Indexed OCR Text
Pages 341-360
وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن سعيد القاضى شيخ النسائى فى مسند الصديق عن الحسن البصرى قال: ((جاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إِذا رَأَوْا على باب الغار نَسْجَ العنكبوت(١) قالوا: لم يدخله أَحد. وكان النبى صلى الله عليه وسلم قائما يصلى وأبو بكر يرتقب . فقال أبو بكر : يا رسول الله هؤلاء قومك يطلبونك ، أَمَا والله ما على نفسى أَبكى ولكن مخافة أَن أَرى فيك ما أكره . فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تخف إن الله معنا)) وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال: (( قلت للنبى صلى الله عليه وسلم ونحن فى الغار. لو أن أحدهم نَظَرَ إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه(٣))) فقال: (( ما ظَنُّك باثنَيْن الله ثالثهما)) . وروى أبو نعيم فى الحِلْيَة عن عطاء بن ميسرة قال: ((نَسَجَتْ العنكبوت مَرَّتَيْن مَرَّةً على داود حين كان طالوت يطلبه ومرة على النبى صلى الله عليه وسلم فى الغار)). وذكر البلاذرى فى تاريخه وأبو سعيد فى الشرف أن المشركين استأجروا رجلاً يقال له عَلْقمة بن كُرْز بن هلال الخزاعى - وأسلم عام الفتح - فقفا لهم الأثر حتى انتهى إلى غار ثور(٣) وهو بأسفل مكة فقال: ههنا انقطع أثره ولا أدرى أَخذ يميناً أَم شِمالاً أم صعد الجبل. فلما انتهوا إلى فم الغار قال أمية بن خَلَف: ما أَرَبُّكُم فى الغار ؟ إن عليه لعنكبوتاً كان قبل ميلاد محمد . ثم جاء فيال . ٠ وروى البيهقى عن عروة أَن المشركين لما فقدوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رَ كِبُوا فى كل وجه يطلبونه وبعثوا إلى أَهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجُعْلِ العظيم وأَتوا على ثور الجبل الذى فيه الغار الذى فيه النبى صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أصواتهم ، فأَشفق أبو بكر وبكى وأقبل عليه الهَمّ والحزن والخوف ، فعند ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَا تَحْزَنْ إِنَّ (١) من بليغ الأبيات التى قيلت فى هذا الصدد: والعنكبوت أجادت حوك حلتها فاتحال خلال النسج من خلل (٢) العبارة هنا بها تكرار، وهى كما أوردها ابن الأثير فى أسد الغابة (ج ٣ ص ٢٠٩): لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا . (٣) فى معجم البكرى ج ١ ص ٣٤٨: هو ثور أطحل وهو جبل مكة الذى فيه غار النبى صلى الله عليه وسلم. وروى الحربى من طريق التيمى عن أبيه عن على قال : حرم النبى صلى الله عليه وسلم ما بين عير إلى ثور . - ٣٤١ - اللّهَ مَعَنَا (١))) ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت السكينة من الله تعالى . وروى ابن أبى حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقى وابن عساكر عن ابن عباس فى قوله تعالى: ٤١١ و (فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِنَتَهُ عَلَيْهِ )(١)، قال: على أبى بكر لأَن / النبى صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينةُ معم(١) وروى أبو نعيم عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما أن أبا بكرٍ رأى رجلاً مواجهاً الغار فقال: ((يا رسول الله إنه يرانا)». «قال كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها ». فلم ينشَب أَن فعَد يبول مستقبلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أَبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا)) . ويرحم الله الشَّرَف البوصيرى(٢) حيث قال : أَلِفَتْهُ ضِبابُها وِالظِّبَاءُ وَيْحَ قومٍ جَفَوْا نَبِيّاً بأَرضٍ وقَلَوْهُ وَرَدَّهُ الْغُرَبَاءُ وسَلَوْهِ وحَنَّ جِذْعٌ إِلَيْهِ وحَمَتْهُ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ أَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَآوَاهُ غَارٌ ما كَفَتْهُ الحَمَامَةُ الحَصْداء(٣) وكَفَتْهُ بِنَسْجِهَا عَنْكَبْوتٌ (١) هذا من الآية الأربعين من سورة التوبة وتمامها: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)) وأخرج البخارى فى تفسيرها ( ج ٦ ص ١٢٦) حديثاً رواه أنس عن أبى بكر أنه قال : كنت مع النبى صلى اللّه عليه وسلم فى الغار فرأيت آثار المشركين قلت : يا رسول اللّه لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) وروى فى تفسير: ((فأنزل الله سكينته عليه)) أى على أبى بكر بتأمين النبى صلى الله عليه وسلم له فسكن جأشه وذهب روعه ( تفسير القرطبى ج ٨ ص ١٤٨). (٢) فى الأصول: الأبوصيرى وأثبتا الاسم الذى اشتهر به صاحب البردة. وعلق الزرقانى فى شرحه على المواهب (ج ١ ص ٣٣٠) على هذه النسبة لبلدة بوصير قائلا: لو سلم أن القرية بلفظ الكنية فإنما يقال, فى النسبة ((صيرى)) بحذف الجزء الأول كما يقال بكرى فى النسبة إلى أبى بكر إذ لا ينسب إلى الاسمين معاً المضاف والمضاف إليه لأن إعراب أو لهما بحسب العوامل والثانى مخفوض بالإضافة. غير أن هذا لا يصح لأن بو أو أبو أساسية فى الكلمة ، قال محمد رمزى فى القاموس الجغرافى للبلاد المصرية ق ٢ = ٢ ص ٦٩ القاهرة سنة ١٩٥٨. وبناء على ذلك يجب أن يلاحظ أن كلمة أبو التى فى أول اسم بوصير هى جزء من الاسم لا يجوز أن تتغير بما يدخل عليها من عوامل الإعراب كما يفعل بعض الكتاب الذين لا يعرفون أصل هذا الاسم . (٣) يقال شجرة حصداء أى كثيرة الورق فكأنه استعارة الحمامة لكثرة ريشها. - ٣٤٢ - وحيث قال : أَقْسَمْتُ بِالقَمَرِ المُنْشَقِّ أَن له من قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ وكلُّ طَرْفٍ من الكُفَّارِ عنه عَمِ وما حَوَى الغارمن خَيْرٍ ومن گَرَمٍ وهم يقولون ما بالغار من أَرٍمِ(١) فالصِّدْقُ فى الغار والصِّدِّيقُ لم يَرِدَا خير البَرِيَّةِ لم تَنْسِجْ وَلَمْ تَهُم. ظَنُّوا الحَمَامَ وَظَنُّوا العَنْكَبُوتَ على من الدُّرُوعِ وعن عالٍ من الأُطُمـ وِقَايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عن مُضَاعَفَةٍ لطيفة : سئل بعضهم عن الحكمة فى اختفائه صلى الله عليه وسلم فى غار ثَوْر دون غيره فأُجِيب بأَنّه صلى الله عليه وسلم كان يحب الفَأْلَ الحَسَن، وقد قيل إن الأَرض مستقرةٌ على قرن الثَّوْر فناسب استقراره صلى الله عليه وسلم فى غار ثَوْر تفاؤلاً بالطُمَأْنِينَة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه . وروى ابن عَدِىّ وابن عساكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحَسَّان: ((هل قلت فى أبى بكر شيئاً؟)) قال: نعم. قال: ((قُلْ وأَنا أَسمع ))، فقال : والثانِىَ اثْنَيْنِ فى الغارِ المُنِيفِ وقد طاف العَدُوُّ بِهِ إِذْ صَعَّدَ الجَبَلَا(٢) وكان حِبَّ رَسُولِ اللهِ قد عَلِّمُوا من البَرََّةِ لْمٍ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلَا(٣) فضَحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه / ثم. قال: ((صَدِقْتَ يا حَسَّان ٤١١ ظ هو كما قلت . قالت عائشة رضى الله عنها: (( فكَمَنا فى الغار ثلاث ليال وكان عبد الله بن أبى بكر يبيت عندهما ، وهو غلام ثَقِفُ لَقِن(٤)، فيُدْلِج من عندهما بسَحَر فيصبح مع قريش (١) الأرم والإدم ككتف وعنب حجارة أو نحوها تنصب فى المغارة ليهتدى بها. (٢) وقبله : فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا إذا تذكرت شجواً من أخى ثقة التالى الثانى المحمود شيمته وأول الناس طراً صدق الرسلا (٣) وبعده: خير البرية أنقاها وأرأفها بعد النبى وأوفاها بما حملا - أنظر ديوان حسان (القاهرة سنة ١٩٢٩ ص: ٢٩٩ : ٣٠٠) . (٤) فى النهاية (جـ ١ ص ١٣١) فى حديث الهجرة وهو غلام لقن ثقف أى ذو فطنة وذكاء، ورجل ثقف وثقف وثقف - بكسر القاف وضمها وتسكينها - والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. وعند الزرقانى لقن أى سريع الفهم . - ٣٤٣ - [ بمكة كبائت](١)، فلا يَسْمَعِ بأَمْرٍ يُكَادان به (٢) إلا وعاه حتى يأتيهما بخَبَر ذلك حين يختلط الظلام . وعند ابن إسحق أن أسماء بنت أبى بكر كانت تأتيهما إذا أَمست بما يُصْلِحُهما من الطعام . وكان عامر بن فُهَيْرة يَرْعَى غَدَماً لأبى بكر فى رُعْيَان(٣) أَهل مكة فإِذا أَمْسَى يُرِيحُهما عليهما حين تذهب ساعة من العِشاء، فَيَبِيتَان فى رِسْلِ [ وهو لَبَن مِنْخَتِهِما(٤) ] ورَضِيفهما (٥) [ حتى يَنْعَق بها عامر بن فُهَيْرَة بِغَلَس(٤) ] ، يفعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث . فلما مضت الثلاث وسَكَنَ عنهما الناس أَتاهما صاحبهما الذى استأجراه فَرَكِبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدِّيلى. وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما فى الطريق - وعند البخارى(٦) فى غزوة الرَّجِيع كان عامر بن فُهَيْرَة غلاماً لعبد الله بن الطُّفَيْل بن سَخْبَرَةَ(٧) أَخو عائشة لأُمها (٨) - وأَخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عُمْفَان(٩) ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أَمَج(١٠) . وروى أبو نُعَيْم من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق قال: (( بلغنى أَن (١) زيادة من صحيح البخارى (= ٥ ص ١٥٧). (٢) هذه رواية الكشمينى ورواية غيره: يكتادانه أى يطلب لهما فيه الغوائل. · (٣) فى الصحاح الراعى جمعه رعاة مثل قاض وقضاة ورعيان مثل شاب وشبان ورعاء مثل جائع وجياع. (٤) زيادة من البخارى، والمنحة من لبن أى غنم فيها لبن. والرسل كما فى الصحاح اللبن وقد أرسل القوم أى صار اللبن فى مواشيهم . (٥) فى النهاية ( = ٢ ص ٨٥) فى حديث الهجرة: فيبيتان فى رسلهما ورضيفهما. الرضيف (بالضاد المعجمة بزنة رغيف وهى مصحفة بالصاد المهملة فى طبعة المنيرية البخارى ) هو اللبن المرضوف وهو الذى طرح فيه الحجارة المحماة ليذهب و جمه . (٦) صحيح البخارى = ٥ ص ٢٣٤. ( ٧) السخبرة فى اللغة ضرب من النبت يشبه الإذخر كما جاء فى الاشتقاق لابن دريد طبعة القاهرة سنة ١٩٥٨ م ص ٥٦٤ ٠ (٨) أمهما أم رومان بنت عمير بن عامر من بنى كنانة . (٩) عسفان كما فى معجم البلدان لياقوت (ج ٦ ص ١٧٤) منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة وهى على مرحلتين من مكة وقيل على ستة وثلاثين ميلا منها وهى حد تهامة . (١٠) أمج بلد من أعراض المدينة كما فى معجم ياقوت ( ج ١ ص ٣٣٠)، وفى معجم البكرى (ج ١ ص ١٩٠) قرية جامعة بها سوق وهى كثيرة المزارع والنخل وهى على ساية وساية ، واد عظيم وأهل أمج خزاعة . ومن أبيات لجعفر ابن الزبير بن العوام : أم كيف أنسى مسيرنا حرماً يوم حللنا بالنخل من أمج - ٣٤٤ - رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خَرَج مُهاجِراً قال: ((الحمد لله الذى خلقنى ولم أَكُ شيئاً ، اللهم أَعِنِّى على هَوْل الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالى والأيام، اللهم اصْحبنى فى سَفَرَى واخْلُفْنِى فى أَهلى وبارِكْ لى فيما رزَقْتَنِى ، ولك فَذَلِّلْى ، وعلى صالح خَلْقِى فَقَوِّمْنِى ، وإِلى رَبِّى فَحَبِّبْنِى، وإلى الناس فلا تَكِلْنِى، أَنت رَبُّ المُسْتَضْعِفِين وأَنت رَبِّى، أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الكريم الذى أَشْرَقَتْ له السموات والأرض فكشفت به الظُّلُمات وصَلُح عليه أَمْرُ الأولين والآخرين ، أَن يَحِلَّ بِى غَضَبُك أَو يَنْزِلَ عَلَىَّ سُخْطُك ، أعوذ بك من زوال نِعْمَتِك وفُجَاءَةِ نِقْمَتِك وَتَحَوُّلِ عَاقِبَتِكُ وجميع سُخْطِك ، لَكَ العُنْبَى خير ما استطعت ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلا بك)) . وروى الإمام أحمد والشيخان ويعقوب بن سفيان(١) عن البَرَاء بن عازِب رضى الله عنه أَن أَباه قال لأبى بكر رضى الله عنه: كيف صَنَعْتُما ليلة سَرَيْتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : خرجنا فأَدْلَجْنَا فَأَحْبَيْنا يَوْمَنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت ببصرى هل أَرى ظَّلاَ نأوى إليه فإذا أَنا بِصَخْرَةٍ فَأَهْوَيْتُ إليها فإذا بَقِيَّةُ ظِلّها فَسَوَّيْتُه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فَرْوَة ثم قلت: اضطجع يا رسول الله وأنا أَنْفُض لك ما حولك ، ثم خرجتُ [ هل أَرى أحداً من الطَّلَب(٢) ] فإذا براعٍ مُقْبِل بغنمه يريد من الصخرة ما أردنا : فَلَقِيتُه فقلت له : لمن أَنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من أَهل مكة ، فسَمَّه فعرفته فقلت : هل فى غَنَمك من لبن؟ قال : نعم . قلتُ: هل أنت حَالِبُ لى ؟ قال : نعم. فأَمرته فاعتقل شاةً منها . فقلت : انفض الضرع من التراب والقَذَى ، فحلب لى فى قَعْبٍ معه كُثْبَةً(٣) من لبن ومعه إِداوة أَرتوى فيها للنبى صلى الله عليه (١) هو الإمام الحجة أبو يوسف يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسى الفسوى صاحب التاريخ الكبير والمشيخة روى عنه الترمذى والنسائى وابن خزيمة وأبو عوانة وابن أبى حاتم وآخرون وبقى فى الرحلة ثلاثين سنة . قال أبو زرعة الدمشقى قدم علينا من نبلاء الرجال يعقوب بن سفيان يعجز أهل العراق أن يروا مثله ، توفى سنة ٢٧٧هـ، انظر تذكرة الحفاظ ج ٢ ص ١٤٥ و ١٤٦ وخلاصة الخزرجى ص ٣٧٥ . وإسناد هذا الحديث الذى رواه يعقوب مختلف عما أورده · ابن الأثير فى أسد الغابة ( ج ٣ ص ٢١٠) ومن رواته محمد أبو سعيد عن إسرائيل عن أبى إسحق عن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء فليحمله إلى منزلى فقال لا حتى تحدثنا کیف صنعت حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه . (٢) زيادة من أسد الغابة. (٣) الكثبة كما فى النهاية (جـ ٤ ص ٩): بضم الكاف وتسكين المثلثة كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك والجمع كثب . - ٣٤٥ - وسلم يشرب منها ويَتَوَضَّأ ، على فمها خِرْقَة، فَأَتَيْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وكَرِهْتُ أَن أوقظه من نومه ، فوقفت حتى استيقظ ، فَصَبَبْتُ على اللبن من الماء حتى بَرَدَ ٤١٢ و أَسْفَلُه، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن. فشَرِب حتى رَضِيت. / ثم قال: أَلَم يأن الرحيل؟)) قلت : بلى. قال فارتحلنا بعد ما زالت الشمس . قِصَّة أُم مَعْبَد رضى الله عنها روى الطبرانى والحاكم وصحَّحَه، وأَبو نُعَيْم وأبو بكر الشافعى عن حُبَيْش بن خالد الأَشْعر (١) الخُزَاعِىِ القُدَيْدِى(٢)، أَخى أم مَعْبَد رضى الله عنهما، وأبو بكر الشافعى عن أبى سَلِيط(٣) - بفتح السين المهملة وكسر اللام فمُثَنَّة تحتية فطاء مهملة - واسمه أُسَيْرَة - بضم أوله وفتح ثانيه وَسكون المُثَنَّة التحتية - ابن عَمْرو الأنصارى رضى الله عنه ، وابن سعد والبيهقى عن أَبِى مَعْبَد(٤)، وابن السَّكَّن عن أُم مَعْبَد رضى الله عنها ، : والبَزَّار (٥) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أَبى بكر عامر بن فُهَيْرَة ودليلهم الليثى عبد الله بن الأُرَيْقِطِ (٢)، مُرُّوا على خَيْمَةٍ (٧) أُم مَعْبَد الخُزَاعية، وهى لا تعرفه، وكانت بَرْزَةٌ جلدة تحتبى بِفِنَاء (١) اختلف فى نسبه إذ جاء فى أسد الغابة (ج١ ص٣٧٦): حبيش بن خالد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم .. وقيل حبيش بن خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة - لايذكرون منقذاً - الخزاعى الكعبى أبو صخر وأبو خالد ، يقال له الأشعر . وقال ابن الكلبى ،حبيش هو الأشعر وزاد فى نسبه .. وهو أخو أم معبد وصاحب حديثها . (٢) نسبه إلى قديد موضع قرب مكة وهو على لفظ التصغير وفى معجم البكرى (ج ٣ ص ١٠٥٤) أن هذه القرية سميت قديداً لتقدد السيول بها وهى لخزاعة . (٣) أبو سليط الأنصارى مدنى اسمه أسيرة بن عمرو بن قيس بن مالك .. الخزرجى النجارى. (٤) أبو معبد الخزاعى زوج أم معبد مختلف فى اسمه. قال محمد بن إسماعيل اسمه: حبيش وأنه سمع حديثه من أم معبد فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم. وروى عن أبى معبد زوجها وعن حبيش بن خالد أخيها ) كلهم يرويه بمعنى واحد. قيل توفى أبو معبد فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسكن قديداً . (٥) فى الأصول: والبزار عن ثم بياض بقدر ثلاث كلمات لم نستطع تكملته . (٦) فى إحدى النسخ الخطية من سيرة ابن هشام هو عبد الله بن أرقد بالدال بدل الطاء، وفى رواية الأموى أريقد بالتصغير وقيل رقيط كما فى الزرقانى على المواهب ( جـ ١ ص ٣٣٩) وهو من الديل وقيل الدئل كما فى فتح البارى . وكان الأربقط على دين كفار قريش ولم يعرف له إسلام فيما بعد كما جزم به عبد الغنى المقدسى وتبعه النووى وقال ابن حجر فى الإصابة لم أر من ذكره فى الصحابة إلا الذهبى فى التجريد وقال السهيلى (ج ١ ص ٨): عبد الله بن أريقط لم يكن إذ ذاك مسلماً ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك . (٧) فى رواية : خيمتى . - ٣٤٦ - ١٠٠- القُبَّة ثم تَسْقِى وتُطْعِمٍ فسألوها لَحْمًا وتَمْراً ليشتروه منها ، فلم يُصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإِذا القَوْمُ مُرْمِلُون مُسْنِتُون. فقالت : والله لو كان عندنا شىء ما أَعوزنا كم . فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاةٍ فى كِسْرِ الخَيْمَة - وفى لفظ فى كِفَاء البيت - فقال: (( ما هذه الشاة يا أم مَعْبَد؟)) قالت: شاة خَلَّفَها الجَهْد عن الغَنَم. قال: ((هل بها من لبن؟)) قالت: هى أَجْهَد من ذلك. قال: ((أَتأذنين لى أَن أَحْلُبها ؟)) قالت : بأَبى أَنت وأَمى [ نعم ](١) إِن رَأَيْتَ بها حَلْباً فَاحْلُبها فوالله ما ضربها فحل قط فشأنك بها. فَدَعَا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فَمَسَحَ بيده ضَرْعَها وظَهْرَها وسَمَّى الله عز وجل ودعا لها فى شاتها فتَفَاجَّتْ عليه ودَرَّتْ [وَاجْتَرَّتْ(٢)]، ودعا بإِناءِ يُرْبِضُ(٣) الرَّمْطَ فحلب فيه ثَجًّا حتى عَلَاه البهاء - وفى لفظ الثُّمَال (٤) - ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أَصحابه حتى رَوَوْا، ثم شَرِب صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: ((ساقى القَوْم آخِرُهُمْ شُرْباً»(٥). ثم حَلَبَ فيه ثانيةً بعد بدء(٦) حتى ملأَّ الإِناء ثم غادره عندها . فبايعها وارتحلوا عنها . وروى ابن سعد وأبو نعيم عن أم معبد قالت: (( بقيت الشاة التى لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهى سنة ثمانى عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وكنا نحلُبها صَبُوحاً وغَبُوقاً ، وما فى الأَرض قليل ولا كثير)). وقال هشام بن حُبَيْش: ((أَنَا رأَيْتُ الشاة وإنها لتَأْدُم أُمَّ مَعْبَد وجميع صِرْمَتِها)) ، أَى أَهل ذلك الماء. فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ أَن جاء زوجها أبو معبد يسوق أَعْنُزَاً حِيَالاً(٧) عِجَافاً [ يَتَسَاوَ كْنَ (١) زيادة من أسد الغابة ( ج ١ ص ٣٧٧). (٢) زيادة من أسد الغابة والسهيلى (ج ٢ ص ٨) والنهاية ( جـ ٣ ص ١٨٤). (٣) يربض الرهط أى يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض بالمكان يربض إذا لصق بالمكان وأقام ملازما له . انظر النهاية جـ ٢ ص ٥٩ . (٤) فى النهاية (ج ١ ص ١٣٤) فى حديث أم معبد: فحلب فيه ثجاً حتى علاه الثمال، الثمال هو بالضم الرغوة واحدة الثمالة . (٥) أخرجه الترمذى وابن ماجه، انظر الجامع الصغير ( =٢ ص ٣٠). (٦) فى السهيلى (ج ٢ ص ٨): ثم حلب فيه مرة أخرى عللا بعد نهل. (٧) ٢: كل أنثى لا تحبل فهى حائل يقال امرأة حائل وناقة حائل والجمع حول وحيال. وفى النهاية (ج ١ ص ٢٧٢): والشاء عازب حيال أى غير حوامل، حالت تحول حيالا، وهى شاء حيال وإبل حيال، والواحدة حائل وجمعها حول أيضا بالضم . - ٣٤٧ - هزالاً مخهن قليل (١) ] فلما رأى اللبن عَجِب فقال : من أَين لَكِ هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب فى البيت؟ قالت: ((لا والله إِلا أَنه مَرَّ بنا رجل مُبَارَك من حاله كذا وكذا)). قال: ((صِفِيهِ لى يا أم مَعْبَد)). قالت: ((رأَيْتُ رجلاً ظاهِرَ الوَضَاءة أَبْلَجَ الوَجْهِ حَسَنِ الخُلُق، لم تَعِبْهُ ثُجْلة ولم تُزْرِ بِه صَعْلة، وَسِيمٌ قَسِيم، فى عَيْنَيْه دَعَج وفى أَشفاره وَطَف وفى صوته صَحَل - أَو قالت صهل - وفى عنقه سَطَع، وفى لحيته كثائة، أَزَجّ أَقْرَن ، إِن صَمتَ فعليه الوَقَار ، وإِن تكلم سَمَا وَعَلَاهُ البَهَاءِ ، أَجملُ الناس وأَبهاه من بعيد وأحسنه وأَحلاه من قريب، حُلْو المنطق فَصْل لانَزْر ولا هَذْر، كأَن منطقه خَرَزَات نظمٍ يَتَحَدَّرْن ، ٤١٢ ظـ رَبْعَةٌ لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه / عَيْنٌ من قِصَر، غُصْنٌ بين غُصْنَيْن ، فهو أَنْضَرُ الثلاثة منظراً وأَحسنُهم قدراً ، له رُفَقَاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله وإِذا أَمَر تبادروا إلى أَمره، مَحْفُود (٢) محشود لا عابس ولا مُفَنَّد)). فقال أبو معبد: ((هذا والله صاحب قريش الذى ذُكِر لنا من أمره بمكة ما ذُكِرٍ ولقد هممت أَن أَصحبه ولأَّفْعَلَنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً )). قالت أسماء رضى الله عنها: (( لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أَتانا نَفَرُ من قريش فيهم أبو جَهْل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا : أَين أبوك يا بنت أبى بكر؟)) فقلت ((والله لا أدرى أين أَبى)). فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشاً خبيئاً، فَلَطّم خَدِّى لَطْمَةً خرج(٣) منها قُرْطِى، ثم انصرفوا ، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندرى أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى رجل من الجِنَّ من أسفل مكة يتغَنَّى بأَبيات من شعر غناء العرب وتبعه الناس يسمعون صوته وما يَرَوْنَه حتى خرج من أَعلا مكة وهو يقول : (١) زيادة من أسد الغابة (= ١ ص ٣٧٧) وتساوك أى سار سيرا ضعيفا وتساوكت الماشية أى هزلت حتى تمايلت فى مشيها من الضعف . وفى حديث أم معبد فى النهاية ( ج ٢ ص ١٩٤) فجاء زوجها يسوق أعزاً عجافا تساوك هزالا وفى رواية ما تساوك هزالا يقال تساوكت الابل إذا اضطربت أعناقها من الهزال أراد أنها تتمايل من ضعفها ويقال أيضا جاءت الإبل ما تساوك هزالا ما تحرك رءوسها . ومخهن قليل أى الودك الذى فى العظم . (٢) المحفود الذى يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون فى طاعته، عن النهاية ( = ١ ص ٢٣٩). (٣) فى رواية خرم وفى أخرى طرح منها . - ٣٤٨ - جَزَى اللهُ رَبُّ الناسِ خَيْرَ جزائِه(١) هما نَزَلا بالبرِّ(٣) وارْتَحَلا به فَيَالَفُصَىِّ مَا زَوَى(٤) اللهُ عَنْكُمُ لِيَهْنِ بْنِى كَعْبٍ مَقَامَ(٧) فتاتِهِم سَلُوا أُخْتَكُمْ عن شاتها وإِنائها دعاها بشاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلََّتْ فغادَرَها رَهْناً لليها لحالبٍ رفيقَيْنِ قالا(٢) خَيْمَتَىْ أُمِّ مَعْبَدٍ فأَفلح من أَمْسَى رفيقَ مُحَمَّدٍ به من فَعالٍ (٥) لا تُجَارَى(٦) وسُودَدٍ وَمْقَعدها للمؤمنين بِمَرْصَدٍ(٨) فَإِنَّكُمُ إِن تسأَلُوا الشاةَ(٩) تَشْهَدٍ له بصريحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ(١٠) مُزْيِدٍ يُرِّدُها(١١). فى مَصْدَرٍ ثم مَوْرِدٍ فلما سمع ذلك حَسَّان بن ثابت الأنصارى رضى الله عنه قال يجاوب الهاتف : وقُدِّسَ من يسرى إِليه ويَغْتَدِى (١٢) لقد خَابَ قَوْمٌ غاب عنهِم نَبِيُّهُمْ تَرَجَّلَ عن قَوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ هَدَاهُمْ به بعد الضَّلَالةِ رَبُّهُمْ وهل يَسْتَوِى ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا لقد نَزَّلَتْ منه على أَهْلِ يَغْرِبٍ وحَلَّ على قَوْمٍ بنورٍ مُجَدَّدٍ وأَرْشَدَهُمْ من يَتْبَعِ الحَقَّ يُرْشَدِ عَمِّى وهُدَاةٌ يَهْتَدْونَ بِمُهْتَدِ (١٣) رِحَابُ هُدَى حَلَّتْ عليهم بِأَسْعُدِ ويَتْلُو كِتَابَ اللهِ فِى كُلِّ مَسْجِدٍ نَبِىُّ يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ (١) فى رواية أبى سليط : جزى الله خيرا والجزاء بكفه. (٢) قالا أى نزلا وقت القيلولة ، وفى رواية حلا . (٣) فى الأصول: بالهدى وأثبتنا رواية ابن سعد وابن الأثير والنويرى وفى الخشنى : فقد فاز من أمسى رفيق محمد هما نزلاها بالهدی فاهتدت به وفى شرح المواهب هما رحلا بالحق و انتز لا به . وفى رواية هما نزلا بالهدى واغتدوا به . (٤) زوى أى جمع وقبض . (٥) فى شرح المواهب قال البرهان وتبعه الشامى مؤلف هذا الكتاب : الظاهر بفتح الفاء وخفة العين وهو الكرم. (٦) وفى رواية لا تجازى بالزاى بدلا من الراء. كما أن عجز هذا البيت فى الديوان: به من فخار لا يبارى وسؤدد. (٧) فى ت وم : مكان وفى ط والديوان والخشى مقام . (٨) أى مقعدها بمكان ترقب المؤمنين فيه لتواسيهم .. (٩) فى الأصول: ((إن تسألوا الناس وأثبتنا رواية ديوان حسان والخشنى وابن الأثير فى أسد الغابة (ج١ ص٣٧٧) (١٠) الصريح اللبن الخالص لم يخلط، والضرة : أصل الضرع. (١١) فى نهاية الأرب النويرى (جـ ١٦ ص ٣٣٧). تدر بها بدلا من يرددها. (١٢) فى الأصول زال بدلا من غاب وأثبتنا رواية الديوان. (١٣) فى اخشى وهاد به نال الهدى كل مهتد . - ٣٤٩ - فتصديقُها فى اليَوْم أَو فى ضُحَى الغَدِ وإِن قال فى يَوْمٍ مَقَالَةَ غائِبٍ بِصُحْبَتِهِ من يُسْعِدِ اللهُ يَسْعَدٍ لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ وروى البيهقى بسَنَدٍ حَسَّنه والحافظ ابن كثير عن أبى بكر رضى الله عنه أنه قال : (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فانتهينا إلى حَىٍّ من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت مُنْتَحِيًا فقصد إليه ، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عَبْدَىْ الله إنما أنا امرأة وليس معى أَحد فعليكما بعظيم الحَىِّ إِن ٤١٣ و أردتم القِرَى. قال: فلم نُجِبْها، وذلك عند المساء، فجاء / ابنٌ لها بأَعْنُزِ له يسوقها . فقالت له : يابنى انطلق بهذه العنزة والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما: تقول لكم أُنِى : اذبحا هذه وأَطْعِمَانا. فلما جاء قال له النبى صلى الله عليه وسلم: ((انْطَلِقْ بالشفرة وجثنى بالقدح)). قال: إِنها عازب وليس لها لبن. قال: ((انْطَلِقْ)). فانطلق فجاء بقدح فمسح النبى صلى الله عليه وسلم ضَرْعَها ثم حَلَبِ مِلْء القَدَح ثم قال: انْطَلِقْ به إلى أُمِّك. فشَرِبَتْ ثم رَوِيَتْ ثم جاء به . فقال : انطلِق بهذه وجئنى بأَخرى ففعل بها كذلك . ثم سقى أَبا بكر ، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبى صلى الله عليه وسلم)) . (( فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا ، وكانت تسميه المبارك ، وكثرت غَنَمُها حتى جَلَبَتْ حَلْبًا (١) إلى المدينة فمر أبو بكر رضى الله عنه فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أُمه إِن هذا الرجل الذى كان مع المبارك ، فقامت إليه فقالت : يا عبد الله مَنْ الرجل الذى كان معك ؟ قال : وماتَدْرِين ؟ قالت: لا. قال : هو نَبِىُّ الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فأَدْخِلْنِى عليه . قال : فأَدخلها فأَطعمها وأعطاها. وفى رواية فأَهْدَتْ إليه شيئاً من أَقِط(٢) ومتاع الأَعراب، فكساها وأعطاها))، قال - ولا أَعلمه إلا قال: ((أَسلمت)). . .، قال البيهقى فى الدلائل: ((وهذه القصة وإن كانت تنقص عما رَوَيْنًا فى قصة أم معبد وتزيد فى بعضها ، فهى قريبة منها ويشبه أن تكونا واحدة ، وقد ذكر ابن إسحق فى قصة (١) هكذا فى الأصول . (٢) الأقط كما قال الأزهرى فى المصباح يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف وقد تسكن القاف للتخفيف مع فتح الهمزة وكسرها نقله الصغافى عن الفراء ، ومصل اللبن بمصله مصلا من باب نصر وضعه في وعاء خوص ، أو نحوه حتى يقطر ماؤه. - ٣٥٠ - أم معبد شيئا يدل على أنها وهذه القصة واحدة . ثم روى البيهقى من طريق يونس بن بكير(١) عن ابن اسحق قال: ((فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد وهى التى تَمَرَّدَ بها الجِنّ بأَعلا مكة. واسم أم معبد عاتكة بنت [ خالد ](٢). بن خليف بن مُنْقِذ بن ربيعة بن أَصْرَم [ الخُرَاعية ](٢)، فأَراد القِرَى فقالت: والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غَنَمها فمسح ضرعها بيده فدعا الله تعالى فَحَلب فى العُسّ(٣) حتى رَتَّى(٤)، وقال: ((اشربى يا أم معبد)). قالت: اشرب أَنت به أَحق . فَرَدَّهُ عليها فشَرِبت . ثم دعابحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك ، فسقى دَلِيلَه ثم دعا بحائل ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فُهَيْرَة ، ثم استراح (٥) وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوها عنه فقالوا : ((أَرَأَيْتِ محمداً من حِلْيَتِهِ كذا وكذا؟)) فوصفوه لها، فقالت: (( ما أُدرى ما تقولون فقد ضَافَنِى حالِبُ الحائل؟)) قالت قريش: ((فذلك الذى أَردنا)). قاله البيهقى: فيُحْتَمَل. أولاً أنه رأى التى فى كِسْر الخيمة ، كما رَوَيْنَا فى حديث أم معبد ، ثم رجع ابنها بأُغْتُز كما روينا ثم لما أتى زوجُها وصفته له ، والله أعلم . قِصّة سُراقة رضى الله عنه روى الإمام أحمد ويعقوب بن سفيان والشيخان عن سُرَاقة بن مالك رضى الله عنه ، والإِمام أحمد والشيخان ويعقوب عن أبى بكر رضى الله عنه قال سُرَاقة بن جُعْثُم: جاءنا (١) هو يونس بن بكير بن واصل أبو بكر الشيبانى الكوفى، العالم المؤرخ صاحب المغازى حدث عن الأعمش وهشام بن عروة وعمرو بن ذر. وابن إسحق وكهمس بن الحسن وخلق، وروى عنه ابنه عبد الله وأبو كريب ويحي ابن معين وأبو سعيد الأشج وآخرون. وثقه يحيى بن معين وقال أبو داود ليس بحجة وتوفى يونس بن بكير سنة ١٩٩ ه. انظر تذكرة الحفاظ = ١ ص ٢٩٩ . وفى خلاصة الخزرجى ص ٣٧٩: أن النسائ ضعفه وأن أبا داود قال بأنه يأعد كلام ابن إحمق فيوصله بالأحاديث . (٢) زيادة من أسد الغابة ( = ٥ ص ٤٧٩) وذكر ابن الأثير فى نسبها أنها عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة وقيل عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة ابن أصرم . (٣) العس: القدح الكبير وجمعه عساس وأعساس قاله فى النهاية ( = ٣ ص ٩٥). (٤) فى المصباح : رغى اللبن بالتشديد ترغية علت رغوته . (٥) فى الأصول : ثم يروح ، ولعل ما أثبتناه هو الصواب . = ٣٥١ - رُسُل كُفَّار قريش يجعلون فى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَبِى بكر دِيَةً كُلِّ واحد مِنْهُما مائة ناقة من الإِبل لمن قَتَله أَو أَسَره ، فبينا أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى بنى مُدْلِج(١) أَقبل رجل منهم حتى قام علينا [ونحن جلوس ](٢) فقال: يا سُرَاقة إنى قد رأيت آنفاً أَسْوِدَةً(٣) بالساحل- وفى لفظ: رَكَبَةً(٤) ثلاثة - أَرَاها محمداً وأَصْحابه. قال سراقة : فَعَرَفْتُ أَنهم هم، فأَومأَت إليه بعينى أَن اسْكُتْ، فسَكَتَ ، ثم قلت له : إنهم ٤١٣ ظ ليسوا بهم ولكنك رأيْتَ فلاناً / وفلاناً انطلقوا يبتغون ضَالَّةً لهم. ثم لَبِثْتُ فى المجلسِ ثم قُمْتُ فدَخَلْتُ بَيْتِى فَأَمَرَتُ جاريتى أَن تَخْرُجَ بغرسى وهى من وراء أَكَمَةٍ فَتَحْبسها عَلَىّ ، وأَخذتُ رُمْحِى فخرجتُ به من ظَهْر البيت فَحَطَطْتُ(٥) بِزُجَّةُ(٦) الأَرْضَ وخَفَضْتُ عالِيَه حتى أتيتُ فرسى فَرَكِبْتُها ، فرفَعْتُها تُقَرِّبُ بى حتى رأيتُ أَسْوِدَتَّهُما، فلما دَنَوْتُ منهم عَثَرَتْ بِى فَرَسِ فَخَرَرْتُ عنها فقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بيدى إلى كِنَانَتِى فاستخرجتُ منها الأَزْلام فاستقسمتُ(٧) بها أَضُرُهُمْ، أَم لا أَضُرُّهُمْ، فخرج الذى أَكره: أَنى لا أَضُرُّهُمْ، وكنت أرجو أَن أَرُدَّ فآخذ المائة ناقة، فرَكِبْتُ فَرَسى وعَصَيْتُ الأَزْلام فرفعتُها تُقَرِّب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يُكْثِر الالتفات ساخت يدا فَرَسى فى الأَرض حتى بَلَغت الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عنها، ثم زَجَرْتُها (١) نسب سراقة كما ساقه ابن الأثير فى أسد الغابة (ج ٢ ص ٢٦٤) هو: سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك ابن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكنانى المدلجى. يكنى أبا سفيان . هذا وقد توفى سراقة فى سنة ٢٤ هـ .. (٢) زيادة من صحيح البخارى. (٣) أسودة هى أشخاص جمع سواد كأزمنة جمع زمان . (٤) فى الصحاح الركب أصحاب الإبل فى السفر دون الدواب وهم العشرة فما فوقها والجمع أركب والركبة بالتحريك : أقل من الركب . (٥) كذا رواية الكشمهينى ، ورواية غيره فخططت بالخاء المعجمة. (٦) الزج الحديدة التى فى أسفل الرمح والجمع زججة وزجاج قاله الجوهرى فى الصحاح . (٧) فى النهاية (ج ٣ ص ٢٥٤) الاستقسام طلب القسم الذى قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر وهو استفعال منه وكانوا ( فى الجاهلية ) إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهى القداح (جمع قدح ) وكان على بعضها مكتوب أمرنى ربى وعلى الآخر نهانى ربى وعلى الآخر غفل فإن خرج ، أمرنى ربى مضي لشأنه، وإن خرج نهائى أمسك وإن خرج الغفل عاد فأحالها إلى أن يخرج الأمر أو النهى . - ٣٥٢ - فَنَهَضَتْ فلم تَكَدْ تُخْرِجِ يَدَيْهَا فلما استوت قائمة إِذا لِأَثَرٍ يَدَيْهَا عُثَان(١) ساطِعٌ فى السماء مثل الدُّخَان فاسْتَفْسَمْتُ بالأَزْلامِ فخرج الذى أَكره - أَلا أَضُرَّهُمْ - قال: فَعَرَفْتُ حين رأَيتُ ذلك أنه قد مُنِع منى وأَنه ظاهر ، فناديتهم بالأَّ ان وقلت: أَنْظِر ونى فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم منى شىء تكرهونه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: ((قُلْ له وما تبتغى منا ؟)) فقلت: إِن قَوْمَك قد جعلوا فيكما الدِّيَّة وأخبرتهما أخبار ما يريد الناس بهم وعَرَضْتُ عليهم الزاد والمتاع فلم يَرْزَآنى شيئا ولم يسألانى إِلا أَن قال: ((أَخْفِ عَنَّ)(٢) فسأَلُه أَن يكتب لى كتاب موادعة(٣) آمَنُ به، قال: ((اكتب له يا أَبابكر)) - وفى رواية: فأَمر عامر بن فُهَيْرَة فكتب فى رقعة من أَديم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ثم رجعت ](٤) فسَكَتُّ فلم أُذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفَرَغ من حُنَيْن والطائف خرجتُ لأَلقاه ومعى الكتاب الذى كتب لى [ فلَقِيتُه بالجِعْرانةِ(٤)]. قال: ((فبينا أَنا عامِدٌ له دخلت بين ظَهْرَى كتيبة من كتائب الأَنصار ، فطَفِقُوا يقرعوننى بالرماح ويقولون : إِليك إِليك حتى إذا دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته ، والله لكَّى أَنظر إلى ساقه فى غَرْزِه(٥) كأَّهَا جُمَّارة (٦) . قال: فرفعتُ يدى بالكتاب . ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابُك لى وأَنا سراقة بن مالك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَوْمُ وفاء وبِرِّ أُذْنُهُ))، فدنوت منه فأَسلمت ، ثم تذكرت شيئا أَسأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أَذكره، إِلا أَنى قلت: يا رسول الله الضَّالَة من الإِبل تَغْشَى حياضى وقد مَلَأَّتُها لإِبلى (١) فى الأصول: غبار والتصويب من صحيح البخارى (= ٥ ص ١٥٨). وفى حديث الهجرة وسراقة فى النهاية (ج ٣ ص ٦٩): وخرجت قوائم دابته ولها عثان أى دخان وجمعه عوائن على غير قياس . وفى حديث مسيلمة لما أراد الإعراس بسجاح قال عثنوا لها أى بخروا لها البخور . (٢) فى الأصول خفف عنا وأثبتنا رواية البخارى. (٣) رواية ابن إسحق كما أوردها ابن هشام: تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينك . (٤) زيادة من ابن هشام ج ٢ ص ١٠٣ و ١٠٤. والجعرانة بتخفيف الراء أو بتشديدها كما فى معجم البكرى (جـ ٢ ص ٣٨٤) هى ماء بين الطائف ومكة وهى إلى مكة أدنى . (٥) فى النهاية (ج٣ ص١٥٨) كان إذا وضع رجله فى الغرز يريد السفر يقول: بسم الله. الغرز ركاب كور الجمل : إذا كان من جلد أو خشب ، وقيل هو الكور مطلقا مثل الركاب للسرج . (٦) الجمارة قلب النخلة وشحمتها شبه ساقه ببياضها . قاله فى النهاية (جـ ١ ص ١٧٥). - ٣٥٣ - (٢٣ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣) هل لى من أَجر [ فى أَن أَسقيها(١)]؟ قال: ((نعم فى كل ذات كَبِدٍ حَرَّى أَجر (٢))) قال: ثم رجعت إلى قومى فسُقْتُ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتى . وقال أبو بكر رضى الله عنه: ((وتَبِعَنا سُرَاقة بن مالك ونحن فى جَلْدٍ من الأَرض فقلت: يا رسول الله هذا الطلب قد لَحِقَنا. قال: ((لا تحزن إِن الله معنا)). فلما دَنَا إِنَّا وكان بيننا وبينه قَدْر رُمْحٍ أَو رُمْحَيْن أَو ثلاثة قلت : هذا الطلب قد لَحِقَنَا وبكيت . [ قال صلى الله عليه وسلم: (( ما يبكيك؟(٣)] قلت: ((أَمَا والله ما على نفسي أبكى ولكنى أَبكى عليك)). فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((اللهم اكفناه بما شئت)). قال: فساحَتْ به فَرَسُه فى الأَرض إلى بطنها فوثب عنها ، ثم قال: يا محمد قد عَلِمْتُ أَن هذا عَمَلُك فَادْعُ اللّهِ أَن يُنْجِيَنِى مما أَنا فيه، فَوَاللهِ لَأُعَمِّيَنَّ على مَنْ ورائى من الطلب وهذه كنانتِى فَخُذْ منها سهماً فإِنك سَتَمُرُّ على إِبلى وغنمى بمكان كذا وكذا فَخِذْ منها حاجَتَك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا حاجة لنا فى إِبِلِك وغنمك))، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق راجعاً إِلى أَصحابه لا يَلْقَى أَحداً إِلا قال : ٤١٤ وقد كُفِيتُم ما ههنا، ولا يَلْقَى أَحداً / إِلا رَدَّه، وَوَفَى لنا . وعند ابن سعد أَن سُرَاقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصرى بالطريق وقد استبرأت لكم فلم أَرَ شيئا (٤)، فرجعوا . وقال ابن سعد والبلاذرى: عارضهم سراقة بِقُدَيْد يوم الثلاثاء . وروى ابن عساكر عن ابن إسحق قال : قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه - فيما يذكرون والله أعلم فى دخوله الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفى مسيرهم وفى طلب سُرّاقة إياهم(٥) : (١) زيادة من ابن هشام (= ٢ ص ١٠٤). (٢) أخرجه البخارى فى كتاب الأدب باب رحمة الناس بالبهائم ( = ٨ ص ١٦) بلفظ : فى كل ذات كبد رطبة أجر. (٣) زيادة من الرياض النضرة فى مناقب العشرة للمحب الطبرى (ج١ ص ٧٢ طبعة القاهرة سنة ١٣٢٧ هـ) . وشرح المواهب. (ج ١ ص ٣٤٧). (٤) لفظ ابن سعد فى الطبقات (ج ١ ص ٢١٩). ((ورجع (سراقة) فوجد الناس يلتمسون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ههنا وقد عرفتم بصرى بالأثر)) . وفى شرح المواهب ما يقرب من نقل المؤلف . (٥) أورد السهيلى هذه القصيدة ( جـ ٢ ص ٦، ٧) وقدم لها بقوله: وفى السير من رواية يونس شعر لأبى بكر رضى الله عنه فى قصة الغار . - ٣٥٤ - قال النَّبِىُّ ولم يَجْزَعْ يُوَقُِّنى لا تَخْشَ شيئا فإِنِ اللهَ ثَالِثُنَا وإِنما كَيْدُ مَنْ تُخْتَى بَوَادِرُهُ واللهُ مُهْلِكُهُم ◌ُرَّا بِمَا كَسَبُوا وَأَنْتَ مُرْنَحِلٌ عنهم وتَارِكُمْ وَهَاجِرٌ رَضْمَهُمْ(١) حتى يَكُونَ لنا حَتَّى إِذَا الَّلِيْلُ وَارَثْنَا جَوَانِبُهُ سَارَ الأُرَيْقِطُ يَهْدِينَا وَأَيْنُقُه(٢) يَعْسِفْنَ (٥) عُرْضَ (٦) الثَّنَايا(٧) بَعْدَ أَطْوَلِها حَتَّى إِذا قُلْتَ قد أَنْجَدْنَ(١٠) عَارِضَهَا(١١) [ يُرْدِى بِهِ مُشْرِفَ الأَقْطَارِ مُعْتَزِمٌ فَقَالَ كُرُّوا فَقُلْنَا إِنَّ كَرَّتَنَا أَن يَخْسِفَ الأَرْضَ بالأَحْوَى (١٤) وفَارِسَهُ ونحن فى شِدَّةٍ مِن ظُلْمَةِ الْغَار وقد تَوَكَّل لى مِنْهُ بإِظهارِ كَيْدُ الشَّيَاطِينِ كَادَتْهُ لَكُفَّارِ وجَاعِلُ المُنْتَهِى منها إِلى النَّارِ إِمَّا غُدُوًّا. وإِمَّا مُدْلِجُ سَارِى قَوْمٌ عليهم ذوو عِزِّ وأَنْصَارٍ وَسُدَّ مِنْ دُون مَنْ تَخْشَى بِأَسْتَارِ يَنْعَبْنَ(٣) بالقَوْمِ نَعْباً تحت أَكوارٍ(٤) وَكُلَّ سَهْبٍ (٨) رِقَاقِ النُّرْبِ مَوَّارٍ(٩) من مُدْلِجٍ فارسٍ فى مَنْصِبٍ وارِى كَالسِّيدٍ (١٢) ذى اللِّبْدَةِ المُسْتَأْسِدِ الضَّارِى](١٣) مِنْ دُونِها لَك نَصْرُ الخَالِقِ الْبَارِى فانظر إلى أَرْبَعٍ فى الأَرض غَوَّار (١) الرضم : الحجارة البيض، والصخور المتراكمة . (٢) فى النهاية ( جـ ٤ ص ١٨٢) فى حديث أبى هريرة: فوجد أينقه: الأينق جمع قلة لناقة وأصله أنوق فقّلب وأبدل واوه ياء وقيل هو على حذف العين وزيادة الياء عوضا عنها ، فوزنه على الأول أعفل لأنه قدم العين وعلى الثانى أيفل لأنه حذف العين . (٣) من نعب البعير ينعب نعبا ونعبانا من باب منع ، إذا أسرع فى سيره . (٤) أكوار جمع كور والكور الجماعة الكثيرة من الإبل . (٥) من عسف الطريق أى سار فيه على غير هدى . (٦) عرض الجيل أى سفحه . (٧) الثنايا جمع ثنية والثنية الطريق فى الجبل. (٨) السبب بفتح السين المهملة وضمها والسبب من الأرض ما بعد منها واستوى فى سهولة وهى أجواف الأرض يقال قطعوا سهبا من الأرض . (٩) موار صيغة مبالغة من مار يمور مورا تحرك وتدافع ومار التراب ثار ومنه الريح الموارة المثيرة للتراب. (١٠) أنجد ارتفع أو أتى نجدا والنجد ما ارتفع من الأرض وصلب. (١١) العارض ما اعترض فى الأفق فسده. (١٢) السيد الذئب (١٣) هذا البيت زيادة من السهيلى. (١٤) الأحوى من حوى النبات يحوى حوى وحوة خالط سواده خضرة أو خالط حمرته سواد فهو أحوى. - ٣٥٥ - فَهِيلَ(١) لما رأَى أَرْسَاغْ مُهُرَتِهِ فقال هل لَكُمُ أَن تُطْلِقُوا فَرَسِ وأَصْرِفَ الحَىَّ عَنْكُمْ إِنْ لَقِيتُهُمُ فَادْعُ الذى هو عنكم كَفَّ عَوْرَتَنَا فَقَالَ قَوْلاً رسولُ الله مُبْتَهِلاً فَنَجِِّ سَالِمًا من شرِّ دعْوَتِنَا فَأَظْهَرَ اللهُ إِذ يدعو حَوَافِرَهُ قد سِخْنَ(٢) فى الأَرْضِ لم تُحْفَرِ بمِحْفَارِ وتأخذوا مَوْثِقاً فى نُصْحِ أَسْرَارٍ وأَن أُعَوِّرَ(٣) منهم عَيْنَ عُوَّارِ يُطْلِقْ جَوَادِى وَأَنْتُمْ خَيْرُ أَبْرَار يَارَبِّ إِن كان منه غَيْرُ إِخْفَارِ (٤) ومُهْرَهُ مُطْلَقاً من كَلْمِ (٥) آثَارِ وَفَازَ فَارِسُهُ مِن هَوْلِ أَخْطَارٍ وَرَوَى البخارى عن عُرْوَة والحاكم عنه عن أَبيه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَقِىَ الزبير فى رَكْبٍ من المسلمين كانوا تُجَّاراً قافلين من الشام فَكَسَا الزبير رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثياباً بِيضاً (٦) . وروى البيهقى عن موسى بن عُقْبَة أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا من المدينة هو وأبو بكر وقدم طلحة بن عُبَيْد الله من الشام خرج عامداً إلى مكة لما ذُكِر له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، خرج إِما مُتَلَقِّياً لهما وإِما عامداً عُمْرَةً بمكة ومعه ثياب أَهداها لأَبى بكر من ثياب الشام ، فلما لَقِيَه أَعطاه الثياب ، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأبو بكر (٧) . وروى / أَبو نُعَيْم عن أنس بن مالك عن .... (٨) الأَوسى الأَسلمى عن أَبيه قال: ٤١٤ظ شاء (١) هيل أى أخيف من هاله الأمر أفزعه . (٢) من ساخ أى غاض فى الأرض ، ساخت أرساغ مهرته تسوخ وتسيخ . (٣) عوره أى صيره أعور وعور فلانا عن الأمر رده وصرفه عنه والعوار القذى فى العين والعوار الضعيف الجبان السريع الفرار ، أو من لا بصر له بالطريق . (٤) الإخفار : الغدر ونقض العهد . (٥) الكلم : الجرح کلمه یکلمه کلما من باب ضرب جر حه . (٦) الحديث أخرجه البخارى ( جـ ٥ ص ١٥٩) عن عروة بن الزبير مرسلا وفيه ثياب بياض وأورده ابن الأثير فی النهاية فی حدیث آخر ثيابا بيضا . (٧) رواية الحاكم عن عروة عن أبيه تذكر أيضا أن طلحة بن عبيد اللّه لقيهما وكساهما. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن كلا من طلحة والزبير أهدى لهما ، والذى فى السير هو طلحة ، والأولى الجمع وعند أبى شيبة ما يؤيده وإلا فما فى الصحيح أصح. هذا ما ذكره كل من السمهودى فى وفاء الوفا ( جـ ١ ص ١٧٤) والديار بكرى فى تاريخ الخميس (جـ١ ص ٣٣٥). (٨) نرجح وجود اسم فى هذا الإسناد أغفله النساخ وربما كان أبا تميم الأسلمى ، قيل هو جد بريدة بن سفيان ابن فروة وكان غلامه مسعود الذى ورد ذكره فى آخر هذا الحديث. انظر أسد الغابة ( جـ ٤ ص ١٧٨ ). - ٣٥٦ - (( لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مَرُّوا بإِل لنا بالجُحْفَة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لِمَنْ هذه الإِبل؟)) فقالوا: لِرَجُلٍ من أَسْلَم (١) فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى بكر فقال: ((سلمنا إن شاء الله)). فأتاه أبى وحمله على فَحْل من إبلِهِ وبعث معه غُلَامَه مسعود)). وروى أَبو يَعْلَى والطبرانى والحاكم والبيهقى وأبو نُعيْم عن قيس بن النُّعْمَان قال: (( لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مُسْتَخْفِين مَرُوا بعبْد يَرْعَى غَنَماً فاسَتسقياه اللبن فقال : ما عندى شاةٌ تُحْلَب ، غير أَن ههنا عَنَاقًا (٢) حَمَلَتْ أَوَّل الشتاء وقد أَخْدَجَتْ (٣) وما بقى لها من لَبَن فقال: ((ادْعُ بها )»، فَدَعَا بها، فاعتقلها النبى صلى الله عليه وسلم ومَسَحَ ضَرْعَها حتى أَنْزَلَتْ . ودعا أَبو بكر بِمِجَنَّ(٤)، فَحَلَبَ وسفى أَبا بكر، ثم حَلَبَ فسقى الراعى، ثمْ حَلَبَ فَشَرِب ، فقال الراعى: من أنت ؟ فوالله ما رأيتُ مِثْلَكَ قط. قال: ((أَوَتَرَاكَ تَكْتُمُ عَلَىَّ حتى أُخْبِرَك؟ قال: نعم. قال: ((فإِنِى محمد رسول الله )). قال: أَنْتَ الذى تَزْعُمُ قريش أَنك صابى ؟ قال: ((إِنهم ليقولون ذلك)). قال: فأَشهد أَنْك نَبِىُّ الله وأشهد أَن ما جِئْتَ به حَقّ، وأَنه لا يفعل ما فَعَلْتَ إِلا نَبِىّ )). وروى البيهقى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر مدخله المدينة: ((أَلْهِ عَنِّى الناس فإنه لا ينبغى لِنَبِىِّ أَن يَكْذِب)) . فكان أَبو بكر إذا سُئِل : من أنت ؟ قال : باغٍ ، وإِذا قيل : من الذى معك ؟ قال: هادٍ يَهْدِينِ)). وروى البخارى عن أَنَس رضى الله عنه قال: ((أَقبل النبى صلى الله عليه وسلم وهو مُرْدِفٌ (١) هذا الحديث مماثل لما أخرجه البيهقى عن بريدة بن الحصيب وزاد فيه: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبى صلى الله عليه وسلم حملنى الطمع فركبت فى سبعين من بنى سهم .. الحديث أورده الزرقانى فى شرحه على المواهب جـ ١ ص ٣٤٩ : ٣٥٠. (٢) فى المصباح: العناق الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول. (٣) فى الأصول: أخرجت وصوابها أخدجت كما أوردها ابن كثير فى البداية والنهاية ( ح ٣ ص ١٩٤). وفى الاشتقاق لابن دريد ( ص ١٦٣ ): خدجت الناقة وأخدجت إذا ألقت ولدها ناقص الخلق ومنه الحديث: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهى خداج . وفرق الأصمعى بين خدجت وأخدجت ، فقال : خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل تمام أيامه وإن كان تام الخلق ، وأخدجت إذا ألقته ناقصا وإن كان تام الأيام فالولد من ذلك خديج والناقة خادج والولد من هذا مخدج والناقة مخدج . (٤) المجن هو الذى يوارى المقاتل ويستره ولا أظن أنه يصلح وعاء للبن ولعله المحلب أى الإناء الذى يحلب فيه. - ٣٥٧ - أبا بكر ، وأبو بكر شَيْخ ، والنبى صلى الله عليه وسلم شابًّ لا يُعْرَف ، فيلقى الرجل . أبا بكر فيقول : : مَنْ هذا بين يَدَيْك ؟ فيقول : هذا الذى يهدينى السبيل فَيَحْسَب(١) الحاسِب إنما يعنى الطريق وإنما يعنى سبيل الخَيْر)) وروى الزبير بن بَكَّار فى المُوَنَّقِيَّات ، وأَبو نُعيْم عن طريق شَهْر بن حوْشَب(٢) عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قاله: (( لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، خرجت إلى حضرموت لبعض الحاجة فقضيت حاجتى ثم رجعت حتى إذا كنت ببعض الأرض نمت ففزعت من الليل فإذا بصائح يقول : أَبَا عَمْرو تَأَوْبَنِى (٣) السُّهُودُ وراح النومُ وانقطع الهُجُودُ ثم صاح آخر: ((يا خَرْعَب، ذَهَبَ بِكَ الَّلعِب، إِن أَعْجَبَ العَجْب بين مَكَّةً وَيَثْرِب)). قال : وما ذاك يا شاهب؟ قال: ((نَبِىُّ السلام، بُعِث بخير الكلام، إلى جميع الأَنام، فأُخْرِجَ من الْبَلَدْ الحَرَامِ، إِلى نخيلٍ وآطام )) ثم طلع الفَجْر فذهبت أَتفكر فإِذا عظاية(٤) وثعبان ميتان ، فما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلا بهذا الحديث)). ٤١٥ و ولما / شارف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبو عبد الله بُرَيْدَة بن الحُصَيْب(٥) الأَسلمى فى سبعين من قومه من بنى سَهْم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((من أنت؟)) قال: بُرَيْدَة: فقال لأَبى بكر: ((برد أَمْرُنَا وصَلُح)). ثم قال: ((مِمَّنْ؟)) قال: من أَسلم . فقال لأبى بكر : ((سَلِمْنَا)). ثم قال: ((مِنْ بَنِى مَنْ؟)) قال: من بنى سهم. قال: خَرَج سَهْمُك [ يا أَبا بكر)). فقال بُرَيْدَة للنبى صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: ((أَنا (١) فى المصباح حسبت المال حسبا من باب قتل أحصيته عدداً والمصدر أيضا حسبة بالكسر وحسبانا بالضم وحسبت زيدا قائما أحسبه من باب تعب حسبا بالكسر بمعنى ظننت . (٢) هو شهر بن حوشب مولى أسماء بنت يزيد بن السكن أبو سعيد الشامى أرسل عن تميم الدارى وسلمان وروى عن مولاته وابن عباس وعائشة وأم سلمة وجابر وطائفة وروى عنه قتادة وثابت والحكم . وثقه ابن معين ولكن ضعفه النسائى . وقال الذهبي إن روايته عن بلال وتميم الدارى ظاهرة الانقطاع . وقال ابن سعد توفى سنة ١١٢ هـ. انظر ميزان الاعتدال للذهبي ( جـ ٢ ص ٢٨٣: ٢٨٥ رقم ٣٧٥٦) وخلاصة الخزرجى ص ١٤٣. (٣) تأوبنى أى عادنى. (٤) العظاءة سام أبرص والعظاية لغة تميم وجمع الأولى عظاء والثانية عظايات نقلا عن المصباح. (٥) فى الأصول: أبو بردة الأسلمى والتصويب من أسد الغابة ( جـ ١ ص ١٧٥) والإصابة (جـ ١ ص ١٥١) يكنى أبا عبد الله ونسبه كما ساقه ابن الأثير. بريدة بن الحصيب - على صورة التصغير بحاء مهملة - ابن عبد اللّه بن الحارث. ابن سعد .. الأسلمى وأخبار بريدة كثيرة ومناقبه مشهورة وذكر قصة إسلامه هو وقومه الديار بكرى فى تاريخ الخميس (جـ ١ ص ٣٣٥) والزرقانى فى شرحه على المواهب (ج ١ ص ٣٤٩: ٣٥٠). - ٣٥٨ - محمد بن عبد الله رسول الله )). فقال بُرَيْدَة: أَشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله . فأسلم بُرَيْدَة وأسلم من كان معه جميعاً. قال بُرَيْدَة: الحمد لله الذى أَسلم بنو سَهْم طائعين غير مُكْرَهِين(١)]، فلما أصبح قال بُرَيْدَة للنبى صلى الله عليه وسلم وسلم: (( يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء ». فَحَلَّ عمامتَه ثم شَدَّها فى رُمْح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة . تَنْيَهَاتُ الأول : قال الحافظ : كان بين ابتداء هجرة الصحابة وبين العقبة الأولى والثانية وبين هجرته صلى الله عليه وسلم شهران وبعض شهر على التحرير . الثانى: قول عائشة رضى الله عنها: (( ما كنت أرى أحداً يبكى من الفرح حتى رأيتُ* أبا بكر تبكى من الفرح)). قال فى الروض(٢): ((قالت ذلك لصِغَر سِنِّها وأنها لم تكن عَلِمَتْ بذلك)) وقد تطرقت الشعراء لهذا المعنى فأخذته استحساناً له فقال الطائى يصف السحاب : عيونُ أَزْهَارِهَا تَبْكِى من الفَرَحِ دُهْمٌ إذا وَكَفَتْ(٣) فى روضةٍ طَفِقَتْ وذكر لأبى الطيب وزاد على هذ المعنى : فلا تُنْكِرَنَّ لَهَا صَرْعةٌ. فَمِنْ فَرَحِ النَّفْسِ ما يَفْتُلُ [وقال بعض المُحْدَثين : سَيَزُورُنِى فَاسْتَعْبَرَتْ أَجْفَانِى وَرَدَ الكِتابُ مِنَ الحبيبِ بأَنه مِنْ فَرْطِ مَا قَدْ سَرَّنِى أَبْكَانِى غَلَبَ السُّورُ عَلَىَّ حَتَّى أَنَّهُ يا عَيْنِ صَارَ الدَّمْعُ عِنْدَكِ عادةً تَبْكِينَ فِى فَرَحٍ وَفِى أَحْزَانِ ](٤) (١) ساقطة من الأصول والتكملة من المصادر المذكورة فى الحاشية السابقة. (٢) فى النسخة المطبوعة من الروض الأنف جـ ٢ ص ٣ (٣) وكف الماء وغيره يكف وكفا ووكيفا ووكفانا سال وقطر قليلا قليلا . (٤) إضافة من السهيلى جـ ٢ ص ٣°. - ٣٥٩ قال فى الزهر : ((وفيه من عدم الثَّثَبَّت ما ترى، أَيجوز أن يُحْتَجِّ على عائشة بِقَوْل مُحْدَثٍ ؟ إِنما كان يُحْتَجِّ عليها لو كانت العَرَب قالته، أما إذا لم تَقُلْهُ العَرَب فلا حُجَّةَ عليها(١) والله أعلم . قلتُ: السهيلى لم يَحْتَجّ بذلك على عائشة رضى الله عنها، وإنما ذكره استطراداً للفائدة . الثالث : نُقِل فى الروض عن بعض شيوخ أهل المغرب أنه سئل عن امتناعه من أَخذ الراحلة مع أن أبا بكر أنفق عليه ماله ، فقال: أَحَبَّ أَلَّ تكون هجرتُه إلا من مال نفسه(٢). الرابع : كانت هجرته صلى الله عليه وسلم فى شهر ربيع الأول سنة ثلاث عَشْرة من النبوة وذلك يوم الاثنين. روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ((وُلِد نَبِيُّكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفى يوم الاثنين؛. قال الحاكم: ((تواترت الأخبار أَن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة. كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمى قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس)» . قال الحافظ: (( يُجْمَع بينهما بأَن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين لأنه أَقام فيه ثلاثَ ليالٍ: هى ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وخرج فى أثناء ليلة الاثنين )) . الخامس : ذكر بعض أهل السِّيَر أن أبا بكر لما رأى المشركين وهو فى الغار ، ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((لو جاء ونا من ههنا خرجنا من ههنا)). فنظر أبو بكر إلى الغار وقد انفرج من الجانب الآخر ، وإذا البحر قد اتصل به وسَفِينَةٌ مشدودة إِلى جانبه )). قال الحافظ ابن كثير(٣): وهذا ليس بمُنْكَر من حيث القُدْرَة العظيمة ولكن مے (١) يشير المؤلف إلى قول الطائى يصف السحاب. (٢) لفظ السهيلى (جـ ٢ ص ٣): سئل بعض أهل العلم لم لم يقبلها إلا بالثمن وقد أنفق أبو بكر عليه من ماله ما هو أكثر من هذا ؟ فقيل : وقد قال عليه السلام : ليس من أحد ( وفى رواية ) ما أحد أمن علينا فى أهل ومال من ابن أبى قحافة ( أى ما أحد أجود بماله وذات يده ). وقد دفع إليه حين بنى بعائشة اثنتى عشرة أوقية ونشاً . فلم يأب ذلك، فقال المسئول : إنما ذلك لتكون هجرته إلى اللّه بنفسه وماله رغبة منه عليه السلام فى استكمال فضل الهجرة وأن تكون الهجرة والجهاد على أتم أحوالهما . وهو قول حسن حدثنى به بعض أصحابنا عن الفقيه الزاهد أبى الحسن بن اللوان رحمه الله . (٣) فى البداية والنهاية جـ ٣ ص ١٨٣. - ٣٦٠ -