللهم لا يَحُولُ عليه الحَوْلُ حتى
يموت كافرًا، فما حال عليه الحولُ حتى مات كافرًا إلى النار ، ورواه أبو نُعيمٍ من وجهٍ آخرَ
عن ابن عباس .
وروى الحاكمُ عن حاطِب بنٍ أَبِى بَلْتَعَةَ رضى الله عنه: أنه لمّا رأى ما فَعَل عُتبةُ برسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ..... (٢) قال: عُتْبةُ بنُ أَبِى وَقَّاص. قلتُ:
أين توجّه؟ فأَشار إلى حيث تَوجَّه، فمضيتُ حتى ظَفِرِتُ به فضربتُه بالسيف فطرحت
رأسَه، فأخذتُ رأسه وفرسه، وجئتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... (٢) ذلك، ودعا
لى فقال: (( رضى الله عنك)) ، مرتين .
وروى الخطيب فى تاريخ بغداد عن الحافظ محمد بن يوسف الفِرْيَابِىّ قال : بلغنى
أن الذين كسروا رَباعيةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُولد لهم صبيّ ، فنبتت له رَباعية .
قال السُّهَيْلِ: ولم يُولَد من نسل عُثْبَةً ولدٌ يبلغ العُلُم إلّ وهو أَهْتمُ أَبخر ، يُعرفُ
ذلك فى عقِه . وشجِّه عبدُ الله بن شهاب الزُّمرئُّ - وأسلم بعد ذلك- فی وجهه ،وسال الدم
من الشَّجَّة حتى أَخضل الدمُ لحيتَه الشريفةَ . نَفْسِى له الفِداء !
(١) الواقدى ٢٤٤/١: ((وكسر رباعيته - أشغلى باطنها اليمنى السفلى - وشج فى وجنتيه حتى غاب حلق المنفرفى وجنته)).
(٢) بياض فى النسخ كلها، ولعلى موضع الأول سؤال عمن فعل هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع الثانى
إخبار رسول الله بقتل عتبة ، كما يتضح من السياق .
- ٢٩٤ -

1
ورماه عبد الله بن قَمِئَة(١) - بفتح القاف وكسر الميم وبعدها همزة - فشَجِّ وَجْنَتَه
فدخلت حَلقتان من حَلَقَ المِغْفَر فى وَجْنَته . وعلاه بالسيف ، وكان عليه درعان، فوقع
صلى الله عليه وسلم فى حفرة أمامه على جنبه، وهى من الحُفر التى عَيِلها أبو عامر الفاسِقِ
. لِيقَعَ فيها المسلمون وهم لايعلمون، فأُغيِىَ عليه صلى اله عليه وسلم ، كما رواه ابنُ جرير
عن قتادة ، فأخذ علىّ بن أبى طالب بيده ، ورفعه طلحةُ حتى استوى قائِما فجُحِشتْ ركبتاه ،
ولم يَصْنَع سيفُ ابن قَبِئَة شيئاً إِلا وَهَن الضربة بثِقَل السيف، ومكث يَجِدُ وَهَنَ
الضَّربة على عاتقه شهراً ، أو أكثر من شهر . ورمتْه جماعة كثيرة بالحجارة حتى
وقع لشقُّه . .
وروى الطَّبرانىُّ عن أبى أمامة رضى الله عنه : أَنَّ ابنَ قَمِئَة لما رمى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قال: خُذْها وأَنا ابنُ قَمِئَة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَقْمَأَّك الله(٢)،
فسلّط الله تعالى عليه تَيْسَ جَبَل ، فلم يزل يَنْطَحُه حتى قَطَّعه قِطْعَةٌ قِطْعَة .
وروى أبو نعيم عن نافع بن عاصم قال : الذى أَدْعَى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبدُ الله بن قَمِئَة رجل من هُديل ، فسلّط الله تعالى عليه تَيْساً ، فَنَطَحه حتى قَتَلَه.
وروى أبو داود(٣) الطيالسىّ وابن حِبّان عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يومَ
أُحُد قال : ذلك اليوم كلّه لطلحة، ثم أنشأَ يُحدِّث قال: كنتُ مِمَّن فاء إِلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فرأيتُ رجلا يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه ،
- قال: وأراه قال يحميه - قال: قلت: كُنْ طلحة حيث فاتنى مافاتنى، فقلت: يكون رجلاً
من قومى أَحبَّ إِلىَّ، وبينى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل لا أعرفه، وأَنا أقرب
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، وهو يخطف المشى خطفاً لا أَخطفه ، فإذا هو أبو عبيدة
ابنُ الجَرَّحِ ، فانتهيتُ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كُسِرِت رَبَاعِيَتُه، وشُحِّ
(١) الواقدى ٢٣٦/١: ((ابن قيئة)).
(٢) الواقدى ٢٤٥/١، ٢٤٦: ((وقائل يقول: إنه رمى يوم أحد بسهم، فأصاب مصعب بن عمير فقال: خذها وأنا ابن
قيئة، فقتل مصعباً، فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم: أقأه انه)).
(٣) البداية والنهاية ٢٩/٤، ٣٠
- ٢٩٥ -

وَجْهُه، وقد دخل فى وَجْتِهِ حَلْقتان من حَلَقَ المِغْفَر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
عليكما صاحبكما ، يريد طلحةً، وقد نَزَف الدَّم فتركناه ، وذهبت لأَنزع ذلك من وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو عبيدة: أَقسمتُ عليك بحقِّى لما تركتنى، فتركتُه،
وكره أَن يتناولها بيده فيوُّذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَأَزَم عليها بِفِيه فاستخرج
إحدى الحلقتين، ووقعت ثَنِيَّتُه مع الحَلْقة ، وذهبتُ لأَصنعَ ما صنع ، فقال: أَقسمتُ
عليك بحقى لَمَا تركتنى ، ففعل كما فعل فى المرة الأُولى ، فوقعت ثَنِيَّه الأُخرى مع
الحلقة ، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس مَثْما ، فأَصلحنا من شأن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ثم أتينا طلحةً فى بعض تلك الحفر، فإذا به بِضْعٌ وسبعون أو أقلُّ أَو أكثر
من طعنةٍ وضَرْبٍ وَرَمْيَةٍ ، وإذا قد قُطِعت إِصِبَعُه فأَصلحنا من شأنه .
وذكر محمدُ بن عمر أَن طلحة أُصِيب يومئذ فى رأسه ، فنَزَف الدمُ حتى غُشِىَ عليه ،
فنضح أبو بكر الماء فى وجهه حتى أفاق فقال : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال : خيراً ، هو أرسلنى إليك، قال: الحمد لله، كلُّ مصيبَةٍ بعده جَلَل.
وفى حديث أبى سعيد الخُدرِىُّ عن محمد بن عمر: أَنّ الحَلْقَتَيْن لمّا نُزِعتا جعل الدم
يَسْرُبِ كما يَسْرُبِ الشَّنّ، فجعل مائكُ بن سِنان يأُخذ الدمَ بفِيهِ وَيُمُجُّه منه ويزدرد منه(١) ،
فقال له : أَتشرب الدَّمَ ؟ قال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من مَسَّ دمُهُ دَمِى لم تصبه النّار (٢))). وَتَرَّسَ دُونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة
بنفسه، يقع النَّبل فى ظهره وهو ينحَنِى عليه ، حتى كَثُر عليه النبل وهو لايتحرك .
وقاتل عبد الرحمن بن عوف قتالاً شديداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأُصِيب
فُوهُ فَهَتِم(٣)، وجُرِح عشرين جراحة أو أكثر، وجُرح فى رجله، وكان يعرج منها .
روى ذلك الحاكم عن إبراهيم بن سعد . وقائل سعدُ بن أبى وقاص عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قتالاً شديداً .
(١) ط: ((يأخذ الدم بفيه ويزدرد منه)).
(٢) ط: ((لم تمسه النار)).
(٣) المصباح: ((هتم هما من باب تعب: انكسرت ثناياه)).
- ٢٩٦ -

روى الحاكم عن عائشة بنتٍ فَعْد عن أبيها قال: لما جالَ النَّاسُ يوم أُحد ذلك الجَوْلة
تَتَّخَيْتُ فَقُلتُ: أَذود عن نفسى، فإِمّا أَنْجُر وإما أن أُستشهد، فإذا رجل مُحَمَرَّ وَجَهُه قد
كاد المشركون أن يركبوه ، فملاًّ يدَه من الحَصًا فرماهم به ، وإذا بينى وبينه المقداد ،
فأردتُ أن أَسأَلَه عن الرّجل، فقال لى: ((با سعد، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك )»
فقمتُ ولكأنه لم يصبنى شىء من الأَّذِى، فَأَتَيتُه فأَّجلسِى أمامه فجعلتُ أَرمى وأقول: ((اللهمّ
سهمَك فارم به عدوّك)) ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((اللهم استجب لسعد، اللهم سَدِّد
لسعدِ رَمْيتَه، إِيهَا سَعْد، فِدالكَ أبى وأمى))، فما من سهم أرمى به إلاَّ قال رسول الله: «اللهم سَدِّدْ
رميته، وأَجِب دعوته »، حتى إذا فرغتُ من كثافتى نَثَر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما فى كذانته فنَبَلنى سَهْماً نضِيًّا قال: وهو الذى قد رِيش وكان أَسدٍّ من غيره .
قال الزُّهرىّ : «السُّهام التى رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم.
وروى ابن عائذ عن يحيى بن حمزة مُرْسَلاً ، عن سعد بن أبى وقاص قال : رميتُ
بسهم فردٌ علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسهمى أعرفه، حتى واليتُ بين ثمانية أَوتسعة،
كل ذلك يردّه علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلتُ هذا السهمَ فى كنانتى لا يفارقنى .
وروى البخارىّ(١) والحسن بن عرفة، عن سعد قال: ((نَثَل لى رسول الله صلى الله عليه وسلم
كِنانَته يوم أُحُد ، وقال: ارْم فِداكَ أَبِى وَأُمِّى)).
وروى البخارىّ(١) عن عَلِّ رَضِى اللهُ عنه قال: « ما سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
جمعَ أَبْوَيْه لأحدٍ إلا لسعْد بن مالك، سمعته يقول يوم أُحد: ((يا سعدُ ارْم فِداكَ أَبى
وأُمی)). وروى أيضاً عن سعد قال : «لقد جمع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد بین
أبويه كليهما، يريد حين قال: ((فِداك أبى وأمى، وهو بقاتل))
قال محمد بن عمر رحمه الله. كان رجال من المشركين قد أَذلَقُوا المسلمين بالرَّمى
(١) مصحيح البخارى ٣٢/٥، ٣٣
- ٢٩٧ -

منهم حِيّان بن العَرِقَة، وأبو أسامة الجُشَبِىُّ)) .. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
لسعد: ((ارم فِدَاكَ أَبِى وَأَىّ، وَرَى حِّان بسهم فأَصاب [ ذيل](١) أُمَّ أَيمن وكانت نسقِى
الجرحى، فانكشف عنها فاستغرب عدوٌّ الله فى الضحك، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فدفع إلى سعدٍ [ بن أبى وقّاص سَهْمًا] لانَصْلَ له، فقال: ((ارمِ به، فوقع
السهم فى [ثُغرة](١) نحر حِيّان، فوقع مستلقيًا وبدت عورته، فضحك رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال : استَقَاد لها سعد، أَجاب الله دعوتَك ( وسَدَّدَ
رَمْيَتَك)(١) .
وكان مالك بن زهير أخر أبى أسامة الحُشَمِىّ(٣) هو وحِبّان بن العَرِقَة قد أكثرا فى
المسلمين القتلَ بالنَّبْل، فرى سعد مالكاً بسهم أصاب عينه، حتى خرج من قفاه وقتله. وقائلتْ
أُمُّ عمارة نُسَيْبة - وهى بمهملة وموحدة مصغر على المشهور ، وعن بن معين والفريرى
ككريمة - بنتُ كعب المازِئِيَّة يومئذ، فلما انهزم المسلمون انحازتْ إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وباشرت القتال ، وجعلت تَذُبُّ عنه بالسيف، وترمى عن القوس . ولما قصد
ابنُ قَمِئَة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم اعترضتْ له ومصعب بن عمير ، وضربت ابن
قمئة ضربات ، ولكن عدوَّ اللّه كان عليه درعان ، وضربها هو بالسيف فجرحها جرحاً
عظيما ، صار له فيما بعد غَوْر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لمَقَامُ نَيسبة بنت
كعب اليوم خَيرٌ من مقام فلان وفلان)) وقال: ((ما التفتُ يَمِيناً ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل
حُونى)). وقال لابنها عبدِ اله بن زيد بن عاصم: ((بارك الله تعالى عليكم أهل بيت؛ مُقَامُ أُمُكم خيرٌ
من مُقام فلان وفلان ، ومُقَام زوج أُمك غَزِيَّةُ بن عمرو خير من مُقام فلان وفلان، رَحِمَكم
الله أهل بيت)). قالت أُمُّ عمارة: ((ادعُ الله تعالى أَن نرافِقَك فى الجنة))، قال: ((اللهم اجعلْهم
رُفقائى فى الجنة)). قالت: (( ما أبالى ما أصابنى من أمر الدنيا)).
(١) الشكلة عن الواقدى ٢٤١/١
(٢) م، ت: ((أبى سلمة الجشمى)). والمثبت عن بقية الفسح والواقدى ٢٤١/١
- ٢٩٨ -

---
قال البلاغُرِىُّ: شهدتْ نُسَيبَةُ يومَ أَحد وزوجُها(١) وابنَاها، وخرجتْ معها بشَنَّ لها
تسقى الجرحى، فقاتلت وجَرحَت اثنى عشر رجلاً بسيفٍ ورَمْى، وكانت أُولَ النهار تسقِى
المسلمين ، والدّولةُ لهم، ثم قاتلتْ حين كَرّ المشركون ، وقائلت يوم اليمامة فقُطِعِت يَدُها
وهى تريدُ مُسَيْلَمة الكذاب لتقتله . قالت: ((ما كانت لى ناهِيةٌ حتى رأيتُ الخَبِيث مقتولا
وإذا ابنى عبد الله بن زَيْد يَمْسَح سيفَه بثيابه، فقلت: أَقتلتُه ؟ قال: نعم، فسَجَدَتُ
له شُكْراً ، .
وروى ابن سعد عن موسى بن ضمرة(٣) بن سَعيد عن أبيه قال: ((أتى عمر بن الخطاب
بمُرُوط وفيها مرطّ جيّد واسع ، فقال بعضهم: لو أرسلتَ به إلى زوجةٍ عبد الله بن عمر
صفية بنت أبى عُبَيْد. فقال: ((ابْعَثُوا به إِلى مَنْ هو أحق به منها، إلى أُمّ عُمارة نُسَيْبة
بنتِ كعب ، فإنّى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما التفَتُّ بَمِينًا ولا شمالاً
يوم أُحد إلا رأيتُها تقاتل دُونِى)).
وانحاز صلى الله عليه وسلم إلى الجبل لينظرَ أَمرَ الناس ، وليعرفَه أصحابُه ، فيقصدوه ،
فأَدركه المشركون يريدون ما الله تَعالَى حائلٌ بينه وبينهم، فَدَثِّه (٣) جماعة بالحجارة حتى
وقع لشِقُه .
وروى النَّسائيّ(٤) والبيهقىّ بسندٍ جيّد عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال:
انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وبقِى معه أَحدَ عَشَر رجلا من
الأَنصار، وطلحةُ بن عُبَيْد الله ، وهو يصعد فى الجبل ، فلحقهم المشركون ، فقال ،
ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كما أنتَ يا طلحة ، فقال رجل من الأنصار : فأَنا يا رسول الله . فقائل عنه ، وصعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ بقى معه، ثم قُتل الأنصارىّ ، فلحقوه فقال : أَلا رجل
لهؤلاء ؟ فقال طلحةُ مِثِلَ قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَ قولِه ، فقال
(١) الواقدى ٢٦٨/١: ((زوجها غزية بن عمرو)).
(٢) ت: ((حمزة بن سعيد)) تحريف. والمثبت من سائر النسخ، والواقدى ٢٣٥/١
(٣): القاموس (دث"): ((الدث: الرمى القريب)).
(٤) البداية والنهاية ٢٦/٤ والنسائى ٢٩/٦
- ٢٩٩ -

رجل من الأنصار: فأَنا يارسول الله ، فقاتل وأصحابه يصعَدون فى الجبل ، ثم قُتِل
الأَنصارىُّ ، فلحقوه ، فلم يزل يقول مثلُ قولِهِ الأَول ، ويقول طلحةُ : أَنا يا رسول الله
فَيَحْيِسُهُ(١)، ويستأذنه رجلٌ من الأَنصار للقتال ، فيأُذن له ، فيقاتل مثل من كان قبله
حتى لم يبقَ معه إلا طلحة، فغشوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ لهؤلاء يا طلحة؟
فقال: أَنا ، فقاتل مِثْلَ قتال جميع مَنْ كان قبلَه، وأُصِيبَتْ أَنامِلُه، فقال : حِسّ،
فقال: لو قلتَ: بسْمِ الله لرفَعَتْكَ الملائكة، والناس ينظُرون إليك حتى تَلِجَ بك فى جَوّ
السماء.
وروى الإمام أحمد(٢)، ومسلم، عن أنس بن مالك رضى الله عنه: أنَّ المشركين لما
أرهقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى سبعة من الأنصار ورجل من قريش
قال : من يَرُدُّهم عنَّا وهو رفيقى فى الجنَّة ؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل ،
ثم رهقوه أيضاً ، فقال : من يردُّهم عنّا وله الجنة ؟ - أَو هو رفيقى فى الجنة ؟ - فتقدّم
رجل من الأنصار فقاتل ، حتى قُتِلَ السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أَنصفْنا
أصحابنا .
وروى البخارىّ(٣) عن قَيْس بن أبى حازم قال: رأيتُ يدَ طلحة بن عُبيد الله شَلاَّء:
وقَى بها النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد .
وروى الدَّارقُطِىُّ فى الأفراد، والطبرانىُّ عن طلحة . والنسائىُّ، والطبرانىُّ، والبيهقىُّ
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهم: أَنّ طلحة أصابه سَهْم فى أَنامله فقال: حِسّ . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلتَ بِسمِ الله لطارَتْ بك الملائكة والناس ينظرون حتى
تلج بك فى جوّ السماء، ولرأيتَ بناءك الذى بنى الله لك فى الجنَّة وأنتَ فى الدنيا.
وروى ابن أبى شَيْبَة والإمام أحمد(٤) عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: إن
النساء يوم أُحد كُنَّ خَلْف المسلمين يُجْهِزْن(٥) على جَرْحَى المشركين، فلو حلَفتُ يومئذ
(١) م ، ت: ((فيجيبه)) والمثبت من سائر الفسخ والبداية والنهاية ٢٦/٤
(٢) مسند الإمام احمد ٢٨٦/٣
(٣) البخارى ٣٣/٥ والبداية والنهاية ٢٦/٤: ((روى البخارى عن عبدالـله بن أبى شيبه، عن وكيع، عن اسماعيل، عن
فيس بن أبى حازم، قال: رأيت يد طلحة ... الخ)) .
(٤) مسند أحمد ٤٦٣/١
(٥) القاموس (جهز): ((أجهز: أثبت قتله وأسرعه وتم عليه)).
- ٣٠٠ -