Indexed OCR Text

Pages 81-100

قال الحافظ: ((وبهذه الرواية يُعْرَف المراد بالرفرف وأَنه حُلَّة، ويُؤَيِّدِه قَوْلُه تعالى :
( مُنَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ )(١). وأَصل الرفرف ما كان من الديباج رقيقاً حَسَن الصفة،
ثم اشتهر استعماله فى الستر، وكل ما فضل من شىء وعُطِف وثُنِّى فهو رفرف )).
القرطبى: «هو ما رأى تلك الليلة فى مسراه فى عوده وبدئه وهذا أحسن)).
قال الإِمام: ((وهذه الآية تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَرَ الله تعالى ليلة
المعراج وإِنما رأى آيات الله تعالى وفيه خلاف ، ووجه الدلالة أنه تعالى ختم قصة المعراج
ها هنا برؤية الآيات وقال سبحانه وتعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) إِلى أَن
قال ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) ولو كان رأَى ربه لكان ذلك أعظم ما يمكن، فكانت الآية للرؤية،
وكان أكبر شىء هو الرؤية )).
ابن كثير : ((وبهاتَيْن الآيتين استدل من ذهب من أَهل السُّنَّة إِلى أَن الرؤية تلك
الليلة لم تقع لأَّنه قال ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّه الكُبْرىَ) ولو كان رأَى ربه لأَخبر بذلك
ولقال ذلك للناس)) .
خاتمة : اشتملت هذه الآيات على قَسَمِه تعالى على هداية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ،
وتنزيهه عن الهوى وصدقه فيما تلا ، وأَنه وَحْىٌ يُوحَى ، يُوصِّله إليه جبريل الشديد القوى
عن الله تبارك وتعالى العَلّ الأَعلى ، واحتوت أيضاً على تزكية جملته صلى الله عليه وسلم
وعصمته من الارتياب فى هذا المَسْرَى ، ثم أخبر تعالى فيها عن فضيلته بقصة الإِسراء
وانتهائه إلى سِدْرة المنتهى ، وتصديق بصره فيما رُويَ أَنه رأَى من آيات ربه الكبرى .
(١) سورة الرحمن آية ٧٦
- ٨١ -
( ٦ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣ )

الباب الثالث
فى اختلاف العلماء
فى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى ليلة المِعْراج /
٣٤٢ ظ
اعلم أن الصواب الذى عليه أهل الحق [ أَن ](١) رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة غير
مستحيلة عقلاً، وأجمعوا أيضاً على وقوعها فى الآخرة، وأن المؤمنين يَرَوْن الله تعالى .
وزعمت طوائف من أهل البدع أَن الله تعالى لا يراه أَحَدٌ من خَلْقه ، وأَن رؤيته مستحيلة
عقلاً . وهذا الذى قالوه خطأً صريح وجهل قبيح .
وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسّنّة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سَلَف الأُمَّة على إِثبات
رؤية الله سبحانه وتعالى فى الآخرة للمؤمنين . ورواها أَحد وعشرون صحابياً عن النبى صلى
الله عليه وسلم ، وآيات القرآن العظيم فيها مشهورة ، واعتراضات المبتدعة عليها ، لها
أجوبة مذكورة فى كتب المتكلمين من أهل السُّنَّة.
وأما رؤية الله تعالى فى الدنيا فممكنة عقلاً وسَمْعاً ، ومذهب أهل الحق أَن الرؤية قوة
يجعلها الله تعالى فى خَلْقِه، ولا يُشْتَرَط فيها اتصال الأَشِعَّة ولا مقابلة المرئى ولا غير ذلك.
ولكن جرت العادة فى رؤية بعضنا بعضاً بوجود ذلك على جهة الاتفاق لا على سبيل
الاشتراط .
وقد قَرَّر أَئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجَلِيَّة، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إِثبات
جهة الله .. تَنَزَّه تعالى عنّ ذلك - بل يراه المؤمنون لا فى جهة، كما يعلمون أنه لا فى جهة .
وبيان الدليل العقلى على جوازها بطريق الاختصار أن البارى سبحانه وتعالى موجود ، وكل
(١) إضافة يقتضيها السياق
- ٨٢ -

موجود يَصِحُّ أَن يُرَى، فالبارى عَزّ وجَلّ يَصِحّ أَن يُرَىَ. أَما [المقدمة(١)] الصغرى فظاهرة ،
وأَما [المقدمة](١) الكبرى، فلأَّن الحكم يدور مع عِلَّته [وجوداً وعدماً](١). وقد تَبَيَّن
أَن الموجود هو العِلَّة لصحة الرؤية، ولا يلزم من جوازها وقوعُها وعَدَمُ تَعَلُّقِها ، إِنما هو
لِجَرْى عادته تعالى بعَدَم خَلْقِها فينا الآن، مع جواز خَلْقها فينا ، إِذ هى غير مستحيلة .
وهنا أَبحاث مَحَلُّها الكتب الكلامية .
وبيان الدليل الشّرعى على جوازها فى الدنيا أَن موسى بن عمران ، رسول الله وكليمه ،
العارف به سأل الله سبحانه وتعالى الرؤية، فقال: (رَبِّ أَرِنِى أَنْظُرْ إِلَيْك(٢)) مع اعتقاده
أنه تعالى يُرَى، فسألهما. وفى هذه الآية دليلان. الأول: مُحَال أَن يجهل نَبِىُّ ما يجوز على
الله تعالى وما لا يجوز عليه، بل لم يسأَّل إِلا جائزاً غَيْرَ مُحَال، لاستحالة سؤال المُحَال
من الأنبياء ، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذى لا يعلمه إلا الله ، ومن أَعلمه إياه
وأَطلعه عليه، فقال له تعالى غَيْرُ نافٍ للجواز: ((لن ترانى))، دون لن أُرَى المُؤْذنة بنفيه
أَى لن تُطيق ولا تَحْتَمل رؤيتى الآن لتَوَقُّفها على مُعَدٍّ لها فى الرائى لم يوجد فيك بعد .
ومَثَّل له مثالاً بما هو أقوى من نَبِّه موسى صلى الله عليه وسلم وَأَثْبَت ، وهو الجَبَل فى قوله :
( وَلَكن انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى(٣)).
وهذا هو الدليل الثانى : وبيانه أَنه تعالى عَلَّق رؤية موسى إياه تعالى باستمرار جبل
المناجاة فى مكانه وقت التجلى له ، والشىء المُعَلَّق بالممكن ممكن ، إِذ معنى التعليق الإخبار
بثبوت المُعَلَّق عند ثبوت المُعَلَّق به . وعلى هذا فالشرطية خبرية إِذا كان الجزاء فى الأَصل
خبريًّا كما ههنا. فثَبَت إمكان الرؤية ضرورة أن الله تعالى أخبر بوقوعها على بعض التقادير ،
والمُحَال لا يقع على شىء من التقادير أَصلاً، وإذا ثَبَتَ الإِمكان انتفى الامتناع وبالعكس
وهنا أَبحاث محلها الكتب الكلامية. وقول موسى صلى الله عليه وسلم: (( تُبْتُ إِليك (٤)))،
أى من الإقدام على سؤالى إياك فى الدنيا ما لم تُقَدِّرْه لى. وقيل: إِن قوله ( تُبْتُ إِليك(٤))
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) سورة الأعراف آية ١٤٣
(٣) تكملة الآية القرآنية السابقة .
(٤) من الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.
- ٨٣ -

إِنما كان لما غَشيَه من شدَّة ما أَفْضَى به إلى أن صُعِقٍ، كما تقول من فعل جائرٍ عَرَاكَ منه
٣٤٣ و مَشَقَّة : تُبْتُ / عن فعل مثله .
وقال القاضى أبو بكر الهُذَلى، فى قوله تعالى: ( لَنْ تَرَانى)(١) أَى ليس لبَشَرٍ أَن
يُطيق النَّظَر إِلَّ فى الدنيا وأَن من نظر إِلَىّ فى الدنيا مات، أى فى الحال، بشهادة صَعْق
بوسى إِذ رأَى الجَبَل)) وقال القاضى: ((وقد رأيتُ لبعض السلف والمتأخرين أَن رؤيته
تعالى فى الدنيا ممتنعة ، لا من حيث ذاتها ، لثبوت جوازها فيها بما مَرَّ ، وإِنما امتنعت فيها
لضعف تراكيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها مُتَغَيِّرة عُرْضة للآفات من نوائب مقلقلة ونواكب
للأَّكباد معلقة تنذر بالموت والفَنَاء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية فى الدنيا . فإِذا كان فى
الآخرة وزُكُِّوا تركيباً آخر ورُزِقُوا قُوَّى ثابتة باقية وأُتِمَّت أَنوار أَبصارهم وقلوبهم حَصَل
بذلك قُوَّةٌ على الرؤية فى الآخرة )) .
وقد رأيت نحو هذا للإمام مالك بن أنس رحمه الله قال: (( لم يُرَ فى الدنيا لأَّنه باقٍ
ولا يُرَى الباقى بالفانى. فإِذا كان فى الآخرة ورُزِقُوا أَبصاراً باقية رُؤْىَ الباقى بالباقى))
وهذا الذى قاله الإِمام مالك كلام حسن مليح ، وليس فيه دلالة على الاستحالة إِلا من
حيث ضعف القُدْرَة، فإذا قَوَّى اللهُ تعالى مَنْ شاءَ أَقدره على حَمْل أَعباء الرؤية فى حقه
فى أى وقت كان .
قال الحافظ: ((ووقع فى صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة فى حديث مرفوع فيه :
:(( واعلموا أنكم لن تَرَوْا رَبَّكم حَتَّى تموتوا)). وأخرجه ابن خُزَيْمَة - بخاء معجمة مضمومة
فزاى مفتوحة - من حديث أبى أُمَامة ، ومن حديث عُبادة بن الصامت . فإذا جازت الرؤية
فى الدنيا عقلاً، فقد امتنعت سمعاً. لكن من أثبتها للنبي صلى الله عليه وسلم له أن يقول
إِن المتكلم لا يدخل فى عموم خطابه )) .
قال القاضى: ((ولا حُجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: ( لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ(٢)
لاختلاف التأويلات فى الآية ، فقد قيل : المراد بالإدراك الإحاطة ، فلا نَفْىَ فيها لمطلق
(١) من الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.
(٢) سورة الأنعام آية ١٠٣.
- ٨٤ -

الرؤية ، وقيل: لا تدركه أبصار الكُفَّار ، وقيل غير ذلك . والجواب الصحيح أنه لا دلالةً
فى هذا النفى على عموم الأوقات ولا حال من الأحوال لانه مَسْكُوتُ عنه . فمن أين أَن المراد
لا تدركه الأبصار فى وقت من الأوقات ولا حال من الأحوال ؟ بل يَتَعَيَّن الحمل على النفى
بالنسبة إِلى دار الدنيا جمعاً بين الأَدلة السمعية )) .
قال أَبو العباس [ أَحمد بن عمر (١)] القرطبى فى المُفْهِم [ فى شرح صحيح مسلم ](٢):
((الأبصار)) جَمْع مُحَلَّى بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثَبَت ذلك سَمْعاً فى قوله
تعالى: ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَبِّهم يَوْمَئِذٍ لَمَحجُوبُون(٣) ) فيكون المراد الكُفَّار ، بدليل قوله
تعالى: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظرةٌ(٤)) قال: فإذا جازت فى الآخرة جازت فى
الدنيا لتساوى الوقتين بالنسبة إِلى الرائى)) . انتهى.
قال الحافظ: ((وهو استدلال جيد)).
وقد يُسْتَدَلّ بهذه الآية على جواز إمكان الرؤية ، إِذ لو امتنعت الرؤية لما حصل الثَّمَدُّح
فى الآية بنفى الرؤية، ووجه المُلَزَمة أَن الممتنعِ مُنْتَفٍ فى حد ذاته ، فلا يكون نَفْيُه صفة
مدح ، لأَنه ضرورى كالمعدوم الممتنع الرؤية ، لا يُمْدَح بعدم رؤيته ، إِذ لا يكون :
((المعدوم لا يُرَى)) تمدحاً ، لامتناع رؤية المعدوم . وقد ثبت التمدح بنفى عدم رؤيته تعالى
فتكون رؤيته ممكنة، والحاصل أن التمدح بنفى عدم الرؤية إنما يكون فى إِمكان رؤيته تعالى
لكنه لا يُرَى للامتناع وتعذر الإبصار والتحجب بحجاب الكبرياء والجلال لا فى أَنه
لا يُرَى لامتناع رؤيته تعالى. لكن الصفات السلبية على هذا ، صفات تَمَدِّح ، وإِن جعلنا
الإدراك فى الآية عبارة عن الرؤية على وجه الإحاطة بجوانب المرئى وحدوده . فدلالة الآية
حينئذٍ على جواز الرؤية بل على تحققها بالوقوع ، أَظهر من دلالتها على الجواز بما ذُكِر
من الثَّمَدُّح. إِذ المعنى على هذا لا تدركه الأبصار ، إِذا نظرتَ إِليه على وجه الإحاطة ، لأَّنه
(١) بياض بالأصول والتكملة من الديباج المذهب لابن فرحون ( القاهرة سنة ١٣٥١ هـ ص ٣١٧)
(٢) تكملة عنوان الكتاب الذى رجع إليه المؤلف. نقلا عن الديباج وقد ذكر ابن فرحون أن القرطبى المفسر سمع
من الشيخ أبى العباس أحمد بن عمر القرطبى مؤلف المفهم فى شرح صحيح مسلم بعض هذا الشرح .
(٣) سورة المطففين آية ١٥.
(٤) سورة القيامة آية ٢٢ و ٢٣.
٨٥ -

٣٤٣ ظ تبارك وتعالى، مع كونه مرئياً بالأبصار / لا تدركه الأبصار على وجه الإحاطة ، لتعاليه قطعاً
عن التناهى وعن الاتصاف بالحدود التى هى النهايات والجوانب على ما تَبَيَّن فى كتب
الكلام .
والإِحاطة بما لا يتناهى مُحال . ولهذا مزيد بيان يأتى فى الكلام على حديث عائشة
رضى الله عنها . ومع القول بجوازها فى الدنيا ، لم يحصل لبشر غير نبينا صلى الله عليه
وسلم ، على ما فى ذلك من الخلاف ، ومن ادّعاها غيره فهو ضالّ . كما جزم بكفره الإِمام
موفق الدين الكواشى - بالفتح والتخفيف وبالمعجمة - والإِمام المهدوى فى تفسيريهما ،
والإِمام جمال الدين الأَرْدُبيلى - بالفتح وسكون الراء وضم الدال المهملة وكسر الموحدة
وسكون التحتية - فى الأنوار ، إذ قد سألها نى الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران ،
ولم تحصل له ، أَفتحصل لآحاد الناس ؟ هذا مما يُتْوَقفُ فيه .
فصل : وإذا عُلِمٍ ما تقرر ففى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى ليلة
المعراج مذهبان : فنفتها عائشة وهو المشهور عن ابن مسعود ، وجاء مثله عن أبى هريرة ،
وإليه ذهب كثيرون من المُحَدِّثين والمتكلمين . وبالغ الحافظ عثمان عن سعيد الدارمى ،
فنقل فيه الإِجماع ، والثانى أنه رآه . وروى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن الحسن أنه كان
يحلف بالله أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه . وروى ابن خُزِيْمَة عن عروة بن الزبير
إثباتها ، وكان يشتد عليه إنكار عائشة لها . وبه قال سائر أصحاب ابن عباس ، وبه جزم
كعب الأحبار والزهرى ومعمر وآخرون . وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعرى وغالب
أتباعه . وجنح ابن خُزَيْمَة إلى ترجيحه بما يطول ذِكْرُه . ثم اختلفوا : هل رآه بعينه أو
بقلبه ؟ والقَوْلان رُويا عن الإِمام أحمد . وقال الإِمام النووى: الراجح عند أكثر العلماء
أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأَى رَبَّه بِعَيْنَىْ رأسه ليلة المعراج ، وبسط الكلام على ذلك
واستدل بأَشياء نوزع فى بعضها كما سيأتى بيانه فى ذكر أدلة المذهب الأَّول .
وذهب جماعة إلى الوقف فى هذه المسألة ولم يجزموا بنفى ولا إِثبات لتعارض الأَّدلة ،
ورَجَّح ذلك الإِمام أبو العباس القرطبى فى المُفْهِم، وعَزَاه لجماعة من المحققين، وقَوَّاه
بأنه ليس فى الباب دليل قاطع . وغالب ما استدلت به الطائفتان ظواهر متعارضة قابلة
- ٨٦ -

التأويل. قال : وليست المسألة من التعظيمات فيُكْتُفَى فيها بالدلالة الظَّنِّية، فإِنما هى من
المعتقدات فلا يُكْتَفَى فيها إلا بالدليل القطعى .
وقال السبكى(١) رحمه الله فى السيف المسلول: ((ليس من شرطه أن يكون قاطعاً متواتراً
بل متى كان حديثاً صحيحاً ولو ظاهراً وهو من رواية الآحاد ، جاز أَن يُعْتَمدَ عليه فى ذلك
لأَن ذلك من مسائل الاعتقاد التى يُشْتَرَط فيها القَطْعِ، على أَنَّا لسنا مُكَلَّفين بذلك)) . انتهى.
٣٤٤ و
وقال القاضى فى الشفاء وغيره: ((لا مِرْيَةً فى الجواز، إِذ ليس فى الآيات: (لاتُدْرِكُهُ
الأَبْصَارُ(٢) )، (لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى(٣)) نَصْ
فى المنع للرؤية، بل هى مشيرة للجواز كما تَقَرَّر ذلك. وأَما وجوب وقوعها لنبينا صلى الله
عليه وسلم ، والقول / بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضاً ولا نَصْ يُعَوَّل عليه ، إِذ
المُعَوَّل عليه فيه على آيَتَىْ النَّجْمَ: (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى(٤)) و (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا
طَغَى (٥)) . والتنازع بين الأئمة فيهما مأُثور ، والاحتمال لهما من حيث دلالتهما على الرؤية
وعدمها ممكن، لعدم صراحتهما بها ، ولا أَثَر قاطع متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بذلك. وحديث ابن عباس(٦) أَنه رآه بعينه أَو بفؤاده إنما نشأ عن اعتقادٍ لم يُسْنِدْهُ إِلى
. النبى صلى الله عليه وسلم حتى يُعْتَبَر فيجب العمل باعتقاد مُضَمَّنِه من رؤيته رَبَّه. ومِثْلُه
حديث شريك عن أَبِى ذَرّ(٧) فى تفسير الآية بأَن النبى صلى الله عليه وسلم رأَى رَبَّه ،
وحديث مُعَاذ: ((رَأَيْتُ رَبِّى فى أَحْسَن صورة))، مضطرب الإِسناد والمتن. وحديث أَبِى
(١) يقصد المؤلف هنا تقى الدين أبا الحسن على بن عبد الكافى السبكى (٦٨٣ - ٧٥٦ هـ) وكتابه الذى يشير إليه
المؤلف هو السيف المسلول على من سب الرسول. وقد ترجم له ولده تاج الدين عبد الوهاب السبكى ( ٧٢٧ - ٧٧١ هـ)
ترجمة مستفيضة فى كتابه : طبقات الشافعية الكبرى ( طبعة الحسينية بالقاهرة سنة ١٣٢٤ هـ جـ ٦ ص ١٤٦ : ٢٢٧)
وذكر فى ص ٢١٤ أن كتاب السيف المسلول من بين مصنفات والده .
(٢) من الآية ١٠٣ من سورة الأنعام
(٣) من الآية ١٤٣ من سورة الأعراف.
(٤) سورة النجم آية ١١
(٥) سورة النجم آية ١٧
(٦) فى رواية مسلم عن ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين (صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٣ ص ٧ ) وفى رواية الترمذى
عن ابن عباس : وقد رأى ربه تعالى مرتين ( تيسير الوصول جـ ١ ص ١٦٦).
(٧) أخرج مسلم حديثين ينتهى إسنادهما إلى عبد الله بن شقيق عن أبى ذر جاء فى أولهما: نور أنى أراه وفى الثانى
قال: رأيت نوراً ( صحيح مسلم بشرح النووى ج ٣ ص ١٢).
- ٨٧ -

ذُرٌ مُخْتَلِفُ من حيث اللفظ مُحْتَمِلُ لأَن يكون رآه أَو لم يَرَه ، مُشْكِلٌ من حيث جَعَل ذاتُه
نوراً، فرُوِىَ: ((نورٌ أَنَّى أَرَاه)) - بفتح أَوله وتشديد النون - أَى نوراً لن أَراه، أَى لِجَرْى
العادة بأَن النور إِذا غشى البَصَر حجبه فى رؤيته لما وراءه، ورُوِى: ((نورانِىّ؛ أي بكسر
النون الثانية وتشديد التحتية)) . .
قال القاضى: ((وهذه الرواية لم تقع لنا ، ولا رأيتُها فى أَصل من الأُصول، ومُحَالٌ
أن تكون ذاته تعالى نوراً، إِذ النور جسم يتعالى الله عَزَّ وَجَلّ عنه ، ومن ثَمَّ كانت تسميته
نوراً بمعنى ذى النور أَو خالقه. وفى حديثه الآخر : سأَلتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
هل رأيتَ ربك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رَأَيْتُ نُورًا)). وليس يمكن الاحتجاج
بواحد منهما لإِفصاحهما بأنه لم يَرَه ، فإن كان الصحيح ((رأَيتُ نوراً))، فقد أخبر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يَرَ الله تعالى، وإِنما رأى نوراً منعه وحجبه عن رؤية الله تعالى
وإلى قوله : ((رأَيتُ نوراً)) يرجع قوله: ((نور أَنَّى أَراه))، أَى كيف أراه مع كون حجابه
النور المُغَنِّى للبصر ، وهذا الحديث مثل الحديث الآخر من حيث المعنى : حجابُه
النور ، كما رواه مسلم وغيره . وقال أيضاً فى الإكمال : وقف بعض مشايخنا فى هذا .
وقال : ليس هذا عليه دليل واضح ، ولكنه جائز ، ورؤية الله تعالى فى الدنيا جائزة
ذكر أدلة القول الأول
زاد الشيخان وعبد الرزاق وعَبْد بن حُمَيْد والترمذى وابن جرير وغيرهم عن مسروق ،
زاد عبد الرزاق ومن بعده عنه ، قال: لقى ابن عباس كعباً بعرفة فسأله عن شىء فقال
ابن عباس : إِنَّا بنو هاشم نَزْعُم ، وفى لفظ نقول : إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى
رَبَّه مَرَّتَيْن. فكَبَّر كعب حتى جاوبته الجبال. ثم قال: ((إن الله قَسّم رؤيته وكلامه بين
محمد وموسى عليهما السلام [فكَلَّم موسى(١) مرتين] ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين).
ثم اتفقوا . قال مسروق: فدخلتُ على عائشة (٢) فقلت يا أَمَتَاه ، هل رأَى محمد رَبِّه ؟
فقالت: لقد قَفَّ شَعْرِى بما قُلْتَ، أَيْنَ أَنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنّ فقد كَذَب، وفى لفظ
(١) تكملة الحديث من تيسير الوصول (جـ ١ ص ١٦٦).
(٢) روايات حديث مسروق عن السيدة عائشة أخرجها مسلم فى صحيحه بشرح النووي ( ج ٣ ص ٨: ١١).
- ٨٨ -

فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيَة، مَنْ حَدَّثك أن محمدًا رأى رَبَّه فقد كَذُب وفى لفظ فقد أَعظم على
الله الفِرْيَة، ثم قَرَأَتْ (لا تُدْرِكُه الأَبْصَارُ وهو يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ الَّطِيفُ الخَبِيرُ(١))،
( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهِ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)(٢)، ومَنْ حَدَّثَكِ أَنْه يعلم
ما فى غَدٍ فقد كَذَب، وفى لفظ: فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيَة، ثم قرأَت: ( وَمَا تَدْرِى
نَفْسُ مَاذَا تَكْسِب غَداً(٣) ومن حَدَّثَك أَنه قد كَتَم فقد كَذَب ، وفى لفظ فقد أَعْظَمَ على
الله الفِرْيَة، ثم قرأت: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لم تَفْعَل فما
بَلَّغْتَ رسالته(٤)) ولكنه رأَى جبريل فى صورته مَرَّتَيْن .. زاد الإِمام أحمد ومسلم قال
مسروق : وكنتُ متكئاً فجلستُ فقلت: أَلم يَقُلْ الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى (٥)).
إن أول هذه الأُمة سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقلت : يارسول الله هل
رأَيتَ ربك؟ فقال: ((لا، إِنما رأيتُ جبريل مُنْهَبِطاً)).
وروى الإمام أحمد عن طريق هَمَّم، ومسلم عن طريق مُعَاذ بن هشام عن أبيه ، ومن
طريق يزيد بن إِبراهيم ، ثلاثتهم عن قَتَادة عن عبد الله بن شقيق ، قال : قلتُ لأَبِى ذر :
لو رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لسأَلتُه، فقال: عن أى شىءٍ كنتَ تسأَّله، قال:
كنتُ أَسأَله : هل رأَى ربه تبارك وتعالى. قال: إنى قد سأَلتُه قلت : يارسول الله : هل
رأيت ربك؟ فقال: نُورٌ أَنّى أَراهُ)) وفى رواية: رأيت نوراً (٦)
تَنْيَهَاتٌ
الأول : قال جماعة : لم تُنْفِ عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع ، ولو كان معها
لذكرته ، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرت من ظاهر الآية وما قالوه غفلة عن
قولها : إنّها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالت : يارسول الله هل رأيت
ربك؟ فقال: ((لا إِنما رأيتُ جبريل منهبطاً)).
(١) سورة الأنعام آية ١٠٣
(٢) سورة الشورى آية ٥١
(٣) سورة لقمان آية ٣٤
(٤) سورة المائدة آية ٦٧
(٥) سورة النجر آية ١٣
(٦) انظر صحيح مسلم بشرح النووي = ٣ ص ١٢
٣: ٨٩ ٣

الثانى: أن من قال: إِن النبى صلى الله عليه وسلم خاطبها على قُدْر عقلها ، ومن حاول
تخطئتها فيما ذَهَبَتْ إِليه فهو مخطئ قليل الأدب .
الثالث: قول ابن الجوزى: ((إِن أَبا ذَرّ سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإِسراء ،
فأجابه بما أَجابه به، ولو سأَله بعد الإِسراء لأَّجابه بالإِثبات ، ضعيف جداً ، فإِن عائشة
رضى الله عنها سألته بعد الإِسراء ولم تثبت لها الرؤية)).
الرابع: احتجاج عائشة بالآية خالفها فيه ابن عباس ، فروى الترمذى وحَسَّنه من
طريق الحَكَم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : محمد رأَى ربه . قلت : أليس الله
تعالى يقول: ((لا تدركه الأبصار))؟ قال: ((وَيْحَك، ذلك نوره إذا تَجَلَّى بنوره الذى
هو نوره ، وقد رأَى رَبَّه مَرَّتَيْن(١)). والحاصل أن المراد بالآية الإحاطة به عند رؤيته ،
لا نَفْى أَصل رؤيته . وقال النووى : المراد بالإدراك الإحاطة ، والله تعالى لا يُحَاط به ،
وإذا ورد النص بنفى الإِحاطة لا يلزم منه نَفْى الرؤية بغير إحاطة ، وأَما احتجاجها بقوله
تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَه الله إِلَّا وَحْياً(٢)) فالجواب عنه من أَوجه: أَحدها: أَنه لايلزم
مع الرؤية وجود الكلام حال الرؤية ، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام ، الثانى : أَنه عام
مخصوص بما تقدم من الأدلة، الثالث : ما قال بعض العلماء إِن المراد بالوحى هنا الكلام
من غير واسطة ، وأَن القول وإِن كان مُحْتَمَلًا لكن الجمهور على أَن المراد بالوحى هنا
الإِلهام والرؤيا فى المنام وكلاهما يسمى وَحْياً . وأَما قوله تعالى (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب(٢)).
فقال الواحدى وغيره بمعناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامَه تعالى من حيث
٣٤٥ و لا يَرَوْنَه، وليس المراد أَن / يكون هناك حجاب يفصل موضِعاً عن موضع ، ويدل على
تحديد المحجوب ، فهو بمنزلة ما يُسْمَع من وراء حجاب حيث لم يُرَ المُتَكُلِّم .
الخامس: قول كعب: ((وكَلَّمه موسى مرتين))، فيه نظر. والحق أنه كَلَّمه أكثر
منهما ، كما يرشد إلى ذلك قوله تعالى : (وَمَا تِلْكَ بِيَحِينِكَ يَامُوسَى (٣) )، وقوله عز وجل :
(١) أخرجه التر مذى عن ابن عباس ( تيسير الوصول جـ ١ ص ١٦٦).
(٢) سورة الشورى آية ٥١
(٣) سورة طه آية ١٧
- ٩٠ -

(وَمَّا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَأْمُوسَى(١)). وقولُه تبارك وتعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكٌ)(٢)
وقوله تَقَدَّس اسمُه : (فخُذْهَا بِقُوَّةٍ(٣)) وقوله تعالى: (اذْهَبَا إِلَىَ فِرْعَوْن(٤))، وقوله عز
وجل : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّى ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ(٥))، إلى غير ذلك
من الآيات .
السادس : فى غريب ما سبق ((يا أمتاه)): أَصله يا أَمَهْ والهاء للسَّكْت فَأُضيفت إليها
أَلف الاستغاثة فأُبْدِلت تاء، ثمْ زيدت هاء السَّكْت بعد الألف. ووقع فى كلام الخَطَّابى
إذا نادوا قالوا يا أَمَهْ عند السَّكْت وعند الوصل ((يا أَمنا)». فإِذا تَفَجَّعُوا للنُّدْبَة قالوا :
((يا أَمَتَاه )) والهاء للسكت. وتَعَقَّبه النكرمانى بأَن قول مسروق: ((يا أَمَتَاه)) ليس للنُّذْبَة،
إذ ليس هو تَفَجُّعاً عليها . قال الحافظ: وهو كما قال. قَفَّ شَعْرِى: قام من الفَزَع لِمَا
حصل عندها من هيبة الله واعتقدته من تنزيه واستحالة وقوع ذلك . قال النَّضْر - بالنون
والضاد المعجمة - ابن شُمَيْل - بضم الشين المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وباللام : !
القَفّ - بفتح القاف وتشديد الفاء - كالقشعريرة، وأصله القَبْض والاجتماع لأن الجلدينقبض
عند الفزع فيقوم الشعر لذلك. ((أين أنت من ثلاث))، أَى كيف يغيب فَهْمُك عن هذه
الثلاث وكان ينبغى أن يكون مُسْتَحْضِرَها ومعتقِدَ الكَذِبَ مِعَّن يَدَّعى وقوعِها «الفِرْيَة)»
بالكسر : الكذب وجمعها فِرَى كعِنَب .
ذكر أدلة القول الثانى
تقدم حديث مسروق عن ابن عباس وكعب . وروى النَّسائى بإسناد صحيح عن طريق
عِكْرِمة عن ابن عباس قال: أَتعجبون أَن الخَلَّةَ تكون لإبراهيم والكلام لموسى والرؤيةً
لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ ورواه ابن خزيمة: ((إن الله اصطفى إبراهيم بالخَلَّة)). إلى آخره.
وروى ابن إسحق عن عبد الله بن أبى سَلَمة أن ابن عُمَر أرسل إلى ابن عباس رضى الله عنهم
يسأله : هل رأَى محمد رَبَّه ؟ فأرسل إليه أَن نّعَم .
(١) سورة طه آية ٨٣
(٢) سورة طه آية ٨٥
(٣) سورة الأعراف آية ١٤٥
(٤) سورة طه آية ٤٣
(٥) سورة طه آية ٣٩ و ٤٠.
- ٩١ -

تَنْيَهَاتٌ
الأُول : قال الحافظ ابن كثير وابن حجر وغيرهما : جاءت عن ابن عباس
أخبار مُطْلَقة كما تقدم وأخبار مُقَيَّدة ، فيجب حَمْلُ مُطْلَقِها على مُقَيِّدِها . فمن المُقَيَّدة
ما رواه مسلم عن أبى العالية فى قوله تعالى: ( مَا كَذَبَ الفُؤْادُ مَا رَأَى (١))، (وَلَقَدْ
رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(٢))، قال: ((رآه بفؤاده مَرَّتَيْن)). ورَوَى أَيضاً عن طريق عطاء عنه قال :
((رآه بقلبه)). ورَوَى ابن مَرْدَويه من طريق عطاء عنه أيضاً فى الآية قال: ((لم يره رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعينه إنما رآه بقلبه)). وروى النَّسائى وابن خُزَيْمة عن أَبِى ذَرّ فى
٣٤٥ ظ الآية / قال: ((رآه بقلبه ولم يَرَه بعينه)). ورَوَى ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق موسى
ابن عبيد عن محمد بن كعب القُرَظى - بالظاء المعجمة المشالة وبالتحتية - قال ابن جرير
عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قلنا : يارسول الله ، هل رأيتَ رَبَّك ؟ قال :
لم أَره بعينى، رأَيتُه بفؤادى مَرَّتَيْن))، ثم تلا (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّ(٣)) وموسى ضعيف.
الثانى : قال الحافظ : المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب ، لا مجرد حصول العِلْم لأنه
صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالله تعالى على الدوام . بل مراد من أنه أَثبت له أنه رآه بقلبه
أن الرؤية التى حصلت له خُلِقَت فى قلبه كما تُخْلَق الرؤية بالعين لغيره ، زاد صاحب
السراج: ((بخلاف غيره من الأولياء ، فإنهم إِذا أَطلقوا الرؤية والمشاهدة لأنفسهم ، فإِنهم
إِنما يريدون ((المعرفة)) فاعْلَمْه، فإنه من الأُمور المهمة التى يغلط فيها كثير من الناس)).
انتهى. والرؤية لا يُشْتَرَط لها شىءٌ مخصوص عقلاً ولو جرت العادة بخَلْقها فى العين .
قال الواحدى: ((وعلى القول بأنه رآه بقلبه جعل الله تعالى بَصَرَه فى فؤاده، أَو خَلَق
لفؤاده بَصَراً حتى رأَى رَبَّه رؤية صحيحة كما يُرَى بالعين)) .
الثالث : على هذه الآثار المُقَيَّدة عن ابن عباس يمكن الجمع بين إِثبات ابن عباس
ونَفْى عائشة ، بأَن يُحْمَلِ نَفْيُها على رؤية البصر وإثباتُها على رؤية القلب .
(١) سورة النجم آية ١١
(٢) سورة النجم آية ١٣
(٣) سورة النجم آية ٨
- ٩٢ -

الرابع : قال ابن كثير: [فأَما الحديث الذى رواه الإمام أحمد : حدثنا أَسود بن
عامر حدثنا حَمَّد بن سلمة عن قتادة عن عِكْرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما(١)] قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيتُ ربى عَزَّ وجَلَّ))، فإِنه حديث إِسناده على شرط
الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس .
الخامس : قال ابن كثير : من روى عن ابن عباس أنه رآه ببصره فقد أَغرب فإِنه
لا يصح فى ذلك شىء عن الصحابة . وقول البغوى : وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه ،
وهو قول أَنس والحسِّنَ وعِكْرِمة فيه نظر. قلت: سبق البغوى إلى ذلك الإمام أبو الحَسَن
الواحدى وقول ابن كثير : إِنه لم يصح فى ذلك شىء عن الصحابة فليس بِجَيِّد ، قال :
فقد روى الطبرانى بسَنَد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول : نظر محمد إِلى رَبِّه مَرتَيْن :
مَرة ببصره ومَرة بفؤاده .
( ١) إضافة من تفسير ابن كثير (ج ٤ ص ٢٥٠).
= ٩٣ -

الباب الرابع
فى أَى زمان ومكان وقع الإِسراء
وفيه فصلان : الاول فى مكانه . ففى رواية أَنه كان عند البيت كما عند البخارى فى
باب بدء الخَلْق وفى باب المِعْراج فى الحطيم ، وربما قال فى الحِجْر ، والشك من قتادَة
كما بينه الإمام أحمد فى روايته عن عَفان عن همام ولَفْظُه: (( بينا أَنا فى الحطيم » ، وربما
قال قتادة فى الحِجْر. قال الحافظ: والمراد بالحطيم هنا الحِجْر، وأَبْعَدَ مَنْ قال : المراد به
ما بين الركن والمقام ، أَو ما بين زمزم والحجر . قال : وهو وإن كان مختلفا فى الحطيم
بل هو الحجر أم لا فالمراد به هنا بيان البقعة التى وقع ذلك فيها لأنها لم تتعدد لأَن القصة
متحدة باتحاد مخرجها .
وفى رواية الزهرى عن أَنَس: ((فُرِج سقف بيتى وأنا بمكة)) ، وفى رواية الواقدى أَنه :
(( أُسْرِى به من شِعْب أبى طالب))، وفى حديث أم هانئ عند الطبرانى أَنْه («بات فى بيتها »،
٣٤٦ و قالت: ففقدتُه من الليل / فقال: إِن جبريل أَتانى)) . قال الحافظ: والجمع بين هذه
الأقوال أنه بات فى بيت أم هانئ ، وَبَيْتُها عند شِعْب أَبى طالب، ففُرِج عن سقف بيته ،
وأضاف البيت إليه لأنه كان يسكنه ، فنزل منه منزلة المالك ، وأخرجه إلى المسجد ،
وكان به أَثَر النعاس ، ثم أخرجه إلى باب المسجد ، فأَركبه البُراق . قال : وقد وقع
فى مُرْسَل الحَسَن عند ابن إسحق فأَتاه فأخرجه إلى المسجد، وهو يؤيد هذا الجمع)). انتهى .
وقال بعضهم: ليس بين قوله: (( بينا أنا فى المسجد الحرام)) وبين قوله: ((فى بيتى))
وبين أُم هانئ ، تناف لأَنه قد يكون المراد بالمسجد الحرام .
الفصل الثانى : فى زمانه : الصواب الذى اتفق عليه العلماء : أَن الإسراء كان بعد البعثة .
أما ما وقع فى رواية شريك من قوله: (( جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحَى إِليه )) ، وفيه ((فكانت
تِلكِ الليلة فلم يرهم حتي أَتَوْه ليلة أُخرى ))، ولم يُعَيِّن المدة التى بينِ المجيئَيْنِ، فَيُحْمَلِ
- ٩٤ -

على أن المجىء الثانى كان بعد أن أُوحِىَ إِليه، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج ، وإِذا كان بين
المجيئَيْن مدة فلا فرق بين أن تكون المدة ليلة واحدة أو ليال كثيرة أو عدة سنين .
قال ابن كثير: ((وهذا الحمل هو الأَظهر))، وجزم به ابن القَيِّم ، وجرى عليه
الحافظ ، قال: ((وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الاتفاق بأَن الإسراء
كان فى اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة ، ويسقط تشنيع الخَطابى وابن حزم بأَن شريكاً
خالف الإجماع فى دعواه أن المعراج كان قبل البعثة)). قال الحافظ: (( وأَما ما ذكره بعض
الشُّراح أنه كان بين الليلتين اللتين أَتاه فيهما الملائكة سبع وقيل تسع وقيل ثلاثة عشر،
فَيُحْمَل على إرادة السنين كما فَهِمه الشارح المذكور ، وأَجاب بعضهم بأَن القَبْلِية هنا هى
فى أَمر مخصوص وليست مطلقة، واحْتُمِل أَن يكون المعنى قبل أَن يُوحَى إِليه فى شأن
الإسراء والمعراج مثلا ، أَى أَن ذلك وقع بَغْتَة قبل أَن يُنْذَرَ به . ويؤيده قوله فى حديث
الزهرى : فُرِج سقف بيتى . انتهى .
واختلفوا فى أى سنةٍ كان ، فجَزَم جَمْعٌ بأنه كان قبل الهجرة بسنة ، وجرى عليه الإِمام
النووى ، وبالغ ابن حَزْم فنقل فيه الإِجماع . وقال القاضى : قبل الهجرة بخمس سنين
لأَنه لا خلاف أَنْ خديجة صَلَّت معه بعد فَرْض الصلاة ، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة ،
ولا خلاف أَن فَرْض الصلاة كان ليلة الإِسراء، وتَعَقَّبه ابن دِحْيَة بأَن المراد بالصلاة التى
صَلَّتها معه هى التى كانت من أَول البعثة، وكانت ركعتَيْن بالغداة وركعتَيْن بالعَشِىّ،
وإِنما الذى قُرِض ليلة الإسراء الصلوات الخَمْس. وقد قالت عائشة رضى الله عنها: ((إِن خديجة
رضى الله عنها ماتت قبل أَن تُفْرَض الصلاة)) ، رواه ابن سعد ، ويعقوب بن سفيان .
فالمُعْتَمَد أَن مراد من قال : بعد أَن فُرِضَتْ الصلاة ، ما فُرِض قبل الصلوات الخمس ،
إِن ثبت ذلك . ومراد عائشة بقولها : ماتت قبل أَن تُفْرَض الصلاة ، أَى الخمس ، فيُجْمَع
بين القَوْلَيْن بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإِسراء وقد حكى العسكرى أنها ماتت
?
قبل الهجرة بسبع سنين وسياتى تحقيق ذلك فى ترجمتها .
واختلفوا فى أى الشهور كان [ الإِسراء] فجزم ابن الأثير وجَمْعٌ ، منهم النووى فى فتاويه
كما في النُّسَخِ المُعْتَمَدة، بأنه كان فى ربيع الأول، قال النووي: ((ليلة سبع وعشرين)),
- ٩٥ -

٣٤٦ ظـ وجرى عليه جَمْع، / وهكذا نقله عن الفتاوى الإِسنوى فى المهمات ، والأُذْرَعى - بفتح
أوله والراء وسكون الذال المعجمة بينهما - فى التوسط ، والزركشى فى الخادم ، والدميرى
فى حياة الحيوان(١)، وغيرهم. وكذا رأيتُه فى عدة نسخ من الفتاوى وفى بعض النسخ من
شرح مسلم كذلك ، وفى أكثرها ربيع الآخر كما فى نسخ الفتاوى . ونقله ابن دحية فى
الابتهاج ، والحافظ فى الفتح ، وجَمْعٌ عن الحربى . والذى نقله عنه ابن دِحْية فى كتابيه :
التنوير والمعراج الصغير ، وأبو شامة فى الباعث ، والحافظ فى فضائل رجب ، ربيع الأول .
وقيل : كان فى رجب ، وجزم به النووى فى الروضة تَبَعاً للرافعى ، وقيل فى رمضان ،
وقيل فى شوال
قال ابن عطية بعد أن حكى الخِلاف والتحقيق: ((إِنه كان بعد شقّ الصحيفة وقبل
بيعة العقبة؛. قال ابن دِحْيَة: ((ويمكن أَن يُعَين اليوم الذى أسفرت عنه تلك الليلة،
ويكون يوم الاثنين )) . وذكر الدليل على ذلك بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة ، وحاصل
الأَمر أنه استنبطه ، وحاول موافقة كون المولد يوم الاثنين وكون المبعث يوم الاثنين
وكون المعراج يوم الاثنين وكون الهجرة يوم الاثنين وكون الوفاة يوم الاثنين . قال :
فإِن هذه أطوار الانتقالات النبوية وجوداً ونبوة ومِعْراجاً وهِجْرَة ووفاة ، فهذه خمسة أَطوار ،
فيكون يوم الاثنين فى حقه صلى الله عليه وسلم كيوم الجمعة فى حق آدم عليه الصلاة
والسلام فيه خُلِقٍ وفيه أُنزل إلى الأَرض وفيه تاب الله عليه وفيه مات ، وكانت أَطواره
الوجودية والدينية خاصة بيوم واحد . انتهى .
وروى ابن أبى شيبة عن جابر وابن عباس رضى الله عنهما قالا: (( وُلِد رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم الاثنين وفيه بُعِث وفيه عرج إلى السماء وفيه مات)). وقولهما: ((وفيه عرج
إلى السماء)) أَراد الليلة لأَن الإسراء كان بالليل اتفاقاً
(١) جاء فى حياة الحيوان الكبرى للدميرى مادة براق (جـ ١ ص ١٠٧: ١٠٩ طبعة القاهرة سنة ١٣٠٥ هـ).
واختلف الناس فى تاريخ الإسراء فقال ابن الأثير : الصحيح عندى أنه كان ليلة الاثنين لسبع وعشرين من شهر ربيع
الأول قبل الهجرة بسنة . وبهذا جزم شيخ الإسلام محيى الدين النووى فى شرح مسلم وجزم فى فتاويه فى كتاب الصلاة بأنه
كان فى شهر ربيع الآخر وفى سير الروضة أنه كان فى رجب ، وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين جليس الملك نهاراً
وجليسه ليلا )) .
٩٦ -

تنبيه : ذكر أَبو الخَطَّاب بن دحية(١) أَن الإسراء كان فى الليلة التى بين الأحد والاثنين
على القول بأَن الليلة تَتْبَع اليوم الذى قبلها. ثم قال: ((ويدل على أَن الليلة تَتْبَع اليوم
الذى قبلها أَن ليلةٍ عَرَفة هى التى قبلها بإجماع ، وكان بعضهم يقول: ليلة السبت فى ظَنِّ
الناس هى ليلة الجمعة)). انتهى. والذى ذكره النحاة فى باب التأريخ أن ليلة كل يوم
هى التى قبله ، لأَن أول الشهر ليلة ، وآخره يوم . وبذلك صَرَّح أَئمتنا الشافعية فى غير
موضع من كتبهم . وليلة عرفة وإِن تَأَخَّرت عن يومها شَرْعاً فذلك فى الحُكْمِ ، وهو مشروعية
الوقوف فى هذا الوقت المخصوص، ولا يُعْتَرَض على ما سبق بقوله تعالى: ( وَلَا الَّلَيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ(٢) ) لأَن المُفَسِّرين ذكروا فيه مَعْنَى غير هذا، فقال مجاهد(٣): ((فى قضاء الله تعالى
وعلمه لا يفوت الَّلِيْلَ النَّهارُ حتى يدركه فيذهب بظُلْمَتِهِ ، وفى قضاء الله وعلمه لا يفوت
النَّهَارَ الليلُ حتى يدركه فيذهب بضَوْئِه)). رواه ابن المنذر.
وقال الضحاك: ((لا يذهب الليل من ههنا حتى يجىءَ النهار من ههنا)). رواه ابن
أبى حاتم . وقال البغوى: ((أَى هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجىءُ أَحَدُهما قبل وقته)) .
وقيل لا يدخل أحدهما فى سلطان الآخر ، فلا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار
وله ضوء . فإِذا اجتمعا وأَدرك كل واحد منهما صاحبه قامت القيامة ، وقيل : لا يتصل
لَيْلُ بليل ولا يكون بينهما نهار فاصل. والله أعلم .
(١) هو الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسين بن دحية من كبار المحدثين والحفاظ الأثبات الثقات توفى سنة ٦٣٣ هـ
ترجم له المقرى فى نفح الطيب (بولاق سنة ١٢٧٩ هـ جـ ١ ص ٣٧٤ : ٣٧٧).
(٢) من الآية ٤٠ من سورة يس.
(٣) فى تفسير ابن كثير (جـ ٤ ص ٥٧٣): قال مجاهد: ((ولا الليل سابق النهار)) يطلبان حثيثين يسلخ أحدهما
من الآخر والمعنى فى هذا أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلامهلة ولا تراخ لأنهما مسخران دائبين
يتطالبان طلبا حثيثا)) .
- ٩٧ -
( ٧ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣)

٣٤٧ و
الباب الخامس
فى كيفية الإسراء / برسول الله صلى الله عليه وسلم
وهل تكرر أم لا .
وفيه فصلان: الأول : اعلم أنه لا خِلاَف فى صحة الإِسراء به صلى الله عليه وسلم .
إِذ هو نَصّ القرآن على سبيل الإجمال ، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه أحاديث كثيرة
منتشرة عن جماعة من الصحابة يأتى ذكرهم بعد فى باب مُفْرَد ، وإِنما الخِلاف فى كيفية
الإِسراء ، فاختلف العلماء فى ذلك على أقوال: الأَّول وهو قول الأكثر إنه كان بالروح
والجَسَد معاً يقظةً لا مناماً، من مكة إلى بيت المقدس ، إِلى السموات العُلا إِلى سِدْرة المنتهى
إلى حيث شاء العَلِيّ الأَعلى .
قال القاضى وغيره: ((وهو الحق وعليه تدل الآية نَصَّا وصحيح الأخبار إلى السموات
استفاضةً ولا يُعْدَل عن الظاهر من الآية والأخبار الواردة فيه ، ولا عن الحقيقة المتبادرة
إلى الأذهان من ألفاظهما، إلى التأُويل، إلا عند الاستحالة وتَعَذُّر حَمْل اللفظ على حقيقته ،
وليس فى الإِسراء بجسده وحال يقظته استحالة تُؤْذِن بتأويل ، إذ لو كان مناماً لقال :
سبحان الذى أُسرى بروح عبده، ولم يقل: بِعَبْدِه ، والعبد حقيقةً هو الروح والجسد ،
ويدل عليه قوله تعالى ( مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَفَّى(١) ) أَى ما عَدَل عن رؤية ما أُمِر برؤيته
من عجائب الملكوت وما جَاورَها لصراحة ظاهرة فى كونه بجسده يقظةً لأَّنه أضاف الأمر
إِلى الْبَصَر ، وهو لا يكون إِلا يَقَظَّةً بجسده بشهادة: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّه الكُبْرَى(٢).
ولو كان مناماً لَمَا كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة تُورث [ عدم ](٣) صِدْقِه ،
(١) سورة النجم آية ١٧
(٢) سورة النجم آية ١٨
(٣) إضافة يقتضيها السياق.
- ٩٨ -

وإِن كانت رؤيا الأنبياء وحياً، إِذ ليس فيها من الأَبلغية وخَرْق العادة ما فيه يقظةً (١).
وأيضاً لو كان مناماً لما استبعده الكُفَّار ولا كَذَّبوه، ولا ارْتَدَّ به ضعفاء من أَسلم وافتتنوا
به ، لِبُعْدِهِ عن ساحة العادة ، ووقوعه فى زمن يُسْتَبْعَد فيه جداً، إِذ مثل هذه المنامات لايُنْكَر،
بل لم يكن منهم ذلك الاستبعاد والتكذيب ، والارتداد والافتتان إلا وقد علموا أَن خَبَره
إنما هو عن جسمه وحال يقظته)).
وقد روى البخارى فى باب الإِسراء من صحيحه(٢) ، وسعيد بن منصور في سننه
عن ابن عباس رضى الله عنه فى قوله تعالى: (( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّ فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ)(٣)
هى رُؤْيا عَيْن أُرْيَها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء)). زاد سعيد: ((وليست
رؤيا منام )) .
قال الحافظ: (( إِضافة الرؤية للعين للاحتراز عن رؤيا القلب . وقد أثبت الله تعالى رؤيا
القلب فى القرآن بقوله: ( مَا كَذَبَ الفُوَّادُ مَا رَأَى) (٤)، ورؤية العين بقوله: ( مَا زَاغَ
البَصَرُ وَمَا طَغَى )(٥). وأَما ما رواه ابن مَرْدَوَيَه عن طريق العَوْفى عن ابن عباس رضى الله
تعالى عنهما فى الآية قال: ((رأَى أَنه وصل مكة وأصحابُه. فلما رَدَّه المشركون كان لبعض
الناس فى ذلك فِتْنَة)) . وما رواه ابن مردويه عن الحسن بن على رضى الله عنهما، رفَعَه
قال: رأيتُ كأَن بنى أمية يتعاورون مِنْبَرى هذا))، فقال: هى ((دنيا تنالهم))، ونزلت
هذه الآية ، فكلاهما إسناد ضعيف والصحيح ما تَقَدَّم ، وجزم بما قاله ابن عباس إنها
رؤيا عَيْن ليلة الإسراء مجاهد وسعيد بن جُبَيْر والحَسَن ومسروق وإبراهيم وقتادة وعبدالرحمن
ابن زيد وغير واحد .
تنبيه: قال ابن دحية: ((جنح البخارى إلى أن ليلة الإسراء كانت غير ليلةُ المِعْراج
لأنه أَفرد لكل منهما ترجمة)) / قال الحافظ: ((ولا دلالة فى ذلك على التغاير عنده ، ٣٤٧ ظ
(١) زاد القاضى عياض فيما نقله المؤلف عنه: ((على أن ذلك إنما يعرفه من صدقه وصدق خبره)). وقد نقله
بدوره الزرقانى فى شرحه على المواهب ( ج ٦ ص ٨) .
(٢) أخرجه البخارى فى صحيحه فى كتاب التفسير (جـ ٦ ص ١٦٠)
(٣) سورة الإسراء آية ٦٠
(٤) سورة النجم آية ١١
(٥) سورة النجم آية ١٧
- ٩٩ -

بل كلامه فى أول الصلاة ظاهر فى اتحادهما ، وذلك أنه ترجم باب : كيف فُرِضت
الصلاة ليلة الإِسراء ، والصلاة إِنما فُرِضت فى المعراج ، فدَلَّ على اتحادهما عنده ، وإِنما أَفرد
كُلاَّ منهما بترجمة لأَن كَّلاًّ منهما يشتمل على قصة منفردة وإن كانا وقعا معاً .
القول الثانى: إِن الإِسراء كان بالجَسَد يقظةً إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح ،
ذَهَب إِلى هذا طائفة واحْتَجُّوا بقوله تعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ
الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ فجعل المسجد الأقصى غايةً للإِسراء الذى وقع النَّعَجُّب فيه
من حيث أنه كان فى بعض ليلة. والتَّعَجُّب فيه من الكُفَّار تَعَجُّب استحالة ، ومن المؤمنين
تَعَجُّب تعظيم القُدْرَة الباهرة . ووقع الثَّمَدُّح بتشريف النبى صلى الله عليه وسلم ، وإِظهار
الكرامة له بالإِسراء إِليه . ولو كان الإِسراء إلى مكانٍ زائدٍ على المسجد الأقصى لذكره
تعالی فیکون ذِكْرُه أبلغ فى المدح من عدم ذكره فيه .
وأجاب الأَئمة عن ذلك بأَن استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإِسراء أولاً ، فلمَّا ظهرت.
أَمَارات صِدْقِهِ، وصَحَّت لهم براهينُ رسالتِهِ ، واستأُنسوا بتلك الآية الخارقة ، أَخبرهم
بما هو أعظم منها ، وهو المِعْرَاج، فَحَدَّثَهم النبى صلى الله عليه وسلم به ، وأَنزله الله تعالى
فى سورة النَّجْم. ويُؤَّيِّد وقوع المِعْرَاج عَقِب الإسراء فى ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس
رضى الله عنه عند مسلم(١): (( أَتِيتُ بالبُرَاق فَرَكِيْتُهُ حتى أَتِيتُ بيت المقدس ))، فذكر
القصة إلى أن قال: ((ثُمَّ عُرِجَ بنا إلى السماء الدنيا)) وحديث أبى سعيد الخُدْرِى: بالخاء
المعجمة المضمومة وبالدال المهملة - عند ابن إسحق: ((فلما فَرَغْتُ مما كان فى بيت المقدس
أُتِى بِالْمِعْرَاج)). فذكر الحديث .
القول الثالث : إِن الإِسراء كان بالروح وإنه رؤيا منام ، مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء
وَحْى بشهادة : ( يا بُنَىَّ إِّى أَرَى فِىِ المَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ) (٢)، وقوله صلى الله عليه وسلم:
(١) الحديث بطوله عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك فى صحيح مسلم بشرح النووي ( ج ٢ ص ٢٠٩ وما بعدها )
(٢) من الآية ١٠٢ من سورة الصافات.
١٠٠ -
: