Indexed OCR Text

Pages 461-480

بِبَلَدِى هذا))، وأَنها ((آخر قُرَى الإِسلام خراباً))، رواه الترمذى، وحَسَّنَه، ويأتى
بَسْطُه فى المعجزات إِن شاء الله تعالى، وعصمتها ، من الدَّجَّال وخروج الرجل الذى
هو خير الناس أو من خير الناس منها لِلدَّجَّال أيُّكَذِّبَهُ، ونقل وبائها وحُمَّاها والاستشفاء بترابها
وبتمرها كما سيأتى فى الخصائص .
وقَوْلُه فى حديث للطبرانى: ((وحَقُّ على كل مسلمٍ أَن يأتيها))، وسماعُه صلى الله
عليه وسلم لمن صَلَّى عليه بها عند قبره الشريف ، ووجوب شفاعته لمن زاره بها ، وغير ذلك
مما سيأتى فى باب فضل زيارته . وكُوْنُها أَوَّلَ مسْجدٍ اتخذه بها لعامة المسلمين فى هذه
الأُمة ، وتأسيس مسجدها على يده صلى الله عليه وسلم ، وعمل فيه بنفسه ، ومعه خَيْرُ
الأُمة، وأن الله سبحانه وتعالى أَنزل فى شأنه ( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى النَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
أَحَقُّ أَنْ تَقَومَ فِيهِ (١)) وكونه آخر مساجد الأنبياء، والمساجد التى تُشَدُّ إِليها الرِّحَال،
وكونه أَحَقَّ المساجد أَن يُزَار [ وما يُذْخَرُ لزائره من الثواب](٢) المُضَاعَف كما سيأتى
وأن من صَلَّى فيه أربعين صلاة كتب له براءة من النار وبراءة من العذاب ، وأَنه بَرِىء
من النفاق، وأن من خرج على طُهْر لا يريد إلا الصلاة فيه كان بمنزلة حِجَّة ، وماثبت
من أنَّ إِتيان مسجد قُبَاء والصلاة فيه تَعْدِل عُمْرَة وغير ذلك مما ثبت فى فضلها .
وأن بين بيته وقبره روضة من رياض الجنة، مع ذهاب بعضهم إلى أن ذلك يَعُمّ
مسجده صلى الله عليه وسلم، وأَنه المسجد الذى لا تُعْرَفِ بُقْعَة فى الأَرض من الجنة غيره ،
وأنه على حَوْضه صلى الله عليه وسلم، وما جاء فى أَن (( ما بين منبره الشريف والمُصَلَّى
روضة من رياض الجنة))(٣) وسيأتى ما يقتضى أن المُرَاد مُصَلَّى العيد وهو جانب كبير
من هذه البلدة .
وقَوْلُه فى أُحُد: [هذا جَبَلٌ](٤) يُحِبُّنَا ونُحِبُّه، وأنه على تُرْعة من تُرَع الجَنَّة. وفى
(١) من الآية ١٠٨ من سورة التوبة.
(٢) بياض بالأصول بقدر عدة كلمات والتكملة مما يقتضيه السياق.
(٣) أخرجه مسلم عن عبد الله بن زيد المازنى وعن أبى هريرة ولفظه عن المازنى: ما بين بيتي ومنبري روضة
من رياض الجنة وزاد أبو هريرة: ومنبرى على حوضى ( صحيح مسلم بشرح النووى ج ٩ ص ١٦١ : ١٦٢).
(٤) عن أنس: إن أحدا جبل يحبنا ونحبه (صحيح مسلم بشرح النووي ج ٩ ص ١٦٢).
- ٤٦١ -

وادى بَطْحَانْ أَنه على تُرَعةٍ من تُرَعِ الجَنَّةِ(١). وَوَصْفُهُ لواديها العقيق بالوادى المُبَارك، وأَنْه
يُحِبُّنَا وَذُحِبُّه(٢). وقَوْلُه فى ثِمَارها: ((إِن العَجْوَةَ من الجَنَّة)). وسيأُنى فى بئر غَرْس(٣)
أنه صلى الله عليه وسلم رأى أنه أَصْبَح على بِثْرٍ من آبار الجَنَّة فأَصبح عليها (٤). ورؤيا
الأنبياء حق .
واختصاص مسجدها بمزيد الأَدب . ويُكْتَب لمن صَلَّى بمسجدها صلاةً براءةٌ من النار
٤٣٥ ظ وبراءةٌ من العذاب / وأَنه بَرِىء من النِّفاق ، رواه الإِمام أحمد والطبرانى برجالٍ ثِقَات .
وخَفْضُ الصَّوْتِ فى تأكيد النَّعَلُّم والتعليم به. [ والحديث]: أَنْه (( لا يَسْمَعُ النِّدَاءَ فى
مَسْجِدِى، ثم يَخْرُج منه إِلا لِحَاجَةٍ ثم لا يرجع إليه إلا مُنَافِقِ)) واختصاصُه عند بعضهم
بِمَنْع آكِلِ الثَّوْم من دخوله لاختصاصه بملائكة الوَحْى والوعيدُ الشديد لمن حَلَف يميناً
فاجرة عند مِنْبَرِها ومضاعفة سائر الأعمال بها كما صَرَّح به الإِمام الغزالى . وأَن صلاة
الجمعة بها كأَلْف جمعة فيما سواها إلا المسجد الحرام . وأن صيام شهر رمضان بها كصيام
ألف شهر فى غيرها ، كما رواه البيهقى عن جابر بن عبد الله ، والطبرانى فى الكبير عن
بلال بن الحارث، وابن الجَوْزِى عن ابن عُمَر رضى الله عنهما .
وَكَوْنُ أَهْلِها أَوَّلَ من يشفع لهم النبى صلى الله عليه وسلم ، واختصاصهم بمزيد الشفاعة
والإكرام . وجاء بَعْثُ المَيِّت بها من الآمنين، وأنه يُبْعَثُ من بقيعها سبعون ألفاً على
صورة القمر يدخلون الجنة بغير حِسَاب، وتُوكَلُ الملائكة بمقبرة بقيعها كلما امتلأَّت
أَخذوا بأطرافها فكفئوها بالجَنَّة وبَعْتُه صلى الله عليه وسلم منها وبعث أهلها من قبورهم
:
(١) روى ابن شبة والبزار عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بطحان على ترعة
من ترع الجنة .
.(٢) عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادى العقيق فقال: (( يا أنس خذ هذه المطهرة
املأها من هذا الوادى فإنه يحبنا ونحبه))، فأخذتها فملأتها .
(٣) ضبطه السمهودى (ج ٢ ص ١٤٥) بضم الغين المعجمة قائلا بأنه هو الدائر على ألسنة أهل المدينة ( أى فى زمنه)
وضبطه الفيروزابادى بفتح الغين وسكون الراء .
(٤) عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى رأيت الليلة أنى أصبحت
على بئر من الجنة فأصبح على بئر غرس قتوضاً منها وبزق فيها وأهدى له عسل فصبه فيها وغسل منها حين توفى ، وعن ابن عمر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد على شفير غرس: ((رأيت الليلة كأنى جالس على عين من عيون الجنة يعنى
بئر غرس .
- ٤٦٢ -

قبل سائر الناس واستحباب الدعاء بها فى الأماكن التى دها نها صلى الله عليه وسلم وسيأتى
بيانها إِن شاء الله تعالى ويقال إنه يُسْتَجَاب بها عند الأسطوانة المُخْلَّقة، وعند المنبر وفى
زاوية دار عقيل بالبقيع وبمسجد الفتح (١) .
[ واختصاصها] بكثرة المساجد والمشاهد بها، واستخباث من عَابَ تُرْبَتَهَا، وأَفتى (٢)
الإِمام مالك أنه من قال تربتها رديئة أَن يُضْرَب ثلاثون دِرَّة، وأمر بحبسه وكان له
قَدْر، وقال: ما أَحوجه إلى ضرب عنقه، تُرْبَةٌ دُفِن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
يَزْعُم أنها غير طَيِّبة .
واستحباب الدخول لها من طريق والرجوع من أُخرى ، والاغتسال لدخولها ، واختصاص
أهلها بأَبعد المواقميت، وذهب بعض السلف إلى تفضيل البداءة بها قبل مكة ، وأَن نَفَراً من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبدأُون بالمدينة إِذا حَجُوا ويقولون نَبْدَأُ من حيث
أَخْرَم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن علقمة ، والأسود، وعَمْرو بن ميمون أنهم بدأوا بالمدينة
وعن العهدى من المالكية أَن المَشْى لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة. وسيأتى أَن
من نَذَرَ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لَزِمَهُ الوفاء قولاً واحداً . وفى وجوب الوفاء فى
زيارة [ قبر] غيره وجهان [ قاله ابن حَجّ(٣) وأَقره عليه الرافعى والنووى وغيرهما ] (٤)
والاكتفاء بزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن نَذّر إتيان مسجد المدينة كما قال
الشيخ أبو على تَفْرِيعاً على القول بلزوم إتيانه كما قاله [ الشافعى ] (٤) والبُوَيْطِى، على
أنه لابد من {ْ ضَمّ(٤)] قُرْبَة إلى الإِتيان كما هو الأَصَحّ [ تفريعاً على اللزوم وعَلَّلَه
(١) زاد السمهودى: وبمسجد الفتح بعد صلاة الظهر يوم الأربعاء، واستجابة الدعاء بمسجد الإجابة ومسجد
السقيا وبالمصلى عند القدوم وعند بركة السوق فى يوم العيد وعند أحجار الزيت وبالسوق لما سيأتى عند ذكر هذه الأماكن
من ورود ذلك عنه صلى الله عليه وسلم بها .
(٢) فى السمهودي (ج ١ ص ٥٧) استحقاق من عاب ترتبها للتعزير .
(٣) هو القاضى أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج أحد أركان المذهب الشافعى كان يضرب به المثل فى حفظ المذهب
وارتحل الناس إليه من الآفاق بحيث يفضله بعضهم على الشيخ أبى حامد الإسفرايينى ، وقال له فقيه: بما أستاذ، الاسم لأبي حامد
والعلم لك. قال: ذاك رفعته بغداد وحطتنى الدينور .. قتله العيارون بها سنة ٤٠٥ هـ. انظر طبقات الشافعية للتاج السبكى
(ج ٤ ص ٢٩) وتاج العروس مادة كج .
(٤) زيادة من السمهودي ( = ١ ص ٦١).
- ٤٦٣
٠٠

الشيخ أبو على بأَن زيارته صلى الله عليه وسلم من أعظم القُرُبَات، وتوقف فى ذلكِ الإِمام
من جهة أنها لا تتعلق بالمسجد وتعظيمه ، قال: وقياسه أَنه لو تَصَدَّقَ فى المسجد أَو صيامٍ
يوماً كفاه، وفيه نَظَر، على أَن الصحيح ما نُصَ عليه فى المُخْتَصَرِ من ](١) عدم لزومٍ
الإتيان(٢) .
وجاء فى سُوقِها أَن الجالب إِليه كالمجاهد فى سبيل الله، وأَن المُحْتَكِرَ كالمُلْحِد
فى كتاب الله تعالى. واخْتُصَّتْ بظهور نار الحجاز المُنْذَر (٣) بها من أَرْضِها ومن انطفائها
عند حُرَمها كما سيأتى فى المعجزات، لما تَضَمَّنَه حديث الحاكم وغيره. [ وفى حديث
النسائى والبزار والحاكم واللفظ له: ](٤) ((يُوشِك الناس أن يضربوا أَكباد الإبل
فلا يجدون عالِماً أَعلم من عالِم المدينة)). وكان سفيان بن عُيَيْنَة يقول : نرى هذا العالِم
مالك ابن أَنس . وقيل غير ذلك . وما نُقِلِ عن مالك من أَن إجماع أهلها يُقَدَّم على خَبَر
الواحد ، لسُكْنَاهِمِ مَهْبِط الوَجْى ومعرفتهم بالناسخ والمنسوخ .
· واختصاص أَهلها. فى قيام رمضان بستٍ وثلاثين ركعة على المشهور عند الشافعية .
قال الإِمام الشافعى : رأيت أهل المدينة يقومون بتسع وثلاثين ركعة منها ثلاث للوِتْر.
٤٣٦و ونقل الرويانى / وغيره عن الشافعى أن سببه إرادة أَهل المدينة مساواة أهل مكة فيما كانوا
يأتون به من الطواف ورَكْعَتَيْن بين الترويحات فجعلوا مكان كل أسبوع(٥) ترويحة .
قال الإمام الشافعى: ((لا يجوز لغير أهل المدينة أن يباروا أهل مكة ولا ينافسوهم لأَن الله
فَضَّلهم على سائر العباد)) ..
(١) ساقطة من الأصول والتكملة من السمهودى جـ ١ ص ٦١.
(٢) زاد السمهودى: وإن كان اللزوم أرجح دليلا، ورجح الرافعى تفريعاً على اللزوم ضم صلاة أو اعتكاف وكذا
إذا نذر إتيان المسجد الأقصى فإن نفس المرور لما لم يكن فى نفتبه مزية انصرف النذر إلى ما يقصد به من التقرب. وبهذا
يترجح ما قاله الشيخ أبو على لأن اتيان مسجد المدينة يقصد للصلاة والاعتكاف والزيارة بخلاف غيره .
(٣) أى التى أخبر بها صلى الله عليه وسلم للإنذار.
(٤) زيادة من السمهودى. ج ١ ص ٦٠ .
.(٥) أسبوع هناكما فى القاموس : طاف بالبيت سبعاً وأسبوعاً وسبوعاً. وشرح الزركشى فى إعلام المساجد ص ٢٦٠
ما كان يصنعه أهل مكة وهو أنهم كانوا إذا صلوا ترويحة طافوا سبعاً إلا الترويحة الخامسة فإنهم يوترون بعدها ولا يطوفون
فتحصل لهم خمس ترويحات وأربع طوافات. فلما لم يمكن أهل المدينة مساواتهم فى أمر الطواف الأربع وقد ساوؤهم
فى الترويحات الخمس جعلوا مكان كل أربع طوافات أربع ترويحات زوائد فصارت تسع ترويحات فتكون ستاً وثلاثين
ركعة لتكون صلاتهم مساوية لصلاة أهل مكة وطوافهم ، ثم أورد الزركشى بعد ذلك قولين آخرين فى سبب هذه الزيادة .
- ٤٦٤ -

وشاركتها مكة فى تحريم قطع الرطب من شجرها وحشيشها وصيدها واصطياده وتنفيره ،
وحَمْل السلاح للقتال بها ، ولا تحِل لُقَطَّتُها إلا لمن أَشاد بها ، ونقل ترابها ونحوه منها
أو إليها، ونبش الكافر إِذا دُفِن بها. وأَن كلاً من مسجد الرسول والمسجد الحرام يقوم
مقام المسجد الأقصى لمن نذر الصلاة أَو الاعتكاف فيه ، ولو نذرهما بمسجد المدينة لم
يُجْزِه الأقصى وأَجزاه المسجد الحرام بناء على زيادة المضاعفة ، وإِذا نذر المشى إلى بيت
المقدس بُخَيَّر بين المشى إليه أَو إِلى أَحدهما ، والذى رَجَّحوه ما اقتضاه كلام البغوى
من عدم لزوم المشى فى غير المسجد الحرام .
وإِذا نذر تطييب مسجد المدينة والأقصى ففيه تردد لإمام الحرمين ، واقتضى كلام الغزالى
اختصاصه بالمسجدين لأَنًا إِن نظرنا إلى التعظيم ألحقناهما بالكعبة أَو إلى امتياز الكعبة
بالفضل فلا . قال السيد (١): فينبغى الجَزْم فى نذر تطييب القبر الشريف على ساكنه
أفضل الصلاة والسلام. ورحم الله الإمام مالك أبى عبد الله محمد بن أحمد بن على بن جابر
الأندلسى المالكى(٢) الأعمى حيث قال :
فَبِالْقُرْبِ مِن خَيْرِ الوَرَى خِرْتُمُ السَّبْقَا
هنا وكم يا أَهْلَ طَيْبَة قد خَفَى
إلى سواها وإن جار الزمان ولو شَقًّا.
فلا يتحرك ساكِنٌ [ثوى بربوعها] (٣)
وَصَلْتُمْ فلم يَقْدِرْ ولو مَلَكَ الخَلْقَا
فَكَمْ مَلِكِ رَامَ الوصول لمِثْلٍ ما
(١) لفظ السمهودى (ج ١ ص ٦٠): وحيث كان الملحظ ما ذكر فينبغى ألا يتوقف فيما لو نذر تطييب القبر
الشريف .
(٢) ليس فى اسمه مالك كما جاء فى ترجمته فى كل من نكت الهيمان وشذرات الذهب فاسمه هو: أبو عبد الله محمد
ابن أحمد بن على بن جابر الهوارى المربى ( أى نسبة إلى بلدة المرية بالأندلس ) عرف بابن جابر، قدم دمشق وسمع بها على
أشياخ عصره وتوجه من دمشق إلى حلب فى أخريات سنة ٧٤٣ هـ. قال الصفدى ( نكت الهيمان ص ٢٤٥): اجتمعت
به مرات وسألته عن مولده فقال: سنة ٦٩٨ ه بالمرية قرأ القرآن والنحو على أبى الحسن على بن محمد بن أبى العيش والفقه
لمبالك على محمد بن سعيد الرندى وسمع صحيح البخارى من محمد الزواوى وقال الصفدى إنه ينظم الشعر جيداً وأنشدنى منه
كثيراً وهو الآن حى يرزق بناحية البيرة . ولقد كتب الصفدى هذا قبل سنة ٧٦٤ه التى توفى فيها أما ابن جابر فقد توفى
سنة ٨٧٨٠ كما جاء فى شذرات الذهب ( ج ٦ ص ٢٦٨ ) وقال ابن العماد فى ترجمته . كان ابن جابر رفيقاً لأبى جعفر
الرعينى وهما المشهوران بالأعمى والبصير كان ابن جابر هذا يؤلف وينظم ، والرعينى يكتب وأورد ابن فضل الله العمرى
شيئاً من شعر ابن جابر فى كتابه مسالك الأبصار وكان حريصاً على لقائه فلم يتفق للعمرى ذلك إذ توفى سنة ٧٤٨ هومن مؤلفات
ابن جابر شرح الألفية لابن مالك عنى فيه بإعراب الأبيات وله نظم لغصيح ثعلب ونظم لكفاية المتحفظ لابن الأجدابي
وشرح على ألفية ابن معطى . هذا ولم يترجم له المقرى فيمن رحلوا إلى المشرق من الأندلسيين .
(٣) بياض بالأصول وما أثبتناه محاولة لتكملة صدر البيت .
- ٤٦٥ -
(٣٠ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

فَبُشْرَاكُمُ نِلْتُمْ عِنَايَةَ رَبِّكُمْ
تَرَوْنَ رَسُولَ اللهِ فى كل ساعةٍ
مَتَّى جِئْتُمُ لا يُغْلَقُ الْبَابُ دُونَكُمْ
فَيَسْمَعُ شكواكم ويكشف ضُرَّكُمْ
بِطَيْبَة مثواكم وأَكْرَمُ مُرْسَلٍ
وكم نِعْمَةٍ لله فيها عَلَيْكُمُ
أَمِنْتُمْ من الدَّجَّل فيها فَحَوْلَهَا
كذاك من الطاعونِ أَنتَمَ بِمَأْمَنٍ
فلا تنظروا إِلا لِوَجْهِ حَبِيِكُمْ
حياةً وَمَوْتاً تحت رُحْمَاهُ أَنْتُمُ
فيا راحِلاً عنها لدنيا تُرِيدُها
أَتَخْرُجُ عَنْ حَوْزِ النَّبِىِّ وحِرْزِهِ
لئن سِرْتَ من فيض المكارم عنده(١)
هو الرِّزْقُ مَفْسُومٌ فليس بزائد
فَكَمْ قَاعِدٍ قد وَسَّعَ اللهُ رِزْقَةٌ
فَعِشْ فى حِمَى خَيْرِ الأَنَامِ وَمُتْ بِهِ
إذا قُمْتَ فيما بين قَبْرٍ وَمِنْبَرٍ
"لقد أَسْعَدَ الرَّحْمَنُ جَارَ مُحَمَّدٍ
فَهَا أَنْتُم فى بحر عِنَايَتِهِ غَرْقَى
ومَنْ يَرَهُ فهو السعيدُ به حَقًّا.
وَبَابُ ذوى الإِحسان لا يقبل الغَلْقَا
ولا يَمْنَعُ الإِحْسَانَ ضَرِّ ولا رِقًّا
يلاحظكم فَالدَّهْرُ يَحْرِى لكم وَفْقَا
فشكرا ونعم الله بالشكر تُسْتَبْقَى
ملائكةٌ يَحْمُونَ مِنْ دُونِهَا الطُّرْفَا
فوجه التلالى لا يزال لكم طَلْقَا
وإِن حادت الدُّنْيَا ومَرَّتْ فلا فَرْقًا
وحَشْراً فَسِتْرُ الجاه فوقكم مُلْقَى
أَتَطْلُبُ ما يَفْنَى وَتَتْرُكُ ما يبقى ؟
إِلى غَيْرِهِ تَسْفِيهُ غَيْرِكَ قَدْ حقًّا
فَأَكْرَمُ من خَيْرِ البَرِيَّةِ ما تَلْقَى /
ولو سِرْتَ حتى كِدْتَ تخترق الأُفْقَا
ومُرْتَحِلٍ قد ضاق بين الورى رِزْقًا
إذا كُنْتَ فى الدَّارَيْنِ تَطْلُبُ أَن تَرْقَى
بِطَيْبَةَ فَاعْرِفْ أَيْنَ خَيْرٌ لك الأَرْقَى
ومن حال فى تَرْحَالِهِ فهو الأَثْقَى
٤٣٦ ظ
ومن أعظم ما نُظِمٍ فى ذلك وأَعجبه قصيدة الإِمام الوَلِّ العارف بالله أَبى محمد عبد الله
ابن أَبِى عُمَرِ البِسْكَرِىّ(٢). قال العَلَّامة بدر الدين فَرْحُون (٣) أَحد أَصحاب ناظمها: إِن
(١) فى الأصول : لئن سرت من كريم أعانه .
(٢) فى توم: أبو محمد عبد الله بن أبى عمران السكرى، والنسبة الأخيرة خطأ وقد سبق للمؤلف ضبطها فى أول
الباب الثامن ص ٤٧٨ من هذه المخطوطة : البسكرى ، والاسم كما أورده السمهودى آنفا هو: أبو محمد عبد الله بن أبى عمر
وبما أن البسكرى - فيما نرجح - مالكى المذهب لأنه من بلدة بسكرة شرق الجزائر فى المغرب العربى فقد حاولنا ضبط اسمه
فى كتب طبقات المالكية مثل الديباج لابن فرحون ونيل الابتهاج للتمبكتى وشجرة النور الزكية مخلوف ولكنا لم نوفق
فى العثور عليه .
(٣) من اسمه ابن فرحون "ان: صاحب الديباج المذهب واسمه برهان الدين أبو الوفا إبراهيم بن نور الدين =
- ٤٦٦ -
٤
1

بعض الصالحين رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى المنام، قال البدر: ((وأَشُك هل كان
الشيخ أَو غَيْرُه ؟ وأنشد هذه القصيدة ، فلما بلغ آخِرَها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
رَضِينَاهَا رَضِينَاهَا)). وخَمَّسَها الإِمام أَبو عبد الله التونسى رحمه الله . وقد رأيت إيرادَ
ذلك هنا (١):
فَحَبِيبُ رَبِّ العَالَمِينَ ثواها(٢)
أَعْلَامُ طَيْبَةَ لاَتَهِمْ بِسِوَاهَا
وَاعْمُرْ فُؤَادَكَ دائِماً بِهَوَاهَا دَارُ الحَبِيبِ أَحَقُّ أَنْ تَهْوَاهَـ.
وتَحِنُّ من طَرَبٍ إِلَى ذِكْرَاهَا
وَبِكُلِّ عَامٍ قُمْ إِليهِ بِرِحْلَةٍ(٣)
لا تُخْلِ خَدَّ تُرَابِها مِنْ قُبْلَةٍ
لا تَفْنَعَنَّ مِنَ المَزَارِ بِمَرَّةٍ وَعَلَى الجُفُونِ مَنْ هَمَمْتَ بِزَوْرَةٍ
يَا ابْنَ الكِرَامِ عَلَيْك أَنْ تَغْشَاهَا
حَوَتِ الرَّسُولَ فَتِلْكَ أَطْيَبُ تُرْبَةٍ
اقْطَعْ زَمَانَكَ إِن سَعَدْتَ بِبَلْدَةٍ
فَلَأَنْتَ أَنْتَ إِذا حَلَلْتَ بِطَيْبَة
جَاوِرْهُ تَأْمَنْ أَن تُصَابَ بِشِدةٍ
وَظَلَلْتَ تَرْتَعُ فِى ظِلَالِ رُبَاهَا
وَبِجَاهِ مَنْ فيها تُخَلَّصُ مُهْجَتِى
هِى جُنَّتِى مِمَّا أَخَافِ وَجَنَّتِى
وإِذا نَظَرْتُ لَهَا فَذَلِك بُغْيَتِى مَعْنَى الجَمَالِ مُنَى الْخَوَاطِرِ وَالَّتِى
سَلَبَتْ عُقُولَ العاشقين حُلَاهَا
٠
تِلْكَ المِيَاهُ لنا الشِّفَاءُ بِشُرْبِهَا
تِلْكَ المَنَازِلُ لاَ نَعِيمَ كَتُرْبِها
يَا طِيبَ نَفْحَتِها وحُسْنَ مَهَبِّها لاَ تَحْسَبِ المِسْكَ الذَّكِىَّ كَثُرْبِهَا
هَيْهَاتَ أَيْنَ المِسْكُ مِنْ رَيَّاهَا
= أبى الحسن على بن محمد أبو القاسم فرحون بن محمد بن فرحون اليعمرى توفى سنة ٧٩٩ ه، انظر شذرات الذهب جـ ٦
ص ٣٥٧ . وابن فرحون الآخر هو عبد الله بن محمد بن أبى القاسم فرحون بن محمد بن فرحون بن اليعمرى المتوفى سنة ٧٦٩ ه
و لیس فی اسميهما بدر الدين .
(١) أورد السمهودى القصيدة بطولها دون تخميس فى خاتمة كتابه جـ ٢ ص ٤٥٤: ٤٠٦.
(٢) فى القاموس: ثوى المكان وبه يثوى ثواء وثوياً - بالضم - أطال الإقامة به أو نزل.
(٣) عجز البيت فى الأصل. وبكل عام كن لهذا رحلة . وفى البيت على هذه الصورة إقواء ، فضلا عن ركاكة التعبير
عند القول : كن لهذا رحلة . ولذلك غير ناه . وبكل عام قم إليه برحلة ، للمحافظة على طلاوة القصيدة .
- ٤٦٧ -

والمصطفى حَيًّا حَوَتْهُ وَمَيِّناً
لِمَ لا تَطِيبُ ثَناً وَنَكْرُمُ مَنْبتاً.
طَابَتْ فإِن تَبْغِ التَّطُّبَ يا فَتى
فَنَسِيمُهَا يَحْكِى العَبِيرَ إِذا أَتَّى
فَأَدِمْ على الساعات لَثْمَ ثَرَاهَا
ما اختارَها لرسوله لَمَّا سَرَى
لَوْ لَمْ تَكُنْ أَزْ كَى البَلَدِ وَأَطْهَرَا
فبطيبها أَيْقِنْ وخَلِّ من افْتَرَى وابْشِرْ ففى الخَبَرِ الصَّحِيحِ مُقَرَّرَا
أَن الإِلِهِ بِطَابَةٍ سَنَّهَا /
٤٣٧ و
فَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بدار حَبِيبِها
دارُ الحَبِيبِ لنا فَلُذْ بِرَحِيبِهِا
واخْتَصَّها بالطَّيِّبِينَ لِطِيبِهَا
اللَّهُ شَرَّفها به لِنَصِيبِها
واختارها ودَعَا إِلى سُكْنَاهَا
مَدَّتْ بها رُحْمَى الإِلِهِ ظِلَالَهَا من أَجْلِ مَنْ منَعَ النُّفُوسَ ضَلَالَهَا
جُلْ فِى الْبِلَادِ فَلَنْ تصيبْ مِثَالِهَا لا كَالْمَدِينَةِ مَنْزِلُ وكفى لها
شَرَفَاً حُلُولُ مُحَمَّدٍ بِفِنَاهَا
وأَشُمَّ مِنْ مَثْواهُ مِسْكاً أَذْفَـرَا
مَنْ لى بأَنْ أَلْقَى الحَبِيبَ وَأَظْفَرَا
خُصَّتْ(١) بِهِجْرَةٍ خَيْرٍ مَنْ وطىءَ الثَّرَى
وأَرَی التی شُفِفَتْ بِها مُهَجُ الوری
وأَجَلِّهِمْ قَدْرًا فكيف تَرَاهَا (٢) ؟
صَفَتِ القُلُوبُ لها لأَجْلٍ مَنْ اصْطُفِى
كُلَفِى بِهَا طَبْعٌ بغير تَكَلُّفٍ
كُلُّ الْبِلَادِ إِذا ذَكَرْتَ كَأَحْرُفٍ
وَجَلَالُ تلك الأَرْضِ ما هو بالخَفِى
فى اسم المدينة لاخلا معناها
وَلَأَهْلِهَا والنَّازِلِين رَحِيبةٌ
هى للقلوب الصافيات حَبِيبَةٌ
فَاقَتْ جَمِيعَ الأَرْضِ فهى غَرِيبَةٌ حاشا مُسَمَّى القُدْسِ فهى قَرِيبَةٌ
منها وَمَكَّةً إِنَّهَا إِيَّاهَا
(١) رواية السمهودى: حفظيت.
(٢) من الجائز أن تقرأ ثراها، بالثاء المثلثة.
- ٤٦٨ -
٢

فَاجْعَلْ مَزَارَكَ الثَّلاثِ وَظِيفَةً وَأَمَنْ بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ خِيفَةٌ
فَكِلاَهُمَا تَدَعُ القُلُوبَ نَظِيفةً لاَ فَرْقَ (١) إِلَّ أَنَّ ثَمَّ لَطِفَةً
مَهْمَا بَدَتْ يَجْلُو الظَّلَامَ سَنَاهَا
فَافْهَمْ وأَرجو أَن تُفِيقَ وتَفْهَمَا أَمْرَ الَّذِى هُوَ قَدْ سَمَا فَوْقَ السَّمَا
جَزَمَ الجَمِيعُ بِأَن خَيْرَ الأَرْضِ ما
إِن الفضيلةَ حيث أَصبح منهما
قَدْ حَاطَ ذَاتَ المُصْطَفَى وحواها
فمن العجائب مُهْجَتِى عنها سَلَتْ وهى التى بِضَرِيحِ أحْمَدَ فُضِّلَتْ
مثل العقود بِقَدْرِ جَوهْرِهَا غَلَتْ ونَعَمْ لِقِد صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ
كالنَّفْسِ حين زَكَتْ زَكَا مَأْواها
إِى أَقُول فلا تَكُنْ ذا غَيْبَةٍ قِفْ عند حُجْرَتِهِ بِغَوْقِفِ هَيْبَةٍ
فَاسْأَلْ فِإِنك لَنْ تَرَى ذا خَيْبَةٍ وَبِهَذِهِ ظَهَرَتْ مَزِيَّةُ طَيْبَةٍ
فَغَدَتْ وَكُلُّ الفَضْلِ فِى مَعْنَاهَا
مِنْها بَدَا لِلْخَلْقِ وَاضِحُ سُنَّةٍ فعلى البِلاَدِ لهَا عَظِيمَةُ مِنَّةِ
ولها خَصَائِصُ فَضْلِهَا ذو مُكْنَة حَتَّى لقد خُصَّتْ بِرَوْضة جَنَّة
اللهُ شَرَّفَهَا بها وحَبَاهَا
٤٣٧ظ
هِىَ غَيْرُ خَافِيَةٍ لِقَلْبٍ مُبْصِرٍ فَاغْسِلْ مِنَ الأَهْواءِ قَلْبَكَ وَانْظُرُ/
وَابْسُطْ هُنَاكَ الخَدَّ مِنْكَ وَعَقِّرٍ مَا بَيْنَ قَبْرٍ لِلنَبِّى ومِنْبَرِ
حَيَّا الآلَهُ رَسُولَهُ وَسَقَاهَا
وَدُخُولِ دَجَّالٍ وطَعْنٍ لاَحِقٍ
مُحْرُوسَةٌ مِن كُلِّ رِجْزٍ طارِقٍ
هَذِى مَحَاسِنُهَا فَهَلْ مِنْ عَاشِقِ
فَالْمَرْءُ فيها ذو فؤادٍ وَائِقٍ
كَلِفٍ شَحِيحٍ بَاخِلٍ بنواها
(١) فى السمهودي (جـ ٢ ص ٤٥٥): لا غرو .
- ٤٦٩ -

ومتى هَمَمْتُ بِغَيْبَةٍ عن عينها
رَبِّى أَدِمْنِى فِى حِمَايَسةِ صَوْنِها
إِى لَأَرْهَبُ من تَوَقُّعِ بَيْنِها
فَاجْعَلْ مماتى قَبْلَ سَاعَةٍ كونها
فَيَظَلّ قَلْبِى مُوجَعاً أَوَّاها
لا تُقْصِ عنها رِحْلَتِى وَتَوَدُّعِى
يَا خَيْرَ مَُْولٍ وَأَكْرَمَ " مَنْ دُعِى
وَلَقَلَّمَا أَبْصَرْتُ حَالَ مُوَدِّع
فمن الخَسَارِ فِراقُ ذاك المَوْضِعِ
إِلا رَثَتْ نَفْسِى لَهُ وَشَجَاهَا
إِنِى أَرَىَ ذَاكَ الرَّحِيلَ إِضَاعَةً
لا تجعلوا عنها الرَّحِيلَ صِنَاعَةً
فَلَكُمْ أَرَاكُمْ قَافِلين جَمَاعةً
وإِذا أَقَمْتُم كان ذلك طَاعَةً
فى إِثْرٍ أُخْرَى طالبين ثواها (١)
فِيمَ التَّرَجُلُ فى المدينة صَوْنُكُمْ(٢) وَبَجَاءِ خَيْرِ الخَلْقِ يَحْصُلُ عَوْنُكُمْ
قَسَمَاً لقد أَذْكَى فُؤَادِى بَيْنُكُمْ
فَالْخَيْرُ مُكْتُكُمُ هُنَاكَ وَ كَوْنُكُمْ
جَزَعاً وفَجَّر مُقْلَتِى مَيَّاها (٣)
عُودُوا فما خيراتُها بقليلةٍ
ضَيَّعْتُمُ واللهِ كُلَّ جَمِيلَةٍ
إِنْ كان يُزْعِجُكُمْ طِلَابُ فَضِيلَةْ
مالى إذا لم يقبلوا من حِيلَةٍ
فَالْخَيْرُ أَجْمَعُهُ لََدِى مَنْوَاهَا (٤)
أَوْ كَانَ يَدْعُو كُمْ إِلى أَن تَرْحَلُوا جَاهُ يُنَالُ فَجَاهُ أَحْمَدَ أَكْمَلُ
أَو نالكم ظَمَأُ فهذا المَنْهَلُ أَو خِفْتُمُ ضُرَّا بِها فَتَأَمَلُوا
بَرَكَاتِ بُلْغَتِهَا فما أَزكاها
فيها وَعَاشَ بها بِأَيْسَرِ بُلْغَةٍ
فإِذا امْرُؤٌ لم يَرْتَحِلْ من شِدَّةٍ
أُفِّ لمن يَبْغِى الكَثِيرَ لِشَهْوَةٍ (٥)
فَاقْنَعْ هُنَاكَ ولو بأَّدنى لُقْمَةٍ
لِرَفَاهَةٍ لم يَدْرِ ما عُقْبَاهَا
(١) فى السمهودى : هواها .
(٢) فى م صولكم باللام وأثبتنا ما فى ت.
(٣) لعلها من ميه السيف أى وضعه فى الشمس حتى ذهب ماؤه.
(٤) رواية السمهودى: فالخير كل الخير فى مثواها.
(٥) رواية السمهودى : إلا إذا يبغى الكثير لشهوة .
- ٤٧٠ -

وانْظُر إِلى ذاك الحِمَى وَتَلَذُّذِ
لا تَرْحَلَنَّ لِشَهْوةٍ وتَلَذُّذِ
فالْعَيْشُ ما يَكْفِى وَلَيْسَ هو الَّذِى
وبما يقيم النَّفْسَ(١) فاقْنَعْ وَاغْتَذِ
يُطْفِى النُّفُوسَ وَلَا خَسِيسَ مُنَاهَا /
٤٣٨و
س ے
فيها وَعَاشَ بها مُلَازِمَ طساعةٍ
لِلّهِ مَنْ لم يَكْتَرِثْ بِمَجَاعَةٍ
يارَبِّ أَسأَل مِنْكَ فَضْلَ قَنَاعَةٍ
ورأَى المُقَامَ بها سِنِينَ كساعةٍ
بِمَسِيرِهَا وَتَحَصُّناً(٢) بِحِمَاهَا
هِىَ نِعْمَةٌ فَأَفِضْ عَلَىَّ نَعِيمَها وَتَوَلَّ زَائِرَهَا وأَرْضِ مُقِيمَهَا
وأَنا السَّعِيدُ إِذا رُزِقْتُ قُدُومَهَا وَرِضَاكَ عَنِّى دَائِماً وَلُزُومَهَا
حتى تُوَافِىَ مُهْجَى أُخْرَاهَا
سَهَّلْتَ يا رَبِّى عَلَىَّ وُصُولَهَا وَحَثَنْتُ(٣) نَفْسِى أَن تَنَالَ دخُولَهَا
والنَّفْسُ تسأَلُ يا كريم قَبُولَهَا فَأَنَا الذى أَعْطَيْتُ نفسى سُؤْلَهَا
وقَبِلْتُ دَعْوَتَها فَيَا بُشْرَاهَا
إِن كُنْتَ ذا صِدْقٍ وصاحِبَ هِمَّةٍ فَاخْدِمْ حِمَاهُ فليس ضائع خِدْمَةٍ
وأَقِمْ فَإِنَّكَ لا تَزَالُ بِنِعْمَةٍ بِجِوَارِ أَوْفَى العَالَمِينَ بِلِئَّةِ
وأَعَزِّ مَنْ بِالقُرْبِ مِنه يُبَاهَى
مع كُلِّ رَكْبٍ أَمَّ طَيْبَةَ فَانْغُدٍ وَبِعِلْءٍ كَفِّ إِن تَسَّرَ فَاغْتَدٍ
وَبِكُلِّ عَامٍ فى زيارته خُذٍ مَنْ جاء بالآيات والنور الَّذِى
دَاوَى الْقُلُوبَ من العَمَى فشفاها
وهو الشَّفِيعُ لنا الكَرِيمُ المُنْيَةِ
وَلَهُ مِنَ الإِسْرَاءِ أَشْرَفُ رُتْبَةٍ
وهو المُكَرَّمُ باختصاصِ الرُّؤْيَةِ أَوْلى الأَنَامِ بِخُطَّةِ الشَّرَفِ الَّتِى
تُدْعَى الوسيلةُ خَيْرُ مَنْ يُعْطَاهَا
(١) فى الأصول: وبماذا تقيم فاقنع واغتذ .
(٢) رواية السمهودى : وتحبباً .
(٣) فى الأصول: ورضيت، وبها ينكسر الوزن إلا إذا حذفنا واو العطف وضعفنا الفعل أى: رضيت نفسى
أن تنال دخولها .
- ٤٧١ -

كُلُّ المكارمِ مُنَّ ◌َىُّ بُرُودِهِ ولقد أَضاءِ الكَوْنَ عند وروده
وَالْبَحْرُ يَقْصُرُ عن مَوَاهِبِ جُودِهِ إِنسانُ عَيْنِ الكَوْنِ سِرُّ وجُوُدِهِ
الحيـاة طاها
ياسين إكسير
والذِّئْبُ فى البَيْدَاءِ بَعْضَ دُعَاتِهِ
كانت حَمَامُ الغارِ بَعْضَ حُمَاته
ماذا أُعَدِّدُ من جَلَلَهَ ذَاتِهِ حَسْبِى فَلَسْتُ أَفِى ببعض صِفَاتِهِ
ولوَ أَنَّ لِى عَدَدَ الحَصَى أَفْـواهَا
وغَزَالةٌ نَادَتْهُ أَذْهَبَ ضُرَّها
حُكْمُ الشََّاءَةِ فِى يديه وأَمْرُهَا
والرُّوحُ حِينَ أَتَتْهُ شَرَّفَ قَدْرَهَا كَثُرَتْ محاسِنُه فأَعجز حَصْرَهَا
فَغَدَتْ وما نَلْقَى لها أَشْبَاهَا
وحَبَاه فى الدَّارَيْن كُلَّ عِنَايَة
الله أَرسله بكل هداية
فلقد حوى فى المجد أَبعدَ غايةٍ/ إنى اهتديت من الكتاب بآية
فَعَلِمْتُ أَنْ عُلَاُهُ ليس يُضَاهَى
٤٣٨ظ
فَشَهِدْتُ أَن اللهَ خَصَّ مُحَمَّدَا فغدا بأَملاك السَّمَاءِ مُؤَيَّدًا
وعلى لِسَانِ الأَنْبِيَاءِ مُمَجَّدَا وَرَأَيْتُ فَضْلَ العَالَمِينَ مُحَدَّدًا
وفَضَائِلُ المُخْتَارِ لا تَتَنَاهَى
أَمْدَاحُهُ تَبْقَى على مَرِّ الرَّمَنْ كم آيَةٍ فِينا له مَدْحٌ حَسَنْ
أَعْيَتْ مَدَائِحُهُ الحِسَانُ ذوى اللَّسَنْ كَيْفَ السَِّيلُ إِلى تَقَصِّى مَدْحَ مَنْ
قال الإِلُهُ لَهُ وَحَسْبُكَ جاها
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمٍْ فَخُصَّ وكُرِّما وبقول ما كَذَبَ الفُؤَادُ لقد سَمَا
ـاه ما قد قاله رَبُّ السَّمَا إِنَ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
وكفـ
فيما يَقُولُ يُبَابِعُونَ اللهُ
: فَلاَّجُلٍ خَتْمِهِمُ أَتَوْا من قَبْلِهِ
شَهِدَتْ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءُ بِفَضْلِهِ
وله لِوَاءُ الحَمْدِ خُصَّ بِحَمْلِهِ هذا الفَخَارُ فهل سَمِعْتَ بِمِثْلِهِ
واهاً لِنَشْأَتِهِ الكريمةِ وَاهَا.
- ٤٧٢ -

يا أمَّةً الهادى ومَنْ كَمِثَالِكُمْ فَجَلَالُ أَحْمَدَ شَاهِدُ بكمالِكُمْ
هو سِتْرُكُمْ هو ذُخْرُكُمْ لِمآلكم صَلُّوا عليه وَسَلِّمُوا قَبِدَلِكُمْ
تُهْدَى النُّفُوسُ لِرُشْدِها وغِنَاهَا
. فَمَقَامُهُ المَحْمُودُ يُعَرَفُ فِى غَدٍ
ما فى عِبَادِ اللهِ مِثْلُ مُحَمَّدٍ
وَلِحَوْضِهِ المَوْرُودِ أَكْرَمُ مَوْرِدٍ صَلَّى عليه اللهُ غَيْرَ مُقَيِّدٍ
وعليه من بر كاته أَنْمَاها.
إن الصَّلَاةَ عليه تُنْجِينَا غَدَا فإِذا هُمُو ذَكروا لَدَيْك مُحَمِّدَاً
◌ِظْ بالصلاة عليه أَكْبَادَ العِدَا وعلى الأَكابر آلِهِ سَرْجِ الهُدَى
أَكْرِمْ بِعِثْرَتِهِ وَمَنْ وَالآَهَا
أُعْزِزْ بآلَ مُحَمَّد فَلَدَيْهِمُ يُعْطَى المُنَى فالجُودُ مِلْكُ يَدَيْهِمُ
وكذا السلام عليه ثُمَّ عَلَيْهِمُ
وإليه صَرْفُ ثنائنا وإِليهِمُ
وعلى عِصَابَتِهِ التى زَكَّاهَا
ولقد أَتَوْا(١) عند الحوائج بَابَهُ
كانوا إذا التمس السَّمَاحُ سَحَابَهُ
أَعْنِى الكِرَامَ أُولِى النُّهَى أَصْحَابَهُ/
مَلَكُوا من المَجْدِ الأَثِيلِ لُبَابَهُ
فِئَّةُ التِّقَى ومن اهْتَدَى بِهُدَاهَا
٤٣٩و
بنفاذِهِ
لی
فإِن ارتضاه وجاد
مَدْحِى لِأَحْمَدَ لا حِمَی گَمَلاذِهِ
والحَمْدُ لِله الكريم وهَبِذِهِ
فَلَنِعْمَ ما أَنا عائذٌ بِمُعَاذِهِ
نَجَزَتْ وظَنِّى أَنْه يَرْضَاهَا
زاد مُخَمِّسُها الشيخ أبو عبد الله محمد، عفا الله تعالى عنه بِمَنِّه ولُطْفِهِ وكَرَمِه
آمین :
وسُئِلْتُ فى تَخْمِيسِهَا لِتَطُولَا
مُنِحَتْ قَصِيدُ البِسْكَرِىِّ قَبُولًا
فَأَّرَدْتُ فى باب الثَّوَابِ دُخُولًا وأَطَلْتُ فى نَسْجِ الكَلَامِ ذُيُولًا
قيل الرِّيَاضُ نَمَتْ فَزَادَ شَذَاهَا
(١٠) فى الأصول : غدوا.
- ٤٧٣ -

وأَعَدَّ فى دارِ النَّعِيمِ لنا القِرَى
غَفَرَ الإِلهُ لَهُ ولِ ولمن قُرَا
فَعَلَى قَصِيدَتِهِ سَنَا صِدْقٍ يُرَى
وحَبَاهُ أَجْرَ المُخْلِصِينَ لنا القِرَى
وَكَفَتْهُ رُؤْيَا فى المَنَامِ رَآهَا
قال الرَّسُولُ له رَضِيتُ فَيَالَهَا بُشْرَى بِنِيَّتِهِ الجَمِيلَةِ نَالَا
فَهِىَ السَّعَادَةُ قِد مُنِحْتُ نَوَالَهَا.
فإِنِ ارْتَغَيْتُ بِأَنْ أَنَالَ مِثَالَهَا
وهناك تَظْفُرُ مُهْجَتِى بِمُنَاهَا
وَاغْفِرْ خَطَايَانَا وأَذْهِبْ ضُرَّنَــا
يَارَبِّ بالمُخْتَارِ يَبِّرْ أَمْرَنَا
وَاجْزِلْ عطايانا واجْمِلْ سَتْرَنَا وَاجْعَلْ بِطَيْبَةً فى حِمَاهِ مَرَّنَا
وأَجِبْ سُؤالَ نفُوسِنَا وَدُعَاهَا
يارَبِّ صَلِّ عَلى النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ وَالْآلِ وَالصَّحْبِ الكِرَامِ المَحْتِدِ
القَائِمِينَ الرَّاكِعِينَ السُّجَّدِ بِحُمَاةِ دِينِكَ بِالِّلِسَانِ وباليَدِ
والمالِ حُبّاً للرَّسُولِ وَجَاهَا
تنبيه : سيأتى فى المعجزات وفى الخصائص أشياء تتعلق بالمدينة الشريفة الكريمة إِن شاء
الله تعالى ،
- ٤٧٤ -

◌ُمَّاع أبوابِ بَعْضَحَادِثْ مِنِ السَّنَةِ الأولى
والثّانيةِ مِن الهِجْرَة

الباب الأول
٤٣٩ظ
فى صلاته صلى الله عليه وسلم الجمعة ببنى سالم بن عوف/
وهى أَوَّلُ جمعةٍ صَلَّاها وأَوَّلُ خُطْبَةٍ خطبها كما جزم به [ أَبو سَلَمة بن عبد الرحمن(١)]
والعيون [نقلاً عن](٢) ابن إسحق ، والبيهقى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
قال: (( كان أول خُطْبَة خطبها رسول الله صلى اله عليه وسلم بالمدينة أنه قام فيهم فحَمِدَ الله
وأثنى عليه بما هو أَخْلُه ثم قال: ( [ أَما بعد](٣): أيها الناس فَقَدِّمُوا لأَنفسكم [تَعْلَمُنَّ(٤)] والله
[ لْيُصْعَقَنَّ](٤) أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ ليس لها راعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ له رَبُّه، وليس له
تَرْجُمَانُ ولا حاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ : أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِ فَبَلَّغَكَ وَآتَيْتُكَ مالاً وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ
فما قَدَّمْتَ لْنَفْسِكِ؟ فَلَيَنْظُرُنَّ يميناً وَشِمَالاً فلا يَرَى شيئاً، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّمَه فلا يَرَى
غَيْرَ جَهَنَّمَ ، فمن استطاع أَنْ يَقِىَ وَجْهَهُ من النَّارِ ولو بِشِقٌّ من تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ ، ومَنْ لم يَجِدْ
فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ، فإِنَّ بِها تُجْزَى الحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِها إِلَى سَبْعِمائةٍ ضِعْفٍ ، والسلام [عليكم]
وعلى رسول الله ورحمة الله وبر كاته)) .
ثم خَطَبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّةً أُخْرَى فقال: ((إن الحَمْدَ لله أَحْمَدُهُ
وأَسْتَعِينُه، نَعُوذُ بالله من شرورٍ أَنفسنا وسَيِّئَاتِ أَعمالنا، من يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ
يُضْلِلْ فلاهَادِىَ له، وأَشهد أَلَّا إِلهَ إِلّ الله وَحْدَه لاشريكَ له، إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابُ الله
تبارك وتعالى، قد أَفْلَحَ من زَيَّنَه الله فى قلبه، وأَدخله فى الإِسلام بعد الكُفْر ، واختاره على ماسواه
من أحاديث الناس، إِنه أَحْسَنُ الحديثِ وأَبْلَغُه، أَحِبُّوا من أَحَبَّه (٥) الله، أَحِبُّوا الله من كل
(١) بياض بالأصول والتكملة من ابن هشام (جـ ٢ ص ١١٨).
(٢) بياض بالأصول .
(٣) زيادة من ابن هشام والإمتاع للمقريزي (ج ١ ص ٤٦).
(٤) بياض بالأصول والتكملة من ابن هشام والإمتاع.
(٥) في ابن هشام : أحبوا ما أحب الله .
- ٤٧٧ -

قلوبكم ولا تَمَلُّوا كلامَ الله وذِكْرَه، ولاتَقْسُ عنه قلُوبُكُمْ، فإنه من كل ما يَخْلُق الله
يَخْتَارِ وَيَصْطَفِى قد سَمَّاه اللهُ خِيرَتَه من الأَعمال ومُصْطَفَاهُ من العِبَاد والصَّالِحَ من الحديث ،
ومن كل ما أُوتِىَ النَّاسُ من الحَلالِ والحَرَامِ، فَاعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئاً واتَّقُوهُ حَقَّ
تُقَاتِهِ واصْدُقُوا اله صالِحَ ما تقولون بأفواهكم، وتَحَابُّوا بِرُوحِ اللهِ بينكم، إن الله يَغْضَبُ
أَن يُنْكَثَ عَهْدُهُ. والسلام عليكم ورحمة الله وبر كاته )) ...
وروى ابن جرير(١) عن سعيد بن عبد الرحمن الجُمَحِىّ أَنه بلغه [عن] خُطْبَة رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى أول جمعة صَلَّاها بالمدينة فى بنى سالم بن عوف: ((الحَمْدُ للَّه أَحْمَدُهُ
وأَسْتَعِينُهُ، وأَسْتَغْفِرُهُ وأَسْتَهْدِيه، وأُومِنُ به ولا أَكْفُرُهُ، وأُعَادِى من يَكْفُرُه ، وأَشهد
أَلَّا إِله إِلاَّ اللّه وَحْدَه لاشريك له، وأَن محمداً عَبْدُه ورسولُهُ أَرسله بالهُدَى ودين الحَقّ، والنور
والمَوْعِظَة ، على فَتْرةٍ من الرُّسُل، وقِلَّةٍ من العِلْم، وضلالةٍ من الناس، [وانقطاعٍ من
الزمان(٧)]، ودُنُوٌّ من الساعة، وقُرْبٍ من الأَجَل، مَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشِدَ، ومن
يَعْصِهِمَا فقد غَوَى وفَرَّط وضَلَّ ضَلالاً بعيداً، أُوصِيكُمْ بتقوى الله، فإنه خَيْرُ مَا أَوْصَى بِهِ المُسْلِمُ
المُسْلِمَ أَن يَحُضَّه على الآخرة، وأَن يَأْمُرَه بتقوى الله عزَّ وجَلَّ، فاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكم الله
من نفسه ولا أَفْضَل من ذلك ذِكْراً ، وإن تقوى الله لمن عَمِلَ به على وَجَلٍ ومَخَافَةٍ [مِنَّ رَبِّه](٢)
عَوْنُ صِدْقٍ على ما تَبْغُونَ من أَمر الآخرة، ومَنْ يُصْلِح [الذى] بينه وبين الله تعالى من
[أمره فى (٢) ] السِّرِّ والعلانية لا يَنْوى بذلك إلا وَجْهَ الله يَكُنْ له ذِكْراً فى عاجل أَمْرِهِ
[ وذُخْراً فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قَدَّم . وما كان مما سِوَى ذلك يَوَدُّ لو أَنَّ
بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَمَداً بعيداً ((وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ(٣) )) هو الذى صَدَقَ قَوْلَه،
وَنْجَزَ وَعْدَه ، لا خُلْفَ لذلك، فإنه يقول عَرَّ وجَلّ ((مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّم
لِلْعَبِيدِ(٤))) فَأَتَّقُوا اللهَ فى عاجِلٍ أَمْرٍكم (٥)] وآجِلِهِ فى السُّرِّ والعلانية فإِنَّه ((وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ
(١) إسناده كما أورده ابن جرير الطبرى فى تاريخه (ج ٢ ص ٢٥٥): حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا
ابن وهب قال حدثنى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى .
(٢) زيادة من تاريخ الطبرى الذى نقل عنه المؤلف.
(٣) من الآية الثلاثين من سورة آل عمران.
(٤) من الآية التاسعة والعشرين من سورة ق .
(٥ ) الأسطر الواقعة بين معقفين ساقطة من ت وم والتكملة من تاريخ الطبري ج ٢ ص ٢٥٥ وتفسير القرطبي - ١٨
ص ٩٨ ٫ ٠٩٩
- ٤٧٨ -

٤٤٠و
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِ، ويُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (١)) وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ فقد فاز فوزاً عظيماً. وإِن تَتْوَى اللهِ
تُوَقِّى مَقْتَه وتُوَقِّى عقُوبَتَه وَتُوَقِّى سَخَطَه وإِن تَقْوَى الله تُبَيِّضُ / الوجوه (٢)، وتُرْضِى
الرَّبَّ، وتَرْفَعُ الدَّرَجة. فَخُذُوا بِحَظَّكم ولا تُفَرِّطُوا فِى جَنْبِ اللّه، فقد عَلَّمكم
كتابَه، ونَهَجَ لكم سَبِيلَه، لِيَعْلَمِ الذين صَدَقُوا وَيَعْلَمَ الكاذبين. فَأَحْسِنُوا كما أَحْسَنَ اللهُ
إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا فى اللّه حَقَّ جِهَادِ، هو اجْتَبَاكُمْ وسَمَّاكم المسلمين
(( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَىَّعن بَيِّنَةٍ(٣) )) ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا باللّهِ. فَأَكْثِرُوا
ذِكْرَ اللهِ تعالى واعملوا لما بعد الموت(٤)، فإنه من يُصْلِحْ ما بينه وبين الله يَكْفِهِ اللهُ ما بينه
وبين الناس، ذلك بأَن الله يَقْضِى على الناس ولا يَقْضُونَ عليه، ويَعْلِكُ من الناس ولا يَمْلِكُونَ
منه. الله أكبر، ولا حَوْلَ ولا قُرَّةَ إِلا بالله العَلِيّ العظيم)).
تَنْيَهَاتٌ
الأَول: قال فى الرَّوْض: قَوْلُه صلى الله عليه وسلم: ((أَحِبُّوا الهَ من كل قلوبكم))،
يريد أن تستغرِقَ مَحَبَّةُ اله تعالى جميعَ أَجزاء القَلْب، فيكون ذِكْرُه وَعَمَلُه خارجاً من
قلبه خالصاً لله (٥). وتَتَدَّم الكلام على مَحَبَّتِهِ لعَبْده، وَمَحَبَّة العَبْدِ لِرَبِّه فى اسمه صلى الله
عليه وسلم: ((حبيب الله)) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولا تَمَلُّوا كلامَ الله وذِكْرِه .. فإِنه من كل ما يَخْلُقُ الله
يَخْذَارُ وَيَصْطَفِى)) قال السهيلى: ((الهاء فى قوله: (فإِنَّهُ) لا يجوز (٦) أن تكون عائدة على
كلام الله تعالى، ولكنها ضمير الأَمر والحديث، فكأنه قال: إِن الحديث من كل ما يَخْلقُ الله
يختار، فالأَعمال إِذاً كُلُّها من خَلْقِ الله، قد اختار منها ما شاء، قال سبحانه : ((وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ(٧))).
(١) من الآية الخامسة من سورة الطلاق.
(٣) من الآية الثانية والأربعين من سورة الأنفال.
(٢) فى الأصول: الوجه، وأثبتنا رواية الطبرى والقرطبى.
(٤ ) فى الطبرى لما بعد اليوم.
(٥) زاد السهيلى بعد ذلك ( الروض الأنف جـ ٢ ص ١٥): وإضافة الحب إلى الله تعالى من عبده مجاز حسن، لأن
حقيقة المحبة إرادة يقارنها استدعاء للمحبوب إما بالطبع وإما بالشرع ، وقد كشفنا معناها بغاية البيان فى شرح قوله عليه
السلام: ((إن الله جميل يحب الجمال)).
(٦) في ت وم: ((لابد)) وهذا مناقض للسياق، والتصويب من السهيلى جـ ٢ ص ١٥ (٧) من الآية ٦٨ من سورة القصص.
- ٤٧٩ -

وقوله: ((قد سَمَّاه الله خِيرَتَه من الأعمال))، يعنى الذِّكْر وتلاوة القرآن [ لقوله
سبحانه: ((ويختار)) فقد اختاره من الأعمال(١)]. وقَوْلُه: ((والمُصْطَفَى من عِبَاده)):
أى وسَلَّى المصطفى من عباده بقوله تعالى: ((اللهُ يَصْطَفِى مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ(٢)))
ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده أَى العَمّل الذى اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم ،
فلا تكون ((من)) على هذا للتبعيض، إنما تكون لابتداء الغاية ، لأَنّه عمل استخرجه منهم
بتوفيقه إياهم ، والتأويل الأَول أَقرب مأُخذاً. والله أعلم بما أراد رسولُه(٣))).
وقوله فى أول الخُطْبَةِ: ((إِن الحمدُ لله أَحْمَدُه))، هكذا يرفع الدال [من قوله: الحَمْدُ
الله](٤) وَجَدْتُهُ مُقَيَّداً مُصَحَّحاً عليه، وإعرابه ليس على الحكاية، ولكن على إضمار الأمر،
كأَنّه قال: ((إن الأمر الذى أَذكره »، وحَذَفَ الحساء العائدة على الأَمر کی لايُقَدِّم شيئاً
فى اللفظ من الأَسماء على قوله: ((الحمد لله)). وليس تقديم ((إِنَّ)) فى اللفظ من باب تقديم
الأَسماءِ لأَّها حَرْفٌ مُؤْكِّدُ لِمَا بَعْدَهُ مع ما فى اللفظ من النَّحَرىِّ للفظ القرآن والتَّيَمُّن به
[والله أعلم(٤)] .
الثانى: اخْتُلِفَ فى تسمية اليوم بذلك، مع أنه كان اتفاقاً(٥) يُسَمَّى فى الجاهلية :
((العَرُوبة)) - بفتح المهملة وضَمّ الراء وبالمُوَحَّدَة - قلتُ: قال أَبو جعفر النَّحَّاس فى كتابه :
((صناعة الكتابة)): لا يعرفه أَهل اللغة إلا بالألف واللام [إِلَّا](٦) شَاذًا، ومعناه اليوم
المُبَيِّن المُعَقَّم من أَعْرَبَ إِذا بَيَّن . فقيل سُمِّى بذلك لأَن الخلائق جمعت(٧) فيه ، ذكره
أبو حذيفة البخارى فى المبتدا عن ابن عباس، وإسناده ضعيف. وقيل لأَن خَلْق آدم
جمع فيه .
(١) زيادة من السهيلى.
(٢) من الآية ٧٥ من سورة الحج .
(٣) هذه الفقرة منقولة أيضا عن السهيلى = ٢ ص ٠١٥
(٤) زيادة من السبيل .
(٥) فى الأصول: ((مع أنه الاتفاق كان)) والتصويب من تاج العروس مادة عرب.
(٦) زيادة من تاج العروس فى شرحه لكلمة عروبة.
(٧) في ت. وم : جمع
- ٤٨٠ -