Indexed OCR Text
Pages 201-220
٣٧٦ظ التنبيه الخامس والسبعون: قال ابن دِحْية: ((إِنما عُرِضت عليه النار ليكون [ آمناً (١)] يوم القيامة ، فإذا قال سائر الأنبياء : نفسى نفسى فَنَبِيُّنا / يقول: أُمَّتِى أُمَّتِى، وذلك حين تُسْجَر جهم ، ولذلك أَمَّن الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فقال عز من قائل ( يَوْمَ لا يُخْزِى اللهُ النَّبِىَّ) (٢) والحكمة فى ذلك أَن يفزع إلى شفاعة أُمتة، ولو لم يُؤْمِّنه لكان مشغولاً بنفسه كغيره من الأنبياء ، لأنهم لم يَرَوْا قبل يوم القيامة شيئاً منها ، فإِذا رَأَوْها جزعوا وكَفَّت ألسنتهم عن الخطبة والشفاعة من حَوْلِها وشغلتهم أنفسهم عن أُممهم ، وهو صلى الله عليه وسلم قد رآها قبل ذلك فلا يفزع منها مثل ما فزعوا فيقدر على الخطبة وهو المقام المحمود ، لأَن الكفار لما كانوا يُكَذِّبونه ويستهزئون به ويُؤْذونه أَشد الأَذِى أَراه الله سبحانه وتعالى النار التى أَعَدَّها للمُسْتَخِفِّين به تطبيباً لقلبه وتسكيناً لفؤاده وللإِشارة إِلى أَن مَنْ طَيّب قَلْبَه بإهانة أَعدائه والانتقام منهم فأَوْلى أَن يُطَيِّبَه فى أَوليائه بالشفاعة والإكرام ، وليعلم مِنَّة الله عليه حين أنقذهم [ منها ] ببركته وشفاعته . التنبيه السادس والسبعون: لم يَرَ مالكًا فى صورته التى يراه عليها المُعَذَّبون فى الآخرة ، ولو رآه على تلك الصورة لما استطاع أن ينظر إليه . التنبيه السابع والسبعون: قال الطيبي: (( إنما بدأ مالكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداءً » التنبيه الثامن والسبعون: ذكر صلى الله عليه وسلم أنه لم يَلْقَه مَلَك من الملائكة إلا ضاحكًا مستبشراً إِلا مالكًا خازن النار ، وذلك أنه لم يضحك لأحد قبله ، ولا هو ضاحك لأَحد بعده . قال الله تعالى: (عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادُ(٣) ) وهم مُؤَكَّلون بغضب الله تعالى ، فالغضب لا يزايلهم أبداً وفى هذا الحديث معارضة لما رواه الإمام أحمد وأبو الشيخ عن أَنَسٍ رضى الله عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ((مالى لم أَرَ ميكائيل ضاحكًا قط؟)) قال : (١) إضافة يقتضيها السياق. (٣) سورة التحريم آية ٦ (٢) سورة التحريم آية ٨ - ٢٠١ - (( ما ضحك منذ خُلِقت النار)). وهذا الحديث يعارضه ما رواه الدارقطنى وغيره أن رسول الله تَبَسَّم فى الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: ((رأَيت ميكائيل راجعاً فى طلب القوم وعلى جناحيه الغُبَار، فضَحِك إلىّ، فَتَبَسَّمْتُ إِليه؛. قال السهيلى: (([ وإِذا صَحَّ الحديثان (١) ] فَوَجْهُ الجَمْع بينهما أن يكون لم يضحك منذ خُلِقِت النار إلا هذه المَرَّة التى ضَحِك فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون الحديث عامًّا يُراد به الخصوص أَو يكون الحديث الأَول حَدَّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هذا الحديث الآخر، ثم حَدَّث بَعْد ٣٧٧, بما حَدَّث به من ضَحِکه إِليه)» / التنبيه التاسع والسبعون : المناسبة بين المِعْراج التاسع - وهو المستوى الذى سُمِع فيه صريف الأقلام - والعام التاسع من سنى الهجرة . قال ابن دحية: ((كان فى العام التاسع غزوة تبوك وفيها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام فى العدد الذى لم يَتِمّ قَبْلَه مِثْلُه، كان العدد ثلاثين ألفاً، وكانت الثُّقَّة بعيدة ، ولهذا لم يُوَرِّ فيها ، بل أَعْلَمَ النَّاسَ بوَجْهِهِم ليكون تَأْمُّبُهم بحسب ذلك ، ومع هذا الاجتهاد فى الاستعداد لم يَلْقَ صلى الله عليه وسلم حَرْباً ولا افتتح بلداً، لأَن أَجَل فتح الشام لم يكن حَلَّ بعد ، فانْتَسَخِ العَزْمُ بالقَدَر وبجفاف القلم ورجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة . التنبيه الثمانون: صريف(٢) الأقلام، بالصاد المهملة وكسر الراء وبالفاء . قال القاضى والنووى رحمهما الله تعالى : هو صوت حركتها وجريانها على ما تكتبه الملائكة من أَقضية الله تعالى ووَحْيِه وما ينسخونه من اللوح المحفوظ أَو ما شاء الله من ذلك أَن يُكْتَب ويُرْفَع لما أراده من أَمره وتدبيره. وفيه حجة لأَهل السُّنَّة فى الإِيمان بصحَّةَ كتابة الوَحْى والمقادير فى كتب الله تعالى من اللوح المحفوظ بالأفلام التى هو يعلم كيفيتها على ما جاءت به الآيات فى كتابه والأحاديث الصحيحة ، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره ، لكن كيفية (١) الزيادة من السهيلى - ج١ ص ٢٥٣. (٢) جاء فى النهاية لابن الأثير (ج ٢ ص ٢٦٠): ومنه الحديث: ((أسمع صريف الأقلام)) أى صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللّه تعالى ووحيه وما ينتسخونه من اللوح المحفوظ . ومنه حديث موسى عليه السلام أنه كان يسمع صريف القلم حين كتب الله تعالى له التوراة . - ٢٠٢ - ذلك وصورته وجنسه لا يعلمه إلا الله تعالى، ومَنْ أَطْلَعَه على شىءٍ منه من ملائكته ورُسُلِهِ . وما يَتَأَوَّلُ هذا ويُحِيلُه إلا ضعيف النظر والإيمان، إذ جاءت به الشريعة، ودليلُ العقول لا يُحِيله ، والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، حِكْمةً من الله وإظهاراً لما يشاء من غَيْبِه لمن يشاء من ملائكته وسائر خَلْقه وإلا فهو غَنِىٌّ عن الكتب والاستذكار . التنبيه الحادى والثمانون: قال ابن دِحْيَة: ((قد عُلِمٍ أَن الأقلام إنما تكتب الأقدار ، والقَدَرِ المكتوب قديم ، وإنما الكتابة حادثة . وظاهر الأخبارِ أَن اللوح المحفوظ فُرِغ من كتابته وجَفَّ القلم بما فيه قبل خَلْق السموات والأرض ، وإنما هذه الكتابة المحدودة فى صُحُف الملائكة كالفروع المُنْتَسَخَة من الأصل، وفيها المحو والإثبات على ما ورد فى الأثر. وَأَصْلُ اللوح المحفوظ الذى انْتُسِخ منه اللوح هو علم [ الغَيْبِ (١) ] القديم فى أَزَل القِدَم وهو الذى لا مَحْوَ فيه ولا إثبات حيث لا لَوْح ولا قَلَم . والحكمة البالغة - والله أعلم - فى سماعه الصريف الأقلام حصول الطمأنينة بجفاف القلم. بما فى القَدَر حتى يمكن / التفويض للقَدَر لا للسَّبَب، وحتى يُتَعَاطَى السَّبَبُ تَعَبَّداً لا تَعَوُّذاً، ٣٧٧ ظ وبذلك يَتِمُّ التَّوَكُّل ويَسْكُنِ الاضطراب عند اختلاف الأسباب. وقال القرطبى: ((وأصل الأقلام الموصوفة هنا، هى المُعَبَّر عنها بالقَلَمِ المُقْسَم به فى قوله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون(٢) ويكون القلم هذا للجنس )) . التنبيه الثانى والثمانون : المناسبة بين المِعْراج العاشر وهو الرفرف حين لقى الله تعالى وحَضَر بحضرة القُدْس وقام مقام الأُنْس ورُفِع الحجاب وسُمع الخِطاب ، وكان قاب قوسَيْن أَو أدنى لابالصورة بل بالمعنى ، أن العام العاشر اجتمع فيه اللقاءان : أحدهما : لقاء البيت وحَجّ الكعبة ووقوف عرفة وإِكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين ، واللقاء الثانى : يقارب البيت وكانت فيه الوفاة واللقاء والانتقال من دار الفَنَاء إلى دار البقاء والعروج بالروح الكريمة إِلى المَقْعَد الصُّدْق وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة وهى المنزلة الرفيعة التى (١) زيادة مما نقله الزرقانى عن ابن المنير فى شرح المواهب ج ٦ ص ٨٩ . (٢) الآية الأولى من سورة القلم وأورد أبو عبد الله القرطبى عن ابن عباس فى تفسيرها: هذا قسم بالقلم الذى خلقه الله فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة - تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٢٢٥ . - ٢٠٣ - لا تنبغی إلا لعبد واحد اختاره الله تعالی وهو محمد صلی الله علیه وسلم کما ورد فی صحیح الخبر أنه سُئِل عن الوسيلة فقال: ((درجةٌ فى الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله فأرجو أَن أَكون إياه )). ورجاؤه مُحَقَّق صلى الله عليه وسلم ، وخاطره مُوَقَّق . التنبيه الثالث والثمانون: قال ابن دخية: خُصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤية والمكالمة لأَّنه صاحب الشفاعة يوم القيامة ، فتوسَّط قبلها لئلا يقع له حِشْمة البديهة كما يقع لغيره من الأنبياء فأَراد الله سبحانه وتعالى أن يزيل عنه الانقباض قبل ذلك ليتمكن من المقام المحمود وأَهَّله قبل المشهد الأعلى للمشاهدة والكلام . التنبيه الرابع والثمانون: قوله تعالى: ((وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عَرْشى))، إلى آخر الحديث. قال النُّورْبَشْتِى: ليس يعنى بقوله: ((أَعْطَى)) أَنها أُنْزِلِت عليه بل المعنى أنه اسْتُجيب له فيما لُقِّن من الآيتين ( غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ(١)) إلى قوله تعالى: (أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ(٢) )، ولمن يقوم بحقهما من السائلين)). وقال الطيبى: ((وفى كلامه إشعار بأَن الإعطاء بعد الإنزال لأَن المراد منه الاستجابة وهى مسبوقة بالطلب والسورة والمعراج كان بمكة ، ويمكن أن يقال هذا من قبيل ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَخْىٌ يُوحَى (٣) ) وإنما أُوثِرِ الإِعطاء لما عُبِّر عنه بكَنْزِ تحتَ العَرْش)). وروى الإمام أحمد عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ٣٧٨ و ((أُعْطيت خواتيم سورة / البقرة من كنز تحت العَرْش لم يُعْطَهُنَّ نِىَّ قبلى(٤))). التنبيه الخامس والثمانون: الحكمة فى تخصيص فَرْض الصلاة بليلة الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم لما يُرِج به رأى تلك الليلة تَعَبُّد الملائكة، وأَن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلايسجد ، والساجد فلا يقعد ، فجمع الله تعالى له ولأُمته تلك العبادات كلها فى ركعة واحدة يُصَلِّيها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإِخلاص . (١) من الآية ٢٨٥ من سورة البقرة. (٢) نهاية الآية ٢٨٦ ختام السورة السابق ذكرها . (٣) سورة النجم آية ٣ ، ٤. (٤) انظر الجامع الصغير = ١ ص ٤٦. - ٢٠٤ - التنبيه السادس والثمانون : وفى اختصاص فَرْضها بليلة الإسراء إشارة إلى عظم شأنها ولذلك اختصّ فرضُها بَكَوْنِه بغير واسطة بل بمراجعات عِدَّة. قال السهيلى: (([ وأَما فَرْضُ الصلاة عليه هنالك(١) ] ففيه التنبيه على فضلها حيث لم تُفْرَض إلا فى الحضرة القدسية المُطَّهرة ، ولذلك كانت الطَّهَارة من شأنها ومن شرائط أَدائها والتنبيه على أنها من مناجاة الرِّبّ، وأَن الرَّبَّ تبارك وتعالى مُقْبِلٌ بوجهه على المُصَلِّ يناجيه يقول: حَمَدِنِى عَبْدى أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدى إلى آخر السورة ، وهذا مُشَاكِلٌ لِفَرْضِها عليه فى السماء السابعة حيث سمع كلام الرب وناجاه ، ولم يَعْرُج به حتى طَهَّر ظاهره وباطنه بماء زمزم كما يَتَطَّهر المُصَلِّى للصلاة وأُخْرِج عن الدنيا بجسمه كما يَخْرُجِ المُصَلِّى عن الدنيا بقلبه ويُحَرَّم عليه كل شىء إلا مناجاة ربه، وتوجهه إلى قِبْلته فى ذلك الحين وهى بيت المقدس، ورُفِع إلى السماء كما يَرْفَعُ المُصَلِّى يديه [ إلى جهة السماء (٢) ] إِشارة إلى القِيْلة العليا وهى البَيْت المعمور وإلى جهة عَرْشِ مَنْ يناجيه ويُصَلَّى له سبحانه وتعالى)). التنبيه السابع والثمانون: قوله: ((قد وضعت عنك خمساً))، كذا فى رواية ثابت عن أنس. وفى رواية مالك بن صعصعة: ((عَشْراً))، وفى رواية شريك: ((وضع شطرها)). قال النووى: ((المراد بحَطِّ الشّطْر أنه حُطَّ فى مَرَّات بمراجعات فلا يخالف رواية ثابت)). قال الحافظ: (( وكذا العَشْر فكأَّنه وضع العَشْر فى دفعتين والشطر فى خمس دفعات ، والمراد بالشطر هنا البعض)). قال: ((وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمساً ، وهى زيادة معتمدة يتعَيَّن حَمْلُ باقى الروايات عليها » . قلتُ : ويؤيد رواية ثابت ما رواه ابن خُزَيْمَة فى صحيحه والبيهقى وابن مَرْدَوِيه من حديث مالك بن صعصعة: (( فَحَطَّ عنى خمساً))، وفيه: ((فما زِلْتُ بين موسى وبين ربى يَحُطُّ عنى خمساً خمساً)) . قال ابن دحية: (( فِكْرُ الشطرِ أَعَمّ من كونه وقع دفعةً واحدة )). التنبيه الثامن والثمانون: قال أبو طالب الجُمَّحِى فى كتاب التحيات: (( لكل قوم . تحية، فتحيّة العرب السلام وتحية الأكاسرة السجود قُدَّام الملك وتقبيل الأرض / وتحية ٣٧٨ ظـ (١) زيادة من السبيل = ١ ص ٢٥١. (٢) زيادة من السبيل = ١ ص ٢٥١. = ٢٠٥ - الفُرْسِ طَرْحُ اليد على الأرض قُدَّام الملك ، وتحية الحبشة عَقْدِ اليدَيْن على الصدر بين · يَدَىْ المَلِك بسكون، وتحية الروم كشف غطاء الرأس من بعد تنكيس رأسه . وتحية النوبة إِبماء الرجل بالدعاء بالأصابع وتحية البِجًا(١) وضع يد الداخل على كتف الملك ، فإِن بلغ الخدمة رفعها ووضعها مراراً . وهذه التحيات غالبها مجموعة فى الصلاة التى هى خدمة ملك الملوك سبحانه وتعالى، ولهذا ناسب أن يقال فى آخرها: ((التحيات لله)) إِشارة إلى أنه تعالى يستحق جميع التحيات )». التنبيه التاسع والثمانون: وقع فى رواية أَنَس عن أَبِى ذَرّ رضى الله عنهما: ((فَرَض الله على أُمتى خمسين صلاة)) وفى رواية ثابت عن أنس: ((فَرَض اللّه عَلَىَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة)). ونحوه فى رواية مالك بن صعصعة، فيُحْتَمَلُ أَن يقال فى كل من رواية أَبِى ذَرّ والرواية الأُخرى اختصار. ويؤيد قَوْلَه فى الرواية الأُخرى: ((إِنِى فَرَضْتُ عليك وعلى أُمتك خمسين صلاة )) إلى آخره . ويقال ذِكْرُ الفَرْضُ عليه يستلزم ذِكْرَ الفَرْض على الأُمة وبالعكس ، إلا ما استُثْنِىَ من خصائصه . التنبيه التسعون: قال ابن أبى جمرة: ((الحكمة فى كون إبراهيم عليه السلام لم يكلم المصطفى فى طلب التخفيف أَن مَقَام الخُلَّة إنما هو الرِّضَّى والتسليم، والكلام فى هذا الشأن : ينافى ذلك المقام .. وموسى هو الكليم، والكليم أُعْطِىَ الإِدلال والانبساط )). وقال القرطبى : (( الحكمة فى تخصيص مُؤُسَى عليه الصلاة والسلام بمراجعة النبى صلى الله عليه وسلم فى أَمر الصلاة ، لعلها لكون أُمة موسى كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف به غيرها من الأُمم فتَقُلَت عليهم فأَشفق موسى على أُمة محمد - عليهما الصلاة والسلام - من مثل ذلك ويشير إلى ذلك قول موسى: ((إنى قد جَرَّبْتُ الناس قبلك)). وقال غيره : لعلها من جهة أنه ليس فى الأنبياء مّن له أَتَبَاع أكثر من موسى، ولا مَنْ له كتاب أكبر ولا أَجْمَع للأحكام من كتابه ، فكان من هذه الجهة مضاهياً للنبي صلى الله ◌ُ عليه وسلم، فناسب أَن يَتَمَنَّى أَن يكون له مثل ما أُنْعِمٍ به عليه من غير أَن يريد زوالَه عنه ، (١) بكسر الياء الموحدة وتضم يليها جيم وألف أو هاء، وردت بهذا الضبط فى كتاب البلدان لليعقوبى (ليدن سنة ١٨٩٢ م ص ٣٣٦) وذكرهم القلقشندى فى صبح الأعشى (= ٥ ص ٢٧٣: ٢٧٤ طبعة القاهرة سنة ١٩١٥ م) =٢٠٦ وناسب أَن يُطْلِعَه على ما وقع له وينصحه فيما يتعلق به . ويُحْتَمَل أَن موسى عليه السلام لما غَلَب عليه فى الابتداء الأَسَف على نَقْص حَظٍّ أُمته بالنسبة لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تمنى ما تمنى أن يكون منهم ، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم والشفقة عليهم ليزيل ما عساه أَن يُتَوَهَّم عليه مما وقع منه فى الابتداء ، والعلم عند الله تعالى. قال القرطبى: ((وأما قول من قال إنه أول من لقيه بعد الهبوط فليس بصحيح ، لأن حديث مالك بن صعصعة أنه رآه فى السادسة وإِبراهيم فى السابعة ، وهو أقوى إِسناداً من حديث شريك الذى فيه أنه رأى / موسى فى السابعة)). قال الحافظ: ((إِذا جمعنا ٣٧٩ و بينهما بأنه لقيه فى الصعود فى السادسة ، وصعد موسى معه إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط ارتفع الإِشكال وبَطُل الرَّدّ )). قال السُّهَيْلى: (( وأَما اعتناءُ موسى عليه السلام بهذه الأُمة وإلحاحهُ على نبيها أَن يشفع لها ويسأل التخفيف عنها فلقوله - والله أعلم - حين قضى إليه الأمر بجانب القربى(١) ورأى صفات أمة محمد عليه السلام فى الألواح وجعل يقول: إنى أَجد فى الألواح أمَّةً صفتهم كذا : اللهم اجعلهم أُمتى . فيقال له : تلك أُمة محمد . قال : اللهم اجعلنى من أُمة محمد ، وهو حديث مشهور فى التفاسير . فكان إِشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم يَعْتَنِى بالقوم مَنْ هو منهم لقوله : اللهم اجعلنى منهم )) . التنبيه الحادى والتسعون: فى قول موسى: ((قد عالجتُ الناسَ قبلك)) إلى آخره دليل على أن علم التجربة زائد على العلوم ، ولا يُقْدَر على تحصيله بكثرة العلوم ولا يُكْتَسَب إلا بها، أعنى التجربة، لأن النبى صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأفضلهم سِيَّما وهو حديث * عهد بالكلام مع ربه تبارك وتعالى وورد إلى موضع لم يطأُّ مَلَكُ مُقَرِّب وَلا نبيِّ مُرْسَل، ثم مع هذا الفضل العظيم قال له موسى عليه السلام: (( أنا أعلم بالناس منك ))، وذكر له العِلَّة التى لأجلها كان أعلم منه بقوله: ((عالجت بنى إِسرائيل أَشَدَّ المعالجة)). فأخبره أنه أعلم منه فى هذا العِلْم الخاص الذى لا يُوجَد ولا يُدْرَك إِلا بالمباشرة وهى التجربة . (١) هكذا فى الأصول. وفى الروض الأنف ( = ١ ص ٢٥٥) مصحفة الغربى بالغين المعجمة. - ٢٠٧ .- التنبيه الثانى والتسعون : وفيه دليل على جواز الحكم بما أجرى الله تعالى بحكمته من . ارتباط العوائد لأَن موسى عليه السلام حَكَمَ على هذه الأُمة بأنها لا تُطِيق ، وذلك سبب ما أخبر به وهو علاج بنى إِسرائيل ، ومَنْ تقدَّم أقوى وأَجلد مِمَّن يأتى بعد ، كما أَخبر تعالى بقوله : ( كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَروهَا (١)) فرأَى موسى أَن ما لم يحمله القَوِىّ فمن باب أولى أَلا يحمله الضعيف [ فهو (٢) ] بعد مُحْكَم بأَثر الحكمة فى ارتباط العادة ، مع أَن القُدْرَة صالحة لأَن يحمل الضعيف ما لا يحمل القَوِىّ. وقد وَرَدَ أَن الصلاة التى كُلِّف بها بنو إسرائيل ركعتان بالغداة وركعتانْ بالْعَشِىّ .. ومع هذا لم يقوموا بذلك . التنبيه الثالث والتسعون : وفى سؤال موسى طلب التخفيف عن هذه الأُمة دليلٌ على أَن بكاءه أَوَّلاً حين صعود النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا للوجه الذى أَبْدَيْنَاه لا لغيره ، لأَّنه لو كان لغير ذلك لبكى حين رجوع النبى صلى الله عليه وسلم أَو سَكّت ، ولكنه قام فى الخدمة والنصيحة للنبى صلى الله عليه وسلم، فلما أن كان بكاؤه أوّلاً للوجه الذى ذكرناه ٣٧٩ ظ ولم يصادف ما أشرنا إليه وإنما كانت هذه / النَّفْحَة من النَّفَحَات الخاصَّة بالنبى صلى الله عليه وسلم ، تَعَرَّض أيضاً لهذه الأُمة بطلب التخفيف ، فصادف اعتراض هذه النفحة فى موضعها لأنها خاصة بهذه الأُمة . وتكلم هو صلى الله عليه وسلم فى حَقِّها فأُسْعِف فيما أراد وحَقَّق الله عز وجل [ دعاءه (٣) ] إذ ذاك ورَدَّ الخمسين إلى خَمْس ، وزاد بالإِفضال فجعل الحَسَنَة عَشْراً فى الثواب عليها ، فأَزال الله تعالى عن الأُمة فَرْضَ تلك الصلوات وأبقى لهم ثوابها تفضلاً منه وإحساناً . التنبيهِ الرابع والتسعون: قال ابن أَبِى جَمْرَة: ((فى الحديث دليل للصوفية حيث يقولون: ((حسنات الأبرار سيئات المُقَرَّبِين))؛ لأن إبراهيم عليه السلام لم يتكلم فى هذا الشأن بسبب أَن مَقَامِه أعلى من الكلام ، فلو تكلم لكان ذلك فى حقه سيئة بالنسبة إلى (١) سورة الروم آية ٩. (٢) إضافة يقتضيها السياق. (٣) إضافة يقتضيها السياق. - ٣٠٨ - : مقامه الخاص ، وموسى عليه السلام كان كلامه مما يتقرب به إلى مقامه الخاص ، كل منهم له مقام خاص لا يتعدَّه )). التنبيه الخامس والتسعون: قال ابن دِحْيَة: ((فى هذه المراجعة التى وقعت بين موسى والنبى عليهما السلام فوائد منها : تكرار الشفاعة فى القصة الواحدة إلى أن يتم مقصود . . الشاقع، ومنها أن الأمر إذا انتهى إلى حَدّ الإلحاح كان الأَوْلَى التَّرْك، ومنها تعظيم الأَمر الذى لا يُقْدَر عليه ، ومنها الرجوع إلى المُشِير الناصح ، ومنها أَن الشافع لا يَتَوَقَّف على طلب المشفوع له فى ذلك ، ومنها أن الشافع يُقيم عُذْرَ المشفوع له عند المشفوع عنده فى ذلك ، ومنها أنه لا يمتنع من الشفاعة وإِن كان داخلاً فيها)). التنبيه السادس والتسعون: إِنما امتنع النبى صلى الله عليه وسلم من طلب التخفيف فى المرة العاشرة لما أَمره موسى بذلك لِأَمْرَيْن : أَحدهما: أَن الأَمر إِذا انتهى إلى حَدّ الإلحاح كان الأَّوْلَى النَّرْكِ. ثانيهما: أَن يكون النبى صلى الله عليه وسلم تَفَرَّس أَن هذا العدد لايُحَطُ عنه فاستحى أَن يسأَل فى مَظِنَّةِ الرَّدّ، ووَجْهُ النَّفَرُّس أَن الله تعالى أَدْرج التخفيف خَمْساً خَمْساً من خَمْس إِلى خَمْس. فالقياس أَنه إِن خَفَّفَ بحَذْف الخمسة الأخيرة ارتفعت الصلاة بجملتها ، وقد عَلِمٍ أَنه لابُدَّ من وظيفة ، فلهذا ترك السؤال ، وكشف الغَيْب أَن العِلْم القديم تَعَلَّق ببقاء هذه الخَمْس، ولهذا بَقِيَتْ ، فصَدَقت الفراسة وأَصابت الفكرة ، ولهذا جاء فى بعض الطُّرُق أن النبى صلى الله عليه وسلم لما امتنع من المراجعة فى العاشرة نادى مُنَادِ: ((أَمضيت فريضتى وخَفَّفْتُ عن عبادی)) . / ٣٨٠ و التنبيه السابع والتسعون: قال ابن دِحْيَة: ((دَلَّت مراجعتُه صلى الله عليه وسلم فى طلب التخفيف تلك المَرَّات كلها ، لأَنه عَلِمٍ أَن الأَمر فى كل مَرَّة لم يكن على سبيل الإلزام بخلاف المَرَّةِ الأَخيرة ، ففيها ما يُشْعِرِ بذلك لقوله تعالى (مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامِ لِلْعَبِيدِ(١) )). التنبيه الثامن والتسعون: قال ابن أَبِى جَمْرَة: ((فى امتناع النبى صلى الله عليه وسلم ٠ (١) سورة ق آية ٢٩. - ٢٠٩ - (١٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ ) ٠ فى المَرَّة العاشرة من طلب التخفيف دليل على أن الله سبحانه وتعالى إِذا أَراد إِسعادَ عَبْدٍ جعل اختيارَه فى مَرْضَاة رَبِّه، لأَن النبى صلى الله عليه وسلم جعل اختياره وإيثاره لِمَا. أراد الحَقُّ تبارك وتعالى إِنْفَاذَه وإمضاءه، وهو فَرْضُ الصلواتِ الخَمْس ، وذلك تكريم له صلى الله عليه وسلم وترفيع، لأنه لو رجع لِطَلَبِ التخفيف فلم يُخَفَّف كما خُفِّف أولاً لكان اختيارُه مُخالِفاً للمقدور. فلما أَن اختار وأُسْعِف فى اختياره كان دليلاً على ما استدللنا عليه وهو عُلُوّ منزلته صلى الله عليه وسلم ، فإنه مادام يطلب التخفيف أُسْعِف فى مُنَاهُ ، ففى كل حالٍ من طلب ومن عدم طلب كان اختيارُه موافقاً للمقدور)». وفيه دليل للصوفية حيث يقولون: ((إِن الحال(١) حامل ((لا محمول))، لأَن النبى صلى الله عليه وسلم لما أَن ورد عليه حالُ الإِشفاق على أُمته بادر إلى طلب التخفيف عنهم ولم ينظر إلى غير ذلك ، ثم لما وَرَد عليه حالُ الحياء من الله تعالى لم يلتفت لأُمته إذ ذاك ولا طلب شيئاً)). التنبيه التاسع والتسعون : فى هذا الحديث دليل على أَن قَدَر الله تعالى على قِسْمَيْن ، كما قدمنا. فالقَدَر الذى قَدَّره وقَدَّر أَلَّا ينفذ بسبب واسطةٍ أَو دُعَاء هو فَرْضُه هنا للخمسين صلاة لأَّنه تعالى لما أَن أَمر بالخمسين أوّلاً وسبقت إرادته ألَّا ينفذ ذلك جعل بحكمته موسى هناك سبباً لرفع ذلك. والقَدَر الذى قَدَّر إِنفاذه ولا يَرُدُّه رادٌ هو فَرْضُه للخمس صلوات لأَّنه تعالى لما أَن أَمَرَ بها وسبقت إرادته بإِمضائها لم ينفع كلام موسى عليه السلام إِذ ذاك لأَّنه من القَدَر المحتوم . (١) جاء فى التعريفات للشريف الجرجانى (ص ٥٥ طبعة القاهرة سنة ١٣٨٣ هـ): ((الحال)) عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة ، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل أو لا ، فإذا دام وصار ملكا يسمى مقاما، فالأحوال مواهب . والمقامات مكاسب . والأحوال تأتى من عين الجود والمقامات تحصل ببذل المجهود . ويعيب تعريف الجرجانى اشتماله على اصطلاحات صوفية أخرى هى فى حاجة أيضا إلى تعريف. ولقد عرف القبض والبسط فى موضع آخر ( ص ١١٤) فقال فيهما : هما حالتان بعد ترقى العبد عن حالة الخوف والرجاء فالقبض للعارف كالخوف للمستأمن والفرق بينهما أن الخوف والرجاء يتعلقان بأمر مستقبل مكروه أو محبوب . والقبض والبسط بأمر حاضر فى الوقت يغلب على قلب العارف من وارد غربى. ولكن الجرجانى لم يعرف المقام وهو عند ابن عربى فى الفتوحات المكية عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام ، والحال عند ابن عربى هو تغير الأوصاف على العبد وهناك تعريف مطوله المقام فى متممات جامع أصول الأولياء النقشبندى (القاهرة سنة ١٣٢٨ هـ ص ١٢١) - ٢١٠ - التنبيه الموفى مائة: قال ابن دِحْية: ((فإِن قُلْتَ: ما معنى قوله تعالى (مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَىَّ (١) )))؟ فإن كان المُرَاد لا يُبَدَّل الخَبَر فكيف يطلق الحديث، لأَن السياق فى الأَّحكام فلهذا نَسَخ الخمسين إِلى خَمْس وتبديل النَّسْخِ لا يبقى ، فإِن كان المُرَاد لا يُبَدَّل الحُكْمِ فقد تَقَرَّر أَن النَّسْخِ فى الأحكام جائز وقد وقع / فى هذا الحديث إِلى خَمْس. فالجواب أَنه . تعالى إِذا أَخبر عن الحُكْم أَنه مُؤَبَّد استحال التبديل والنَّسْخِ حينئذ لأَّجل العِلْم، وقد أَخبر الله تعالى أَنه الفريضة أَى أَبَّدَها فلا يُبَدَّل هذا الخبرولا يُتَوَقَّعِ النَّسْخِ بعد ذلك والله تعالى أعلم)) ٣٨٠ظ ويكون المراد أنه تعالى وعَدَ هذه الأُمة على ألسنة الملائكة أَو فى صحفها أَن لهم أَجْرَ خمسين صلاة فى كل يوم وليلة ، فلما نَسَخها إِلى خَمْس حصل للعدد نقص ، وإِن الأَجْر المراد لم يَنْقُص لأَن الحَسَنة بعشر أمثالها، ولهذا قال تعالى: ((هُنَّ خَمْس وهُنَّ خمسون)) أَى هُنَّ خَمْسٌ عدداً وخمسون اعتداداً ، ذلك الفضل من الله ، ويكون ذلك كقوله فى الصيام: ((من صام رمضان وأَتْبَعَه سِتًّا من شوّال فكأنما صام الدهر))(٢)، بتأْويل أَن الحسنة بعَشْر أَمثالها، فستة وثلاثون فى عشرة بثلثمائة وستين عدد أَيام السَّنَة . واعتُبِرت الصلاة بما تحتاج إليه كل صلاة من وضوء ونحوه ، فوُجد لها ما يأتى على ساعتين وبعض الساعة غالباً ، فعُلِمٍ بذلك أَن الخمسين لو استقرَّت على أُمة لاستوعبت اليوم والليلة لما تحتاج إليه كل صلاة من طهارة وغيرها ، وكانت الطهارة واجبة التجديد فى أول الأمر ، ثم نُسِخ الوجوب إِلى النَّدْب، فكأَن المُصَلِّى من هذه الأُمة لهذه الخمس استوعب الدَّهْرُ صلاةً وكأنه أَيضاً استوعب الدهرَ صياماً . والظاهر أن نقص الخمسين إِلى خَمْس ليس من تبديل القول لأنه تبديل تكليف ، وأما بعد الإخبار بالخمس والخمسين فتبديل أخبار . التنبيه الحادى والمائة: قال أبو الخَطَّاب وتَبِعه ابن المنير: ((جواز النَّسْخ قبل التمكن من الفعل قبل دخول الوقت مذهب أهل السنة خلافاً للمعتزلة ، وجرى كل فريق على قاعدته وعقيدته . فعند أَهل السُّنَّة التكليف على خلاف الاستطاعة جائز ، بل واقع (١) سورة ق آية ٢٩. (٢) مسند أحمد عن أبى أيوب، انظر الجامع الصغير = ٢ ص ٠١٧٤, - ٢١١ - إِذ الأَفعال كلها مخلوقة لله تعالى ، والعبد مطالب بمالا يَقْدِر على إيجاده ولا يتمكن من التأثير فى إحرازه، عملاً بقوله تعالى (وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(١)) بتقدير أَن ((ما)) هنا مصدرية، والمعتزلة تجعل ((ما)) هنا موصولة وجَرَوْا على عقيدتهم فى اعتقادهم أن العَبْد يخلق فِعْلَ نفسه ويُوجِد طاعةَ رَبِّه باستطاعته واختياره ، ولا يسقط التكليف عندهم على خلاف الاستطاعة فلا يُتَصَوَّرِ النَّسْخِ قبل التمكن من الفعل كما تُتَصَوَّر قاعدته . واستدل أَهل السُّنَّة على جواز النَّسْخ قبل التمكن بأنه وقع . وأَى دليل على الجواز أَتَمّ من الوقوع ؟ ومَثَّلوا ذلك بقصة الدَّبيح فإن الله تعالى أمر إِبراهيم بذبح ولده، ثم خَفَّف ذلك ونَسَخه " إِلى الفِداء قبل أن يمضى زمن يسع الذَّبْح ولا يمكن فيه الفِعْل . ومن هنا ضاقت على المعتزلة المضايق حتى غالطوا فى الحقائق ، واختلفوا فى الأجوبة ، فمنهم من قال لم يأمره بالذبح لأَن ذلك كان فى المنام لا فى اليقظة، ولا عَقْلَ أَضَلّ من عقل مَنْ زعم أنه استظهر على نبيِّ فى واقعة هو صاحبُها وقضى فيها ومنه ظهرت ، وعنه أُثِرت، فإن الذبيح قال فيما حكاه الله تعالى وصَوَّبه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ(٢))، ونحن نقول إِن راوى الحديث أَعْرَف ٣٨١ وبتأُويله / وتفسيره، وأَقْعَد بتبيينه وتنزيله . وحتى لو تعارض تأْويلان قَدَّمنا تأويل صاحب الواقعة لأَنّه أَفْهَم لها . فكيف لا يُقَدَّم تأويل الذَّبيح النبى الذَّكِىّ المُسَدَّد المُصَوَّب من رَبِّ العالمين على تأويل المُبْتَدِعِ الضَّالّ الحائر المِسْكين؟ ومنهم مَنْ قال: أَمَرَ ولكن بالمُقَدِّمات: الشَّدّ والتَّلّ(٣) والصَّرْعَ وتناوُلٍ (المُدْيَة)). وهذا من الطراز الأول [لتهافت القول (٤)]، فإِن إبراهيم قال ( انِّى أَذْبَحُكَ(٥) ) ولم يَقُل أَصرعك، وأيضاً ليست المقدمات ((بلا))، ولاسيما فى حق إبراهيم عليه السلام الذى (١) سورة الصافات آية ٩٦ . (٢) سورة الصافات آية ١٠٢. (٣) فى التنزيل . وتله الجبين، أى صرعه كما تقول كبه لوجهه والتل الدفع والصرع ومنه حديث أبى الدرداء وتركوك لمتلك أى لمصرعك . وفى حديث آخر : فجاء بناقة كوماء فتلها أى أناخها . وفى الحديث : بينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت فى يدى أى ألقيت فى يدى ، يقال تلت الرجل إذا ألقيته ،، قال ابن الأعرابي فصبت فى يدي ، والتل الصب، يقال تل يتل إذا صب وتل يتل بالكسر إذا سقط ، انظر تفسير القرطبى = ١٥ ص ١٠٥. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) من الآية ١٠٢ من سورة الصافات. - ٢١٢ = علم أن الحال لا ينتهى بغير الاضطجاع خاصةً بما لا يَتَعَنَّى حينئذ للفِداء ، فهذا أَحْيَد عن السَُّن وجنوح إِلى العِناد والغَبْن . ومنهم من قال: ((أُمِر بالذَّبْحِ وفَعَل، ولكن انقلبت السِّكِّين أَو لم تقطع ، أَو انقلبت العُنُقِ حديداً، وهذا من النَّمَط المردود ، وحاصله النَّقْل بالتقدير وهو الكذب بعينه ، ومنهم من قال: ((ذُبِحِ والْتَحَم ))، وهذه مُعَايَرَةُ النقول ومكابرة العقول. وذلك أَن الأَمر لو كان على هذه المثابة لم يقع الاقتصار فى الآية على حكاية (وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(١)) ولكان ذِكْرُ الذَّبْحِ أَوقع فى الابتلاء ولسقطت فائدة الفِداء . فبطُل ما قالوه ، وتَعَيَّن القول بجواز النَّسْخ قبل التمكن بدليل وقوعه فى قصة الذَّبيح ، فلا يمكنهم ترديد مثلها فى قصة الإِسراء إِذ لاخَفَاءَ بأَنه صلى الله عليه وسلم أُمِرَ فى حق الأُمة بخمسين صلاة ثم نُسِخ ما نُسِخ قبل أن يدخل وقت الصلاة فضلاً عن أن يمضى زمان يَسَعُها . قال شيخنا(٢) السهيلى(٣): [وأَما فَرْض الصلوات خمسين ثم حُطَّ منها عَشْراً بعد عَشْر. إِلى خَمْس صلوات وقد رُوِى أَيضاً أَنها حُطَّت خمساً بعد خَمْس. وقد يمكن الجمع بين الروايتين لدخول الخَمْس فى العَشْر ، فقد تُكُلِّم فى هذا النقص من الفريضة أَهو نَسْخ أم لا ؟ على قولين ، فقال قوم : هو من باب نَسْخ العبادة قبل العمل بها ، وأَنكر أَبو جعفر النحاس هذا القول من وجهين : أحدهما : البناء على أصله ومذهبه فى أَن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها لأن ذلك عنده من البداء ، والبداء محال على الله سبحانه . الثانى : أَن العبادة إن جاز نَسْخُها قبل العمل بها عند من يرى ذلك فليس يجوز عند أَحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض وهبوطها إلى المخاطبين ... إنما هى شفاعة شُفِّعَها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأُمته ومراجعةٌ راجعها ربه ليخفف عن أُمته ولا يُسَمَّى مثل هذا نَسْخاً)). أَما مذهب أبى جعفر النحاس فى أَن العبادة لا تُنْسَخ قبل العمل بها وأَن ذلك بَدَاء فليس (١) سورة الصافات آية ١٠٣. (٢) القائل هو ابن دحية . (٣) الفقرة الكبيرة الواقعة بين معقفين هى مقدمة كلام السهيلى فى الروض الأنف جـ ١ ص ٢٥١، ٢٥٢ اضطررنا لإثباتها لارتباطها بما جاء بعدها مما نقله المؤلف . ت ٢١٣ - بصحيح لأَن حقيقة البَدَاء(١) أن يبدو للآمِرِ رأىُ يتبيَّن له الصواب فيه بعد أن لم يكن تَبِيَّنه، وهذا مُحَال فى حق من يعلم الأشياءَ بعِلْمٍ قديم. وليس النَّسْخ من هذا فى شىءٍ ، إنما النَّسْخ تبديل حُكْمٍ بحكم ، والكل سابق فى علمه ومقتضى حكمته، كنَسْخِهِ المَرَضَ بالصِحَّة والصِّحَّة بالمرض ونحو ذلك، وأيضاً بأَن(٢)] العَبْد المأمور يجب عليه عند تَوَجُه الأمر [إِليه (٣)] ثلاث عبادات: الفِعْل الذى أُمِر به، والعَزْم على الامتثال عند [ سماع(٣)] الأَمر، واعتقاد الوجوب إِن كان واجباً ، فإِن نُسِخَ الحُكْم قبل الفِعْل فقد حصلت فائدتان : العزم، واعتقاد الوجوب، وعَلِمِ الله تعالى ذلك منه عِلْمَ مشاهدة. فَصَحَّ امتحانُه له واختبارُه إياه ، وأَوقع الجزاء على حَسَب ما عُلِمٍ من نيته [والذى لا يجوز إِنما هو نَسْخ الأَمر قبل نزوله وقبل عِلْم المُخَاطَب به . والذى ذكر النحاس من نَسْخ العبادة بعد العمل بها ليس هو حقيقة النَّسْخ لأَن العبادة المأمور بها قد مضت وإنما جاء الخطاب بالنهى عن مِثْلها لا عنها . وقولنا (٤)] فى الخمس والأربعين صلاة الموضوعة عن محمد صلى الله عليه وسلم وأُمته أَحد وَجْهَيْنِ : إِما أَن يكون نَسْخ ما وجب على النبى صلى الله عليه وسلم من أَدائها، وَرَفع عنه استمرار العَزْم واعتقاد الوجوب . وهذا قد قدَّمنا أَنه نُسِخ على الحقيقة، ونُسِخ عنه ما وَجَب عليه من التبليغ ، فقد كان فى كل مرة عازماً على تبليغ ما أُمِرَ به [وقول أَبى جعفر إنما كان شافعاً ومُرَاجِعاً يَنْفِى النَّسْخِ فإِنِ النَّسْخِ قد يكون عن سبب معلوم فشفاعته عليه السلام الأُمّته كانت سبباً للنَّسْخ لا مُبْطِلةً لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النَّسْخِ وحُكْم الصلوات الخمس فى خاصته (٤)] وأَما أُمته فلم يُنْسَخ عنهم حُكْم [ إِذ] لايُتَصَوَّر نَسْخ الحُكْم قبل وصوله إلى المأمور به. وهذا كله أَحد الوجهين فى الحديث . والوجه الثانى: أن يكون هذا خبراً لا تعبدا وإذا كان خبراً لم يدخله النِّسْخ ، ومعنى الخبر أنه عليه السلام، أَخْبَرَهُ رَبُّه أن على أُمته خمسين صلاة [ومعناه: أنها خَمْسون فى اللوح. المحفوظ ، وكذلك قال فى آخر الحديث : هى خمس ، وهى خمسون والحسنة بعشر أمثالها ، (١) البداء: ظهور الرأى بعد أن لم يكن، والبداء استصواب شىء علم بعد أن لم يعلم. ويقال بدا لى فى هذا الأمر بداء أى ظهر لى فيه رأى آخر . (٢) نهاية ما نقلناه عن السهيلى لتكملة ما نقله المؤلف عنه. (٣) إضافة يقتضيها السياق . (٤) إضافة من السهيلى (ج ١ ص ٢٥١ : ٢٥٢). - ٢١٤ - فتأوله رسول الله صلى الله عليه وسلم على(١)] أنها خمسون بالفَضْل(٢) ، فلم يزل يراجع ربه حتى بَيَّن له أنها خمسون فى الثواب لا بالعمل (٣). التنبيه الثانى والمائة: قد عُلِمٍ مما سبق جواز نَسْخِ الفِعْل قبل التمكن من فعله ، وأَن ذلك صحيح فى حقه صلى الله عليه وسلم ، وغير صحيح بالنسبة لأُمته لاستحالة النَّسْخ قبل البلاغ إِذ شرط التكليف تمكين المُكَلَّف من العِلْم به ، أَى إِذا لم يكن العلم به شرطاً فإِن نَسْخ التكليف قبل البلاغ يناقض ذلك . وقال ابن دِحْية: ((يصح النَّسْخ فى حتى الأُمة / أيضاً باعتبار أن الإِسلام يوجب على كل ٣٨١ظ. مسلم الدخول فى فروعه وفى شرائع الدين بتفصيلها ، وكل من آمَن بالنبى صلى الله عليه وسلم فى حياته دخل فى الإسلام . على أن هنالك تكاليف منها ما نُزِّل وبُيِّن بكل وجه ، ومنها ما نُزِّل مُجْمَلاً من وجه ومُبَيَّناً من وجه ، ومنها ما لم يُنَزَّل بعد وسَيُنَزَّل ، والإِيمان والالتزام شامل للجميع . فكما يجوز نَسْخ التكليف بعد أَن يُبَلَّغ بخصوصية يجوز أيضاً قبله . وأَكثر القواعد أَن ما وَجَبَ مُجْمَلاً ثم بُيِّن فى وقت الحاجة كالصلاة والزكاة ، لم يَقْتَرِن بِأَول وجوبها ذِكْرُ أَعدادها ولا إِعدادها ولا أَوقاتها ولا هيئاتها ولا شرائطها ، بل للتكليف بها مستقر مع هذه الإجمالات ، لأن المكلف بالالتزام الأول قد دخل على التزامها على ما هى عليه فى نفس الأَمر . وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الإِسلام هو ((أَن تشهد أَلَّ إله إلا الله وأنى رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت (٤). فنجز التكليف عليه بهذه القواعد مُجَمَلَةً غير مُبَيَّنَة)). (١) زيادة من السهيلى . (٢) فى السهيلى: بالفعل، والمعنيان صحيحان فهى خمسون بالفعل باعتبار العدد الذى ذخره اللّه تعالى لعبده وهى خمسون بالفضل باعتبار ما تفضل به تعالی علیه . (٣) زاد السهيلى بعد ذلك قائلا: ((فإن قيل فما معنى نقصها عشرا بعد عشر قلنا: ليس الخلق يحضر قلبه فى الصلاة من أولها إلى آخرها ، وقد جاء فى الحديث أنه يكتب له منها ما حضر قلبه فيها وأن العبد يصلى الصلاة فيكتب له نصفها أو ربعها حتى انتهى إلى عشرها ووقف ، فهى خمس فى حق من كتب له عشرها وعشر فى حق من كتب له أكثر من ذلك ، هوخمسون فى حق من كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها. ( الروض الأنف ج ١ ص ٢٥٢) (٤) هذا الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه فى كتاب الإيمان باب الزكاة من الإسلام (جـ ١ ص ٣٢) وإسناده حدثنا إسماعيل عن مالك بن أنس عن عمه ، أبى سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء رجل إلى رسول اللّه صل الله عليه وسلم من أهل نجد . فإذا هو يسأل عن الإسلام: الحديث. - ٢١٥ - التنبيه الثالث والمائة : قال ابن دِخْيَة: ((إِذا سَمِعْتَ العلماء يتكلمون(١) على النَّسْح قبل الفِعْل فاعلم أنهم أرادوا قبل مُضِىّ زَمَن يَسَعُ الفِعْلَ الأَول. هذا هو المُخْتَلَف فيه ، وإلا فكل نَسْخ مُتَّفَق عليه لا يُتَصَوَّر إِلا قبل الفعل لأَن ما فُعِل مضى وانقطع التكليف به والنَّسْخ فيه . قال : وإِذا سَمِعْتَهم يقولون نَسْخ التكليف قبل البلاغ متعذر لأَن شرط التكليف البلاغ فاعلم أنهم يريدون تنجيز التكليف. هذا هو المشروط بالبلاغ . وأَما أَصل التكليف عندنا فلا يتوقف على ذلك فإن مذهبنا أَن الأَمر قديم مُحَقَّق قبل وجود المأمور فضلاً عن بلاغه والله تعالى المُوَفِّق. التنبيه الرابع والمائة: قال بعض أهل الإِشارات: (( لما تمكنت المحبة من قلب موسى عليه السلام أضاءت له أَنوار نور الطور ليقتبس ، فاحتبس فلما نودى فى النَّادِى اشتاق إلى المُنَادِى فكان يطوف فى بنى إِسرائيل فيقول : من يحملنى حتى أُبَلِّغ رسالة ربى ، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب ، فلما مَرَّ عليه النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج رَدَّدَهُ فى أَمر الصلاة ليَسْعَد برؤية حبيب الحبيب . [ وقال آخر: لما سأل موسى عليه السلام الرؤية ولم تحصل له البُغْيَة، بَقِىَ الشوقُ يُقْلِقُه والأَمَلِ يُعَلِّلُه، فلما تحقق أَن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم مُنِح الرؤية وفُتِح له باب المَزِيَّةَ أَكْثَر السؤال ليَسْعَدْ برؤية من قد رأَى (٢)]، كما قيل : لعلِى أَراكم أَو أَرى من يَرَاكُمُ وأَسْتَنْشِقُ الأَرواحَ من نَحْوِ أَرْضِكُمْ تجودون لى بالعطف منكم عَسَاكُمُ وأَنْشُدُ من لاقَيْتُ عنكم عَسَاكُمُ فياحَبَّذا إِن مِتُّ عَبْدَ هَوَاكُمُ فأَنْم حياتى إن حييتُ وإِن أَمُتْ وقال آخر : ليجتلى حُسْنَ ليلى حسين ◌َشْهَدُهُ وإِنما السِّرُّ فى موسى يُرَدِّدُه، يَبْدُو سَنَاهَا عَلى وَجْهُ الرَّسولِ فَيَا لِلِّ دَرُّ رَسُولٍ حِينَ أُشْهِدُهُ (١) فى الأصول: ((يترحمون)) من الرحمة وهى مستبعدة وإذا كانت يترجمون بالجيم فإن فعل: ((ترجم لا يتعدى بحرف جر ، والسياق يقتضى ما أثبتناه . (٢) زيادة من المواهب اللدنية التى نقل عنها المؤلف فى ج ٦ ص ١٢٤ من شرح المواهب - ٢٠١٦ - أَوقال(١) آخر: لما جلس الحبيب فى مَقَام القُرْب ، دارت عليه كؤوس الحب ، ثم عَادَ وَهِلَاَلُ (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى (٢)) بَيْنَ عَيْنَيْه، وبِشْرُ (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(٣)). مِلْمُ قلبه وأُذُنَيْه ، فلما اجتاز بموسى عليه السلام قال لسانُ حاله لنبينا صلى الله عليه وسلم : يَا وَارداً من أُهَيْلِ الحَىِّ يُخْبِرُنِى عَنْ جِيرَتِى شَنِّفْ الأَسْمَاعَ بِالخَبرِ نَاشَدْتُكَ اللهَ يَا رَاوِى حَدِيثهمُ حَدِّثْ فَقَدْ نَابَ سَمْعِى اليومَ عن بَصَرى فأَجاب لسان حال نبينا صلى الله عليه وسلم : ولقد خَلَوْتُ مع الحبيب وبيننا سِرُّ أَرَقُّ من النَّسِيمِ إِذَا سَرَى وأَبَاحَ طَرْفى نَظْرةً أَمَّلْتُها فَغَدَوْتُ مَعْرُوفً وكُنْتُ مُنَكَّرًا(٤)] التنبيه الخامس والمائة: قوله فلما جاوزت نادى مناد: ((أَمْضَيْتُ فريضتى وخَفَّفْتُ عن عبادى))، من أقوى ما يُسْتَدَلُّ به على أن الله تبارك وتعالى كُلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بغير واسطة . التنبيه السادس والمائة : وظاهر سياق حديث شريك أن موسى هو الذى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((فاهبط باسم الله))، لأنه ذكر عقب قوله صلى الله عليه وسلم: ((قد والله استحيَيْتُ من ربى مما أَختلف إِليه))، قال: ((فاهبط))، وليس كذلك بل الذى قال له ((اهبط باسم الله)) جبريل، وبذلك جَزَم الدَّاوُدى .. التنبيه السابع والمائة: قال السهيلى: ((فإِن قيل: ((كيف استباح النبى صلى الله عليه وسلم شُرْبَ الماء الذى فى القَدَح وهو مِلْكٌ لغيره ، وأملاك الكفار لم تكن أَبيحت يومئذٍ ولا دماؤهم؟)) فالجواب أَن العرب فى الجاهلية كان فى عُرْف العادة عندهم إِباحة اللَّبَن لابن السبيل فضلاً عن الماء وكانوا يعهدون بذلك إلى رُعَاتهم ويشترطونه عليهم عند عَقْد (١) زيادة من المواهب اللدنية التى نقل عنها المؤلف فى ج ٦ ص ١٢٤ من شرح المواهب. ١ (٢) سورة النجم آية ١١ (٣) سورة النجم آية ١٠ (٤) من شعر عمر بن الفارض، ديوانه طبعة القاهرة سنة ١٩٥٢ هـ ص ٩٩. - ٢١٧ - إِجارتهم ألَّا يمنعوا [الرُّسْل وهو (١)] الََّبَن من أَحَد مَرُّبهم، فكيف بالماء؟ وللحُكْم بِالْعُرْف فى الشريعة أُصولٌ تشهد له [وقد (١) ترجم البخارى عليه فى كتاب البيوع وخَرَّج حديث هِنْد بنت عُثْبَة وفيه: ((خذى ما يكفيك وولدِك بالمعروف(٣)))]. قُلْتُ: وذكر أَئمتنا رحمهم الله تعالى فى الخصائص أنه صلى الله عليه وسلم أُبِيح له الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج صلى الله عليه وسلم إِليهما فإِنه يجب على صاحبهما البذل له صلى الله عليه وسلم . قال تعالى (النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٣)) التنبيه الثامن والمائة : يأتى الكلام على حَبْس الشمس فى المعجزات. التنبيه التاسع والمائة: قوله صلى الله عليه وسلم: ((فجىء بالمسجد وأَنا أَنظر إليه)) إِلى ٣٨٢ ظ آخره / كذا فى رواية ابن عباس رضى الله عنهما عند الإمام أحمد والنَّسَائى بسند صحيح، وفى رواية عبد الله بن الفَضْل عن أبى سلمة عند مسلم قال: ((فسألونى عن أشياء لم أُثبتها فَكَرُبْتُ كرباً لم أَكرب مثله قط ، فرفعه الله تعالى لي أنظر إليه ما يسألونى عن شىء إلا أَنبَتُهم به)). وفى رواية جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: ((فَجَلَّى الله لى بيت المقدس فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُم عن آياته وأَنا أَنظر إليه)). ومعنى ((جَلَّى الله بيت المقدس)) كشف الحُجُب بينى وبينه حتى رأَيتُه، ويُحْتَمَل أَن يريد أَنه حُمِل إلى أَن وُضِع بحيث يراه ، ثم أُعِيد، ويؤيده رواية ابن عباس السابقة ، وهذا أَبلغ فى المعجزات ولا استحالة فى ذلك . وقد أُحْضِر عَرْشُ بلقيس فى أَقل من طَرْفَة عين . ووقع فى حديث أُم هانئ عند ابن سعد : ((فخُيِّل إِلىّ بيت المقدس فَطَفِقْتُ أُخبرهم عن آياته)). فإِن ثَبَتَ احْتُمِل أن يكون المراد أَنه مَثُلَ قريباً كما قيل فى حديث: ((أُرِيتُ الجنة والنار) ويؤيد قوله: ((حتى جىء بمثاله)). التنبيه العاشر والمائة : مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره : من المشهور اثنا عثر شيئاً : الأَول كون المعراج قبل البعثة وقدَّمنا جوابه . الثانى : كونُه مناماً وتقدم (١) زيادة من الروض الأنف جـ ١ ص ٢٤٦. (٢) أخرجه البخارى فى صحيحه ( ج ٣ ص ١٦٢، ١٦٣) فى كتاب البيوع باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم فى البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة . (٣) سورة الأحزاب آية ٦. - ٢١٨ - الكلام على ذلك . الثالث : أمكنة الأنبياء فى السموات وقد اتضح أنه لم يضبط منازلهم لكن وافقه الزهرى فى بعض ما ذكر . الرابع : مخالفته فى محل سِدْرة المنتهى وأنها فوق السماء السابعة ، مما لا يعلمه إلا الله تعالى ، والمشهور أنها فى السابعة أَو السادسة كما تقدم . الخامس : مخالفته فى النَهْرَيْن وهما النيل والفُرَات وأَن عنصرهما فى السماء الدنيا ، والمشهور فى غير روايته أَنهما فى السماء السابعة وأَنهما تحت سدرة المنتهى وتقدم جوابه . السادس: شَقُّ الصَّدْرِ عند الإِسراء وقد وافقته روايةُ غَيْرِهِ كما تَقَدَّم بَسْطُ ذلك فى أَبواب صفاته . السابع : ذكر نهر الكوثر فى السماء الدنيا ، والمشهور فى الحديث أَنه فى الجنة ، وتقدم الكلام على ذلك . الثامن: نسبة الدُّنُوّ والنَّدَلّىِّ إِلى الله تعالى، والمشهور أَنه جبريل . قال الخطَّبِى: ((ليس فى هذا الكتاب - يعنى صحيح البخارى - أَشنع ظاهراً ولا أَمْنَع مذاقاً من هذا - يعنى قوله : ((ودنا الجَبَّار ربُّ العِزَّة فتَدَلَّى حتى كان منه قاب قوسَيْن أَو أدنى )) - فإِنه يقتضى تحديد المسافة بين أَحَد المذكورَيْن وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما ، هذا مع ما فى النَّدَلِّى من التشبيه، والتمثيل له بالشىء الذى تَعَلَّق من فوق إلى أسفل. قال : فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعاً عن غيره ، ولم يعتبره بأول القصة ولا بآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه ، وكان قُصَارَاه إِما رَدّ الحديث من أَصله وإِما الوقوع فى التشبيه / ، وهما خَطَآن مرغوب عنهما . ٣٨٣ و ((وأَما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال فإِنه مُصَرَّحُ فيهما بأنه كان رؤيا لقوله فى أَوله: (((وهو نائم)) وفى آخره: ((استيقظ)). وفى بعض الرؤيا مَثَلُ يُضْرَب لِيُتَنَاوَل على الوجه الذى يجب أَن يُصْرَف إليه معنى التعبير فى مثله ، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك بل يأتى كالمشاهدة )). قال الحافظ: ((وهو كما قال ولا التفات إلى من تعقب كلامه بقوله : إِن فى الحديث الصحيح أَن رؤيا الأنبياء وَحْىٌ فلا يحتاج إلى تعبير ، لأنه كلام من لم يُمْعِن النظر فى هذا المحل ، فإن بعض مرائى الأنبياء يقبل التعبير ، فمن ذلك قول بعض الصحابة له صلى الله عليه وسلم فى رؤيا القميص: ((فما أَوَلْتَه يا رسول الله؟)) قال: ((الدِّين)). وفى رؤيا اللَّبَن قال: ((العِلْم)). لكن جَزَم الخَطَّبِى بأن ذلك كان مناماً، وهذا مُتَعَقَّب بما قَدَّمناه من ترجيح كونه فى اليقظة بالأَّدلة التى أشرنا إليها . - ٢١٩ - ثم قال الخطابي مشيراً إلى رفع الحديث من أصله ((إِن القصة بطولها إنما هى حكاية يحكيها أَنَس من تلقاء نفسه لم يَعْزُها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ولا نقلها عنه ولا أَضافها إلى قوله ، فحاصل الأَمر فى النقل أنها من جهة الراوى أَنس ، وأَما شريك فإِنه كثير التفرّد بمناكير الألفاظ التى لا يتابعه عليها سائر الرواة)). [قال الحافظ(١)]: ((وما نفاه من أَن أَنَساً لم يُسْنِد هذه القصة إِلى النبى صلى الله عليه وسلم لا تأثير له ، فأَدنى أَمره فيها أَن تكون مُرْسَل صحابى ، فإما أن يكون تَلَفَّاها عن النبى صلى الله عليه وسلم أَو عن صحابى تَلَفَّاها عنه. ومثل ما اشتملت عليه لا يُقال بالرأى فيكون لها حُكْمِ الرفع . ولو كان لما ذكره تأثير لم يُحْمَل حديث أَحد روى مثل ذلك على الرفع أَصلاً وهو خلاف عمل المُحَدِّثين قاطبةً فالتعليل بذلك [ مردود(١) ] . ثم قال الخَطَّابى: ((إِن الذى وقع فى هذه الرواية من نسبة الثََّلِّ للجَبَّار عز وجل مخالفة لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير ومن تقدم منهم ومن تأخَّر . والذى قيل فيه ثلاثة أقوال : أَحدها : دنا جبريل من محمد فتَدَلَّ أَى تَقَرَّب منه ، وقيل هو على التقديم والتأخير أَى تَدَلَّ فدنا لأَن الَّدَلِّى سبب الدُّنُوّ. الثانى: تَدَلَّ جبريل بعد الانصباب والاندفاع حتى رآه مُتَدَلِّياً كما رآه مرتفعاً ، وذلك من آيات الله حيث أَقدره على أن يتدلَّ فى الهواء من غير اعتمادٍ على شىءٍ وَتَمَسُّكِ بشىء. الثالث: دنا جبريل فتدلَّى محمد ساجداً لربه شكراً على ما أعطاه من الزُّلْفَى. وقد رُوِى هذا الحديث عن أَنَس رضى الله عنه من غير طريق شريك فلم يذكر هذه الألفاظ الشنيعة ، وذلك مما يُقَوِّى الظَّنّ أنها صادرة من شريك)) . قال الحافظ: ((قد أخرج البيهقى من طريق الأُموى فى مغازيه عن محمد بن عمر بن أبى سلمة عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى(٢))، قال: ((دنا منه ربه))، وهذا سَنَّدٌ حَسَن وهو شاهد قوى لرواية شريك. ثم قال الخَطَّابى: (( وفى هذا الحديث لفظة أُخرى تَفَرَّد بها شريك أيضاً لم يذكرها غيره، وهى قوله: ((فَعَلَا بِهِ)) (١) زيادة من الزرقانى على المواهب ج ٦ ص ٩٧ (٢) سورة النجم. آية ١٣ - ٢٢٠ -