Indexed OCR Text
Pages 41-60
الثالث : فى الكلام على القَّسَم الواقع هنا . الشيخ رحمه الله تعالى فى الإتقان (١): [ وقد قيل مامعنى القسم منه تعالى؟ فإِنه إِن كان لأَجلِ المؤمن(٢)] فالمؤمن يُصَدِّق بمجرد الإخبار من غير قَسَم، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده ، وأُجِيبَ بأَن القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القَسَم إذا أرادت أن تؤكد أمرًا)) . وأَجاب الأُستاذ - بضم الهمزة وبالذال المعجمة - أبو القاسم القُشَيْرى رحمه الله تعالى [بأَن الله](٢) ذكر القَسَم لكمال الحجة وتأكيدها وذلك أن الحَكَم يفصل باثنين إما بالشهادة وإما بالقَسَم ، فذكر تعالى فى كتابه النوعَيْن حتى لا يبقى لهم حُجَّة فقال: ( شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وأُولوا العِلْمِ(٣) ) وقال: (قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقُّ) (٤). وعن بعض الأَعراب(٥) أنه لما سمع قوله تعالى: ( وفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون (٦) ) ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّه لَحَقٌّ(٧) )، صاح وقال: مَنْ [ذا] الذى أَغضب الجليل حتى ألجأَه إِلى اليمين ؟ ولا يكون القَسَم إِلا باسمٍ مُعَظَّم، وقد أَقسم الله تعالى بنفسه ، فى القرآن فى سبعة مواضع، بقوله: (قُلْ إِى وَرَبِّى)(٨)، (قُلْ بَلَى وَرَبِّى لِتُبْعَثُنَّ) (٩)، (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُم وَالشَّيَاطِينِ(١٠) )، ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(١١) )، ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُون(١٢) )، ( فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغارِبِ (١٣) )، والباقى كله قَسَم بمخلوقاته (١٤). فإن قيل: كيف أَقسم بالخَلْق وقد ورد النهى عن القسم بغير الله تعالى؟ قلنا أُجِيبَ عنه بأَوجه: الأول (١) الإتقان فى علوم القرآن بجلال الدين السيوطى (ج٢ ص١٣٣). (٢) زيادة من الإتقان لضبط السياق. (٤) سورة يونس آية ٥٣. (٣) سورة آل عمران آية ١٨. (٥) فى الأصول: العرب وفى الإتقان: الأعراب. والأعراب سكان البادية أما العرب فهم سكان القرى والمدن والبدو أكثر جفاء وغلظة وفى اللسان إذا قيل للأعرابى يا عربى فرح بذلك وهش والعربى إذا قيل له يا أعرابى غضب وكان التعرب بعد الهجرة يعدل الردة، والأقرب أن يصدر هذا السؤال من أعرابى .. وفى التنزيل: الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ( التوبة آية ٩٧). (٦) سورة الذاريات آية ٢٢. (٧) سورة الذاريات آية ٢٣. (٨) سورة يونس آية ٥٣. (٩) سورة التغابن آية ٧ . (١٠) سورة مريم آية ٦٨. (١١) سورة الحجر آية ٩٢ . (١٢) سورة النساء آية ٦٥. (١٣) سورة المعارج آية ٤٠. (١٤) مثل السيوطى فى الإتقان لذلك بقوله تعالى والتين، والزينون، والصافات، والشمس، والليل والضحى ، فلا أقسم بالخنس . - ٤١ - أنه على حذف مضاف أَى ورب النَّجْم، وكذا الباقى . الثانى: أَن العرب كانت تُعَظّم هذه الأشياء وتُقْسِم بها فنزل القرآن على ما يعرفونه. الثالث: أَن الأَّقسام إنما تكون بما يُعَظِّمه المُقْسِمِ [و] يُجِلُّه وهو فوقه . والله سبحانه وتعالى ليس فوقه شىء، فأَقسم تارةً بنفسه وتارةً بموضوعاته لأنها تدل على بادئٍ وصانع . ابن أبى الإصبع رحمه الله تعالى فى كتابه أسرار الفواتح: ((القَسَم بالمصنوعات يستلزم القَسَم بالصانع لأَن ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل إِذ يستحيل وجود مفعول بغير فاعل . وروى ابن حاتم عن الحسن قال: ((إن الله تعالى يُقْسِم بما شاء من خَلْقِهِ وليس لأَحد أَن يُقْسِمِ إلا بالله تعالى . . والقَسَمِ إِما ظاهر وإما مُضْمَر وهو قسمان: قِسْمُ دَلَّت عليه. اللام نحو (لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوَالِكُمْ(١)) وقِسْمُ دَلَّ عليه المعنى نحو: ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّ وَارِدُهَا(٢)) ٣٣١ظ تقديره: واللهِ ... وأكثر الأقسام / فى القرآن المحذوفة الفِعْل لا تكون إلا بالواو ، فإذا ذُكِرت الباء أُتِى بالفِعْل كقوله تعالى (وأَفْسَمُوا بِاللهِ(٣)) (يَحْلِفُونَ بِاللهِ(٤) ) ولا تجد الباءِ مع حذف الفِعْل، ومن ثم أَخطأً من جعل قسماً بالله: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمِ(٥)) ، ( بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ(٩) ) . (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِ بِحَقِّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُه فقد عَلِمْتْه(٧) ). ابن القيم: ((اعلم أن الله سبحانه وتعالى يُقْسِمِ بأُمور على أمور وإنما يُقْسِم بنفسه المَوْصُوفَة بصفاته وآياته المستلزِمة لذاته وصفاته . وأقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته، فالقَسَم إما على جملة خبرية وهو الغالب كقوله تعالى: ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّه لَحَقُّ(٨)) وإما على جملة طلبية كقوله تعالى: ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلِنَّهُمْ أَجْمَعِين، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونُ(٩) )، مع أن هذا القَسَم قد يُراد بهِ تحقيق المُفْسَم عليه ، فيكون من من باب الخَبَر ، وقد يُراد به تحقيق القَسَم فالمُقْسَم عليه يُراد بالقَسَم توكيده وتحقيقه ، فلابُدّ أَن [ يكون مما(١٠)] يَحْسُن فيه ذلك كالأُمور الغائبة والخفية إِذا أُقْسِم على ثبوتها (١) سورة آل عمران آية ١٨٦. (٣) سورة الأنعام آية ١٠٩. (٥) سورة لقمان آية ١٣. (٧) سورة المائدة ١١٦. (٩) سورة الحجر آية ٩٢ و ٩٣. (٢) سورة مريم آية ٧١ . (٤) سورة النساء آية ٦٢ . (٦) سورة الأعراف آية ١٣٤ والزخرف آية ٤٩. (٨) سورة الذاريات آية ٢٣. (١٠) زيادة من الإتقان. - ٤٢ - فأما الأُمور المشهورة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض، فهذه يُقْسَم بها ولا يُقْسَم عليها. وأَما ما أَقْسَمَ عليه الرَّبُّ فهو من آياته ، فيجوز أن يكون مُقْسِما به ولا ينعكس)). الإمام الرازى رحمه الله تعالى: ((أَقسم تعالى فى بعض السور بمجموع كقوله تعالى : ( والدَّارِيَاتِ(١))، وفى بعضها بإِفراد كقوله ( والطُّورِ(٢)، ولم يقل والأطوار والبحار ، والكلمة فيه أَن أَكثر الجموع أقسم عليها بالمتحركات . والريح الواحدة ليست بثابتة مستمرة حيث يقع القسم عليها ، بل هى مُتَبَدِّلة بأفرادها ، مستمرة بأنواعها ، والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدُّل والتغيُّر، فقال: ( والذَّارِيَاتِ ) إشارة إلى النوع المستمر لا إِلى الفردغير المستقر. وأَمالجبل فهو ثابت غير متغيِّر عادةً ، فالواحد من الجبال قائم زمانًا ودهرا فأَقسم فى ذلك بالواحد. وكذلك قوله: ((والنجم))، ولو قال: والريح، لَمَا عُلِمِ المُقْسَم به وفى الطور عُلِمٍ. والسُّوَر التى افتتاحها القَسَم بالأَسماءِ دون الحروف، كان القَسَم فيها لإثبات أحد الأصول الثلاثة وهى: الوحدانية والرسالة والحَشْر وهى التى يتم بها الإيمان . ثم إنه تعالى لم يُقْسِمِ لإِثبات الوحدانية إلا فى سورة واحدة من تلك السُّوَر وهى : ((الصَّافَّات))، حيث قال تعالى فيها: ( إِنَّ إِلهَكُمْ لَوَاحِدٌ(٣))، وذلك لأَّنهم وإن كانوا يقولون: : أَجَعَلَ الآلهةَ إِلَّا واحداً، على سبيل الإِنكار فقد كانوا يبالغون فى الشرك، لكنهم فى تضاعيف أقوالهم وتصاريف أَحوالهم كانوا يُصرِّجون بالتوحيد، وكانوا يقولون: ( مَا نَعْبِدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّونَا إِلَىَ اللهِ زُلْفَى(٤) ) وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ(٥) ). فلم يبالغوا فى الحقيقة والإنكار المطلوب الأَوّل، فاكتفى بالبرهان ولم يُكْثِرِ من الأَّيْمان فى سورتين منها أَقسم لإثبات صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونه رسولاً فى إحداهما بأَمر ، وهو قوله تعالى: ( والنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(٦)). (١٠) من الآية الأولى من سورة الذاريات. (٣) سورة الصافات آية ٤. (٥) سورة العنكبوت آية ٦١ . (٢) الآية الأولى من سورة الطور. (٤) سورة الزمر آية ٣. (٦) سورة النجم آية ١ و٢٠ . -٤٣ - وفى الثانية بأَّمْرَين وهو قوله تبارك وتعالى: ( والضُّحَى وَالْلَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَاوَدَّعَكَ رَبُّكُ وَاَ قَلَى (١) ) وذلك لأَّن القَسَم على إِثبات رسالته قد كَثُرَ بالحروف والقرآن العظيم ، ٣٣٢ و كما فى قوله تعالى: ( يَّس وَالْقُرآنِ الحكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِين(٢)) /. وقد ذكرنا الحكم فيه أن من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فأقسم به ليكون فى القَسَم إِشارة واقعة إلى البرهان . وفى باقى السُّورَ كان المُقْسَم عليه الحشر والجزاء ، وما يتعلق به يكون إِنكارهم فى ذلك خارجاً عن الحَد ، وعدم استيفاء ذلك فى سور القَسَم بالحروف . وأَقسم تعالى بمجموع السلامة المؤنثة فى خمس سُوَر ، ولم يُقْسِمِ بمجموع السلامة المُذَكَّرة فى سورة أَصلاً. فقال: (والصَّافَّاتِ(٣))، (والدَّارِيَات(٤))، ولم يقل ((والصالحين من عبادى))، ولا المقربين ، إلى غير ذلك ، مع أن الذكور أَشرف وذلك لأَن المجموع بالواو والنون فى الأَمر الغالب ، لمن يعقل . وقد ذكرنا أَن القَسَم بهذه الأشياء ليس لبيان التوحيد إِلا فى صورة ظَهَرَ الأَمر فيه ، وحصل الاعتراف منهم ، ولا للرسالة لحصول ذلك فى سورة القَسَم بالحروف والقرآن ، بقى أن يكون المقصود إِثبات الحشر والجزاء ، لكن إثبات الحشر لثواب الصالح وعقاب الطالح ، ففائدة ذلك راجعة إِلى من يعقل فيلزم أن يكون القسم بغيرهم، والسُّور التى أَقْسَم فيها لإثبات الوحدانية أَقسم فى أَول الأَمر بالساكنات حيث قال: (والصَّافَّاتِ ) وفى السُّوَر الأربع الباقية أَقسم بالمتحركات فقال: (والدَّارِيَاتِ )، (والمُرْسَلاَتِ (٥))، (والنَّازِعَاتٍ(٦) ) ( والْعَادِيَاتِ (٧) )، وذلك لأن الحشر فيه جمع وتفريق، وذلك بالحركة أَلْيَق. وفى السور الأَربع أقسم بالرياح على ما بَيَّن ، وهى التى تجمع وتُفَرِّق ، فالقادر على تأليف السحاب المتفرق بالرياح الذارية والمرسلة قَادِرٌ على تأليف الأجزاء المتفرقة بطريق من الطرق التى يختارها بمشيئته تبارك وتعالى)). وقال الإِمام أيضاً فى موضع آخر: (( اعلم أنه تعالى لم يُقْسِم على الوحدانية ولا على (١) سورة الضحى آية ١ و٢ و٣. (٣) من الآية الأولى من سورة الصافات. (٥) من الآية الأولى من سورة المرسلات . (٧) من الآية الأولى من سورة العاديات. (٢) سورة يس آية ١و٢ و٣. (٤) من الآية الأولى من سورة الذاريات. (٦) من الآية الأولى من سورة النازعات. - ٤٤ - النبوة كثيراً ، لأَنه أقسم على الوحدانية فى سورة الصافات ، وأَما النبوة فأَقسم عليها بأَمر واحد فى هذه السورة، وبأَمرين فى سورة ((والضحى))، وأَكْثَرَ من القَسَم على الحشر وما يتعلق به. فإِن قوله تعالى: (واللَّيْلِ إِذا يَغْشِىَ(١)) وقوله: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(٢) ) وقوله تعالى: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُروج (٣))، إلى غير ذلك ، كلها فى الحشر وما يتعلق به ، وذلك لأَّن دلائل الوحدانية كثيرة ، كلها عقلية كما قيل : وفى كل شئٍ له آيةٌ تدل على أنَّهُ وَاحِدُ (٤) ودلائل النبوة أيضاً كثيرة ، وهى المعجزات المشهورة المتواترة ، وأما الحشر فإِمكانه يثبت بالعقل، وهذا أَظهر ، وأَما وقوعه فلا يمكن إثباته إلا بالسمع، فأَكَثَر فيه القَسَمِ ليقطع به المُكَلَّف ويعتقده اعتقاداً جازماً . الرابع : فى الكلام على النَّجْم : صاحب القاموس: ((فى المطلع النَّجْم الكوكب الطالع والجمع أَنْجُم وأَنْجَام ونُجوم ونُجُم، والنَّجْم أيضاً الثُّرَيًّا، والنَّجْمُ من النبات ما نجَمَ على غير ساق، والنَّجْم الوقت المضروب)). اللباب لابن عادل: (( سُمِّى الكوكب نَجْمًا لطلوعه، وكلُ طالع نَجْمًا ، يقال : نَجَمَ السِّنُّ والقَرْنُ والنَّبْتُ إِذا طَلَع، زاد القرطبى: ((ونَجَمَ فلان ببلد كذا أَى خرج على السلطان(٥) . ابن القيِّمَ: ((اختلف الناس فى المراد بالنَّجْم، فقال الكلبى عن ابن عباس: أَقْسَمَ بالقرآن إِذا أُنْزِل نجوماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَربع آيات وثلاث آيات والسورة ، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة، وكذلك روى عطاء عنه، وهو قول مقاتل / ٣٣٢ظ والضحاك ومجاهد ، واختاره الفَرَّاء )). (١) سورة الليل آية ١. (٣) سورة البروج آية ١. (٤) البيت لأبى العتاهية وهو أحد أبيات أربعة أوردها أبو الفرج فى الأغانى ج ٤ ص ٣٥ طبعة دار الكتب بالقاهرة (٥) وردت فى تفسير القرطبي = ١٧ ص ٠٨٣ سنة ١٩٣١ م. (٢) سورة الشمس آية ١. - ٤٥ - والهُوِىّ على هذا القول النزول من أعلى إلى أسفل، وعلى هذا سُمِّى القرآن نجمًا لتفرقه فى النزول. والعرب تسمى التفرق تَنَجُّمَا والمتفرق مُنَجَّمًا. ونُجُوم الكتابة أَقساطها ، وتقول جعلتُ مالى على فلان نجوماً مُنَجَّمة، كلُ نجمٍ كذا وكذا . وأَصل هذا أَن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها ، فيقولون: إِذا طلع النجم - يريدون الثُّرَّمَّا - حَلَّ عليك كذا، ثم جُعِل كل نجم تفريقًا وإِن لم يكن مُوَقَّتًا مطلوع نَجْم . قال الإِمام الرازى: ((ففى هذا القَسَم استدلال بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم على صدقه، وهو كقوله [تعالى]: ( يس وَالْقُر آنِ الحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِين(١) ) وقال ابن عباس فى رواية على بن أبى طلحة وعطية : يعنى الثُّرَيَّا إِذا سقطت وغابت، وهُوِيُّها مغيبُها ، وهو الرواية الأخرى عن مجاهد ، والعربَ إِذا أطلقت النَّجْم تعنى به الثريا ، قال الشاعر : ابتغى الراغى كساءً إِذا طلع النجم عِشاءً وفى الحديث: (( ما طلع نَجْمٌ قط وفى الأَرض من العاهة شىء إِلا ارتفع))، رواه الإِمام أَحمد، وأراد بالنجم الثريا . وهذا القول اختاره ابن جرير والزمخشرى . وقال السمين إنه الصحيح ، لأَن هذا صار عَلَمًّا بالغَلَبة)) ، وقال عُمَر بن أبى ربيعة : والثُّرَيَّا فِى الأَرْضِ زَيْنُ النِّساءِ)) ((أَحْسَنُ النَّجْمِ فى السماءِ القُّرَيَّا قال الإِمام الرازى: ((ومناسبة هذا القول إِن الثريا أَظهر النجوم عند الرائى لأَن له علامة لا تلتبس بغيره فى السماء ويظهر لكل أحد . والنبى صلى الله عليه وسلم يتميز عن الكل بآيات بَيِّنات، فأَقسم به ، ولأَن الثريا إِذا ظهرت من المشرق بالبلد حان إِدراك الثمار ، وإِذا ظهرت بالشتاء أَو الخريف تقل الأمراض . والنبى صلى الله عليه وسلم إِذا ظهر ، قَلَّ الشك والأَّمراض القلبية وأُدْرِكَتْ الثمار الحكمية)). وقال أبو حَمْزَة ، بالحاءِ المهملة والزاى، ((والثمالَى - بضم المثلثة وتخفيف الميم وباللام: يَعْنِى النجوم إِذا انتثرت يوم القيامة. وقيل أَراد به الشِّعْرَى. وقال السدِّي والثورى : (١) سورة يس آية ١ و ٢ و ٣: ((أَراد به الزُّهْرَة)). وقال الأَخفش: ((أَراد به النَّبْت الذى لا ساق له ، ومنه قوله تعالى: (والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَان(١)) وهُوِيُّهُ سقوطه. قال الإِمام الرازى: ((لِأَنَّ النَّبَاتَ به نباتُ القوى الجسمانية وصلاحها، والقوة العقلية أولى بالإِصلاح ، وذلك بالرسُل، وإِصلاح السُّبُل، ومن هذا يظهر أَن المختار هو النجوم التى فى السماءِ لأنها أَظهر عند السامع. وقوله تعالى: ( إِذا هَوَىَ) أَدلُّ عليه ، ثم بعد ذلك القرآن لما فيه من الظهور ، ثم الثريا . وقال جعفر بن محمد - رضى الله عنهما -، كما نقله القاضى: ((أُراد به النبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - إِذ نزل ليلة المِعْراج والُهُوِىّ النزول)). صاحب السراج: (( ويعجبنى هذا التفسير لملاءمته من وجوه ، فإِنه صلى الله عليه وسلم ، نَجْمُ هداية ، خصوصًا لما هُدِى إِليه من فَرْض الصلاة تلك اليلة، وقد عَلِمْتَ منزلة الصلاة من الدين ، ومنها أنه أَضاء فى السماءِ / والأَرض. ومنها التشبيه بسرعة السَّيْر، ومنها أنه ٣٣٣ و كان ليلاً، وهو وقت ظهور النَّجْم، فهو لا يَخْفَى على ذى بَصَر وأَما أَرباب البصائر فلا يمتزون كأَبى بكر الصِّدِّيق - رضى الله عنه - )). انتهى . وقال مجاهد فى رواية عنه: ((نجوم السماء كلها)). وجزم أَبو عُبَيْدة وقال : ذهب إِلى لفظ الواحد بمعنى الجمع ، قال الشاعر : فبأنَتْ تَعُدّ النَّجْمَ فى مُسْتَحِيرةٍ(٢) أَى تَعُدّ النجوم. قال ابن جرير: ((وهذا القول له وجه، ولكن لا أعلم أحداً من. أهل التأويل قاله)). انتهى. قلت : قد تقدم نقله عن مجاهد ، ونقله الماوردى عن الحسن أيضاً . وقال الإِمام الرازى: (( ومناسبة ذلك أَن النجوم يُهْتَدَى بها فأَقسم بها لما بينهما من المشابهة والمناسبة)). وقال ابن عباس فى رواية عِكْرمة: أَراد التى تُرْمَى بها الشياطين إِذا سقطت فى آثارها (١) سورة الرحمن آية ٦ . (٢) عجر البيت: سريع بأيدي الآكلين جمودها، وقائله الراعى، انظر تفسير القرطبي (جـ ١٧ ص ٨٢) . - ٤٧ - عند استراق السمع. وهذا قول [ أَبى (١) ] الحسن الماوردى. وسببه أَن الله تعالى لما أُراد بَعْثَ محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ، كُثُر انقضاض الكواكب قبل مولده ، فذُعِرٍ أَكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن ، كان يُخبرهم بالحوادث ، فسألوه عنها فقال : انظروا إلى البروج الاثنى عشر فإِن انْقَضَّ منها شىء فهو ذهاب الدنيا ، وإِن لم ينفَضّ منها شىء فسيحدث فى الدنيا أَمْرٌ عظيم ، فاستشعروا ذلك ، فلما بُعِث النبى صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذى استشعروه ، فأَنزل الله تعالى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، [ أَى ذلك النجم الذى هوى(٢) ] هوى لهذه النبوة التى حدثت . الإِمام الرازى: (( إِن الرجوم تبعد الشياطين عن أهل السماء والأنبياء يبعدون الشياطين عن أَهل الأَرض . ابن القيم: ((وهذه الراوية عن ابن عباس أَظهر الأقوال ، ويكون الحق سبحانه وتعالى قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المُشَاهَدَة التى نصبها آيةً وحفظاً للوحى من استراق الشياطين له ، على أن ما أتى به رسوله حَقُّ وصِدْق لا سبيل للشياطين ولا طريق لهم إليه ، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدى الوحى وحَرَسًا له ، وعلى هذا فالارتباط بين المُقْسَم به والمُقْسَم عليه فى غاية الظهور ، وفى المُقْسَم به دليلٌ على المُقْسَم عليه ، فإِن النجوم التى تُرْنَى بها الشياطين آيات من آيات الله تعالى، يحفظ بها دينَه وَوَحْيَه، وآياته المُنَزَّلة على رُسُله، بها ظهر دينُه وشَرْعُه، وأسماؤه وصفاته . وجُعِلت هذه النجوم المشاهدة خدمًا وحَرَسًا لهذه النجوم الهادية . وليس بالبَيِّن تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هُوِّيًا، ولا عهد فى القرآن بذلك فيُحْمَل هذا اللفظ عليه وليس بالبيِّن أيضًا تخصيص هذا القسم بالثُّرَيًّا وحدها إذا غابت ، وليس بالبَّيِّن القَسَم بالنجوم عند تناثرها يوم القيامة ، بل هذا مما يُقْسِم الرب عليه ، ويدل عليه بآياته ، فلا يجعله نفسه دليلاً لعدم ظهوره للمُخَاطَبِين ولاسيما منكرو البَعْث. فإنه سبحانه وتعالى إنما يستدل بما [لا](٣) يمكن جحده ولا المكابرة فيه، فأظهر الأَقوال قول الحسن وابن كثير وهذا القول له اتجاه )). (١) الماوردى هو أبو الحسن على بن محمد بن حبيب. (٢) إضافة من تفسير القرطى (جـ ١٧ ص ٨٣) لضبط السياق. (٣) إضافة لا يستقيم المعنى بدونها. - ٤٨ - الخامس: فى الكلام على ((هَوَى)): السمين: ((العامل فى ((إِذا)) إِما فِعْل القَسَم المحذوف وتقديره: أُقْسِم بالنجم وقت هُوِيِّه)). قال أبو البقاءِ وغيره: ((وهو مُشْكِل، فإِن فِعْل القَسَم إِنشاء، والإِنشاء حال . و ((إِذا )) لِمَا يُسْتَقْبَل من الزمان ، فكيف يتلاقيان ؟ الطيبى نقلاً عن المقتبس: ((الوجه أن ((إِذا)) قد انسلخ عنها معنى الاستقبال ، وصار / للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إِذا احْمَرَّ البُسْر، أى وقت إِحمراره، فقد عُرِّى عن ٣٣٣ظ معنى الاستقبال لأَّنه وقت الغيبة عنه ، بقوله : آتيك .. قال الشيخ عبد القاهر: ((إخبار الله تعالى بالمتوقع يقوم مقام الإخبار بالواقع، إِذ لا تكلف فيه ، فيجرى المستقبل مجرى المُحَقَّق الماضى)). السمين: ((وإما مُقَدَّرٌ على أنه حال من النَّجْم، إِذ أقسم به حال كونه مُسْتَغِرًّا فى زمان هُوِيِّه. وهو مُشْكِل من وَجْهَيْن: أَحدهما: أَن النَّجْم جُنَّةُ (١) والزمان لا يكون حالاً عنها، كما لا يكون خبراً. الثانى: ((إذا )) للمستقبل ، فكيف تكون حالاً ؟ وأُجيب عن الأول : المراد بالنجم القطعة من القرآن ، والقرآن ، نزل مُنَجِّمًا فى عشرين سنة. وهذا تفسير ابن عباس وغيره . وعن الثانى : بأنها حال مُقَدَّرَة، وأَما العامل [ فهو ] نفس النجم الذى أريد به القرآن ، قاله أبو البقاء. وفيه نظر لأَن القرآن لا يعمل فى الظَّرف ، إِذا أريد به أَنه اسم لهذا الكتاب المخصوص . وقد يقال إِن النَّجْم بمعنى المُنَجَّم كأنه قيل: والقرآنِ المُنَجَّم فى هذا الوقت)). (١) هذه القاعدة ذكرها ابن مالك فى ألفيته قائلا: ولا يكون اسم زمان خبراً عن جثة وإن يقد فأخبرا. وقال ابن عقيل فى شرح هذا البيت : ظرف المكان يقع خبراً عن الجثة نحو: زيد عندك. وعن المعنى نحو: القتال عندك. وأما ظرف الزمان فيقع خبراً من المعنى منصوباً أو مجروراً بنى ، نحو: القتال يوم الجمعة أو فى يوم الجمعة ، ولا يقع خبراً عن الجنة. قال المصنف : إلا إن أفاد كقولهم: الليلة الهلال، والرطب شهرى ربيع. فإن لم يفد لم يقع خبراً عن الجثة، نحو زيد اليوم، وإلى هذا ذهب قوم، منهم المصنف. وذهب غير هؤلاء إلى المنع مطلقاً. فإن جاء شىء من ذلك أول، نحو قولهم : الليلة الهلال ، والرطب شهرى ربيع ، فإن التقدير طلوع الهلال الليلة ووجود الرطب شهرى ربيع . هذا مذهب جمهور البصربين . وذهب قوم ، منهم المصنف إلى جواز ذلك من غير شذوذ لكن بشرط أن يفيد كقولك: نحن فى يوم طيب وفى شهر كذا ، وإلى هذا أشار بقوله: وإن يفد فأخبرا، فإن لم يفد امتنع نحو: زيد يوم الجمعة . انظر هامش حاشية الخضرى على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ج ١ ص ١١٧، بولاق سنة ١٨١٢٩١ - ٤٩ - ( ٤ - سبل الهدى والرشاد جـ ٣) المصباح: هَوَى يَهْوِى [من باب ضَرَب(١) ] هُوِيًّا بضمّ الهاء وفتحها ، وزاد ابن القوطية (٢) هواءً بالمَدّ (٣)، سقط [من أَعلى (١)] إلى أسفل قاله أبو زيد وغيره)). قال الشاعر (٤): فَشَجَّ(٥) بها الأَمَاعِزَ وهى تَهْوِى هُوِىَّ الدِّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ (٦) يُرْوَى بالفتح والضَّمِّ(٧) .. الراغب: ((الهوى سقوط من علوّ)). ثم قال: ((والهُويّ ذهاب فى إِنحدار والَوِىّ ذهاب فى ارتفاع)). وقيل: ((هوى فى اللغة مَقْصِدُه السفل أَو مصيره إليه وإن لم يقصده)). وقال أهل اللغة: هَوى بفتح الواو يَهْوِى هويًّا سقط من علو، وهَوَى يَهْوَى هَوَّى أَى صَبًا . القرطبى: هَوَى وانهوى [ فيه (٨)] لغتان بمعنى وقد جمعهما الشاعر(٩) فى قوله : [ وكم منزلٍ (١٠) ]لولاىَ طِحْتَ كماهَوَى بأَجْرَامِه من قُلَّـةِ النِّيقْ مُنْهَـوِى النِّيقِ بكسر النون المُشَدَّدَةِ أَرفع موضع فى الجبل . الإِمام الرازى: (( الفائدة فى تقييد القَسَم بالنجم بوقت هَوِيِّه أنه إذا كان فى وسط السماء بعيدًا عن الأرض لا يهتدى به السَّارى ، لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال: فإذا زال تَبَيِّن بزواله، وَتَميَّز جانبٌ عن جانب ، كذلك النبى صلى الله عليه وسلم خفض جناحه للمؤمنين، وكان على خلق عظيم وخُصَّ الْهُوِىُّ دون الطلوع لعموم الاهتداء بهفی الدین (١) التكملة من المصباح المنير الفيومى . (٢) نص عبارة ابن القوطية فى كتابه الأفعال ( ص ١٤ طبعة القاهرة سنة ١٩٥٢ م ): هوى الشىء مات أو سقط فى مهواة من شرف هواء ممدود وهوياً . (٣) فى الأصول : سراً وهو تحريف. (٥٠) فى الأصول : تسيح وهو تحريف. (٤) الشاعر هو زهير بن أبى سامى. (٦) جاء فى شرح ثعلب لهذا البيت: شج: علا، بها: بالأتن، والأمعز والمعزاء والجمع الأماعز: المكان الغليظ الكثير الحصى ، وأسلمها : خذلها، والرشاء: الحبل وخذله انقطاعه، ويقال : هوى الشىء يهوى هوياً إذا أسرع ، فشبه هوى الحبل إذا انقطع بهوى الأمن . وزاد محقق الشرح بقوله : الذى فى البيت أنه شبه الأتن فى سرعتها وانقضاضها فى عدوها بالدلو إذا انقطع حبلها . وقال الأعلم: وإنما ضرب المثل بالدلو لكثرة استعمالهم لها، وهم يضربون المثل كثيراً بما يعرفونه ويستعملونه . راجع شرح ديوان زهير الثعلب طبعة القاهرة سنة ١٩٤٤ م ص ٦٧ . (٨) زيادة من تفسير القرطبي جـ ١٧ ص ٨٤, (٧) أى هوى وهوى . (٩) الشاعر هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفى. (١٠) ساقطة من الأصول والتكملة من الكفاف وتفسير القرطب. ٠ والدنيا . أَما الدنيوى فلِمَا ذُكِر، وأَما الدينى فكما قال الخليل صلى الله عليه وسلم (لَا أُحِبُ الآفِلِين(١) ) وفيه لطيفة وهى أَن القَسَم بالنجم يقتضى تعظيمه، وقد كان من المشركين من يعبده ، فَنَبِّه بهُويِّه على عدم صلاحيته للإِلهية ، وهُوِيُّه أَقُولُهُ . السادس: فى الكلام على قوله: (( ما ضَلَّ صاحِبِكُمْ وما غَوَى )): ،: ((هذا جواب القَسَمِ)). ٣٣٤و الإِمام الرازى والبرهان النسفى: ((أَكثر المُفَسِّرين قالوا: لا نُفَرِّق بين الضلال والغَىّ. وقال بعضهم: إِن الضلال فى مقابله الْمُدَى، والغَىّ فى مقابله الرُّشْد، قال تعالى: ( وَإِنْ يُرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً(٢) ) ، وتحقيق الفَرْق فيه أَن الضلال أَعَمّ استعمالاً / فى المواضع، [ تقول(٣)]: ضَلَّ بعيرى ورَحْلى ولا تقول : غَوَى ، فالمراد من الضلال أَلا يجد السالك إلى مَقْصِده طريقًا مستقيماً . والغواية ألا يكون له إلى القصد طريق مستقيم ، ويدل على هذا أنك تقول للمؤمن الذى ليس على طريق السَّداد : إِن سَعْيَه غَيْرُ رشيد، ولا تقول: إِنه ضالّ. فالضَّالّ كالكافر ، والغاوى كالفاسق، فكأنه تعالى قال :: (( ما ضَلَّ)) أَى ما كفر، ولا أقل من ذلك، فما فَسَق ، ويؤيد ما ذكرنا قَوْلُه تعالى : ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا(٤) ) الآية . أَو يقال : الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد فى الدرجة والمرتبة. ويحتمل أن يكون معنى ((ما ضَلَّ)) أَى ما جُنَّ ، فإِن المجنون ضالّ، وعلى هذا فهو كقوله تعالى ( مَاأَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(٥) ) الآية. فقوله : ( وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ كَمْنُونٍ(٦) )، إِشارة إلى أنه ما غَوَى بل هو رشيد مُرْشِدٍ إِلى حضرة الله تعالى. وقوله: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٧) )، إِشارة إلى قوله هنا : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْحَوَى (٨)، فإن هذا خُلُقٌ عظيم. وقد أَشار قوله تعالى ((ما ضَلَّ)) إلى أنه على الطريق، ((وما غَوَى)) إشارة إلى أَنه على الطريق المستقيم (وَمَايَنْطِقُ عَنِ الْحَوَى) إلى أَنه مسلك الجادّة، ركب من الطريق ، فإِنه إِذا ركب متنه كان أَسرغ وصولاً إلى (١) سورة الأنعام آية ٧٦ . (٣) إضافة لضبط السياق . (٥) سورة القلم آية ٢ . (٧) سورة القلم آية ٤ . (٢) سورة الأعراف آية ١٤٦. (٤) سورة النساء آية ٦. (٦) سورة القلم آية ٣. (٨) سورة النجم آية ٣, - ٥١ - المَقْصِد، ويمكن أن يقال إِن قوله ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الَوى) دليلٌ على أنه ما ضَلَّ وما غَوَى ، وتقديره : كيف يَضِلّ أَو يَغْوِى وهو لا يَنْطِق عن الهوى ؟ وإِنما يضل من يتبع هواه ، ويدل عليه قوله تبارك وتعالى: ( ولا تَشَّبِعِ الْمَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ(١) ) . القرطبي : وقيل ما غوى ما خاب مما طلب [ والغَىّ الخَيْبة(٢)] قال الشاعر(٣): فَمَنْ يَلْق خيرًا يَحْمَدِ الناسُ أَمْرَه ومن يَغْوِ لا يَعْدَم على الغَىِّ لائما أى من خاب فى طلبه لامه الناس ، ثم يجوز أن يكون إخبارًا عما بعد الوحى ، ويجوز أن يكون إِخبارًا عن أحواله على التعميم، أَى كان أبدًا مُوَحِّدًا لله. وهو الصحيح . ابن القيم : نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله الضلال المُنَافى للهدى والغَىّ المنافى للرشد ، ففى ضمن هذا النفى الشهادة له بأنه على الهدى والرشد ، فالهدى فى علمه والرشد فى عمله ، وهذان الأَصلان هما غاية كمال العبد ، وهما سعادته وصلاحه ، وبهما وصف النبي صلى الله عليه وسلم خلفاءه، فقال: ((عليكم بسُنَّتِى وسُنَّة الخلفاءِ الراشدين المهديين من بعدى (٤) )). ((فالرَّاشد ضد الغاوى ، والمهدى ضد الضال وهو الذى زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ، لا يشتبه الراشد المهدى بالضالّ الغاوى ، إلا على أجهل الخَلْق وأعماهم قلبًا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية ، ورحم الله القائل(٥): وما انتفاعُ أَخى الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأُنوار والظُّلَمُ والناس أربعة أقسام: الأول: ضالٌّ فى علمه، غاو فى قصده وعمله، وهؤلاء سواد الخَلْق ، وهم مخالفو الرسل . الثانى : مهتد فى علمه غاوٍ فى قصده وعمله ، وهؤلاء هم الأُمة العَصِيّة ومَنْ تَشبَّه بهم ، وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به . الثالث : ضالٍ فى علمه(٦) ولكن ٣٣٤ظ قصده الخير وهو لا يشعر، الرابع: مهتد فى علمه راشدٌ فى قصده / وهم ورثة الأنبياء ، وهم وإن كانوا الأَقَلِّين عدداً فهم الأكثرون عند الله قَدْرًا، وهم صفوة الله تعالى من خَلْقه . (٣) قائله المرقش. (١) سورة ص آية ٢٦ . (٢) إضافة من تفسير القرطبى. (٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمى فى سننه والإمام أحمد فى مسنده . (٥) قائله المتنبى . (٦) فى الأصول: فى عمله والسياق يقتضى أن يكون: فى علمه. - ٥٢ - وتَأَّمَّلْ كيف قال تعالى: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ)، ولم يقل: محمدًا، تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم ، وهم أَعلم الخَلْقِ به وبحاله وأقواله وأَعماله ، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غَىٌّ ولا ضلال ، ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط . وقد نَبّه تعالى على ذلك بقوله : (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ(١))، وبقوله: ( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ(٢) ). السابع : فى الكلام على قوله : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى): قال [تعالى] أولاً: ((ما ضَلَّ)) و((وماغوى))، بصيغة الماضى، وعَبَّر هنا بصيغة المستقبل ، وهو ترتيب فى غاية الحُسْنِ ، أَى ما ضَلَّ حين اعتزلكم وما تعبدون حين اختلى بنفسه. وما ينطق عن الهوى الآن حيث أُرْسِل إليكم وجُعِل شاهدًا عليكم، فلم يَكُنْ أَولاً ضالاً ولا غاوياً، وصار الآن مُنْقِذًا من الضلالة وُمْرشِدًا وهاديًا، والله سبحانه وتعالى يصون من يريد إرساله فى صِغَره عن الكفر والمعايب، فقال تعالى: (( ما ضَلَّ)) فى صغره لأَنه لا ينطق عن الهوى . ابن عادل: ((فاعل ينطق إما ضمير النبى صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو الظاهر، وإما ضمير. القرآن كقوله تعالى : (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ(٣)). ابن القَيِّم : تَنَزَّه تعالى عن نُطْق رسوله صلى الله عليه وسلم عن أَن يَصْدُر عن هوىً ، وبهذا الكمال هداه وأرشده ، ولم يَقُل : وما ينطق بالهوى، لأَن نَفْىَ نُطْقِهِ عن الهوى أبلغ ، فإنه يتضَمَّن أَن نُطْقَه لا يصدر عن هوى ، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به ؟ فَتَضَمَّن نَفْىَ الأَمْرَيْنِ : نَفْىَ الهوى عن مصدر النُّطْقِ، ونَفْيَه عن النطق نفسه، فَنُطْقُه بالحق ، ومصدره الهُدَى والرشاد ، لا الغَيّ والضلال اللباب: قال النحاس: ((قول قتادة أَوْلَى وَتَكون)) ((عن)) على بَابِها أَى ما يَخْرُجُ نُطْقُه عن رأيه ، إنما هو بِوَحْى من الله تعالى، لأَن بَعْدَه (إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى(٤) ) . وقيل ؛ هو بمعنى الباء ، أَى ما ينطق بالهوى ، أى ما يتكلم بالباطل ، وذلك أنهم قالوا : إن محمدًا يقول من تلقاء نفسه )). المصباح: الهوى مقصور مصدر هَوِيتُه من باب تَعِب إِذا أَحْبَبْتَه (١) سورة المؤمنين آية ٦٩. (٣) سورة الجاثية آية ٢٩. (٢) سورة التكوير آية ٢٢ . (٤) سورة النجم آية ٤ . - ٥٣ - ٠ وعَلِّقْتُ به ، ثم أُطْلِقٍ على ميل النفس وانحرافها عن الشىء ثم استُعْمِل فى ميل مذموم فیقال اتّبعَ هواه)» . .. الإِمام البيهقى: ((وأحسن ما يقال فى تفسير الهَوَى أَنه المحبة ، لكن من النفس، يقال هَويتُهُ بمعنى أحببتُه. والحروف التى فى حَوِىَ(١) تدل على الدُّنْوّ والنزول والسقوط ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دَنِيَّة وتركت المعالى وتَعَلَّقت بالسفاسف فقد هَوَت فاختص الهوى بالنفس الأَمَّارة بالسوء )). الشعبى: ((إِنما سُمِّى الهوى هَوَّى لأَنه يَهْوِى بصاحبه)). وقال بعض الحكماء: ((الهوى إِله معبود ، له شيطان شديد ، يخدمه شيطان مَرِيد ، فمن عَبَد أَوثانه ، وأَطاع سلطانه ، واَّبَع شيطانه ، خَتَم الله تعالى على قلبه، وحُرِمِ الرَّشَادَ من رَبِّه، فأَصبح صريع غَيِّه ، غريقَ ذنبه ، وقال عَزَّ من قائل ( أَفَرَأَيتَ مَن اتَّخَذَ إِلهُ هَوَاهُ وأَضَلَّهُ اللهُ على عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، وَجَعَل عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً، فمن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (٢) وقال تعالى: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ(٣)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث مُنْجِيات وثلاث مُهْلِكات ، فالمنجيات : خشية الله فى السِّرّ والعلانية، والحكم بالعدل فى الرضا والغضب ، والاقتصاد فى الفقر والغِى، والمهلكات: شُحِّ مُطاع ، وهوى مُتَّبَع ، وإِعجاب المرء برأيه(٤))) . رواه البَزَّار عن أَنَس. وقال صلى الله عليه وسلم: ما تحت ظل السماء من إِله يُعْبَد من دون الله ، أعظم عند الله من هوَّى مُتَّبع(٥) )). رواه الطبرانى عن أبى أُمَامة. وقال بعض الحكماء: ((الهوى خادع الألباب، صادّ عن الصواب، يُخْرِج صاحبه من الصَّحِيح إِلى المعتلّ، ومن الصريح إِلى المُخْتَلّ، فهو أَعْمَى يُبْصِر، أَصم يسمع)). كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( حُبُّك الشىء يعمى (١) لتحديد الفرق فى مادة هوى بين معنى السقوط والمحبة نقول: هوى يهوى من باب ضرب هوياً أى سقط من أعلى إلى أسفل بفتح الهاء وضمها فى هوياً . وهوى يهوى من باب تعب وفرح هوى أى أحب . (٢) سورة الجاثية آية ٢٣. (٣) سورة القصص آية ٥٠. (٤) روى وإعجاب المرء بنفسه. انظر الجامع الصغير للسيوطى (حـ١ ص١٣٨) القاهرة سنة ١٣٧٣ ه (٥) فى رواية أبى أمامة قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى . وفى هذا المعنى روى شداد بن أوس عن النبى - صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والفاجر من اتبع هواها وتمنى على الله . - ٥٤ - ويُصِمّ(١))). وقال آخر: ((على قَدر بصيرة العقل يرى الإِنسان الأَشياء، فمن سلِمٍ عَقْلُه من الهوى يراها على حقيقتها ، والنفس الكَدِرَة المتبعة لهواها ترى الأشياء على طبعها . وقيل كان على خاتم بعض الحكماء: (( من غلب هواه على عقله افتُضِح )) . وقال ابن دُرَيْد فى مقصورته : وآفةُ العَقْلِ الهوى فَمَنْ عَلاَ على هواه عَقْلُه فقد نَجَا الثامن : فى الكلام على قوله تعالى : ( إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى). الإِمام الرازى: ((هذا تكملة للبيان، وذلك أن الله تعالى لما قال: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى ) كَأَنَّ قائلا يقول فَعَمَّ ذا ينطِقٍ ، أَعَن الدليل والاجتهاد ؟ فقال : لا ، إِنما ينطق عن حضرته تعالى بالوحى ، وهذا اللفظ أَبلغ من أَن لو قيل: هو وَحْىٌ يُوحَى . وكلمة ((إِنْ)) استُعْمِلَت مكان ((ما)) للنَّفْى، كما استُعْمِلت ((ما)) للشرط مكان ((إِنْ)). اللباب: (( يُوحَى صِفَةٌ لِوَحْى، وفائدة المجىء لهذا الوصف أنه يَنْفِى المجاز، أَى هو وَحْىٌ حقيقةً لا مُجَرَّد تسمية كقولك: هذا قَوْلٌ يُقَال . وقيل تقديره : يُوحَى إِليه ، ففيه مزيد فائدة)). ونقل القرطبى عن السجستانى أَنه قال: ((إِن شِئْتَ أَبْدَلْتَ (إِن هو إِلا وَخْىٌ يُوحَى) من ( ما ضَلَّ صاحِبِكُم) قال ابن الأَنبارى: وهذا غلط لأَن إِنْ الخفيفة. لا تكون مُبْدَلة من (( ما)) بدليل أنك لا تقول: والله ما قُمْتُ إِنْ أَنا لقاعد)). ابن القَيِّم: ((أَعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل ، أَى ما نطقه إِلا وَحْىٌ يُوحَى ، وهذا أحسن من قول مَنْ جعل الضمير عائداً إلى القرآن فإنه يَعُمُّ نُطْقَهُ بالقرآن والسُّنَّة، وأَن كليهما وَحْىٌ . قال الله تعالى: ( وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةِ(٢) ) وهما القرآن والسُّنّة . وروى الدارى عن يحيى بن أبى كثير قال: ((كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالسُّنَّة كما ينزل عليه بالقرآن )) . قلتُ وفى الصحيحين أَن رجلاً سأل النبى صلى الله عليه وسلم وهو بالجِعْرَانة(٣) [ فقال: يا رسول الله (٤) ] كيف ترى فى رجل أَخْرَم (١) رواه الإمام أحمد فى مسنده . (٢) سورة النساء آية ١١٣. (٣) ضبطها ياقوت فى معجم البلدان (جـ ٣ ص ١٠٩) قائلا: بكسر أوله إجماعاً، ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل الإيقان والأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء. (٤) زيادة من صحيح البخارى كتاب الحج باب غسل الخلوق جـ ٢ ص ٢٦٩. - ٥٥ - بِعُمْرَة بعد ما تَضَمَّح بالخَلُوق(١) ؟ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت(٢). فجاءه الوَحْى ، ثم سُرِّىَ عنه ، فقال : أَين السائل ؟ فجىء به فقال : انزع عنك الجُبَّة واغسل أَثَرِ الطِّيب(٣) واصنع فى عُمْرَتِك ما تصنع فى حِجَّتِك. وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو [ بن العاص ) رضى الله عنهما قال : كنتُ أَكتب كل شىء أَسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أُريد حِفْظَه، فنهتنى قريش وقالوا : تكتب كل شىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم [ بَشَر(٤) ] يتكلم فى [ الرضا(٤) و] الغضب. فأَمسكت عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، [ فأَوماً بأَصبعه إلى فيه (٤) ] وقال : ٣٣٥ظ ((اكتب فوالذي نفسي بيده / ما يخرج منى إلا حقاً)). وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنى لا أَقول إلا حقاً)). وقال بعض أصحابه: ((إِنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إِنى لا أَقول إلا حقاً)). وروى الإمام أحمد والطبرانى والضياء(٥) فى صحيحه عن أبى أُمَامَة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّة بشفاعة رجل مثل الْحَيَّيْن أَو مثل أَحد الحيَّيْن ربيعة ومُضَر. فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة ومُضَر ؟ قال: إِنِى ما أَقول إِلا ما أُقوَّلُه - الثانى بضم الهمزة وفتح القاف والواو المُشَدَّدَة - أَى ما يُقَوِّلُه الله لى من الوَحْى، ولهذا مزيد بيان فى أَبواب عِصْمَتِّهِ. الإمام الرازى: ((هو ضمير معلوم أو ضمير مذكور ، فيه وجهان : أَشهرهما أَنه ضمير معلوم، وهو القرآن، كأَنّه تعالى يقول (( ما القرآن إِلا وحى))، وهذا على قول من قال : ليس المراد بالنجم القرآن ، وأَما على قول من قال : هو الوحى فضمير مذكور . والوجه ( ١) الخلوق ضرب من الطيب. (٢) رواية البخارى: فسكت النبى ساعة . (٣) نص الحديث كما أخرجه البخارى: اغسل الطيب الذى بك ثلاث مرات ... إلخ. وفى تمامه: قلت لعطاء : أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مراتٍ. قال نعم . (٤) زيادة من سنن أبي داود نقلا عن تيسير الوصول لابن الديبع الشيبانى (ج ٣ ص ٦ القاهرة سنة ١٣٣١هـ). (٥ ) هو الضياء المقدسى . - - ٥٦ الثانى: أَنه عائد إلى مذكور ضِمْنًا، وهو قولُ النبى صلى الله عليه وسلم وكلامُه ، وذلك. لأَّن قوله تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى ) فى ضمنه النطق وهو كلامُ وقَوْلُ ، فكأنه تعالى: يقول : وما كلامُه ولا نُطْقُهُ إِلا وَحْى. وفيه وجه آخر ، وهو أَن قوله تعالى: ( وَمَا يَنْطِقُ عَزِ الهَوَى) رَدَّ على الكفرة حيث قالوا : قَوْلُه قَوْلُ كاهن، وقالوا : قَوْلُه قَوْلُ شاعر ، فقال تعالى: ( إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى)، وليس بقول شاعر كما قال تعالى: ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعٍِ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون(١))). وقوله تعالى: ((إِنْ هو إِلا وَحْىٌ يُوحَى))، أَبلغ من قول القائل : هو وَحْىٌ ، وفيه. فائدة غير المبالغة ، وهى أنهم كانوا يقولون : هو قول كاهن ، هو قول شاعر . والمراد نَفْى قولهم وذلك يحصل بصيغة النفى فقال: ما هو كما تقولون ، وزاد فقال : بل هو وَحْى . أَنوار التنزيل: ((احْتَجَّ بهذه الآية مَنْ لم يَرَ الاجتهاد للنبى صلى الله عليه وسلم . وأُجِيبَ عنه بأنه إذا أُوحِىَ إليه أَنْ يجتهد كان اجتهاده وما يُسْنَد إِليه واجباً وفيه نظر لأن ذلك حينئذ بالوحى)) . الطيبي: ((هذه الآية واردة فى أَمر التنزيل وليس فيها لمُسْتَدِلّ أَن يَسْتَدِلَّ شيئًا من أَمر الاجتهاد نفياً ولا إِثباتاً، لأَن الضمير فى ((هو)) للقرآن، بدليل من فَسَّر النجم بنجوم القرآن)). وبَسَط الكلام على ذلك، ثم أَورد حديث طلحة بن عبيد الله فى تأبير (٢) النخل ، وسيأتى مع الكلام عليه فى أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم . وقال الإِمام الرازى: (( القول بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجتهد خلاف الظاهر ، فإِنه فى الحرب اجتهد وحَرَّم ، قال الله تعالى: ( لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ (٣) )، وأَذِنَ ، " قال الله تعالى: ( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) (٤) . التاسع: فى الكلام على قوله تعالى: ((عَلَّمه شديدُ القُوَى)). النِّبْيَان: ((أَخبر تعالى عن وصف من عَلَّمَه بالوحى أنه مضادّ لأَوصاف الشيطان (١) سورة الحاقة آية ٤١ و٤٢ . (٢) من أبر النخل يأبره أبراً وإباراً وإبارة لقحه، وكذلك أبر النخل تأبيراً . (٣) من الآية الأولى من سورة التحريم. (٤) سورة التوبة آية ٤٣ . - ٥٧ - مُعَلُّمُ الضَّلَاَلَةِ والغَوَاية، وهذا نظير قوله تعالى ( ذِى قُوَّة عِنْدَ ذِىَ العَرْشِ مَكِين(١)) وفى وصفه بذلك تنبيه على أُمور : · الأول؛ أَنه بقوته يمنع الشياطين أَن تَدْنُو منه وأَن ينالوا منه شيئاً أو يزيدوا فيه أَو ينقصوا منه ، بل إِذا رآه الشيطان هرب منه ولم يَقْرَبْه . الثانى: أَنه ◌ُوالٍ لهذا الرسول الذى كَذَّبتموه ومعاضِدُ له ومُوَادٍ له وَنَاصِرٌ ، كما قال تعالى: ( فَإِنَّ الهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ(٢) ) الآية . ومن كان هذا القَوِىُّ وَلِيَّه ومن أَنصاره وأَعوانه ومُعَلِّمَه، فهو المَهْدِىُّ المنصورُ ، واللهُ هاديه وناصِرُه . الثالث : أَن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبَه ووَلِيَّه / جبريل ، ومن عادى ذا القوة والشدة فهو عرضة للهلاك . ٣٣٦و الرابع: أَنه قادر على تنفيذ ما أُمِر به بقوته فلا يعجز عن ذلك مُؤَادٍ له كما أُمِر )). السمين: ((فاعل عَلَّمه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو الظاهر . قال الماوردى والقرطبي إِنه قول الجميع إِلا الحَسَن، فإِنه فاعل، قال هو البارى تعالى لقوله عَزَّ وجَلَّ: ( الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ القُرآنَ(٣) ) ويكون ((ذو مِرَّة)) تمام الكلام)). اللباب: « يجوز أن تكون هذه الهاء للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الظاهر ، فيكون المفعول الثانى محذوفاً أَى علمه النبى صلى الله عليه وسلم الوحى أَى المُوحَى ، ويجوز أَن يكون للقرآن والوحى ، فيكون المفعول الأول محذوفاً أَى علمه النبى . الإمام الرازى: ((الأَوْلى أن يقال الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم، تقديره عَلَّم محمداً شديدُ القُوَى جبريل ، وحينئذ يكون عائداً إلى صاحبكم ، تَقْدِيرُه : ما ضَلَّ صاحبكم ، وشديدُ القُوَى هو جبريل ، أَى قواه العلمية والعملية كلها شديدة ، ثم فى قوله: ( شَدِيدُ القُوَى)) فوائد : الأُولى: أَن مدح المُعَلِّم مَدْحٌ للمُتَعَلِّم ، فلو قال : عَلَّمه جبريل ولم يصفه ما كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ظاهرة . (١) سورة التكوير آية ٢٠ . (٢) سورة التحريم آية ٤. (٣) سورة الرحمن آية ١ و٢. - ٥٨ - الثانية: أَن فيه رَدًّا عليهم بحيث قالوا: أَساطير الأَوَّلِين، فقال: لم يُعَلِّمه أَحَدٌ من الناس بل عَلَّمه شديدُ القُوَّى . الثالثة: فيه الوثوق بقول جبريل صلى الله عليه وسلم، ففى قوله تعالى: ((شديدُ القُوَى)) جميع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل على ما عرف ، وكذلك قوة الحفظ، فقال: ( شَديدُ القُوَى) ليجمع هذه الشرائط، فيصير كقوله تعالى: ((ذى". قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى العَرْشِ مَكِينَ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِين(١)) . اللباب: ((شَدِيدُ القُوَى من كافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهى غير حقيقية (٢)، هذا ما جزم به الزمخشرى وتابعوه)). وقال صاحب الكفيل: ((بل هى مضافة إلى مفعولها ، وبسط الكلام على ذلك ، والشديد البَيِّن القوة)). روى ابن عساكر عن معاوية بن قُرَّة - بضم القاف وتشديد الراء - رضى الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: (( مَا أَحَسْنَ مَا أَثْنَى عليك رَبُّك: ((ذِى قُوّةٍ عِنْدَ ذِى العَرْشِ مَكِين، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين)) ما كانت قُوَّتُكَ وما كانت أَمَانَتُكَ ؟ قال: أَما قُوَّتِى فإِى بُعِثْتُ إِلى مدائن لوط وهى أَربع مدائن ، وفى كل مدينة أربع مائة ألف مقاتل سوى الذرارى ، فحملتهم من الأَرض السفلى حتى سمع أَهلُ السماء أَصواتَ الدجاج ونُباح الكلاب، ثم هَوَيْتُ بهن فقلبتُهن. وأَما أَمانتى فلم أؤمر بشىءٍ فَعَدَوْتُه إِلى غيره )). وقال محمد بن السائب: (( من قوة جبريل أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الماء(٣) الأسود فيحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء حتى أَسمع أهل السماءِ نُبَاح كلابهم وصياح ديكتهم ، ثم قلبها ، ومن قوته أيضاً أنه أبصر إِبليس يكلم عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم على بعض عُقاب الأرض المقدسة فنفحه(٤) بجناحه نفحةً فألقاه فى أقصى جبل (١) سورة التكوير آية ٢٠ و٢١ . (٢) هكذا فى الأصول ويوضح هذه العبارة ما ذكره الزمخشرى فى الكشاف ( ج ٢ ص ٣٦٠) في تفسير ((شديد القوى)) إذ قال: ملك شديد قواه والإضافة غير حقيقية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها وهو جبريل عليه السلام . (٣) وفى رواية من الأرض السفلى بدلا من الماء الأسود. (٤) فنفحه بالحاء المهملة، نفح ينفح نفحاً من باب فتح ومن معانيها: ضرب تقول نفحت الدابة الرجل شربته بحد حافرها ، ونفح فلاناً بالسيف ضربه به ضربة خفيفة . - بالهند . ومن قوته هبوطه من السماء على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ، وصعوده إليها فى أسرع من طرفة عين )). العاشر: فى الكلام على قوله تعالى: ((ذو مِرّةٍ )). القرطبي : قال قطرب : تقول العرب لكل جَزْل الرأْى حصيف العقل ذو مِرَة ، قال الشاعر : عندى لكل مُخاصِمٍ ميزانُهُ قد كُنْتُ قبل لِقَاكُمُ ذا مِرَّةٍ وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله تعالى ائتمنه على وحيه إلى جميع رُسُله . الجوهرى : (( والمِرَّة القوة وشدة العقل، ورجل مرير أَى قوى ذو مِرَّة. قال(١): .. وحَشْوُ ثيابه أَسَدٌ مَريرُ ترى الرجل النحيف فتزدريه ابن القَيِّم: ((أَى جميل المنظر، حسن الصورة، ذو جلالة، ليس شيطانًا، أَقبح خلق الله تعالى وأَشوههم صورة ، بل هو من أجمل الخَلْق وأَقواهم وأَعظمهم أمانة ومكانة عند الله، وهذا تعديل لسند الوحى والنبوة، وتزكية له ، كما ذُكِر نظيرُه فى سورة التكوير ، فَوَصَفَه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته . وهذه كانت أَوصاف الرسول البشرى والملكى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأصفاهم نفساً . الإِمام: ((فى قوله: ((ذو مِرّة)) وجوه: الأَول: ذو قوة، قلت ورواه الفَرْيَابِى عن مجاهد ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تَحِل الصدقةُ لغَنِىّ ولا لذى مِرَّةٍ سَوِىّ(٢) )). رواه الإمام أحمد(٣) . الثانى: ذو كمال فى العقل وفى الدين جميعاً . الثالث: ذو منظرٍ وهيبةٍ عظيمة. الرابع: ذو خُلُقٍ حَسَن )). قلت زاد الماوردى خامساً: ذو غَنَاءِ . (١) قائله هو العباس بن مرداس السلمى. (٢) فى النهاية لابن الأثير (ج ٤ ص ٨٨) المرة القوة والشدة والسوى الصحيح الأعضاء. (٣) وكذلك رواه الترمذى. - ٦٠ -