Indexed OCR Text
Pages 481-500
وروى الإمام أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن أبى حاتم عن سلمان رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتَدْرى مايوم الجمعة؟ ) قلتُ: الله ورسوله أعلم . قالها ثلاث مَرَّات. قالْ فى الثالثة: ((هو اليوم الذى جمع فيه أَبوكم آدم)). الحديث ، وله شاهد عن أبى هريرة رضى الله عنه ، رواه ابن أبى حاتم بإسناد قوى ، والإِمام أحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف. قال الحَافِظ /: ((وهذا أَصَحّ . ويليه ما رواه عبد الرَّزَّاق عن ابن سيرين(١) بسند صحيح إِليه ٤ فى قصة تجميع الأَنصار، مع أسعد بن زُرَارَة . وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العَرُوبَة، صَلَّى بهم [فيه] وَذَكَّرهم فسَمَّوْهُ يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه)). وقيل (سُمِّىَ بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه)). وبهذا جَزَمَ ابنُ حَزْم فقال: إِنه اسم إِسلامى لم يكن فى الجاهلية وإِنما كان يُسَمَّى العَرُوبة. وفيه نَظَر ، فقد قال أهل اللغة (٢): إِن العَرُوبَة اسم قديم كان للجاهلية ، وقالوا : الجمعة هو يوم العَرُوبة. والظاهر أَنهم غَيَّروا الأَيام السَّبْعَة بعد أن كانت: أَوَّل وأَهْوَنِ وجُبَار ودُبَار ومُؤْنٍ وعَرُوبَة وشِيَارِ (٣). ٤٤٠ظ (١) أورد السهيلى (ج ١ ص ٢٧٠) هذا الحديث بإسناده فقال: ذكر الكشى وهو عبد بن حميد قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل أن تنزل الجمعة . وهم الذين سمو الجمعة . قال الأنصار : إن اليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام والنصارى مثل ذلك، فهلموا فلنجعل يوما نجتمع فيه ونذكر الله وتصلى ونشكر، أو كما قالوا . فقالوا يوم السبت لليهود ويوم الأحد النصارى، فاجعلوا يوم العروبة وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا. فذبح لهم أسعد شاة فتغدوا وتعشوا منها لقلتهم فأنزل الله عز وجل: ((إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله)) (سورة الجمعة آية ٩)، وفى رواية القرطبى لهذا الحديث ذكر تمامه: فهذه أول جمعة فى الإسلام ( تفسير القرطبي ج ١٨ ص ٩٨). (٢) قال الزبيدى فى التاج: وفى حديث الجمعة كانت تسمى عروبة وهو اسم قديم لها ، وكأنه ليس بعربى ، يقال يوم عروبة ويوم العروبة والأفصح ألا يدخلها الألف واللام . وعن بعض أئمة اللغة أن أل فى العروبة لازمة قال ابن النحاس لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام إلا شاذاً . قال معناه المبين المعظم من أعرب إذا بين ولم يزل يوم الجمعة معظما عند أهل كل ملة . وقيل العروبة اسم يوم الجمعة فى الجاهلية اتفاقا. واختلف فى أن كعب بن لؤى سماه الجمعة لاجتماع الناس إليه فيه ، وبه جزم الفراء وثعلب وغيرهما وصح، أو إنما سمى بعد الإسلام وصححه ابن حزم، وقيل أول من سماء الجمعة أهل المدينة لصلاتهم الجمعة قبل قدومه صلى الله عليه وسلم مع أسعد بن زرارة .. ونص السبيل فى الروض الأنف : أن كعب بن لؤى جد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من سماها الجمعة فكانت قريش تجتمع إليه فى هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم أنه من ولده ويأمرهم باتباعه والإيمان به وينشد فى هذا أبياتا منها : إذا قريش تبغى الخلق خذلانا يا ليتنى شاهد فجواء دعوته (٣) أورد القلقشندى فى صبح الأعشى (ج ٢ ص ٣٦١: ٣٦٥) ثلاث روايات فى أسماء أيام الأسبوع عند العرب نقتصر هنا على ذكراثنتين منها : الأولى ما نطقت به العرب المستعربة، والأصل فى ذلك ما روى عن ابن عباس أنه قال : إن الله عزوجل خلق يوماً واحداً فسماه الأحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين .. إلى يوم الخميس، ولا ذكر فى هذه الرواية = - ٤٨١ - (٣١ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ ؛ وقال الجوهرى: وكانت العرب تسمى يوم الاثنين ((أَهْوَن)) فى أسمائهم القديمة . فهذا يُشْعِرُ بأَن لها أَسماء وهى هذه المُتَعَارِفَة إلى آخرها الآن. وقيل إِن أَول من سَمَّى العَرُوبَة ((الجمعة ). كعب بن لُوَّىّ، فيحتاج من قال إنهم غَيَّروها إلى الجمعة ، فَأَبْقَوْها على تسمية العَرُوبَة إِلى نقل خاص . الثالث : تَقَدَّم أَن صلاة الجمعة صَلَّتْها الصحابة بالمدينة قبل قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ، فقيل ذلك بإذن من النبى صلى الله عليه وسلم لِمَا رواه الدارقطنى عن ابن عباس ، قال: أَذِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يجمع بمكة ولا [يبدى(١)] لهم، فكتب إِلى مُصْعَب بن عُمَيُر رضى الله عنه: = الجمعة والسبت، وقد ذكرهما الله تعالى فى كتابه العزيز قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة)). وقال جل وعز: ((إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا)) ( الأعراف آية ١٦٣) .. والجمعة ومعناها الجمع واختلف فى سبب تسميته بذلك فقال النحاس لاجتماع الخلق فيه . وهذا ظاهر فى أن الاسم كان بها قديما . وقيل لاجتماع الناس للصلاة فيه . ثم اختلف فقيل سميت بذلك فى الجاهلية، واحتج له بما حكاه أبو هلال العسكرى فى كتابه ((الأوائل)) أن أول من سمى الجمعة جمعة كعب بن لؤى جد النبى صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك أنه جمع قريشا وخطبهم ، فسميت جمعة، وكانوا لايعرفون قبل ذلك إلا العروبة . وقيل إنما سميت بذلك فى الإسلام ، وذلك أن الأنصار قالوا : إن اليهود يوما يجتمعون فيه بعد كل ستة أيام وللنصارى كذلك إلخ فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم فيه فأنزل الله تعالى سورة الجمعة ، على أن السهيلى قد قال فى الروض الأنف : إن يوم الجمعة كان يسمى بهذا الاسم قبل أن يصلى الأنصار الجمعة . أما الرواية الثانية ففيها ما يروى عن العرب العاربة وهو أنهم كانوا يسمون الأحد: أول، لأنه أول أعداد الأيام، ويسمون الاثنين: أهون، أخذاً من الهون والهوينى، وأوهد أيضا أخذاً من الوهدة وهى المكان المنخفض من الأرض لانخفاضه عن اليوم الأول فى العدد . ويسمون الثلاثاء : جباراً - بضم الجيم - لأنه جبر به العدد . ويسمون الأربعاء : دباراً - بضم الدال المهملة - لأنه دبر ما جبر به العدد بمعنى أنه جاء دبره ، ويسمون الخميس: مؤنسا لأنه يؤنس به لبركته . قال النحاس: ولم يزل ذلك أيضا فى الإسلام. وكان النبى صلى اللّه عليه وسلم يتبرك به ولا يسافر إلا فيه وقال: اللهم بارك لأمتى فى بكورها يوم خميسها. ويسمون الجمعة: العروبة. وفى لغة شاذة : عروبة بغير ألف ولا لام مع عدم الصرف ، ومعناه اليوم البين أخذا من قولهم : أعرب إذا أبان، والمراد أنه بين العظمة والشرف إذ لم يزل معظما عند أهل كل ملة ، وجاء الإسلام فزاده تعظيما . وقد ثبت فى صحيح مسلم من رواية أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه دخل الجنة وفيه أخرج منها . ويسمون السبت شيارا - بفتح الشين المعجمة وكسرها مع الياء المثناة التحتية - أخذاً من شرت الشىء إذا استخرجته وأظهرته من مكانه، وإما بمعنى أنه استخرج من الأيام التى وقع فيها الخلق على مذهب من يرى أنه آخر أيام الأسبوع، وأن ابتداء الخلق الأحد وانتهاءه الجمعة ، وإما بمعنى أنه ظهر أول أيام الجمعة على مذهب من يرى أنه أول الجمعة وكان ابتداء الخلق فيه ، وإلى هذه الأسماء يشير النابغة بقوله: لأوّلَ أَوْ لِأَهْوَنَ أو جُبَارٍ أؤمِّلُ أن أعيشَ وأن يَوْمِى فمؤنِس أو عَرُوبَةَ أَوْ شِيارِ أو التالى دُبار فإِن أَقُتْهُ (١) بياض بالأصول بنحو كلمة والتكلة من السهيلى. = ٤٨٢ - (( أَما بعد فانظر اليوم الذى تَجْهر فيه اليهود بالزبور لَسَبْتِهم ، فاجمعوا نساء كم وأبناء كم ، فإِذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة (١) فَتَقَرَّبُوا إِلى الله تعالى بركعتين. قال : فَأَوَّلُ من جَمَّعَ مُصْعَب بن عُمَيْرِ حتى قَدِمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، · فَجَمَّعَ عند الزوال من الظهر ، وأَظهر ذلك . وفى سنده أحمد بن محمد بن غالب الباهلى(٢)، وهو متهم بالوضع. قال فى الزهر: ((والمعروف فى هذا المتن الإِرسال ، رَوَيْنَاه فى كتاب الأَوائل لأَبى عروبة الحَرَّانى) قال: ((حَدَّثَنا هاشم بن القاسم حدثنا ابن وَهْب حدثنا ابن جُرَيْجِ عن سليمان بن موسى أن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب به )) . وقيل باجتهاد الصحابة ، روى عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال : جَمَّعَ أَهْلُ المدينة قبل أَن يَقْدَمَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن تنزل الجُمُعَة ، فقالت الأَنصار : إِن لليهود يوماً يُجَمِّعُونَ (٣) فيه كل سبعةُ أَيام، وللنصارى مثل ذلك فَهَلُمُّوا فلنجعل يوماً تُجَمِّعُ فيه فنذكر الله ونصلى ونشكر . فجعلوه يوم العَرُوبَة، واجتمعوا إِلى أَسعد بن زُرَارة، فصَلَّى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُّعَة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ(٤))) قال الحافظ: وهذا وإِن كان مُرْسَلاً فله (١) نسى المؤلف أن يذكر ما قيل فى ضبط كلمة الجمعة. وقد وردت بضم الميم فى الآية التاسعة من سورة الجمعة ، وقال القرطبى فى تفسيره ( ج ١٨ ص ٩٧ ): قرأ عبد الله بن الزبير والأعمش وغيرهما الجمعة بإسكان الميم على التخفيف وهما لغتان وجمعهما جمع وجمعات . قال الفراء : يقال الجمعة بسكون الميم والجمعة بضم الميم والجمعة بفتح الميم فيكون صفة اليوم أى تجمع الناس كما يقال ضحكة الذى يضحك . وقال ابن عباس نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرموها جمعة يعنى بضم الميم . وقال الفراء وأبو عبيد: والتخفيف أقيس وأحسن نحو غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر . وفتح الميم لغة بنى عقيل . وقيل إنها لغة النبى صلى الله عليه وسلم. وعن سلمان أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم. وقيل لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شىء فاجتمعت فيها المخلوقات. وقيل لتجتمع الجماعات فيها . وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة . (٢) هو أحمد بن محمد بن غالب الباهلى ويدعى غلام خليل. روى عن إسماعيل بن أبى أويس وشيبان وقرة بن حبيب وروت عنه طائفة . كان من كبار الزهاد فى بغداد ولكنه كان متهما بوضع الأحاديث . قال النهاوندى لغلام خليل : ما هذه الرقائق التى تحدث بها ؟ قال : وضعناها لنرقق بها قلوب العامة . وقال الدار قطنى متروك وقال ابن التمار قال: ما أظهر أبوداود السجستانى تكذيب أحد إلافى رجلين الكديمى وغلام خليل . هذا وقد توفى الباهلى فى سنة ٢٧٥ هـ انظر ترجمته فى تاريخ بغداد الخطيب ( ج ٥ ص ٧٨: ٨٠ رقم ٢٠٤٦٥) وميزان الاعتدال للذهبى ( ج ١ ص ١٤١ : ١٤٢ رقم ٥٥٧) (٣) فى ت وم يجمعون، وفى السهيلى يجتمعون، ونجتمع، وفى النهاية (جـ ١ ص ١٧٧): جمعت بالتشديد أي صليت . ومنه حديث معاذ أنه وجد أهل مكة يجمعون فى الججر أى يصلون صلاة الجمعة . (٤ ) سورة الجمعة آية ٩ - ٤٨٣ - شاهد بإِسناد حَسَن ، رواه أبو داود وابن ماجه، وصَحَّحَه ابنُ خُزَيْمَة وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: ((كان أول مَنْ صَلَّى بنا الجُمُعَةَ قبل مَقْدَم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة أَسعد بن زُرَارَة ))، الحديث وقد تَقَدَّم، فَمُرْسَل ابن سيرين يدل على أن أُولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة باجتهاد ، ولا يمنع ذلك أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم عَلِمَه بالوَحْى وهو بمكة ، فلم يتمكن من إقامتها كما فى حديث ابن عباس والمُرْسَل بعده ، ولذلك جَمَّع بهم أول ما قَدِمَ المدينة كما حكاه ابن إِسحق وغيره ، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بخَبَرَ نَبِىّ البيان والتوفيق . وقيل : الحكمة فى اختيارهم الجمعة وقوع خَلْق آدم فيه / ، والإِنسان إِنما خُلِقٍ للعبادة ، فناسب أن يشتغل بالعبادة فيه، وكان الله تعالى أَكمل فيه الموجودات وأَوجد فيه الإِنسان الذى يَنْتَفِعُ بها ، فناسب أَن يشكر الله على ذلك بالعبادة فيه ، ولهذا تَتِجَّة تأتى فى الخصائص إن شاء الله تعالى . ٤٤١و - ٤٨٤ - الباب الثانى فى بناء مَسْجدِهِ الأَعْظم وبعض ما وقع فى ذلك من الآيات تَقَدَّمَ أَن ناقته صلى الله عليه وسلم بَرَكَتْ عند باب مسجده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هذا المنزل إن شاء الله))، ثم أَخذ فى النزول، فقال: ((رَبِّ أَنْزِلْنى مُنْزَلاً مُبَاركاً وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ(١))). وكان مِرْبَدَاً لِيَتِيمَيْن هما: سَهْل وسُهَيْل ، قال يحيى ابن الحَسَن، والبلاذرى وغيرهما: ((ابنا رافع بن أبى عَمْرو بن عائذ بن ثعلبة بن غَنْم ابن مالك بن النَّجَّار ، وبذلك صَرَّح ابن حزم، وأَبو عُمَر ورَجَّحَه ، وكانا فى حِجْر أَسْعد ابن زُرَارة كما فى صحيح البُخَارى عند أكثر رواته . وفى الصحيح أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى بنى النَّجَّار بسبب موضع المسجد، فقال: ((يا بنى النَّجَّار، ثَامِنُونِى بحائطكم هذا)). فقالوا: ((والله لا نطلب ثمنه إلا من الله)) وفى رواية : فدعا بالغلامَيْن وساومهما بالمِرْبَد ليتخذه مسجداً. فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله . فأَبِى أَن يقبله منهما هِبَةً حتى أبتاعه منهما ثم بناه مَسْجداً. وكان أَسعد بَنَى المِرْبَد مسجداً قبل أَن يَقْدَمَ النبى صلى الله عليه وسلم . وروى يحيى بن الحَسَن عن النَّوَار بنت مالك(٢) أُم زيد بن ثابت أنها رأتْ أَسعد ابن زُرَارة قبل أَن يَقْدَمَ النبى صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّى بالناس الصلوات الخَمْس، ويُجَمِّع بهم فى مسجد بناه فى مِرْبَد سهل وسُهَيْل ، ابْنَىْ رافع بن أبى عَمْرو بن عائذ قالت: ((كأَّى أَنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قَدِمٍ صَلَّى بهم فى ذلك المسجد ، وبناه فهو مسجده)) ، وذكر البلاذرى نَحْوَه . وروى الشيخان والبيهقى عن أنس رضى الله عنه قال : كان المسجدْ جداراً ليس له (١) سورة المؤمنين آية ٢٩ . (٢) ترجم لها ابن الأثير فى أسد الغابة ج ٥ ص ٥٥٧ والإصابة ج ٨ ص ٢٠٠ . - ٤٨٥ - سَقْف، وقِبْلَتُه إلى القُدْس، فأَمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنَّخْل بالغَرْقَد أَن يُقْطَع ، وكان فيه قبور جاهلية، فأَمَر بها فنُبِشَتْ وأَمَر بالعِظَامِ أَن تُغَيَّب، وكان فى المِرْبَد ماء فَسَيَّره حتى ذهب، وكان فيه خرب(١) فأَمر بها فَسُوِّيَتْ، فصَفُوا النَّخْلَ قِبْلَةٌ له ، أَى جُعِلت سوارى له فى جهة القِيْلَة فسُقِّفَ عليها وجعلوا عضادتيه حجارة . وروى ابن عائذ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- صلى فيه وهو عَرِيش اثنى عشر يوماً ثم سُقِّف، وروى محمد بن الحَسَن المخزومى ، ويحيى بن الحَسَن عن شَهْر بن حوشب قال: (( لما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَن يبنى المسجد قال: ((ابْنُوا لى عريشاً كَعَرِيش موشى ثُمَامَات (٢) وخشبات وظُلَّة كظُلَّة موسى والأَّمر أَعْجَل من ذلك)). قيل وما ظُلَّة موسى؟ قال: ((كان إذا قام أَصاب رَأْسَه السَّقْفُ. وعَمِل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة فى بناء المسجد ، بنفسه الكريمة ، كما فى الصحيح أنه طَفِقَ ينقل معهم اللَّيِن ترغيباً لهم فى العمل ويقول : اللَّهُمَّ إِن الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَة فَارْجَمْ الأَنْصَارَ والمهاجرة(٣)) ٤٤١ظ ويُذْكَر أَن هذا البيت لعبد الله بن رَوَاحَة ، وعن الزهرى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لا خَيْرَ إلا خير الآخرة فارحم المهاجرين والأنصار . وكان لا يقيم الشِّعْرِ . وروى محمد بن الحسن المخزومى عن أم سلمة رضى الله عنها أنها قالت: (( بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده فَقَرَّب اللَّبِن وما يحتاجون إليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه (١) أورد الزرقانى فى شرحه على المواهب (ج ١ ص ٣٦٥) ما قيل فى ضبط كلمة خرب: ففى سنن أبي داود هى بفتح الخاء المعجبة وكسر الراء فوحدة جمع خربة مثل كلمة وكلم ، وحكى الخطابى كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة . وجوز الخطابى أنها حرب بضم المهملة وسكون الراء وموحدة وهى الخروق المستديرة فى الأرض ، أو حدب بمهملتين أى مرتفع من الأرض أو جرف بكسر الجيم وفتح الراء وهو ما تجرفه السيول وتأكله الأرض . قال وهذا لائق بقوله : فسويت لأنه إنما يسوى المكان المحدوب أو الذى جرفته الأرض أما الخراب فيبنى ويعمر دون أن يصلح ويسوى . ورده ابن حجر فقال : ما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقى فيه وتسوى أرضه ولا ينبغى الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة . (٢) فى الأصول: لما مات، وصوابها ثمامات جمع تمام واحدة ثمامه وهو نبت ضعيف. (٣) رواية ابن إسحق: لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم الأنصار والمهاجرة ( ابن هشام ج ٢ ص ١١٤ ) . - ٤٨٦ - وسلم فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون الأَولون والأنصار أَلْقَوْا أُرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون : لَئِنْ قَعَدْنَا والنَّبِىُّ يَعْمَلُ ذاك إِذاً للعَمَلُ المُضَلَّلُ وروى البيهقى عن الحَسَن قال : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه أَصحابه وهو معهم يتناول اللَّبِن حتى اغْبَرَّ صَدْرُه. وكان عثمان بن مظعون(١) رجلاً مُتَنَطِّاً(٢) وكان يَحْمِلِ اللَّبِنَة فِيُجَافى بها ثَوْبَه، فإِذا وَضَعَها نَفَضَ كُمَّه ونظر إلى ثَوْبِهِ ، فإِن أَصابه شىء من التراب نَفَضَه ، فنظر إليه عَلىُّ بن أبى طالب رضى الله عنه فأَنشد يقول : لا يَسْتَوِى مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا يَدْأَبُ فيها قَائِماً وقاعِدَاً ومن يُرَى عن الغُبَارِ حَائِدَاً فسّمِعَها عَمَّار بن ياسِر ، فجَعَل يَرْتَجِز بها وهو لا يدْرِى مَنْ يَعْنى بها. فَمَرَّ بعثمان فقال : يا ابن سُمَيَّة، ما أَعْرَفَنِى بمن تُعَرِّض، ومعه جريدة(٣)، فقال: لَتَكُفَّنَّ أَو لِأَعْتَرِضَنَّ بها وَجْهَكِ. فَسَمِعَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فغَضِب ثم قال: ((إِن عَمَّار بن ياسِر جِلْدَةُ ما بين عَيْنَىّ وَأَنْفِى فإذا بُلِغ ذلك من المرء فقد أَبلغ.)) ووضع يَدَه بين عَيْنَيْه . فَكَفَّ الناسُ عن عَمَّار ، ثم قالوا لعَمَّر: إِن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد غَضِبَ فيك، ونخاف أَن يَنْزِل فينا قرآن. فقال: أَنَا أُرْضِيه كما غَضِب. فقال: يا رسول الله مالى ولَّصحابك؟ قال: ((مَالَكَ ولهم؟)) قال: يريدون قَتْلى، يَحْيِلون لَبِنَةً لَبِنَة ويَحْمِلون عَلَىّ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ. فَأَخذ بيده وطافٍ به فى المسجد، وجعل يَمْسَح وَفْرَتِه(٤) بيديه من (١) انظر فى ترجمته أسد الغابة (ج ٣ ص ٣٨٥: ٣٨٧) هذا ولم يسم ابن إسحق صاحب هذه القصة ونسبها الديار بكرى (تاريخ الخميس ج ١ ص ٣٤٥). والسمهودى فى وفاء الوفا (جـ ١ ص ٢٣٥) إلى عثمان بن عفان .. (٢) التنطع كما فى النهاية ( جـ ٤ ص ١٥٣) هو كل تعمق قولا وفعلا. وفى التاج: تنطع الصانع فى عمله تحذق فيه. وقال الزرقانى فى شرحه على المواهب ( جـ ١ ص ٣٦٨): إنها من تنطع إذا تغالى وتأنق . ولكنها وردت فى رواية أخرى فى الديار بكرى والسمهودى . وكان رجلاً نظيفا متنظفا وتابعهما رفاعة رافع فى كتابه : نهاية الإيجاز فى سيرة ساكن الحجاز ( القاهرة سنة ١٢٩١ هـ ص ١٢٧)، وشرح متنظفا بقوله: أى مترفها. والرواية الأخيرة أوفق فى نظرنا لأن فى نسبة التنطع إلى صحابي جليل سواء أكان عثمان بن مظعون أم عثمان بن عفان مما يمس شرف صحبته للنبى صلى الله عليه وسلم. ويؤيد هذا ما ورد فى الحديث . هلك المتنطعون . (٣) فى ث وم : حديدة وأثبتنا جريدة كما وردت فى الديار بكرى والسمهودى، وفى السيرة لابن هشام: عصا. (٤) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن، قاله فى النهاية ( جـ ٤ ص ٢٢٣). - ٤٨٧ - التراب ويقول : ((ياابْنَ سُمَيَّة، ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفِئَةُ الباغية ، تَدْعُوهم إِلَى الجَنَّة ويَدْعُونَك إلى النار))، ويقول عَمَّر: أَعوذ بالله من الفِتَن. وروى عبد الَّرَزَّاق بسَنَّدٍ على شرط الشيخَيْن عن أَم سَلَمَة ، والبخارى والبيهقى عن أبى سعيد الخُدْرِىّ رضى الله عنه قال : (( لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد ، جَعَل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل كل رجل منهم لَبِئَةً لَبِنَةِ، وعَمَّار يحمل لَبِتَتَيْن: لَبِنَةً عنه ولَِنَةً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ظَهْرَه وقال: (( يَابْنَ سُمَيَّة للناس أَجْرِ ولَكَ أَجْرَان، وآخرُ زَادِك شَرْبَةٌ من لَبَن، وتَقْتُلُك الفِئَةُ الباغية ، تدعوهم إلى الجَنَّة ويدعونك إلى النار))، وعَمَّار يقول: ((أَعوذ بالله من الفِتَن)). وروى أبو يعلى برجال الصحيح إلا أن التابعى لم يسمع عن عائشة رضى الله عنها قالت : (( لَمَّا أَسَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه ، وجاء عمر بحجر فوضعه ، وجاء عثمان بحجر فوضعه ، قالت : فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: ((هذا أَمْرُ الخلافة من بَعْدِى)). وروى البيهقى / بسند قوى جَيّد عن سَفِينَةٍ(١) رضى الله عنه نَحْوَه، وفيه قال : ((هؤلاء وُلَةُ الأَمر من بعدى)). وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة رضى الله عنه أَنهم كانوا . يحملون اللَّبِن إلى بناء المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (( فاستقبلت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عارِضٌ لَبِنَةً على بطنه فظنَنْتُ أَنها شَقَّتْ عليه، فقلت : ((يا رسول الله نَاوِلْنِيهَا)). فقال: ((خُذْ غَيْرَها، لاعَيْشَ إِلا عَيْشُ الآخرة)). وهذا كان ٤٤٢و (١٠) سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولى أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم كان أصله من فارس فاشترته وأعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبى صلى الله عليه وسلم ، واختلف فى اسمه قيل كان اسمه مهران وقيل طهمان وقيل عبس ، وعدد له ابن حجر فى الإصابة ( ج ٣ ص: ١٠٩) واحدا وعشرين اسما ، وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل أبو البخترى . والأول أكثر. روى عنه حشرج بن نباته ، وسعيد بن جمهان . وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة لأنه كان معه فى سفر ، فكلما أعيا بعض القوم ألقى عليه سيفه وترسه ورمحه حتى حمل شيئا كثيراً . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( أنت سفينة)) فبقى عليه. وكان إذا قيل له : ما اسمك؟ يقول: ما أنا بمخبرك، سمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة فلا أريد غيره. وعن سعيد بن جمهان قال حدثنى سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة فى أمتى ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك)) .. انظر أسد الغابة ( ج ٢ ص ٣٢٤). - ٤٨٨ - . فى بنائه المَرَّة الثانية، لأَن أبا هريرة لم يُسْلِمْ فى الأولى. وروى يحيى بن الحَسَن عن أسامة ابن زيد رضى الله عنهما عن أبيه، قال: (( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه حجر، فلقيه أُسَيْد بن حُضَيْر، فقال: يا رسول الله أَعطنيه. فقال: ((اذهب فاحْتَمِلْ غَيْرَه فإِنك لست، بأَفقر إلى الله منى )) . وروى الإمام أحمد ويحيى بن الحسن عن طَلْق بن عليّ(١) رضى الله عنه قال: أُنَيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبنى المسجد ، والمسلمون يعملون فيه معه، وكنتُ صاحبُ علاج وخَلْط طين، فأَخذتُ المِسْحَاةِ أَخْلِطُ الطين والنبى - صلى الله عليه وسلم- ينظر إِلىّ ويقول : ((إِن هذا الحَنَفِىّ لصاحب طين)). وكان يقول: ((قَرِّبُوا اليمامِىّ من الطين فإِنه أحسنكم [ له] مسكاً وأَشَدُّكم مَنْكِباً)). وروى يحيى بن الحَسَن من طريق عبد العزيز بن عمر ، عن يزيد بن السائب ، عن خارجة ابن زيد بن ثابت رضى الله عنه، قال: (( بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسجده سبعين فى ستين ذراعاً أَو يزيد، ولَبِنَ لَبِنَة من بقيع الخبخبة (٢) وجعله جداراً وجعل سواريه خشباً شُقَّةً شُقَّة، وجعل وَسَطَه رحبة، وبنى بيتين لزوجتيه.)). وروى يحيى أيضاً عن جعفر / بن محمد عن أبيه قال: كان بناء مسجد رسول الله - صلى ١٠١٠ت الله عليه وسلم - بالسميط لبنةً على لبنة ، ثم بالسعيد لَبِنَة ونصف أخرى، ثم كَثُر الناس فقالوا: (( يا رسول الله لو زِيدَ فيه)) فَفَعَل، فبنى بالذَّكَر والأُنْثَى وهى لَبِنَتَان مختلفتان ، (١) فى رواية ابن سعد: جاء رجل يحسن عجين الطين وكان من حضر موت، ورواية يحيى من طريق ابن زبالة عن الزهرى أنه من أهل اليمامة من بنى حنيفة . وفى أسد الغابة أن طلق بن على بن طلق بن عمرو الربعى الحنفى كان من الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا. ( جـ ٣ ص ٦٣). (٢) ذكر السمهودى فى وفاء الوفا (= ٢ ص ٢٦٤) بقيع الخبجبة. وضبطها قائلا: بفتح الخاء المعجمة ثم باء موحدة وفتح الجيم والباء ثم هاء . قال المجد ( الفير وزابادى ): كذا ذكره أبو داود فى سننه . والخبجبة شجر عرف به هذا الموضع . قال السهيلى: وهو غريب وسائر الرواة ذكروه بميمين انتهى. وليس فى السنن ضبط بل ذكره قبل الجنائز بباب قصة المقداد حين وجد به الدنانير ، ولم يذكر ضبطا ، فلعل المراد به أن الرواية فيها بهذا الضبط ، لكن ضبطه ابن الأثير فى نهايته ( وذلك فى ج ١ ص ٧٩ ) حيث قال: بقيع الخبخبة بفتح الخاءين وسكون الياء الأولى موضع بنواحى المدينة بخاءين معجمتين بينهما موحدة . وفى القاموس بقيع الحبجب ( بجيمين) بالمدينة أو هو بالخاء أوله ( أى الخبجبة ) والخبجبة شجر عن السهيلى وسمى البقيع به لأنه كان منبتها . وفى التاج: ذكره صاحب المراصد بالجيم وأشار إلى الخلاف . وقد أثبتنا ضبط صاحب النهاية . - ٤٨٩ - ١ وكانوا رفعوا أَساسَه قريباً من ثلاثة أَذْرُع بالحجارة، وجعلوا طُولَهُ مما يلى القِيْلَة إِلى مُؤَخَّرِهِ مائة ذراع، وكذا فى العَرْض، وكان مُرَبَّعاً. [وفى رواية جعفر (١)]: ولم يُسَطَّح فَشَكَوا الحَرّ ، فجعلوا خَشَبَهُ وسواريه جذوعاً وظَلَّلُوه بالجريد ثم بالخَصَف(٢)، فلما وَكَف(٣) عليهم طَيُِّوه بالطين ، وجعلوا وَسَطَه رَحَبَةٍ(٤) ، وكان جِدَارُه قبل أَن يُسَقَّف قامةً وشيئاً. وروى يحيى عن [ أُسامة بن ] زيد بن حارثة عن أبيه رضى الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل قِبْلَتَه إلى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب فى مُؤَخَّرِهِ: باب أبى بكر وهو فى جهة القبلة اليوم ، وباب عاتكة الذى يُدْعَى باب عاتكة ويقال له باب الرحمة ، والباب الذى كان يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو باب آل عثمان اليوم ، وهذان اليابان لم يُغَيَّرا بعد أَن صُرِفَت القِيلَة، ولما صُرِفَت القِيْلَة سَدَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الباب الذى كان خَلْفَه، وفَتَح هذا الباب، وحذاه هذا الباب [ أَى](٥) ومحاذیه هذا الباب الذی سُدٌ . وروى ابن زبالة عن جعفر بن محمد أن النبى - صلی الله علیه وسلم - بنی مسجده مرتین : بناه حين قَدِمِ أَقل من مائة فى مائة ، فلما فتح الله عليه خَيْبَر بناه وزاد عليه مثله فى الدور . وروى الزبير بن بَكَّار عن أنس رضى الله عنه أنه قال: بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مسجده أول ما بناه بالجريد ، وإِنما بناه باللَّيِن بعد الهجرة بأربع سنين . وروى الطبرانى عن أبى المليح أنه قال: (( قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لصاحب البُفْعَة التى زيدت فى مسجد المدينة ، وكان صاحبها من الأَنصار ، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((لَكَ بها بَيْتٌ فى الجَنَّة)). قال: فجاء عثمان، فقال له: لَكَ بِها عشرة آلاف (١) زيادة من السمهودى (ج١ ص ٢٣٩). (٢) فى ت وم بالجص والتصويب من السمهودي. وفى النهاية الخصف محركة جمع خصفة وهى الجلة التى يكنز فيها التمر وكأنها فعل بمعنى مفعول، والخصف بسكون الصاد المهملة وهو ضم الشىء إلى الشىء لأنه شىء منسوج من الخوص (ج ١ ص ٢٩٧) . (٣) فى الصحاح: وكف البيت وكفا ووكيفا وقو كافاً أى قطر . (٤) فى المصباح رحبة المسجد الساحة المنبسطة، قيل بسكون الحاء والجمع رحاب مثل كلبة وكلاب وقيل: بالفتح وهو أكثر، والجمع رحب ورحبات مثل قصبة وقصب وقصبات . (٥) بياض بالأصل والتكملة من السهُوَدى (ج١ ص ٢٤٠). - ٤٩٠ - دِرْهَم، واشتراها منه ، ثم جاء عثمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله اشْتَر منى البُقْعَة التى اشتريتُها من الأَنصارى ، فاشتراها منه ببيت فى الجَنَّة . فقال عثمان : إِنى اشتريتها بعشرة آلاف درهم ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَبنَة، ثم دعا أبا بكر فوضع لَبِنَة، ثم دعا عُمَرَ فوضع لَبِنَة، ثم دعا عثمان فوضع لَبِنَة، ثم قال للناس: ((ضعوا))، فوضعوا . وروى الإمام أحمد والترمذى وحَسَّنه فى حديث قِصَّة إِشراف عثمان يوم الدار ، عن ثمامة ابن خَزَن(١) القُشَيْرِى، والإِمام أحمد والدارقطنى عن الأحنف(٢) بن قيس، أَن عثمان رضى الله عنه، أَشرف على الناس فقال: ((أَمْهُنَا / على؟)) قالوا: نعم. قال: ((أَهُهنا طلحة؟)) ١٠١١ت قالو: نعم. قال: ((أَنشد كم بالله الذى لا إله إلا هو، أَتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ يبتاعَ بُقْعَة بنى فلان فليزيدها فى المسجد بخَيْرٍ منها فى الجنة ؟ )) وفى رواية: ((غفر الله له.)) فاشتريتُها من صُلْب مالى بعشرين ألفاً فأَتيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ قد ابتعتُها. فقال: ((اجعلها فى مسجدنا ولك أَجْرُها)). قالوا: ((اللهم نعم)). وروی الزبير بن بگار عن نافع بن جبير ، وداود بن قيس ، وابن شهاب وإسماعيل ابن عبد الله الأَزدى عن رجل من الأنصار ، والطبرانى بِسَنَدٍ رجاله ثقات ، عن الشَّمُوس بنت النعمان رضى الله عنها ، ويحيى بن الحَسَن عن الخليل بن عبد الله الأسدى عن رجل من الأَنصار ، عن ابن عجلان والغرافى - بالغين المعجمة والفاء فى ذيله - عن مالك بن أَنَسٍ. عن زيد بن أسلم عن ابن عُمَر أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أَقام رهطاً على زوايا المسجد ليُعَدِّل القِيْلَة، فأتاه جبريل، فقال: (( يا رسول الله ضَعْ القِيْلة وأنت تنظر إلى الكعبة)) ، ثم قال بيده [هكذا] فَانماطَ(٣) كُلّ جَبَلٍ بينه وبينها فوضع تربيع المسجد ، وهو ينظر إلى الكعبة لاَ يحُول دون نظره شىء. فلما فرغ قال جبريل بيده فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت قِبْلَتُه إلى الميزاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما وضعت قِبْلة مسجدى هذا حتى رُفِعَتْ لى الكعبة فوضعتها أَمامها)» (١) فى الأصل ثمامة بن حزم والتصويب من خلاصة الخزرجى ص٤٩: وهو ثمامة بن حزن آخره نون - القشيرى البصرى مخضرم . روى عن عمر وعثمان وعائشة وروى عنه القاسم بن الفضل وداود بن أبى هند ، وثقه يحيى بن معين . (٣) وردت فى السمهودى فأحاط وفى شرح المواهب فانماط (٢) فى الأصل الأخنس وهو تحريف - ٤٩١ - وقال الإِمام مالك رحمه الله كما فى العُنْبِيَّةِ(١): ((سَمِعْتُ أَن جبريل هو الذى أَقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- قِبْلَةَ مسجد المدينة)). وروى البخارى وأبو داود عن نافع، وأبو داود من طريق ابن عطية ، كلاهما عن ابن عُمَر رضى الله عنهما أَن مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت سواريه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جذوع النَّخْل وأعلاه مُظَلَّل بجريد النَّخْل، ثم أَنها نَخَرَتْ فى خلافة أبى بكر فبناه بجذوع النخل ويجريد النخل ، ولم يزد فيه ، وزاد فيه عُمَر ، وبناه على بنائه فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللَّيِنِ والجريد وأَعاد عَمَدَهُ خَشَباً، ثم أنها نَخَرَتْ فى خلافة عثمان ، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة(٢)، وجعل عَمَدَه من حِجَارة منقوشة وسَقَّفَه بالسَّاجِ. زاد فى العيون: ونَقَل إليه الحَصْبَاء من العقيق . وأول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحَكَم بناها بحجارة منقوشة [ وجعل لها حُوَى(٣)]، ثم لم يُحْدِث فيه [شيئا] إلى أَن ولى الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أَبيه ! فكتب إلى عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة يأمره بهدم المسجد وبنائه ، وبعث إليه بمال وفُسَيْفِسَاء ورخام وثمانين صانِعاً من الروم والقِبْط من أَهل الشام ومصر ، فبناه وزاد فيه ، وولى القيام بأمره والنفقة عليه صالح بن كيسان(٤) وذلك فى سنة سبع وثمانين ويقال من سنة ثمان وثمانين . (١) العتبية كتاب فى مذهب الإمام مالك، مصنفه العتبى واسمه محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن أبى عتبة . ينسب إلى جده وليس لآل عتبة بن أبي سفيان . وهو قرطبى أندلسى من أعلام الفقهاء سمع بالأندلس من يحيى بن يحيى وسعيد بن حسان وغيرهما ورحل فأخذ بالقيروان عن سحنون وبمصر عن أصبغ بن الفرج . وكان حافظاً للمسائل جامعا لها عالما بالنوازل وهو الذى جمع المستخرجة التى كثر فيها من الروايات المطروحة والمسائل الغريبة الشاذة توفى سنة ٢٥٥ هـ وقيل سنة ٢٥٤ ه ترجم له ابن الفرضى فى تاريخ العلماء والرواة بالأندلس ( ج ٢ ص ٨ و ٩ رقم ١١٠٤) وابن فرحون فى الديباج ( ص ٢٣٨ : ٢٣٩) و ابن العماد فى الشذرات ( ج ٢ ص ١٢٩) . (٢) مصحفة فى الأصل: الفضة وصوابها القصة بفتح القاف. وفى التاج القصة: الحجارة من الجص ويكسر عن ابن دريد قال أبو سعيد السير افى بكسر القاف وغيره يقول بفتحها . وفى النهاية ( جـ ٣ ص ٢٥٨) تقصيص القبور هو بناؤها بالقصة وهى الحص . (٣) زيادة من السمهودي (ج ١ ص ٣٦٢). (٤) قال الطبرى فى تاريخه (ج ٨ ص ٨٨) قال محمد بن عمر: حدثنى يحيى بن النعمان الغفارى عن صالح بن كيسان قال: لما جاء كتاب الوليد من دمشق بهدم المسجد تجرد عمر بن عبد العزيز. قال صالح : فاستعملنى على هدمه وبنائه فهدمناه بعمال المدينة فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد . وقد حدثت معارضة لهذا العمل أورد أخبارها السمهودى فى الفصل السادس عشر فى الجزء الأول من كتابه (ص ٣٦٣: ٣٧٢). - ٤٩٢ - ولم يُحْدِث فيه أَحَدٌ من الخلفاء شيئاً حتى اسْتُخْلِفِ المهدى . قال محمد بن عُمَر : بَعَث المهدى عبد الملك(١) بن شبيب الغَسَّائى ورجلاً(٢) من ولَد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها والزيادة فيه، وعليها يومئذ جعفر بن سليمان بن على ، فمكثا(٣) فى عمله سنة ، وزاد فى مُؤَخَّرِه مائة ذراع فصار طوله ثلاثمائة ذراع وعَرْضُه مائتى ذراع . وقال على ابن محمد المدائنى(٤): ((وَلَّى المهدى جعفر بن سليمان(٥) مكة والمدينة واليمامة فزاد فى مكة ومسجد المدينة ، وتَمَّ بناء مسجد المدينة فى سنة اثنتين وستين ومائة . وكان المهدى أَتى إلى المدينة فى سنة ستين ومائة قبل الحج فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد ، ويقال إن المأمون عمره أيضاً وزاد فيه . والله أعلم(٦). ١٠ ثم لم يزد فيه شيئاً أَحَدٌ من الخلفاء بعد المأمون، ولم يُعَبِّرُوا إِلا مواضع يسيرة ، إلى أن حصل الحريق [فى المسجد النبوى] فى أول شهر (٧) رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أول الليل لدخول أبى بكر بن أَوحد الفَرَّاش(٨) الحاصِلَ الذى فى الزاوية الغربية (١) فى الأصل عبد الله والتصويب من السمهودى (ج ١ ص ٣٨٠). (٢) اسمه عبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز. (٣) توفى عبد الله بن عاصم وولى المهدى مكانه عبد الله بن موسى الحمصى. (٤) هو أبو الحسن على بن محمد بن عبد الله بن أبى سيف المدائنى مولى شمس بن عبد مناف ولد سنة ١٣٥ هـ وتوفى سنة ٢٢٥ هـ من أعلام الأخباريين تستغرق عناوين مؤلفاته فى الفهر ست لابن النديم ست صفحات ( من ص ١٤٧ إلى ص ١٥٢) وتتناول أخبار النبى صلى الله عليه وسلم وأخبار قريش والخلفاء والأحداث والفتوح والعرب والشعراء وغيرها، لم يصلنا منها سوى ما نقله المؤرخون فيما بعد عنها . (٥) هو جعفر بن سليمان بن على بن عبد اللّه بن عباس. (٦) لفظ السمهودى (ج ١ ص ٣٨٢): وقيل إن المأمون زاد فيه وأتقن بنيانه أيضاً فى سنة ٢٠٢ قال السهيلى وهو على حاله ، ورزين ينكر ذلك ، ويمكن الجمع بأنه جدده ولم يزد. هذا وينص ابن قتيبة فى كتابه المعارف ( ص ٢٤٥ ) على أنه قرأ على موضع زيادة المأمون ما يلى: أمر عبد الله عبد الله (الأولى نكرة والثانية معرفة لأن المأمون اسمه عبد الله المأمون) بعمارة مسجد رسول الله سنة ٢٠٢ هـ طلب ثواب الله وطلب جزاء اللّه وطلب كرامة الله فإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً. أمر عبد الله عبد الله بتقوى الله ومراقبته وبصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيم ما صغر الجبابرة من حقوق الله وإحياء ما أماتوا من العدل، وتصغير ما عظموا من العدوان والجور وأن يطاع الله ويطاع من أطاع الله ويعصى من عصى الله فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الله، والتسوية بينهم فى فيئهم ووضع الأخماس مواضعها . (٧) فى السمهودى (ج ١ ص ٤٢٧) ليلة الجمعة وفى الذيل على الروضتين لأبى شامة ( ص ١٩٤) أن الحريق ابتدأ من زاوية المسجد الغربية من الشمال . (٨) اسمه فى شذرات الذهب ( جـ ٥ ص ٢٦٣) أبو بكر المراغى، وذكر السمهودي بأنه أحد القوام بالمسجد الشريف . = ٤٩٣ - لاستخراج قناديل لمنائر المسجد ، وترك الضوء الذى كان فى يده على قفص من أقفاص القناديل وفيه مشاق فاشتعلت النار فيه وأَعجزه إِطفاؤها وعَلِقَتْ بِبُسُطٍ وغيرها مما فى الحاصل وتزايد الالتهاب حتى اتصلت بالسقف بسرعة [ثم دَبَّتْ فى السقوف (١)] آخذةً قِبْلَة فأَعجلت الناس عن إطفائها بعد أَن نزل أَمير المدينة واجتمع معه غالبُ أهلها ، فلم يَقْدِروا على قطعها ، وما كان إِلا أَقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع (٢) سقف المسجد [الشريف] وما احتوى من المِنْبَر النبوى والأَبواب والخزائن والمقاصير والصناديق ولم تَبْقَ خَشَبَة واحدة ، وكذا الكتب ، وكُسْوَةُ الحجرة الشريفة . قال القُطْب القسطلانى : وكان عليها حينئذ إِحدى عشرة ستارة(٣)، وأَزالت النار تلك الزخارف التى لا تُرْضى ، وشوهد من هذه النار صِفَة القهر والعَظَمَة الإلهية مُسْتَوْلِيَة على الشريف والمشروف . وكان هذا الحريق عَقِب ظهور نار الحجاز المُنْذَر(٤) بها من أرض المدينة ، وحماية أَهلها منها لما التجأُّوا إلى مسجدها، فانطفأَّت عند وصولها لحَرَئِها . قلتُ : وسيأتى بيان ذلك فى المعجزات إن شاء الله تعالى . وربما خَطَر ببال العوام أن حَبْسَها عنهم ببركة الجِوَار مُوجِبٌ لحَبْسِها عنهم فى الآخرة ، مع اقتراف الأوزار ؛ فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذى هو أفصح من لسان المقال . والنار ١٠١٢ ت مُطَهِّرَةٌ لأدناس الذنوب / وقد كان [ذلك] لاستيلاء الروافض حينئذ[ على المسجد النبوى والمدينة ] (١) زيادة من الذيل على الروضتين لأبى شامة . (٢) هذا مما نقله المؤلف من كتاب: ((عروة التوثيق فى النار والحريق)) القسطلانى ولفظه كما أورده السمهودي: وتلف جميع ما احتوى عليه المسجد الشريف .. وكان عليها إحدى عشرة ستارة . (٣) قال السمهودى بعد ذلك: ثم ذكر القطب القسطلانى حكماً لذلك وأسراراً لكون تلك الزخارف لم ترضه صلى الله عليه وسلم ولكون القلوب لما لاحظت المساجد الثلاثة بعين التعظيم - ولا يجوز فى ذلك أن تنزل فوق قدرها بل لابد أن يعتقد أن صفة قهره تعالى وعظمته مستولية على الجميع . فوقع الحريق فى الكعبة وبيت المقدس قديماً ثم وقع بهذا المسجد فى هذا الزمان . (٤) يشير المؤلف هنا إلى ما وقع من الزلازل والطفح البركانى فى سنة ٦٥٤ ه ببلاد الحجاز وقد ساق خبرها عدد كبير من المؤرخين منهم أبو شامة فى الذيل على الروضتين ( ص ١٩٢: ١٩٣) وابن تغرى بردى فى النجوم الزاهرة ( جـ ٧ ص ١٦ : ١٩) والمقريزى فى السلوك ( ١ ق ٢ ص ٣٩٨: ٣٩٩) وابن العماد فى شذرات الذهب ( = ٥ ص ٢٦٣). - ٤٩٤ - وكان القاضى والخطيب منهم، وأَساءوا الأدب كما بسط ذلك ابن جبير فى رحلته (١)، ولذا وُجِدَ عَقِب الحريق على جدران المسجد : يُخْشَى عَلَيْهِ ومابه من عَارٍ لم يَخْتَرِقْ حَرَمُ النَّبِّ لِرِيبَةٍ تِلْكَ الرُّسُومَ فَطُهِّرَتْ بِالنَّارِ(٢) لَكِنَّهَا أَيْدِى الرَّوَافِضِ لاَمَسَتْ وَوُجِدَ أَيضاً : لِيَادِكُمْ لِلنَّمِّ كُلَّ سَفِيهِ قُلْ لِلرَّوَافِضِ بِالمَدِينَةِ مَابِكُمْ مَا أَصْبَحَ الحَرَمُ الشَّرِيفُ مُحَرَّقاً إِلا لَسِّكِمُ الصَّحَابَةَ فِيهِ ولم يَسْلَم من الحريق سوى القُبَّة التى أحدثها الناصر لدين الله لِحفْظ ذخائر الحَرَم . قال المؤرخون: وبقيت سوارى المسجد قائمة كأنها جذوع النَّخْل إِذا هَبَّت الرياح تتمايل ، وذاب الرصاص من بعض الأَساطين فسقطت ووقع السَّقْف الذى كان على أَعلى الحجرة الشريفة على سقف بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقعا جميعاً فى الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة . وفى صبيحة الجمعة عزلوا مَوْضِعاً للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المُسْتَعْصِم بالله [ أَبى أَحمد عبد الله (٣)] بن المُسْتَنْصِر بالله [فى شهر رمضان(٣)]، فوصلت الآلات صُحْبَة الصُّنَّاعِ مع رَكْب العِراق فى الموسم وابْتُدِىء بالعِمَارة أول سنة خمس وخمسين وسمائة ، وقصدوا إِزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة ، فلم يجسروا على ذلك . واتفق رأَى [صاحب المدينة يومئذ وهو (٣)] الأَمير منيف بن شيحه [بن هاشم بن قاسم بن (١) أشار إلى ذلك ابن جبير فى رحلته (ص ١٨٠ طبعة القاهرة سنة ١٩٠٨ م) بقوله: وفى يوم الجمعة المذكور وهو السابع من محرم شاهدنا من أمور البدعة أمراً ينادى له الإسلام: يالله ! يا للمسلمين! وذلك أن الخطيب وصل الخطبة فصعد منبر النبى صلى الله عليه وسلم وهو على ما يذكر على مذهب غير مرضى، هذا وقد قام ابن جبير (٥٣٩ ٥ - ٦١٤ هـ) بثلاث رحلات من الأندلس إلى المشرق وحج فى كل واحدة منها وقد بدأها فى سنة ٥٧٨ هـ. انظر ترجمته فى الإحاطة فى أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب ( القاهرة سنة ١٣١٩ هـ جـ ٢ ص ١٦٨ : ١٧٤). (٢) روى هذان البيتان فى الذيل على الروضتين (ص ١٩٤) والنجوم الزاهرة ( = ٧ ص ٣٦): يخشى عليه ولا دهاه العار لم يحترق حرم النبی حادث ذاك الجناب فطهرته النار لکتھا ایدی الروافض لامست (٣) زيادة من السهودى (ج ١ ص ٤٢٩ : ٤٣٠). - ٤٩٥- مهنىء الحسينى(١)] مع رأى أكابر الحَرَم الشريف أَن يُطَالَعَ الإِمام المستعصِم بالله بذلك فيفعل ما يصل إليه أمره . فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج التتار لهم واستيلائهم على أعمال بغداد فى تلك السنة. فترْكُوا الرَّدْم على حاله ولم يَنْزِل أَحَدُ هناك. زاد المجد اللغوى: ولم يَجْسُرْ أَحَد على النَّعَرُّض لهذه العظيمة(٢) التى دون مرامها نَزِلُّ الأقدام ولا يتأتى من كل أَحد بادىء بدئه الدخول [فيه ] والإقدام. ووصلت(٣) الآلات من صاحب اليمن [يومئذ وهو الملك ] المُظَفَّر شمس الدين يوسف بن المنصور عُمَر بن رسول(٤) . ثم عُزِل صاحب مصر ، وتولى مكانَه مملوك أَبيه المظفر سيف الدين (١) زيادة من السمهودى غير أن أمير المدينة ابتداء من حوالى سنة ٦٣٥ « كان جماز بن أبى فليتة كما فى الترجمة العربية لمعجم الأنساب والأسرات الحاكمة فى التاريخ الإسلامى للمستشرق زامباور ( القاهرة سنة ١٩٥١ م جـ ١ ص ١٧٧ ). وتناول ابن الساعى المتوفى سنة ٦٧٤ هـ فى نهاية كتابه: مختصر تاريخ الخلفاء (بولاق سنة ١٣٠٩ هـ ص ١٢٩ ومابعدها) بيوث الملك والإمارات من الإسلام الآن . وقال فى ص ١٣٠: ومنهم أمير المدينة المنورة وهى ( أى الإمارة ) فى بنى حسين وهى الآن فى بنى جماز بن شيحه . ولم يتيسر لنا الرجوع إلى مخطوطات المطرى وابن النجار وغيرهما فى تاريخ المدينة لتحقيق اسمه. (٢) ذكر هذا الحريق عبد الرزاق بن أحمد الفوطى البغدادى (٦٤٢ هـ - ٧٢٣ هـ) فى الجزء الأول من كتابه: الحوادث الجامعة والتجارب النافعة فى المائة السابعة (بغداد سنة ١٣٥١ هـ ص ٣١٦) فقال: وفى شعبان ( سنة ٦٥٤ هـ) وقع حريق بمسجد النبى صلى الله عليه وسلم وحجرته بالمدينة أيضاً واحترق المنبر الذى كان من عهده وسقف حجرته وسبب ذلك أن القيم أشعل المصابيح فوقعت منه شرارة نار على ثوبه فاحترق ، ثم تعدت النار إلى قفص من أقفاص القناديل فالتهبت المشاقة التى فيه ، فانزعج القيم وشده ، وبيده إبريق فيه زيت نصبه على النار ظناً منه أنه ماء فازدادت النار التهاباً . فلما بلغ الخليفة المستعصم ذلك أرسل قاضى القضاة سراج الدين النهرقل وعدة من العدول وأصحبهم مالا لعمارة ما احترق ، فساروا إلى هناك وعمروا ما خرب وأعادوه إلى أحسن مما كان وملكت بغداد وهم هناك. وقيل إن القاضى توفى بقية السنة ودفن بالبقيع . وأشار إلى كل من النار والحريق التاج السبكى فى طبقات الشافعية ( = ٥ ص١١٢٢ : ١١٣) حيث قال: كان لظهور النار بالمدينة النبوية دوى عظيم ثم زلزلة عظيمة وظهرت تلك النار فى الحرة يبصرها أهل المدينة وسالت الجبال نيراناً واستمرت فوق الشهر. وهى مما أخبر بها المصطفى صلوات الله عليه حيث يقول: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضىء لها أعناق الإبل ببصرى)). وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى فى الليل أنه رأى أعناق الإبل فى ضوئها . وقال السبكى عن حريق المسجد النبوى الشريف إنه وقع فى مستهل رمضان وكان ابتداؤه من زاويته الغربية فأحرقت سقوفه كلها وذاب رصاصها ووقعت بعض أساطينه واحترق سقف الحجرة النبوية . وفى البداية والنهاية لابن كثير (ج ١٣ ص ١٩٢) ما ذكره ابن الساعى عن هذه النار وماقاله شيخ حرم المدينة بأنها آية عظيمة وإشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة . ثم أورد ابن كثير فى ص ١٩٣ ما قاله أبو شامة عن حريق المسجد النبوى الذى عده منذراً بما أعقبه من الأحداث مشيراً بذلك إلى سقوط بغداد فى أيدى التتار سنة ٦٥٦ هـ. انظر أيضاً تاريخ عمر بن الوردى ( ج ٢ ص ١٩٥) وتاريخ الخلفاء السيوطى (القاهرة سنة ١٣٥١ هـ ص ٣٠٩). (٣) هذه عبارة المطرى التى نقلها المؤلف وقبلها: وصلت الآلات من مصر وكان المتولى عليها حينئذ الملك المنصور. نور الدين على بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحى (من سنة ٦٥٥ هـ إلى سنة ٦٥٧ هـ). (٤) أشار إلى هذا على بن الحسن الخزرجى فى كتابه العقود اللؤلؤية فى تاريخ الدولة الرسولية ( + ١ ص ١٢٨ - القاهرة سنة ١٩١١ م) وذلك بقوله: وهذه السنة ( أى سنة ٦٥٦ هـ) تولى السلطان أمر الحرم الشريف وأقام منارته وخدمة جوامك خدامه . - ٤٩٦ - قُطُزُ المُعِزِّى واسمه الحقيقى محمود بن ممدود ، وأمه أُخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، وأَبوه ابن عَمِّه، أُسِر عند غَلَبة التتار، فبيعَ بدمشق، ثم [انتقل بالبيع إلى ] مصر، وتَمَلَّك فى ثامن عشر(١) ذى القعدة من سنة سبع [وخمسين وستمائة] . وفى شهر رمضان من سنة ثمان أَعَزَّ الله تعالى الإِسلام على يده بوقعة عين جالوت . ثم قُتِل بعد الموقعة بشهر وهو داخل إلى القاهرة . وكان العمل بالمسجد الشريف فى تلك السنة من باب السَّلام إلى باب الرحمة [ المعروف قديماً بباب عاتكة ] ومن باب جبريل إلى باب النساء . وتولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بِيبَرْس / الصالحى البندقدارى ، فحصل منه اهتمام بأَمر المسجد فَجَهَّز ١٠١٤ت الأخشاب والحديد والرصاص، ومن الصُّنَّاع ثلاثة وخمسين صانعاً ، وما يَمُونُهم ، وأنفق عليهم قبل سفرهم وأرسل معهم الأَمير جمال الدين مُحْسِن الصالحى وغيره ، ثم صار يُمِدُّهم بما يحتاجون إليه من الآلات والنفقات . فعُمِل فى أيامه باقى سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفاً فوق سقف إلا السقف الشمالى فإنه جعل سقفاً واحداً . ولم يزل المسجد على ذلك حتى جُدِّدَ السَّقْف الشرق والسَّقْف الغربى اللذان عن يمين صحن المسجد وشِمَالِه وذلك فى سنتى خمس وست وسبعمائة فى أوائل دولة الملك الناصر محمد ابن قلاون الصالحى، فَجُعِلا سَقْفاً واحداً شبه(٢) السقف الشَّمالى [ أَى سقف الدِّكاكِ(٣)]. ثم فى سنة تِسْعٍ وعشرين وسبعمائة أمر الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين [ فى المُسَقَّفِ القِبْلى (٤)] متصلين بمُؤَخَّرِهِ فاتسع مُسَقَّفُهُ بهما وعَمَّ نَفْعُهُمَا. ثم حصل فى هذين الرواقين خَلَل فجَدَّدَهُها الملك الأشرف بَرْسِبَاى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة من مال جوالى قبرص . وجَدَّد الأَشرف أيضاً شيئاً من السقف الشامى [ مما يلى المنارة السنجارية (٥)]. ثم حصل خَلَل فى سقف الروضة الشريفة وغيرها من سقف المسجد فى دولة الظاهر (١) جاء فى ج ١ ص ٩٦ من بدائع الزهور لابن إياس (بولاق سنة ١٣١١ هـ) أن قطز تسلطن فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة الحرام سنة ٥٦٥٧ . (٢) فى الأصل : نسبة. (٣) زيادة من السمهودى ( ج ١ ص ٤٣٣). (٤) بياض بالأصل والتكملة من السمهودي. (٥) زيادة من السمهودي . - ٤٩٧ - (٣٢ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ ) جقمق ، فجدّد ذلك فى سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ثم جَدَّد السلطان الملك الأشرف قايتباى كثيراً من سقف المسجد ، ثم احترق المسجد النبوى ثانياً فى الثلث الأخير من ليلة الثالث(١) والعشرين من شهر رمضان، سنة ست وثمانين وثمانمائة، وذلك أن رئيس المُؤَذِّنين [وصَدْر المدرسين] شمس الدين محمد بن الخطيب قام يُهَلِّل حينئذ بالمنارة الشرقية (٢) اليمانية المعروفة بالرِّيِّسِيَّة،، وصَعِد المُؤَذِّنون بَقِيَّة المنائر وقد تراكم الغَيْم وحصل رَعْدُ قاصف ، فسقطت صاعقة أَصاب بعضُها هلال المنارة المذكورة فسقط شرقى المسجد لَهَبُ كالنار وَانْشَقَّ رَأْسُ المئذنة، وتوفى الرَّيِّس لحينه صعقاً. وأَصاب ما نزل من الصاعقة سَقْفَ المسجد الأَعلى [ بين المنَارة الرئسية وقبة الحجرة النبوية فثقبه ثقباً كالتُّرْس ] فَعَلِقَت النار فيه وفى السقف الأَسْفَل، ففُتِحت أبواب المسجد ونودى بأَن الحريق فى المسجد . فاجتمع أَمير المدينة قَسْطَل بن زُهَيْر الجَمَّازى(٣) وأهلها بالمسجد الشريف، وصعد أَهْلُ النَّجْدَةِ منهم بالمياه لإطفاء النار وقد التهبت سريعاً فى السَّقْفَيْن ، وأخذت فى جهة الشمال والغرب ، فعجزوا عن إطفائها وكادت أن تدركهم فهربوا . وسقط بعضهم فهلك ، ونَجَا بعضهم مع من حالت النار بينه وبين الأبواب إلى صحن المسجد . وجملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفساً ، وعظمت النار جداً حتى صارت كبحر لُجِّىٌّ من ثَار ، ١٠١٥ت ولها زفير وشهيق وأَلْسُن تصعد فى الجو، وصارت ترمي بشرر كالقَصْر / وَيَسْقُط بالبيوت المجاورة ومع ذلك فلا تؤثر فيها . وحمل بعض خزائن الكتب والربعات والمصاحف غير ما بادروا بإخراجه ، وذلك كله فى نحو عشرة أَدراج [ فأصابها الشرر فأحرقها ] . وأَخبر أمير المدينة قَسْطَل الجَمَّازى أن شخصاً من العرب الصادقين رأَى [فى المنام] قبل ذلك بِلَيْلَة أَن السماءَ فيها جَرّادٌ مُنْتَشِر ثم أَعقبته نار عظيمة، فأَخَذ النبى - صلى الله عليه وسلم - النار وقال: (( أُمسكها عن أُمتى)). (١) فى السمهودى (ج ١ ص ٤٥٠): أول الثلث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان. وفى بدائع الزهور لابن إياس (جـ ٢ ص ٢٠٩) ما يؤيد التاريخ الذى ذكره السمهودی . (٢) فى الأصل : الشريفة والتصويب من السمهودى . (٣) ذكر السمهودى أن اسمه هو السيد الشريف زين الدين فيصل الجمازى، وحقق اسمه مترجم معجم الأنساب للمستشرق زامباور بأنه قسيطل على صورة التصغير (ج ١ ص ١٧٨) وذلك نقلا عن تحقيق فستنقلد لكتاب السهودى. وقد أثبتنا الاسم كما أورده المؤلف شمس الدين الشامى . -٤٩٨ - قال السيد : وأخبرنى جماعة أنهم شاهدوا أشكال طيور بيض تحوم حول النار كالذى يَكُفُّها عن بيوت الجيران(١)، مع هرب كثير منهم لما رأوا تساقط الشَّرَر. وخرج بعضهم من باب المدينة لعِظَم ماشاهدوه من الهَوْل وظنوا أنهم قد أُحيط بهم ، ثم خمدت النار ثانى يوم وأرسلوا السلطان قايتباى يُعْلِمونه بذلك فاهتم بذلك رحمه الله تعالى الذى أَهَّله لهذا الأمر وعَمَر المسجد الشريف والحجرة الشريفة العمارة المُحْكَمَة الموجودة فى زماننا(٢). تَنْيَهَاتٌ الأَول : اخْتُلِفَ فى اسم أَبِى الْيَتِيمَيْن اللذين كان المسجد لهما فقال [ موسى ابن عقبة: هما ابنا رافع بن عَمْرو بن أَبِى عَمْرو(٣)]، وقال الزهرى وابن اسحق هما ابنا عمرو. قال فى العيون إنه الأشهر. وحاول السهيلى التوفيق بين القولين فقال: ((هما ابنا رافع بن عَمْرو (٤)، فعلى هذا نُسِبا إِلى جَدِّهما. قال الحافظ: ((والأرجح هو قول الزهرى وابن إِسحق)). الثانى: ذكر ابن إسحق أنهما كانا فى حِجْر مُعَاذ بن عَفْرَاء ، وقال أَبو ذَرّ الهَرَوِىّ (١) ذكر ابن إياس فى كتابه بدائع الزهور ( ج ٢ ص ٢٠٩) خبر هذا الحريق فى أحداث سنة ٨٨٦ ه وأضاف أن أهل المدينة عاينوا عدة أطيار بيض بأعناق طوال طائفة حول المسجد تمنع النار أن تحرق البيوت التى حول المسجد ، وأن المسجد جمیعه قد احترق حتی صار کالتنور فلما سمع السلطان ( قایتیای) ذلك بکی ، وبكى من كان حوله وتعجب الناس لهذه الواقعة كيف جرت فى هذا المكان الشريف . (٢) ذكر ذلك ابن إياس بقوله: ((ثم أن السلطان شرع فى تجديد المسجد الشريف فعين الخواجا شمس الدين محمد بن الزمن بأن يتوجه إلى المدينة وأرسل معه عدة من البنائين والنجارين والمرخمين وغير ذلك وأمر بهدم القبة الشريفة وإعادتها وتجديدها وتجديد غيرها من الحديد الخرم - وكانت قبل ذلك من الخشب - وتغيير المنبر والمآذن التى كانت بالحرم ، ثم توجه . ابن الزمن إلى هناك وشرع فى البناء حتى انتهى من العمل فى أواخر سنة ٨٨٧ هـ ، فجاء غاية فى الحسن من أجل الأبنية وأعظمها ، حتى قيل إن السلطان صرف على بنائه نحواً من مائة ألف دينار وجدد معالمه وتناهى فى زخرفته إلى الغاية)). هذا ويبدو أن جانباً على الأقل من هذه التجديدات ظل باقياً إلى ما بعد منتصف القرن الماضى ( الميلادى ) فقد ذكر الرحالة السويسرى بوركهارت الذى حج فى سنة ١٨١٥ م منتحلا اسم الشيخ إبراهيم المهدى وزار المدينة أنه لا يعتقد إذا كان المسجد النبوى قد أصابه تغيير مادى منذ عهد السمهودى وبعد الحريق الذى وقع سنة ٨٨٦ « انظر كتابه: رحلات فى بلاد العرب ( لندن سنة ١٨٢٩ م ص ٣٣٠). وذكر ريتشرد بيرتون فى رحلته إلى الحجاز التى بدأ بها فى خريف سنة ١٨٥٢ م أن المسجد السادس كما هو قائم الآن تقريباً شيده السلطان قايتباى فى سنة ٨٨٨ «، انظر الفصل ١٧ الذى عقده عن تاريخ المسجد النبوى فى كتابه: حجة إلى المدينة ومكة (لندن سنة ١٨٥٥م وقد رجعنا إلى طبعة لندن سنة ١٩٢٤ م ج١ ص٣٦٨). (٣) فى الأصل: ((فقال جمع ما سبق)) والتصويب من السهيلى (ج ٢ ص ١٢) الذى ساق نسب سهل وسهيل هكذا: هما أبنا رافع بن عمرو بن أبى عمرو بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار ، وأضاف أن سبيلا شهد بدراً والمشاهد كلها ومات فی خلافة عمر ، وأن سهلا لم یشهد بدراً و شهد غيرها ومات قبل أخيه سهيل . ٠٠ (٤) أورد ابن الأثير فى أسد الغابة (ج ٢ ص ٣٦٥ وما بعدها) سياقة أبى عمر لنسبهما إذ قال: سهل بن رافع بن عمرو بن عائذ بن ثعلبة ... والاختلاف فى عمرو وعائذ. ٤٩٩ حد أحد رواة الصحيح: أسعد [بن زرارة] بإِثبات الأَّلف [فى أَسعد] . قال الحافظ والسيد : ((وهو الوجه)). وقال ابن زَبَالة ويحيى إنهما كانا فى حِجْرأَبِى أَيوب. وقد يُجْمَع باشتراك مَنْ ذُكِرِ فى كونهما فى حُجُورهم ، وبانتقال ذلك بعد أَسعد بن زُرَارة إِلى مَنْ ذُكِرٍ واحداً بعد واحد ، سيما وقد روى محمد بن الحَسَن المخزوى عن ابن [ أَبِى ] فُدَيْك(١) قال: ( سَمِعْتُ بعض أهل العلم يقولون إن أَسعد توفى قبل أن يبنى رسول الله المسجد، فباعه رسول الله من سهل وسهيل )). الثالث: فى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل إِلى مَلأُ بنى النَّجَّار بسبب موضع المسجد، فقال: ((يا بنى النَّجار ثَامِنُونِى بحائطكم هذا))، فقالوا: ((والله لا نطلب ثمنه إلا من الله)). وفى رواية: ((فدعا بالغلامَيْن فساومهما بالمِرْبَد يتخذه مسجداً)). ووقع فى رواية ابن عُيَيْنَة: ((فَكَلَّمْ عَمَّهما، أَى الذى كانا فى حِجْره ، أَن يبتاعه منهما))، فقال: ((ما تصنع به؟ )) فلم يَجِدْ بُدَّا من أَن يَصْدُقَهما، فأخبرهما أَن رسول الله صلى الله الله عليه وسلم أراده، فقالا: ((نحن نعطيه))، فأَعطياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبناه . أخرجه الجندى(٢). وذكر ابن زَبّالة، ويحيى، أن أبا أيوب قال: يا رسول الله أَنا أُرْضِيهُمَا. وذكر ابن ١٠١٦ ت عُقْبَة أَن أَسعد عَوَّضهما عنه نَخْلا، / قال: وقيل ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وطريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ أنهم لما قالوا: ((لا نطلب ثمنه إلا من الله )) سأَل عَمَّن يختصّ بعِلْكه منهم، فعَيَّنوا الغُلَامَيْن، فابتاعه منهما أَو من وَلِيِّهما إِن كانا غَيْرَ بَالِغَينِ (٣)، وحينئذ فيُحْتَمَلِ أَن الذين قالوا: ((لا نطلب ثَمَنَه إِلا من (١) فى الأصل: ابن فريك بالراء والتصويب من الذهبى فى تذكرة الحفاظ (ج ١ ص ٣١٦) واسمه هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبى فديك دينار الديلمى المدنى محدث المدينة. قال البخارى توفى سنة ٢٠٠ هـ روى عن ابن أبي ذئب والضحاك ابن عثمان وابن الفضل وخلق، وروى عنه عبد بن حميد وأحمد بن الأزهر وسلمة بن شبيب. قال النسائى ليس به بأس ، انظر أيضاً خلاصة الخزرجى ص ٢٧٩. (٢) روى البلاذرى فى فتوح البلدان (ص ١٢ طبعة القاهرة سنة ١٩٠١ م) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى فى مسجد أسعد بن زرارة ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضاً متصلة بذلك المسجد كانت فى يده ليتيمين فى حجره يقال لهما سهل وسهيل ابنا رافع بن أبى عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم، فعرض عليه أن يأخذها ويغرم عنه لليتيمين ثمنها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر الصديق رضى الله عنه . (٣) زاد الزرقانى فى شرحه على المواهب ( = ١ ص ٣٦٤): ولا ينافيه وصفهما باليتم لأنه باعتبار ما كان، أو كانا يتيمين وقت المساومة وبلغا وقت التبايع . - ٥٠٠ -