Indexed OCR Text

Pages 21-40

أى زيد بن أرقم، والتقدير : فقلت : ما أول غزاة غزاها وأَنت معه ؟ قال: العُشَيرة ،
فهو يُحتمل أيضا ، ويكون ، قد خفى عليه ثنتان مما بعد ذلك ، أَو عَدَّ الغزوتين واحدة
كما سبق لموسى بن عقبة ، وكذا وقع لغيره، عدّ الطائف وحُنينًا واحدة لتقاربهما ،
فيجتمع(١) على هذا قَولُ زَيْد بن أَرقم وقولُ جابر: وتوسع ابن سعد فبلغ عدد المغازى
التى خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين ، وتبع فى ذلك شيخَه
محمدَ بنَ عُمَر ، وهو مطابق لما عَدَّه ابن إسحاق إلا أنه لم يفرد وادى القُرَى من خيبر ،
أشار إلى ذلك السُّهَيْلىّ. وكأَنَّ الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يُحمّل ما أخرجه
عبد الرزاق بإسناد صحيح ، عن سعيد بن المُسيِّب قال : غزا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أربعًا وعشرين، ورواه يعقوب بن سُفْيان عن سَلَمة بن شَبِيب،" عن عبد الرزاق
فزاد فيه أن سعيداً قال أولا: ثمانى عشرة ، ثم قال : أربعا وعشرين . قال الزهرىّ : فلا
أدرى أَوَهِم الشيخ أَو كان شيئًا سَمِعه. قال الحافظ رحمه الله: وحَملُه على ما ذكر
يرفع الوَهْم ويَجْمعُ الأقوال(٢).
الثالث : أولُ من صنَّف فى المغازى عُروةُ بنُ الزبير أحد أئمة النَّابعين ، ثم تلاه
تلميذاه : موسى بن عقبة ، ومحمد بن شهاب الزُّهرىّ .
قال الإمام مالكٌ رحمه الله : مَغازِى موسى بن عقبة أُصحّ المغازى . وقول السهيلىّ:
إن مغازى الزُّهرىّ أولُ ما صنّف فى الإِسلام ليس كذلك . وأَجمعُ الثلاثة ، وأشهرها
مغازى أبى بكر محمد بن إسحاق بن يسار (٣) المطّلبىّ مولاهم المدنىّ(٤) نزيل العراق رحمه
الله تعالى ، وقد تكلم فيه جماعة وأثنى عليه آخرون. والمُعْتَمَدُ أَنّه صَدوقٌ لا يُدَلِّس،
وإذا صرح بالتحديث فهو حسن الحديث .
(١) ط: ((فيحمل على هذا)).
(٢) صحيح البخارى ٢/٥ ط دار الطباعة: حدثنى عبد الله بن محمد، حدثنا وهب، حدثنا شعبة عن أبى إسحاق:
كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبى صلى الله عليه وسلم من غزوة؟ قال: تسع عشرة)). والنص
فى صحيح مسلم ١٠٥/٢ ط الحلبى.
(٣) م (( سيار)» تحريف .
(٤) ط: ((الرفى)» تحريف .
- ٢١ -

قال الإِمامُ الشافعىّ رحمه الله: من أراد أن يتبَخَّر (١) فى المغازى فهو عيال على ابن
إسحاق، وقد اعتمد عليه فى هذا الباب أَئمةٌ لا يُحْصَوْن ، ورواها عن جمع ، ويقع عند
بعضهم ما ليس عند بعض ، وقد اعتمد أبو محمد عبد الملك بنُ هشام رحمه الله على
رواية أبى محمد زياد بن عبد الله بن الطفيل العامرىّ البَكَّائِيّ ، بفتح الموحدة وتشديد
الكاف - وهو صدوق ثبت فى المغازى وفى حديثه عن غير ابن إسحاق(٢) لِين، فرواها
ابنُ هشام عنه وهَذِّبها ونقحها ، وزاد فيها زياداتٍ كثيرةً ، واعترض أَشياءِ سَلِم له
كثير منها ، بحيث نُسِبت السيرة إليه .
وقد اعتنى بكتاب ابن هشام أئمةٌ من العلماء ، فشرح الإمام الحافظٌ أَبو ذرّ الخشنىّ
رحمه الله غَرِيب لُغاتِه، وهو على اختصاره مفيد جدًّا، وشرح الإِمام أبو القاسم السُّهَيْلىّ
كثيرا من مُشكلها ، واختصره الحافظُ الذهبىّ وسماه بلبُل (٣) الرَّوض، وأجحف(٤) فى
اختصاره الشمس محمد بن أحمد بن موسى الكفيرىّ الدِّمَشْقِىّ والتَّقِىّ يحى بن شَيْخِ
الإِسلامُ الشّمْسِ الكِرْمانِىّ، وسماه كل منهما زهر الروض ، والعلامة الشيخ عز الدين
ابن جماعة، وسماه ( نُور الرَّوض)) والعلامة جمال الدين محمد بن مكرَّم صاحب ((لسان
العرب))، ورأيتُ لِبِعْضٍ المحققين من السادة الحَنَفِيَّة حواشِىَ مفيدة على هوامش نسخة
من الروض(٥) نكَّت(٦) عليه فيها كثيرًا، وعلَّق الحافظ علاءُ (٧) الدين مغلطاى رحمه
الله تعالى على الروض والسيرة كتابا فى مجلدين رأيته (٨) بخطه تَعقَّب فيه السهيلىُّ كثيرا
فى النَّقْل، وذكر شَرْح كَثِير من غَرِيب السيرة الذى أَخلَّ به، وهو شىء كثير، واختصره
العلامة المرجانىّ وسماه روائح الزهر . ولأبى أحمد محمد بن عايد - بالتحتية ، والذال
(١) ت، م: ((يتجر)» تحريف.
(٢) ت، م: ((أبى إسحاق)). تحريف
(٣) ت، م: ((بليل)).
(٤) م: ((أنجذ)» تحريف.
(٥) ط: ((على هوامش الروض)).
(٦) نكت فى قوله: أتى فيه بطرف ولظائف.
(٧) ط: ((علاى)) وهو تحريف.
(٨) م: ((رأيت)).
- ٢٢ -

المعجمة - القرشىّ الدمشقىّ الكاتب كتابٌ كبير فى ثلاثة مجلدات ، فيه فوائد ليست
فی کتاب ابن هشام . ولأبى عثمان سعید بن یحی بن سعید الأموى البغدادی کتاب جلیل
جمع فيه غالِبُ الروايات عن ابن إسحاق مع زوائد كثيرة ، ولأبى عبد الله محمد بن عُمَر
- ابن واقدر الأُسْلَمِیّ الواقِدِىّ رحمه الله تعالی کِتابُ کبیر فی المغازى أجاد فیه ، وهو وإن
وثّقه جماعة وتكلم فيه آخرون ، فالمعتمد أنه متروك ، ولا خلاف أنه كان من بُحور
العلم ومن سعة الحفظ بمكان ، وقد نقل عنه فى هذا الباب أئمة من العلماء ، منهم
الحافظان: أَبو نُعَيْم. الأصفهانىّ وأبو بكر البَيْهَقىّ رحمهما الله تعالى فى دلائلهما . ومن
المتأخرين الحافظ ابن كثير رحمه الله فى السيرة النبوية من تاريخه ، والحافظ رحمه
الله فى الفتح وغيره ، وشيخنا رحمه الله فى الخصائص الكبرى ، فاقتديتُ بهم ، ونقلت
عنه(١) ما لم أجده عندغيره. ثم رأيته ذكر فى غزوة الحُدَيبية عن المقداد بن الأسود
رضى الله عنه شيئا ، والمشهور أنَّ المِقْداد قاله فى غزوة بدر ، ولم أر أحدا من أصحاب المَغازى
التى وقفت عليها ذكره فى غزوة الحديبية فأَعرضت عن النقل عنه ، ثم بعد ذلك رأيت
أبا بكر بن أبى شيبة رواه فى المُصَنَّف(٢) من غير طريق الواقدىّ، عن عروة بن الزبير ،
فاستخرت: الله تعالى فى النقل عنه ، وذكر بعض فوائده فإنه كما قال الحافظ أبو بكر
الخطيب : مِمِّن انتهى إليه العِلْمُ بالمغازى فى زمانه ، وليس فى ذلك شىء يتعلق بالحلال
والحرام ، بل أخبار عن مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرايا أصحابه ترتاح لها
قلوب المحبين، وأَلَّف العُلماءُ فى هذا الباب كُتُبًا لا يُحصيها إلا الله تعالى سأذكر النقل
عما (٣) وقفت عليه النقل منها.
الرابع : قال الشيخ رحمه الله تعالى فى فتاويه الغالبُ على سيرة أبى الحسن البكرىّ
البُطلانُ والكذب ، ولا تجوز قراءتها . انتهى. قلت: والبكرىّ هذا اسمه أحمدُ بنُ
(١) م، ت: ((عنهم)).
(٢) الكلمة غير واضحة فى النسخ م ، ت ، ط
والمثبت من ص .
(٣) ت، م: ((من)). وفى ص: ((وسأذكر النقل من وقفت عليه منهم)).
٠
- ٢٣ -

عبد الله بن مُحَمّد . قال الحافظ أبو عَبْد الله الذّهبيّ فى كتابه الميزان، والحافظ
ابن حجر فى اللَّسان: إنه كَذَّب دجَّال، واضع القِصَص التى لم تكن قطّ، فما أجهله
وما أُقْلَّ حياءه، وما روى حرفا من العلم بسندٍ، ويُكرى(١) له فى سُوقِ الكُتْبِيِّين كتاب
انتقال (٢) الأنوار، ورأْس الغُول، وسِرُّ الدّهْرِ، وكِتَابُ كُلُنْدُجه، وحصن الدُّولَابِ،
وكتاب الحُصُونُ السبعة وصاحبها هضام(٣) بن الحَجّاف(٤) وحروب الإِمام علىّ معه .
ومن مشاهير كتبه : الذِّرْوَة فى السيرة النبوية ، ما ساق غزوة منها على وَجْهها، بل كل
ما يذكره لا يخلو من بطلان ، إما أَصْلًا، وإما زيادة. انتهى.
وقال الذهبيّ فى ( المغنى: البكْرِىّ(٥) هذا لا يوثق بنقله وهو مجهول الحال ،
والقلب يشهد بأنه كذاب ؛ لإتيانه بتلك البلايا الواضحة التى لا تروج على صغار الطلبة .
الخامس : المغازى جمع مَغْزَى ، والمَغْزى يصلح أن يكون مصدرًا ؛ فقول : غزا يغزو
غزوا ومغْزَى ، ومغزاة، ويصلح أن يكون موضع الغزو . وكونه مصدرا مُتَعَيِّن .
هنا . والغَرْوة مَرَّةٌ من الغَزْوِ وتجمع على غزوات .
وقال ابن سيده رحمه الله تعالى فى المحكم: غزا الشىءَ غَزْوًا إِذا أَراده وطلبه . والغزو:
السَّرُ إلى القتال مع العدو . وعن ثعلب رحمه الله : الغَرْوةُ المرّة ، والغزاة : عمل سنّة .
وقال الجَوهرىّ رحمه الله : غزوتُ العدوّ غَزْوًا والاسم الغَزَاءُ، ورجل غَازٍ والجمع غُزاةٌ ،
مثل قاضٍ وقُضاة، وغُوَّى مثل سَابِقٍ وسُبَّق. وغَزِىّ مثل حَاجٌ وحَجيج، وقَاطِن وقَطِينُ
وغُزَّاء مثل فاسِق وفُسَّاق. وأَغزيت فلانا: جَهِّزْتُه للغزو، وأَصل الغزو القَصْد، ومَغْرَى
الكلام : مقصِدُه. اهـ.
والمُرادُ بالمَغازى هنا ما وقع من قَصْدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم بنَفْسِهِ ، أَو بجيْش
من قِبَله، وقَصْدُهم أَعُمُّ من أن يكون إلى بلادهم ، أَو إلى الأماكن التى حلُّوها ، حتى
دخَل ، مثل أُحُد والخَنْدق .
(١) ميزان الاعتدال ١١٢/١ ( الحلبى: ((ويقرأ له)).
(٢) ميزان الاعتدال ١١٢/١ ط الحلبى: («ضياء الأنوار)).
(٢) ط: ((هصام)» بالصاد المهملة.
(٤) ت: ((الجعاف)).
(٥) ط: ((فى المعنى البكرى)). وفى م، ت: ((المنى الكبرى)» تحريف.
- ٢٤ -

الباب الثالث
فى غزوة الأبواء وهى وَدَّات
قال أبو عمرو : أَقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة باقى ربيع الأول ، الشهر
الذى قَدِم فيه ، وباقى العام كله إلى صفر ، من سنة اثنتين من الهجرة ، ثم خرج
غازيا فى صفر، وحمل لواءه حمزةُ بنُ عبد المطلب، وكان لواء أبيض ، واستعمل على
المدينة فيما قال أبو سَعْد وأَبو عمر: سَعْدَ بنَ عُبادة، وخرج بالمُهاجرين ليس مِنهم
أَنصارىّ يعترض عِيراً لقريش فلم يلق كيدا ، ووادَعَ بنى ضمرة بن عبد مناة
ابن كنانة وعقد ذلك معه سيدهم .
قال ابن إسحاق وابن سعد وأبو عَمْرو: جَمَع مَخْشِىٌّ بن عمرو الضَّمرىّ ، وقال ابن
الكلبىّ : عمارة بنٌ مخْشِىّ بن خُوَيْلد بن عبد فَهْم بن يعْمُر بن عوف بن جُدىً
ابن ضمرة ، كذا ذكر الأَمِير أبو نصر فى جُدَىّ - بضَمِّ الحِيم وفتح الدال ـ وكذا
قال ابنُ حزم فى الجَمْهرة إنه عمارة ابن مخشىّ ، فالله أعلم - ووادعهم على أَلا يغزوا
بنى ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثروا عليه جَمْعًا ولا يعينوا عليه عدوًّا، وكتب بينه
وبينهم كتاباً نسخته :
((بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبنى ضَمْرة بأَنهم آمنون
على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النُّصْرة ء منْ رَامهم إلاَّ أَن يحاربوا فى دين الله ما بلَّ
بِخْرٌ صُوفَةً . وأَن النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم لنصره أجابوه ، عليهم بذلك ذمة
الله وذمة رسوله، ولهم النصر على من برِّ منهم واتِّقى)). ثم انصرف رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة، وكانت غَيبتُه خمس عشرة ليلة وهى أُول غزاة غزاها رسول
الله صلى الله عليه وسلم بنَفْسه الكريمة .
- ٢٥ -

تنبيه فی بیان غریب ما سبق :
الأبواء - بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمدّــ: قرية بين مگّة والمدینة ، قبل سميت
بذلك لما فيها من الوباء ولو كان كما ذكر لكانت الأَوباء ، أو يكون مقلوبا منه ،
والصحيح أنها سُمِّيت بذلك لتبوئ السيول بها ، قاله ثابت (١) بن قاسم .
وَدّان - بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وفى آخره نون - وهى قرية جامعة من
عمل الفُرْعِ .
وادعته : صالحته .
مَحْشِىّ - بفتح الميمِ وإسكان الحاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة كيا،
النَّسب - لم أَر مَنْ ذكرله إسلاما.
لم يلق كيدًا : أَى حربا .
ما بَلِّ بَخْرُ صُوفة ، أَى ما دام فى البحر ما يبلُّ الصُّوفَة .
زِمَّة الله - بكسر الذال المعجمة - أمانة .
(١) معجم ياقوت ٩٩/١: ((ثابت بن أبى ثابت اللغوى)).
- ٢٦ -
٠٫٠٥

الباب الرابع
فى غزوة تبواط
خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رَبيع الأُولِ على رأس ثلاثةَ عشر
شَهْرا من مُهاجَره - قاله ابنُ سَعْد وغيره، وقال أَبو عمرو وابنُ حَزْم : فى ربيع الآخر -
فى مائتين من المهاجرين، وحمل لِوَاءَه - وكان أبيض - سعد بن أبى وقاص ، واستخلف
على المدينة - قال ابن سعد - سعدَ بن معاذ: وقال ابنُ هشام، وأَبُو عمرو : السَّائِبَ بنَ
عثمان بن مظعون ، وتابعهما على ذلك فى العيون والإِشارة والمورد، يعترض عِيرًا لقريش
وكان فيها أُميةُ بنُ خَلَف ومائة رَجُل من قُريش وألفان وخمسمائة بعير ، فبلغ بُواطًا ،
ولم يلق كَيْدًا، فَرَجع إلى المدينة
يُواط - بضم الموحدة وفَتْحها وتَخْفِيف الواو وبالطاء المهملة - : جبل من جبال جُهينة
من ناحية رضوى - بفتح الراء وسكون الصاد المعجمة - جبل بينْبُعَ، بينه وبين المدينة
أربعةُ بُرُد .
تنبيه : قال فى الروض : ذكر ابنُ هشام استخْلافَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
على المدينة السائِبَ بن مظعون، وهو أَخو عثمان بن مَظْعُون بن حبيب ، ثم قال : وأما
السائِب بن عثمان وهو ابن أخى هذا فشهِد بدرًا .. إلخ. فاقتضى كلامه أن المستخلّف
السَّئب بن مظعون لا السائب بنُ عثمان بن مظعون، وفيه نظر ، لأَن الموجود فى نسخة
السّيرة: السائبُ بنُ عثمان بن مظعون الصَّحابىّ .
- ٢٧ -

الباب الخامس
فى غزوة سَفَوان .. وهیبَدرُ الأولی
٠٠٠
قال ابنُ إسحاق : لم يُقِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قَدِم من غزوة
الْعُشَيْرَةِ إِلا لَيالىَ قلائل (١) لا تبلُغ العشرة. وقال ابنُ حزْم : بعدها بعشرة أيام خرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم فى رَبِيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا .. من مُهاجَرِهِ ،
فى إثرْ كُرْزبن جَابر الفِهْرِىّ؛لإغارته على سَرْح المدينة، وكان يرعى بالجَماء(٢) ونواحيها،
وحمل لواءه صلى الله عليه وسلم علىّ بن أبى طالب رَضِى الله عنه ، وكان أبيضَ ، واستخلف
على المدينة زيدَ بنَ حارِئة ، فطلب صلى الله عليه وسلم كُرْزًا حتى بلغ سفوان من ناحية
بذر ، فلم يُدركه ، فرجع ولم يَلْقَ كيدًا .
تنبيهان :
الأول: ذكر ابنُ سعد: وزرّ بن حُبَيْش وغيرهما هذه الغزوة قبل العُشَيْرة ، وذكرها
ابن إسحاق بعدها .
الثانى: كُرز - بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاى - كان من رؤساء المشركين
قبل أن يسلم ، ثم أسلم بعد ذلك واستشهد فى غزوة الفتح .
الفِهْرىّ بكسر الفاء .
سفَوان - بفتح السين المهملة والفاء وفى آخر نون - : وادٍ معروف .
٦
السَّرْح - بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات -: الإبل والمواشى التى تسرح
للرّعى بالغداة .
الجمِّاء - بجيم مفتوحة فَمِيم مشدّدة فألف تأنيث - : موضع بالمدينة
(١) ط: ((قليلة)).
(٢) م: ((بالحمل))، ت: ((بالحمى)) وكلاهما تحريف.
- ٢٨ -
١٠

الباب السادس
فى بيان غزوة العُشَيْرَة
خرج إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ابن سعد فى جُمَادَى الآخرة على رأس
سِتَّة عشر شَهْرا مَن مُهاجَره .
وقال ابن إسحاق وابنُ حزم وغيرهما : فى جُمادى الأُولى، وحَمَل لواءه - وكان
أبيض - حمزةُ بنُ عبد المطلب رضى الله عنه ، واستخلف على المدينة أَبا سَلَمة بنَ
عَبْدٍ الأَسد ، وخرج فى مائة وخمسين ، ويقال فى مائتين، مِمِّن انْتَدَب، ولم يُكْرِ،
أحداً على الخروج . وخرجوا فى ثلاثين بعيراً يَعْتَقِبُونها ، يعترض عِيرًا لقريش ، وكان
قد جاءه الخَبرِ بفُصولِ العِير من مكة تريد الشَّامَ ، وقد جمعت قريشٌ أَموالَها فى تلك
العِيرِ فبلغ العُشَيْرةَ ببطن يَنْبُع، فوجد العِير قد مَضَبَتْ قبل ذلك بأيام ، وهى العِيرُ
التى خرج إليها حين رجعت من الشام ، وكان سَبَبُها وَقْعَة بدر الكبرى .
قال أبو عمرو: أَخذ صلى الله عليه وسلم على طريق مَلَلَ (١) إِلى العُشَيْرة، فأَقام هناك
بَقِيَّة جُمَادَى الأُولى ولياليَ من جمادى الآخرة ، ووادع فيها بَنى مُدْلِج وحلفاءهم ، من
بنى ضَمْرَةَ(٢)، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، قالوا: وفيها كنى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عليًّا أَبَا تُرَاب ، ويأتى الكلام على ذلك مَبْسوطًا فى الحوادث.
العُشَيْرَة : بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وسكون التحتية وبالهاء ، ويقال
العسيرة بإهمال السين ، وذات العُشَيْرة والعُشَيْر، وهو مَوْضع ببطْن ينْبُع، وهو منزل.
الحاجّ المصرىّ .
(١) ملل كجبل: اسم موضع فى طريق مكة بين الحرمين ((معجم ياقوت)) ٦٣٧/٤.
(٢) ت: ووادع فيها بين مدلج وحلفائهم من بنى ضمرة.
- ٢٩ -

الباب السابع
فى بيان غزوة بدر الكبرى
ويقال لها : العُظْمى، وبدّْر القتال، ويوم الفُرْقَان، كما رواه ابنُ جرير وابن
المُنْذِيرِ، وصَحِّحَه الحاكمُ عن ابنٍ عباس ، قال: لأَّن الله تعالى فَرِّق فيه بين الحقِّ
والباطل . وهى الوقعة العظيمة التى أَعزَّ الله تبارك وتعالى بها الإِسلام ، ودفع الكفر
وأُهلَه ؛ وجَمَعت الآياتِ الكثيرة والبراهينَ الشهيرة ، وليحقق الله تعالى ما وعدهم من
إحدى الطائفتين ، وما أَخبرهم به من مَيْلِهم إلى العِير دون الجيش ، ومَجى المطر عند
الالتقاء ، وكان للمسلمين نِعمة وقوة، وعلى الكفار بلاءُ ونِقْمة. وإمداد الله تعالى المؤمنين
بجُنْد من السماء حتى سَيِعُوا أصواتهم حين قالوا: أَقدِمْ حيزوم، ورَأَوا الرُوس تتساقط
من الكواهل من غير قطع ولا ضرب ، وأَثَرَ السِّياط فى أبى جهل وغَيْره، ورمى رسول الله
صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصا والتَّراب حتى عَمَّت رَمْيَتُه الجميع ، وتقليل
المشركين فى أعين المسلمين ، ليزيل عنهم الخوف ، ويشجعهم على القتال ، وإشارة
المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى مصارع(١) المشركين بقوله : هذا مصرع فلان ، هذا
مصرع فلان ، فرأى المسلمون ذلك على ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم وذكره ، وقوله
لعقبة بن أبي معيط : إن وجدتُك خارج جِبال مكة قَتلْتُك صَبْرًا ، فحقق الله تعالى
ذلك ، وإخبارعمه العباس بما(٢) استودع أم الفضل من الذهب، فزّالَت شبهةُ العباس
فى صدقه وحقيقة نبوته ، فازداد بصيرة ويقينًا فى أمره ، وتحقيق الله تبارك وتعالى
وعدَه للمؤمنين، إذ يقول: ﴿ إن يعلم اللهُ فى قُلوبكم خيرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا تَّمَا أُخِذَ مِنْكَم﴾(٢)
(١) ط: ((فى مصارع)).
(٢) م: (عما استودع)).
(٣) سورة الأنفال: الآية ٧٠
- ٣٠ -

فَأَعلى العبّاس بدل عشرين أوقية عِشْرين غلاما يَتَّجرون بماله . وإطلاع الله تعالى رسولَه
على اثتمار عُمير بن وهب وصفْوان بن أمية بمكة على قَتْلِهِ صلى الله عليه وسلم ، فعصمه
الله تعالى من ذلك وجَّعَله سبًا لإِسلام عُمَيْر بن وهب ، وعاد إلى مكة داعيًا إلى الإِسلام.
إلى غير ذلك من الآيات والمعجزات التى أعطاها الله تعالى لرسوله صَلَّى الله عليه وسلم ،
وأَراها مَنْ معه من المؤمنين فزادتهم بَصيرة ويقينًا .
ورَدّ عَيْنَ قتادة بعد ما سالت عن خدّه ، والصحيح أن ذلك كان فى وقعة أُحد . وكانت
غزوة بدر أكرمَ المَشاهِد .
والسبب فى خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إليها أنه سمع أن أبا سفيان بن حرب
مُقبِل من الشام فى ألف بَعير لقريش ، فيها أموال عِظام، ولم يبق بمكة قُرَشِىّ ولا قُرَشِيَّة
له مثقال فصاعدًا إلا بعث به فى العِير، فيقال: إن فيها خمسين ألفَ دِينار، ويقال أَقَلّ.
وفيها سبعون رجلا كما ذكر ابن عقبة وابن عائذ . وقال ابن إسحاق : ثلاثون أَو أربعون،
منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص ، وأسلما بعد ذلك ، وهى التى خرج لها حتى
بَلَغَ العُشَيرة فوجدها قد مضت . وندب المسلمين للخروج معه وقال : هذه عِيرُ قريش فيها
أموالُهم فاخرجُوا ؛ لعل الله تعالى أَن يُغْنِمَكُمُوها، فانتدب الناسَ، فخفَّ بَعْضٌ، وثَقُل
بعض، وتخلف عنه بَشَر كثير ، وكان مَنْ تخلف لم يُلَم ؛ وذلك أنهم لم يظُنُّوا أَن رسول الله
صلى الله عليه وسلم يلقَى حَرْبًا ، ولم يحتَفِل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفالاً بليغاً ،
فقال : من كان ظَهْرُه حاضرًاً فليركَبْ معنا. فجعل رجالٌ يستَأْذِنونه فى ◌ُهُورِهِم فى عُلوّ
المدينة ، قال : لا ، إلا من كان ظَهْرُه حاضِرًا ، وحمل سعدُ بنُ عُبادة رضى الله عنه على
عشْرِين جَمَلًا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خُرُوجه من المدينة بعشر ليال
طلحةَ بن عُبَيد الله وسعيدَ بنَ زيد إلى طريق الشام، يتحسَّسَان خبر العِير ، فبلَغا أَرضَ
الخُوار - بضم الخاء المعجمة وفتح الواو المخففة وبالراء - فنزلا على كُثَيِّر بن مالك
الجهنىّ رضى الله عنه فأَجارهما، وأنزلهما وكتم عليهما (١) حتى مرّت العِيرُ ، ثم خرجا ،
وخرج معهما كُثَيِّر خفيراً، حتى أوردهما ذا المَرْوة، فقَدِما لُيُخيِرا رسول الله صلى الله عليه
.
(١) ت، م: ((وأنزلهما عليهما وكتم حتى مرت المير)).
- ٣١ -

وسلم فوجداه قد خرج . ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْبُعُ أَقْطَعها لكُثَيِّر، فقال :
يا رسول الله، إنّ كَبِيرٌ ولكن اقطعها لابن أَخی؛ فأَقطعه إياها ، فابتاعها منه عبد الرحمن
ابن سَعْد (١) بن زرارة . رواه عمر بن شَبَّة .
وأدرك أبا سفيان رجل من جُذَام(٢) بالزَّرْقَاء من ناحية معان ، فأخبره أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد كان عرض لِعيره فى بدايته ، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العِير ، وقد
خالف عليهم أهل الطريق ووادعَهم ، فخرج أبو سفيان ومن معه خائفين للرِّصّد . ولما دنا
أبو سفيان من الحجاز جعل يتحسِّس الأخبار، ويسأَل مَنْ لَقِىَ من الركبانِ تخوفاً على أَمٍ
الناس ، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان : أن محمداً قد استَنْفَر لك ولِعيرك(٣)،
فحذر عند ذلك واستأجر ضَمْضَم(٤) بن عَمْرو الغِفارىّ بعشرين مِثْقَالا، فبعثه إلى مكة ،
وأمره أن يجدع بعيره ، ويحول رحله ، ويَشُقَّ قميصه من قُبُله ومن دُبرُه إذا دخل مكة ،
ويأتى قُرَيْئًا ، ويستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد عرض لها
فى أصحابه، فخرج ضَمْضَم سَرِيعًا إلى مكة ، وفعل ما أمره به أَبو سفيان .
ذكر منام معاتكة بنت عبد المطلب
روى ابن إسحاق والحاكم والبيهقىّ من طريق عكرمة ، عن ابن عباس ومُوسى بن عُقبة ،
وابن إسحاق عن عُروة ، والبَيْهَىّ ، عن ابن شِهاب ، قالوا : رأَتْ عاتكة بنتُ عبد المطلب
فيما يَرَى النائم - قبل مقدم ضَمْضم على قَريش بثلاث ليالٍ - رُؤْيا، فأَصبحت عاتكة
فأَعظمتْها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له : يا أَخى ، لقد رأيتُ
الليلة رؤيا أَفظعتنى، ليدخلنَّ على قومك منها شَرُّ وبلاء ! فقال : وما هى ؟ قالت : لن
أُحدِّثك حتى تُعاهدنى أَنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأَسْمَعُونا مالا نُحِبّ ،
(١) ط: ((عبد الرحمن بن أسعد)).
(٢) ط: ((حدام)» بالحاء المهملة.
(٣) ط: ((قد استقر لك ولغيرك)). م: ((قد استقر لك ولغيرك)).
(٤) م: ((عمر)».
- ٣٢ -

١٫٠٠
فعاهدها العَبَّاس ، فقالت : رأيتُ أَن رجلًا أَقبل على بَعِير فوق الأَبْطَح ، فصاح بأَعلى
صوته : انْفِرُوا يا آل غُدَر؛ لمصارعُكم فى ثلاث، وصاح ثلاث صَيْحات فأَرى الناس
اجتمعوا إليه ، ثم إن بعيره دخل به المسجد ، واجتمع إليه الناس ، ثم مثَل به بيِيرُه
فإذا هو على رأس الكعبة، فصاح ثلاثَ صَيْحات فقال: انفروا يا آل غُدَر؛ لمصارِعُكم
فى ثلاث، ثم أَرى بعيرَه مثَل به على رأس أبى قُبيْس فقال: انفروا يا آل غُدر؛ لمصارعكم
فى ثلاث ، ثم أخذ صخرة عظيمة ، فنزعها من أصلها فأَرسلها من رأس الجبل ، فأَقبلت
الصخرة تَهْوِى لها حِسّ شديد، حتى إذا كانت فى أسفل الجبل ارْتَضَّتْ فما بقيت دارٌ
من ذُور قومك ولا بَيَتُ إلا دخل فيه فِلْقَةٍ(١) ، فقال العَبَّاس: والله إن هذه لرؤيا فاكتميها.
قالت : وأَنت فاكتمها ؛ لَئِنِ بلغت هذه قُريْشًا ليُؤْذوننا ، فخرج العباس من عندها فلقى
الوليد بنَ عُتبة فتحدث بها ، وفَشَا الحَدِيثُ بمكّة ، حتى تحدثتْ به قُرَيش فى أَنديتِها .
قال العَبَّاس : فغدوتُ لأُوفَ بالبيت وأَبو جهل فى رهط من قريش قُعودٌ يتحدثون
لِرؤيا عاتكة ، فلما رآنى قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأَّقبلْ إلينا ، فلما فرغتُ
أقبلتُ حتى جلست معهم ، فقال لى أبو جهل: يا بنى عبد المطلب: متى حدَّثَت فيكم هذه
النَّبِيَّة ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : رؤيا عاتكة . قلت : وما رأت ؟ قال : ما رضيتم يا بنى
عبد المطلب أَن يَتَنَبَّأَ رجالكم حتى تتنبّأُ نِساؤْكم. ولفظ ابن عقبة : أما رضِيتم بابَنِى
هاشم بكذب الرجال حتی جئتمونا بکذب النساء ، إنا کنا وإياكم كفرسیْ رِهان ، فاستبقنا
المجد منذ حين ، فلما تحاكت الرُّكَبُ قلتم : منانَيِىّ ، فما بقى إلا أن تقولوا: منا نَبِيَّة،
فما أعلم فى قريش أهل بيت أكذب امرأةً ولا رجلًا منكم - وآذاه أَشدَّ الأَذى - قد زعمت
عائكةُ فى رُؤياها أنه قال : انْفِروا فى ثلاث، فسنَتَربِّصُ بكم هذه الثلاث، فإن يكُ حقًّا
ما تَقُول فسيكون ، وإن تَمضِ الثَّلاثُ ولم يكن من ذلك شىء كتَبْنَا عليكم كتاباً أَنكم(٢)
أكذبُ أَهل بَيْت فى العَرَب .
(١) الواقدى ٢٩٨: ((فلذة)).
(٢) ط: ((ولم يكن كتبنا عليكم كتاباً أكذب أهل بيت فى العرب)).
- ٣٣ -
( ٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٤)

قال العَبَّاس: فوالله ما كان مِنِّى (١) إِليه كبير شىء، إلا أنّى جَحدتُ ذلك، وأنكرت
أن تكونَ عاتكةُ رَأَتْ شَيْئًا .
وعند ابن عقبة فى هذا الخبر أَنَّ العبّاس قال لأَّبِى جهل : هل أَنْت مُنْتَهٍ ؟ فإن
الكذب فيك وفى أهل بيتك، فقال(٢) مَنْ حضرها: ما كنتَ جَهُولًا يا أَبا الفَضل
ولا خَرِقًا ، وكذلك قال ابن عائذ، وزاد : فقال العباس: مهلاً يا مُصفِّرَ اسْتِهِ . ولقىَ العباس
من عاتكة أَذَّى شَدِيدا حين أَفْشَى حَدِيثها لهذا الفاسق
قال العَبّاس : فلما أَسيْتُ لم تبق امرأةٌ من بنى عبد المطلب إلا أَتَتْنى فقالت:
أَقْرَرتُم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ، ثم قد تناول نساء كم وأنت تستمع ،
ثم لم يكن عندك كبير شىء مِمّا سمعت ، قلت : قد والله فعلْت، ما كان منّى إليه
كَبِيرُ شىءٍ، وَأَيْمُ الله لأَتَعَرَّضَنَّ له، فإن عاد لِأَكْفِيكُنَّه (٣) قال: فَغَدْتُ (٤) فى
اليوم الثالث من رؤيا عائكة وأَنا حديد مُغْضَب، أَرَى أَنَّى قد فاتنى منه أمر أُحِبُ أَن
أُدركه منه ، قال : فدخلتُ المسجد فرأيتُه، فوالله إنى لأَمشى نحوه أَتعرَّضه ليعُودَ لِيَعْض
ما قال فأَقَع به ، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه حديدَ اللسان حديدَ النّظر ، قال :
إذ خرج نحو باب المسجد يَشْتَدّ قال : فقلتُ فى نفسى: ماله لعنه الله أَكلٌّ هذا فَرَقٌ(*)
من أَن أُشائمَه : قال : وإذا هو قد سَمِع ما لم أسمع؛ صوتَ ضَمْضَم بن عَمْرو الغِفارىّ
وهو يصرخ ببَطْن الوادى واقفًا على بعيره قد جَدِّع بَعِيرَه، وحَوَّل رَحْلَه ، وشقِّ قَميصه ،.
وهو يقول : يا معشر قريش يآآل لُوَّىّ بن غالب، اللَّطِيمَةَ اللَّطيمة، أَموالكُم مع أَبى
سفيان قد عَرض لها محمد فى أصحابه ، لا أرى [ أن ] تُدركُوها، الغَوثَ الغَوثَ، والله
ما أرى أن تدركوها ، فَفَزِعتْ قُريش أَشْدَّ الفزع، وأَشفقوا من رُؤيا عاتكة ، فشغله
ذلك عنى، وشَغَلَنى عنه ما جاء من الأَمْر . وقالت عاتكة :
-
(١) م: ((فوالله ما كان فى الله كبير شىء)).
(٢) ساقطة من ط .
(٣) ط: ((لأكفيكهن)).
(٤) ت، م: ((فعدت)).
(٥) ابن هشام ٢٦٠/٢: ((أكل هذا فرق من أن أشاتمه)).
- ٣٤ -
i

بتَصْدِيقها فَلَّ من القوم هاربُ
ألم تكن الرؤيا بحقّ وجاء كم
يُكذبنا بالصدق من هو كاذب
فقُلُم -ولم أُ كذب -: كذبتٍ، وإنما
فتجهز الناس سراعا وقالوا: أَيظُنُّ محمدٌ وأصحابُه أن تكون كَعِيرٍ ابن الحَضْرمىّ
أَى الآتى فى السّرايا - كلاّ والله ليعلمنّ غير (١) ذلك، فكانوا بين رجلين ؛ إما خارج
وإما باعثٍ مكانه رجلاً ، وكان جِهازُهم فى ثلاثة أيام ، ويقال: فى يومين ، وأَعانَ
قوِيُّهم ضَعِيفَهم وقال سُهَيْل بنُ عمرو، وزمعة بن الأسود ، وطُعَيْمَة بنُ عَدىّ ، وحنظلة.
ابن أبى سفيان يَحُضِّون الناس على الخُروج . وقال سهيل : يا آل غالب أَتاركون أنتم
محمدًا والصُّبِاةَ معه من شُبَّانِكِمْ، وأَهل يَغْرب(٢) يأخذون عِيرانكم وأموالكم ، مَن
أراد مالاً فهذا مَالٍ ومَنْ أَراد قوةً فهذه قُوَّى، فمدحه أُميّةُ بن أبى الصَّلت بأَبياتٍ ،
ومشى نَوفِلُ بنُ معاوية إلى أَهل القوة من قريش ، فكلمّهم فى بَذْل النفقة والحُمْلان لِمَن
خَرج ، فقال عبد الله بن أبى ربيعة : هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت ، وأخذ من
حُوَيْطب بن عبدِ العُزَّى مائتى دينار ، ويقال: ثلاثمائة دينار ، وقَوِى بها فى السلاح
والظهر، وحَمَل ◌ُعَيْمَةُ بن عَدِىّ على عِشْرِين بعيرا، وقوَّاهم وخَلَفهم فى أَهلهم بمعونة ،
ولم يتركوا(٣) كارها للخروج يظنون أنه فى صَفّ محمد وأصحابه ، ولا مسلما يعلمون
إسلامه ، ولا أحدا من بنى هاشم، إلا مَنْ لا يَتَّهِمون ، إلا أُشخصوه معهم ، وكان ممن
أَشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب ونوفلَ بن الحارث وطالِبَ بن أبى طالب وعَقِيلَ بن أَبی
طالب فى آخرين. وكان لا يتخلف أَحد من قريش إلا بَعَثَ مكانَه بعِيئًا، ومَشَوا إِلى
أَبِى لَهَب فأَّى أن يخرج أو يبعث أَحدًا. ويقال: إنه بعث مكانه العاصَ(٤) بنَ هِشام
ابنَ المغيرة - وأسلم بعد ذلك - وكان قدلِيطَ له(٥) بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ،
أَقْلَس بها، فأستأجره بها ، على أَن يَجْزِىَ عنه بعثه ، فخرج عنه وتحلف أبو لهب ؛
(١) م: ((عن ذلك)).
(٢) كذا فى المغازى الواقدى ٣٢/٢. وفى النسخ: ((والصباة من أهل يثرب)).
(٣) ط: ((ولم يتركوها للخروج)» تحريف.
(٤) ط، والبداية والنهاية ٢٥٨/٣: ((العامى بن هشام)).
(٥) ليط له بأربعة آلاف: لزمه دين ... (عن القاموس )
- ٣٥ -

منعه من الخروج رؤيا ماتكة فإنه كان يقول: رؤيا عاتكة كأَخْذٍ باليدٍ ، واستقْسَم
أمية بن خلف، وعُثْبة، وشَيْبة ، وزمعة بن الأسود ، وعمير بن وهب ، وحكيم بن
حزام ، وغيرهم ، عند هُبَل بالآمر والنَّاهى من الأَزْلام فخرج القِدِحُ النَّاهى عن الخروج ،
فَأَجمعوا المُقامَ حتى أزعجهم أبو جهل بن هشام. ولما أَجَمعَ أُميّةُ بنُ خَلَف القُعود
وكان شيخا جليلا جسيماً ثقيلاً . أتاه عقبة بن أبى مُعَيْط وهو جالس فى المسجد بين
ظَهرانَى قومه ، بِمِجْمَرة يحملها فيها نار ومِجْمَر حتى وضعها بين يديه ثم قال :
يا أَبا عَلِيّ اسْتَجِرْ: فإنما أنت من النِّساء، فقال: قَبِّحك الله وقَبِّح ما جئتَ به، ثم
تَجَهِّز وخَرَج مع الناس، وسَبّبُ تَثَبُّطِه ما سيأتى عند ذكر مقتله ..
ذكر تبدى إبليس لقريش فى صورة سراقة بن مالك
قال ابنُ إِسحاق وغَيرُه: ولمَّا فَرِغُوا من جَهازِهم، وأَجمعوا المَسِيرَ، وخَرجُوا على
الصَّعْبِ والدّلُول ، معهم القِيان واللُّغُوف، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عَبْد
مَناة بن كنانة من الدّماء ، فقالوا: إنا نخشى أَن يأْتونا من خَلْفِنا ، وكان ذلك يثنيهم
فتبدّى لهم عَدُوُّ الله إبليسُ لَعَنَه الله فى صورة سُراقةَ بنِ مالك بن جُعْثُم الكِنَانِىّ(١) ، وكان
من أشراف بنی کنانة فقال: أَنا جارٌ لکم من أَن تأثیکم کنانةُ من خلفكم بشىء تكرهونه.
فخرجوا سراعًا فى خَمْسِين وتسعمائة مقاتل ، وقيل: فى ألف ، ولم يتخلّف عنهم من أشرافهم
أَحَدٌ سِوَى أَبِ لَهَب، وحَشَدُوا فيمَنْ حولهم من قبائل العرب ، ولم يتخلّف عنهم أحد من
بطون قريش إلا بنِى عَدِىّ ، فلم يخرج معهم منهم أحد ، خرجوا من ديارهم كما قال
الله تبارك وتعالى: ﴿بَطَرًا ورِئاءَ النَّاس ويَصُدُّونَ عن سَبيل الله(٧) ) .
قال ابن عقبة وابن عائذ: وأَقبل المشركون، ومعهم إبليس يَعِدُهم أَنَّ بَنِى كِنانةَ وراءه
قد أقبلوا لنَصْرهمٍ، وَأَنَّه ﴿لَا غَلِبَ لَكُمْ اليَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌ لَكُمْ(٣)) ، فلم يزلحتى
(١) البداية والنهاية ٢٥٩/٣: سراقة بن مالك بن جعثم المدلحى.
(٢) سورة الأنفال : الآية ٤٧.
(٣) سورة الأنفال: الآية ٤٨.
- ٣٦ -
۔
:
.
:

أوردهم، ثم سلَّمهم. وفى ذلك يقول حَسّان بن ثابت رضى الله عنه من أَبْيات :
سِرْنا وساروا إلى بدرٍ لِحَيْنِهِمُ لو يَعْلَمون يَقِينَ العِلمِ ما سَارُوا
إِنَّ الخَبِيثَ لمِنْ والاه غَرَّارُ
دَلَّهُمُ بِغُرُورٍ ثم أَسلَمهُم
شَرّ الموارد فيه الخِزْىُ والعَارُ
وقال: إنى لكم جارٌ فأوردهم
من مُنْجِدين ومنهم فِرْقَةٌ غاروا(١)
ثم التقينا فوَلَّوْا عن سراتهم
قال فى الإمتاع: فلما نَزَلُوا بمَرِّ الظّهران نَحَر أَبُو جهل جَزُورًا(٢) فما بقى خِياءٌ من
أَخِبية العسكر إلا أصابَه من دمها، ورأَى ضَمْضَم بنُ عَمْرو أَن وادىَ مكةً يُسيل دَمًّا من
أسفله وأعلاه ، وكان مع المشركين ماتَتًا فَرَس يقودونها وست مائة درع ، ومعهم القِيانُ
يُضْربن بالدُّفوف ، ونحر لهم أول يوم خرجوا من مكة أبو جهل عشرَ جزائر، ثم نَحَر لهم
أميةُ بنُ خلف بعُسْفَان تسعًا ، ونحر لهم سُهَيْل بنُ عمرو بقُدَيْد عشْرًا - وأسلم بعد ذلك - .
ومالوا من قُديد إلى مياه نحو البحر ، فظلوا فيها وأقاموا بها ، فنَحر لهم يومئذ عتبة(٣) بن
ربيعة عَشْرًا، ثم أَصبحوا بالأَبْواء فنحر لهم مُنَبِّه ونُبيْه ابنا الحَجَّاجِ(٤) عشرًا، ثم أُكلوا من
أزوادهم فلما وصلوا إلى الجُحْفَةِ عشاء نزلوا هناك .
ذكر رؤيا جھیم بن الصلت
روى البيهقىّ عن ابن شهاب وابن عقبة وعُرْوة بن الزُّبير قالوا : لما نزلتْ قريش
بالجُحْفَة كان فيهم رجل من بنى المطلب بن عبد مناف يقال له : جُهَيْم بن الصَّلْت بن
مَخْرَة - وأسلم بعد ذلك فى حُنَيْن - فوضع جُهَيْم رأْسَه فأَغفى، ثم فزع فقال لأصحابه :
هل رأيتم الفارسَ الذى وقف عَلَىَّ آنفًا ؟ قالوا : لا ، إِنك مجنون قال: قد وقف علىّ
فارس آنفًا، فقال: قُتِل أَبو جَهْل، وعُثْبة بنُ ربيعة، وشَيبةُ، وزَمْعة، وأَبو البَخْتَرى
(١) ابن هشام ٣١٠/٢ والبداية والنهاية ٢٩٥/٣ من قصيدة عدتها عشرة أبيات ولم ترد فى ديوانه ط الرحمانية.
(٢) الإمتاع ٦٧/١، ٦٨: ((نحر أبو جهل جزراً)).
(٣) البداية والنهاية ٢٦٠/٣: ((فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعاً)).
(٤) ت، م: نية وبنية أبناء الحاج. تحريف، والتصويب من الإمتاع ٦٨/١
- ٣٧ -

وأُميّةُ بن خلف، وعَدَّد رجالا مِمَنْ قُتِلَ يوم بدر من أشراف قريش ، ثم رأيتُه ضرب
فى لَيَّةِ بعيره، ثم أرسلَه فى العسكر، فما بقى خباءٌ من أَخبية العسكر إلا أَصابه نَضْحٌ
من دمه ، فقال له أصحابُه : إنما لعب بك الشيطان، ورُفع الحديثُ إلى أَبى جهل فقال :
قد جئتم بكذب بَنِی المطّلب مع گَذِب بَنِی ھائِم.
ذكرخروج رسول الله صلى اللهعليه وسلم
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة فى رمضان . قال ابن سعد : يوم السبت
لاثنتى عشرة ليلة خَلَت ، وقال ابن هشام ؛ لِيمان ليالٍ خَلَوْنَ من شهر رمضان ، وضرب
عسكره ببثر أبى عِنَبة - بكسر العين وفتح النون بلفظ اسم المأكول - وهى على مِيلٍ من
المدينة. فَعَرض أصحابَه ، وَرَدّ من اسْتَصْغَر منهم، فرَدَّ عبد الله بن عمر ، وأُسامة بن زيد ،
ورافعَ بن خَدِيج ، والبراء بن عازب، وأُسَيْد بنَ حُضَير ، وزَيد بنَ أَرقم ، وزيد بن ثابت ،
وعُمْيْرِ بن أبى وقّاص ، فقال : ارجعْ، فبكى فأَجازه، فقُتِّل ببدر وهو ابن سِتَّ عَشْرَةَ
سنة ، وأمر أصحابه أَن يستقوا من بئر السُّقْيا، وشرب من مائها، وصلَّى عند بيوت السُّقْبًا،
ودعا يومئذٍ للمدينة فقال : اللهم إن إبراهيم عبدُك وخَليلُك ونَبيُّك دَعاك لأَهل مكة ،
وإنّى محمدٌ عبدُك ونبيُّك أدعوكِ لأَهل المدينة، أَن تُباركَ لهم فى صَاعِهم ومُدِهِم وثِمَارِهِم،
اللهم حُبِّبْ إلينا المدينة ، واجعل مابها من الوباء بِخُمُّ ، اللهم إنى حَرَّمتُ مابين لابَتَيْها كما
حَرّم إبراهيمُ خَلِيلُك مكة .
وكان خُبَيْب بن إِساف(١)ذا بَأْس ونجدة ولم يكن أسلم، ولكنه خرج مُنجِدًا لقومه
من الخزرج طالبًا للغنيمة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لايَصْحَبُنا إلا مَنْ كان
على ديننا فأسلم وأَبلَى بلاءً حسنًا ، وراح عشيّةَ الأَحد من بُيوتِ السَّقْيا. وقال صلى الله عليه
وسلم حين فَصَل منها: اللهم إنهم حُفاةً فاحْيِلْهم، وعُراةً فاكْسُهم، وجِياعٌ فَأَشْبِعِهِم، وعالةٌ
فأَغْنِهِم من فَضْلِك .
(١) الواقدى ٣٦/١: ((خبيب بن يساف)) والمثبت من النسخ، وابن هشام ٣٤٩/٢.
- ٣٨ -
أ
:

قال ابنُ إسحاق: ودفع اللَّواء إلى مُصعب بنِ عُمَيْر، وكان أبيضَ، وبين يدى رسول الله.
صلى الله عليه وسلم رايتان سَوْدَاوان : إحداهما مع علىّ بن أبى طالب يقال لها : العُقاب، وكان
سِنْه إذ ذاك عشرين سنة ، وكانت الأُخرى مع بعض الأنصار .
وقال ابنُ سعْد : كان لِواءُ المهاجرين مع مُصْعَب بن عُمَير، ولِواءُ الخَزْرَجِ مع الحُبابِ
ابن المُنْذر ، ولِوالُ الأَّوسِ مع سَعْدِ بنِ معاذ ، وجزَم بذلك فى الهدى .
قال أبو الفتح : والمعروف أنَّ سعد بن مُعاذ کان يومئذ على حرس رسول الله صلى الله .
عليه وسلم فى العَرِيش، وأن لواءَ المهاجرين كان بيد عَلِيّ. قلت: العريش كان ببدر، والذى
ذكره ابن سعد : كان فى الطريق . واستخلف ابنَ أُمِّ مكتوم على الصلاة، ورَدِّ أَبا لُبابَة
من الرَّوْحاء واستخلفه على المدينة ، وكان عليه صلى الله عليه وسلم دِرْعُهُ ذَاتُ الفضول،
وتَوشّح بسيف أهداه له سعدُ بنُ عبادة يقال له : العَضْبُ ، وكانت إِبلُ أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم يومئذ سَبْعين بعيرًا فاعْتَقَبُوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعلىَّ وزيدُ بنُ حارثة - ويقال مَرْئد بن أبى مرثد - يَعْتَقبون بعيرًا، [وقيل](١ وكان حمزة بن عبد
المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأَنَسةُ مولى النبى صلى الله عليه وسلم على بعير(١)،
وكان أبو بكر وعمر وعبدُ الرحمن بن عوف يَعْتقبون بعيرًا ، ورفاعة وخلاد ابنا رافع بن
مالك بن العجلان وعُبيد بن يزيد بن عامر بن العجلان الأَنصاريُّون يعتقبون بعيرًاً ،
حتى إذا كانوا بالرَّوْحاء برك بَعِيرُهم وأَعيا ، فهَمَّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
يا رسول الله بَرك علينا بَكْرُنا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماءٍ فتمضمض وتوضّاً
فى إناء، ثم قال: افتحا فاه ففعلا فصَبَّه فى فيه، ثم على (٢) رأسِه وعُنقه، ثم على حارٍ كه
وسنامه، ثم على عجُزه ، ثم على ذَنَبه ثم قال : اركبا ، ومضى فلحقاه ، وإِن بَكْرَهم
لينفِر بهم حتى إذا كانوا بالمُصَلَّى فى المدينة ، وهم راجعون من بدر ، برك عليهم فنحره
خَلَّاد فَقَسم لحمه ، وتصدَّق به. رَوَاه البَزَّار والطَّبرانىّ.
(١-١) التكملة عن الواقدى ٢٤/١، ويقتضيها سياق الحديث، كما سيأتى فى الصفحة التالية.
(٢) ط: ((غسل)).
- ٣٩ - .

وروى الإمام أحمد وابنُ سعد عن ابن مَبْعود رضى الله عنه قال : كنا يوم بدر كُلُّ
ثلاثة على بعير، وكان أَبو لُبابَة وعلىّ زَمِيلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا
كانت عُقْبَةٍ(١) رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا: اركب يا رسول الله حتى نَمِشِىّ عنك،
فيقول : ما أَنتما بأقوى منى على المشى، وما أنا بأَغْنَى عن الأجر منكما. قال فى البداية
والعيون : وهذا قبل أَن يَرُدِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبا لُبابة من الرِّوْحاء. ثم كان
زميلاه علِيًّا وزيدًا .
وقال ابن عقبة وابن إسحاق والذهبيّ وابن القيِّم : كان زميلاه مَرْقَد بن أبى مرئد
الغنوىّ، وعَلِيًّا، وجعلوا زيدًا مع حمزة كما تقدم، وكان معهم فَرَسان: فَرَسُ لِلمقْداد
ابن الأسود يقال له : سَبْحة - بفتح السين المهملة وإسكان الموحدة وبالحاء المهملة ثم هاء
تأنيث - وقيل: يقال له بعْرجة - بموحدة مفتوحة فعين مهملة ساكنة فراء فجيم مَفْتُوحَتَين
فتاءُ تأنيث - والبعْرِجَةُ: شِدَّةٍ جَرْى الفرسَ، وَفَرُسُ الزُّبير بن العوام يُسمى: السَّيْل ويقال:
الْيَعْسُوب - بفتح المثناة التحتية فعَيْن ساكنة مهملة فسين مضمومة مهملة كذلك فواو ساكنة
فموحدة - ولابن سعد فى رواية عن يزيد بن رومان قال : كان معهم ثلاثة ، وزَاد فرسًا
المرغَد بنٍ أَبى مرتد الغَنَوِىّ ، يقال له : السَّيْل ، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المشاة - وهم فى الساقة - قَيْسَ بن أَبِى صَعْصَعَة - واسم أبى صعصعة عمرو بن زيد بن
عوف بن مبذول - وأمره حين فَصَلَ من بيوت السُّقْيا أَن يَعُدَّ المسلمين فوقف بهم عند بشر
أَب ◌ِنَبة فعدَّهم، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ثلاثمائة وثلاثةَ عشَر،
ففرح بذلك وقال : عدة أصحاب طالوت .
. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص وهم بتُرْبَان : ياسعد انظر إلى
الظبى ففوُّقْ له بسهم ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ذقنه بين منكبى سعد
وأُذنيه ، ثم قال: ارْمٍ ، اللهم سَدِّدْ رميتَه، فما أَخطأً سهمُ سعدٍ عن نَحْرِ الظبى، فتبدَّم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج سعد يعدو فأخذه وبه رَمَق ، فَذكَّه وحمَله ، فأَمر
به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقُسِّم بين أصحابه، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
(١) عقبة : نوبة .
- ٤٠ -
٢