Indexed OCR Text

Pages 501-520

◌ُلِح : بفتح الطاء المهملة وكسر اللام : فعل ماض أَى أَعْيًا :
نهمَهُ : زجره .
الحِبَرة : ضرب من بُرود اليمن .
هكذا عن الرجل : قال أبو ذر: هكذا : هنا اسم سِّى به فعل ومعناه : تنحوًا ولا
يحتاج معه إلى زيادة خُلُّوا. وقال فى الرَّوْض: هكذا كلمة معناها الأَمر بالتنخِّى فليس
يعمل فيها ما قبلها كما يعمل إذا قلت : جلست هكذا . أَى على هذه الحال وإن كان
لابد من عامل إذا جعلتها للأمر لأنها كاف التشبيه دخلت على ذا وهاء التنبيه ، فيقدَّر
العامل إذن مضمرا كأنك قلت: ارجعوا هكذا وتأَخَّروا هكذا واستغنى بقولك: ((هكذا)).
عن الفعل [ كما استغنى (١)] برويدًا عن ارْفُقْ ..
سال الوادى بالناس : أَى امتلأَّ كامتلائه من السَّيْل فى كثرتهم وسرعة مَشْيهم .
(١). زيادة يقتضيها السياق.
-٥٠١ -"

الباب الثامن عشر
فى دخول بنى هاشم وبنى المطّلب بنى (١) عبد مناف الشِّعْب
وكتابة قريشٍ الضخيفةَ الظالمة
قال أَبو الأَّسود والزُّهْرى وموسى بن عُقْبة وابن اسحاق : إِنّ قريشا لما رأت أصحابه
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدًا. أَصابوا فيه أَمْنًا وقرارًا، وأَن النجاشى قد
منع من لجأً إليه منهم ، وأَن عمر قد أسلم ، وكان رجلاً ذا شكِيمة لا يُرَام ما وراء ظهره
امتنع به أَصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى عازُّوا قريشا فكان هو وحمزة
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل الإِسلامُ يَفْشُو فى القبائل . فأجمعوا
رأيهم واتفق رأيهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد أَفسدَ علينا أبناءنا
ونساءنا فقالوا لقومه : خذوا منّا دِيَةً مضاعفة وليقتله رجلٌ من غير قريش ويريحنا وتريحون
أَنفسكم . فأَبى قومُه بنو هاشم من ذلك وظاهرهم بنو المطَّلب بن عبد مناف .
فلما عرفت قريشٌ أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعَه قومُه فأَجمع المشركون
من قريش على مُنَابذتهم وإخراجهم من مكة إلى الشِّعْب وأجمعوا وائتمروا أَن يكتبوا كتابا
يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب على ألا يُنْكحوهم ولا يَنْكحوا إليهم ولا يبيعوهم
شيئًا ولا يبتاعوا منهم، ولا يَقْبلوا منهم صُلْحا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يُسْلموا رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم للقتل .
فلما اجتمعوا لذلك كتبوا صحيفةً ثم تعاهدوا وتعاقدوا على ذلك .
والذى كتب الصحيفة : قال ابن اسحاق : منصور بن عكرمة . قال ابن هشام :
ويقال النضر بن الحارث . فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلَّت بعض أَصابعه .
(٢) ط : ابن عبد مناف.
- ٥٠٢ -

وقال غيره : بغيض بن عامر . فشُلَّت يده . وقال غيره : هشام بن عمرو بن الحارث
العامرى وأسلم بعد ذلك .
ويُجْمع بين هذه الأقوال باحتمال أن يكون كتب بها نُسَخ .
ثم علَّقوا الصحيفة فى جَوْف الكعبة توكيدًا على أنفسهم وقطعوا عنهم الأسواقَ ولم
يتركوا طعاما ولا إِداما ولا بَيْعا إِلا بادروا إِليه واشتروه دُونَهم .
فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطّلب إلى أبى طالب فدخلوا معه فى
شِعْبه مُؤْمنهم وكافرهم ، فالمؤمن دِينًا والكافر حَمِيَّةً .
وخرج من بنى هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم ولقى هند بنت عتبة بن ربيعة حين
فارق قومه وظاهر عليهم قريشًا. فقال : يا بنت عتبة هل نصرتُ اللات والعزّى وفارقتُ
من فارقها وظاهرَ عليها ؟ قالت : نعم جزاك الله خيرًا يا أَبا عتبة .
وروى البلاذُرىّ عن ابن عباس قال: حُصِرْنا فى الشِّعْب ثلاثَ سنين وقطعوا عنها
المِيرةَ حتى إن الرجل ليَخرج بالنفقة فما يُبَايَع حتى يرجع ، حتى هلك من هلك(١) .
وقال أبو طالب فيما صنعت قريش من ذلك واجتمعوا له :
أَلا بلِّغا عنِّى على ذات بَيْننا
ألم يعلموا أَنَّا وجَدْنا محمدًا
وأَن عليه فى العباد محبةً
وأَن الذى لَصَّقِمْ فى كتابكم
أَفِيقوا أَفِيقوا قبل أَن يُحفر الثَّرى
لُؤَيَّ وخصا من لؤى بنى كعبٍ
نبيًّا كموسى خُطَّ فِى أَوَل الكُتْبِ
ولا خير مِمَّن خصَّه الله بالحُبِّ
لكم كائن نَحْسًا كراغيةِ السَّقْبِ
ويُصْبح من لم يَجْن ذَنْبًا كذِی ذَنْبِ
أَواصرنا بعدَ المودة والقُربِ
ولا تَتْبعوا أَمرَ الوشَاةِ وَتَقْطَعوا
أَمرَّ على من ذَاقِه حَلَبِ الحربِ
لِغَزَّاء من عَضِّ الزمان ولا كَربِ
وتستجلبوا حَربًا عَوانًا وربما
فلسنا وربِّ البيت نُسْلم أَحمدًا
(١) أنساب الأشراف ٢٣٤/١. وفيه: فما يباع. وعلق عليها المحقق بقوله: ((كذا فى الأصل، لعله: يباع منه.
أو يبتاع)). وما هنا صحيح لا يحتاج إلى التقدير.
- ٥٠٣ -

ولمَّا تَبِنْ مِنَّومنكم سوالفٌ
بمعترك ضَنْكٍ(١) ترَى كِسَرِ القَنَا
كأَن مجالَ الخيل فى حَجراته
أَليس أبونا هاشمٌ شَدَّ أَزْرَه
ولَسْنا نملُّ الحربَ حتى تملَّنا
ولكننا أَهلُ الحفائِظِ والنُّهى
وأَيْدٍ أثرت بالقُسَاسِيَة الشُّهْب
به والنسُّورَ الطُّخْم يَعْكفنَ كالشَّرب
ومَعْمَعَةِ الأَّبطال معركة الحربِ
وأَوْصَى بَنيه بالطُّعان وبالضَّربِ
ولا نشتكى ما إِن يَنُوب من النكْبِ
إِذا طار أرواحُ الكُمَاة من الرُّعب
#
قال ابن اسحاق وغيره : فأَقاموا على ذلك .. ثلاثَ سنين حتى جَهِدوا، لا يصل إليهم
شىء إِلا سرًّا مستخفيًا به من أراد صِلتهم من قريش .
وقد كان أبو جهل لقى حكيمَ بن حِزَام معه غلام يحمل قمحًا يريد به عمته
خديجة وهى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشِّعب ، فتعلَّق به وقال: أَتذهب بالطعام
إلى بنى هاشم ؟ ! لا تذهب أَنت وطعامك حتى أَفضحك بمكة . فقال له أبو البَخْترىّ
ابن هشام بن الحارث -وهلَك كافرا - : طعامٌ كان لعمّته عنده أَفتمنعه أن يأتيها بطعامها ؟
خَلِّ سبيل الرجل . فأَبِى أَبو جهل حتى نال كلُّ واحد منهما من صاحبه فأَخذ أَبو البخترى
لَحْىَ بعير فضربه به فشجَّه ووَطِئِه وَطْئًا شديدا ، وحمزةُ بن عبد المطلب قريبُ يرى ذلك
وهم يكرهون أَن يَبْلِغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم(٢).
وكان أبو طالب فى طُول مدتهم فى الشِّعب يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتى
فراشه كل ليلة حتى يراه من أَراد به شرا أو غائلة فإِذا نام. أمر أَحد بنيه أَو إِخوته أَو بنى
عمِّه فاضطجع على فراشٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَمرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
أَن يأتى بعضَ فُرشهم فيرقد عليه .
فلم يزالوا إلى تمام ثلاث سنين .
(١) ت، م : ضيق.
(٢) سيرة ابن هشام ٣٥٢/١ - ٣٥٤.
- ٥٠٤ -

وبعث الله تعالى على صحيفتهم الأَرَضة فأكلت أو لحسَتْ ما فى الصحيفة من عَهْد
وميثاق- وفى رواية أنها لم تترك فى الصحيفة اسمًا الله إلا لحسَتْه وأَبقت ما كان من شِرْك أَو
ظُلْمٍ أَو قطيعة .
وَأَطْلَعِ الله سبحانه وتعالى رسولَه على ذلك فذكره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعمه
أبى طالب ، فقال عمه أبو طالب: أَرَبُّك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم . قال : فوالله ما يدخل
عليك أَحد - وفى رواية قال : لا والثواقِب ما كذَبْتنى فانطلق بعصابة من بنى هاشم وبنى
المطلب حتى أتوا المسجد وهم خائفون لقريش ، فلما رأتهم قريش فى جماعة أَنكَّروا ذلك
وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليُسْلموا رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم برُمَّته إلى قريش ،
فتكلم أبو طالب فقال : جرت أُمورٌ بيننا وبينكم لم نذكرها لكم ، فأتوا بصحيفتكم التى
فيها مَواثيقكم فلعله أن يكون بَيْننا وبينكم صُلْح. وإنما قال ذلك أَبو طالب خشية أن ينظروا
فى الصحيفة قبل أن يأتوا بها. فأتوا بصحيفتهم مُجْمعين لا يشكُّون أَن رسول الله
صلى اله عليه وسلم يُدْفَع إليهم ، فوضعوها بينهم وقالوا لأُبى طالب: قد آن لكم أَن
ترجعوا عما أَحْدَثتم علينا وعلى أنفسكم . فقال أبو طالب : إنما أُتيتكم فى أَمرٍ هو نصف
بَيْننا وبينكم : إِن ابن أَخِى أَخبرنى ولم يَكْذِبنى أَن هذه الصحيفة التى فى أَيديكم قد
بعث الله تعالى عليها دابَّة فأَبقت اسمَ الله وأكلت غَدْركم وتظاهركم علينا بالظّم - وفى
رواية : فلم تترك فيها اسمًا لله تعالى إلا لحستْه وتركت غَدْركم وتظاهركم علينا بالظلم
فإن كان كما يقال فلا والله لا نُسْلمه حتى نموت من عند آخرنا ، وإِن كان الذى يقول
باطلاً دفعنا إليكم صاحبنا فقتلم أَو استَحْيَيْتم . فقالوا : قد رضينا بالذى تقول. ففتحوا الصحيفة
فوجدوا الصادقَ المصْدوق صلى الله عليه وسلم قد أَخْبَر بخبرها قبل أن تُفْتح.
فلما رأت قريش صِدْق ما جاء به أبو طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :
هذا سحرُ ابن أَخيك .. وزادهم ذلك بغياً وعدوانا. فقال أُولئك النفر من بنى هاشم وبنى
المطلب : إِن أَوْلاَنا بالكذب والسحر غَيْرُنا ، فإِنا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا
أَقْرَب إلى الجِبْت والسِّحر .
وقال أبو طالب: يا معشر قريش عَلام نُحْصَر ونُحْيَس وقد بان الأمر وتبيَّن أَنكم
- ٥٠٥ -

أُوْلَى بالظلم والقطيعة والإِساءة . ثم دخل هو وأصحابه بين أَستار الكعبة فقال : اللهم
انصرنا على من ظَلمنا وقطَع أَرجامنا واستحل ما يَحْرُم عليه منا. ثم انصرفوا إلى الشِّعْب.
وكان أبو طالب لما خاف دَهْماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته اللامية التى
تعوَّذ فيها بحَرم مكة وبمكانه منها وتودَّد إِلى أَشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم
فى ذلك من شِعْره أنه غير مُسْلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لشىء أَبدا حتى يَهْلَك دُونه .
وقد أَوردها ابن إسحاق وأَبو هَفَّان عبد الله بن أحمد المهزمى(١) فى جمعه لشعر أَبِى
طالب بكماله وزاد على ابن إسحاق أبياتا كثيرة فى أماكن متعددة ، وقد أَوردتُ هنا
خلاصة ما ذكراه وهى :
بِصَغْوَاءٍ فى حقٍّ ولا عند باطل
خَلِيلَّ ما أُذْنِى الأَول عاذلٍ
ولا نَهْنِهِ عند الأُمور البَلابلِ
وقد قطَعوا كل العُرَى والوسائِلِ
وقد طاوعوا أَمَرَ العَدّ المزايلِ
يَعُضُّون غيظًا خَلْفَنا بالأَّناملِ
وأَبيض عَضْبٍ من تراث المقاولِ
وأَمسكت من أَثوابه بالوصائِلِ
لدى حيث يقضى خَلْفه كلُّ نافلٍ
علينا بسوءٍ أَو مُلحِّ بباطلٍ
ومِنْ مُلْحق فى الدِّين مالم نحاولِ
وراقٍ لَيَرْقَى حِرَاء ونازلٍ
وباللهِ إِن الله ليس بغافلٍ
إِذا اكتنفوه بالضُّحَى والأَّصائِلِ
خلِيلَّ إِن الرأى ليس بشركة
ولما رأَيتُ القومَ لأُدَّ عندهم
وقد صارحونا بالعداوة والأَذى
وقد حَالفوا قومًا علينا أَظِنَّةً
صبرتُ لهم نفسى بسمراء سَمْحة
وأَحْضرت عند البيت رَهْطى وإخوتى
قياما معًا مستقبلين رتاجَه
أعوذ برب الناس من كل طاعنٍ
ومن كاشح يَسْعِى لنا بمعيبةٍ
وثَوْرٍ ومن أَرْسَى ثَبِيرًا مكانه
وبالبيت حقِّ البيت من يَطْنمكة
وبالحَجر الأسود إِذ يَمسحونه
(١) المهزمى: عبد الله بن أحمد بن حرب المهزمى العبدى، أبو هفان، راوية عالم بالشعر والأدب، أخذ عن
الأصمعى وغيره. الباب ١٩٤/٣. ولسان الميزان ٢٤٩/٣.
- ٥٠٦ -

وَمَوْطِئُ إِبراهيم فى الصخر رطبةٌ
ومن حَجَّ بيت الله من كلِّ راکبٍ
فهل بعد هذا من مَعاذٍ لعائد
يطاع بنا العِدَّى وودُّوا لوأنّنا
كذَبْمَ وبيتِ الله نترك مكةً
كذبتم وبيت الله نبزى محمدًا
ونُسْلمه حتى نصرَّعِ حولَه
وينهض قومٌ فى الحديد إليكم
وحتى نرى ذا الضِّغْزیر کبردعه
وإِنَّا لِعَمْر الله إِن جَدَّ ما أَرى
بكَفَّىْ فَتِى مثل الشهاب سَمْيدع
وما تَرْكِ قومٍ لا أَبالك سيدًا
وأَبيض يُسْتسقى الغمام بوجهه
يَلُوذ به الهلاك من آل هاشمٍ
جزى الله عنا عبدشمس، ونوفلاً
بميزان قط لا يخيس شعيرةٌ
ونحن صميمٌ من ذؤابة هاشم.
فكل صديق وابن أُخت نعدّه
سوى أَنّ رهطًا من كلاب بن مُرَّة
ونعم ابن أُخت القوم غير مكذَّب
أُشمّ من الشم البهاليل يَنْتمى
لِعَمْرى لقد كلِّفت وَجْدا بأَحمد
فلا زال فى الدنيا جمالاً لأَ هلها
فَمِنْ مثله فى الناس أَّ مُؤَمَّل
حليمٌ رشيد عادلٌ غير طائِش
على قدميه حافيًا غير ناعسلٍ
ومن كل ذى نَذْرومن كل راجلٍ
وهل من مُعيذٍ يتقى الله عاذلٍ
تُسَدُّ بنا أَبوابُ تُرْك وكابلٍ
ونَظْعِنَ إِلا أَمْركم فى بَلابِلِ
ولما نطاعِنْ حَوْله ونُنَاضِل
ونَذْهل عن أبنائِنا والحلائِل
نهوض الرَّوايا تحت ذات الصلاصلِ
من الطَّعْن فعل الأَنْكب المتحاملِ
لِتَلْتَبِسَنْ أَسيافُنا بالأَّ مَائِلِ
أَخى ثقة حامى الحقيقة باسلٍ
يَخُوطِ الذِّمار غير ذَرْب مواكلٍ
ثِمال اليتامَى عصمةٌ للَّراملِ
فهم عنده فى نعمةٍ وفواضلٍ
عقوبة شَرّ عاجلاً غير آجلٍ
له شاهد من نفسه غير عائِلٍ
وآل قُصَىّ فى الخطوب الأَوائِلِ
لِعَمْرى وجدنا غِبَّه غير طائِلٍ
بَرَاء إِلينا من مَعَقَّة خاذلٍ
زُهَيْ حسامًا مُفْردًا من حمائِلٍ
إلى حَسب فى حَوْمة المجد فاضلٍ
وإخوته دأب المحبِّ المواصلِ
وزيْنًا على رغم العدو المخاتلِ
إِذا قاسِه الحكَّامُ عند التفاضلِ
يوالى إلهًا ليس عنه بغافلٍ
. ٥٠٧-

وَأَظْهُر دينًا حقُّه غير ناصِلٍ
فَأَيَّده ربُّ العباد بنَّصْره
تجرّ على أشياخنا فى القبائِل
فوالله لولا أَن أَجىء بسُبَّة
من الدهر جدًّا غير قول التهازل
لكنا اتبعناه على كل حالة
لدينا ولا يُعْنى بقول الأَّباطلٍ
لقد علموا أن ابننا لا مكذَّب
يقصّر عنها سَوْرة المتطاولِ
فأَصبح فينا أَحمدٌ فى أُرُومة
حَدبتَ بنفسى دُونه وحَميْته
ودافعت عنه بالذُّرَى والكلاكِلِ
والقصيدة طويلة جدا وهذا الذى ذكرته منها عَيْنها . قال الحافظ عماد الدين ابن كثير:
وهى قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع أن يقولها إلا من نُسبت إليه وهى أَنْحَل من
المعلّقات السَّبع وأبلغ فى تأدية المعنى(١) ، ذكر فيها ما يتعلق بالصحيفة الظالمة التى كتبتها
قريش، والأَشْبه أن أبا طالب إنما قالها بعد دخولها الشعب فذكرها هنا أنسب . انتهى .
تَنْبِهَاتُ
الأول : تقدم الخلاف فى كتابة الصحيفة، وجمع بين الأقوال باحتمال أن یکون کل ممن
ذُكر كتب بها نسخة
الثانى: فى رواية: أَن الأَرضَة لحست اسمَ الله تعالى وأبقت ما عداه . وفى رواية: لحست
ما فيها من ظلم وجَوْر وأبقت اسم الله تعالى. وجُمع بين الروايتين: بأنهم كتبوا نُسخًا
فأكلت الأرضة من بعض النسخ اسمَ الله تعالى إشارة إلى أنه تعالى كرِه فعلهم ذلك فلم
تترك اسمه مع ذكر ظلمهم ، وأَكلت من بعض النسخ ما عَدا اسمَ الله تعالى إِشارة إِلى أَنه
تعالى لم يرض هذا الفعل . والله أعلم بحقيقة ذلك .
(١) سيرة ابن كثير ٤٨٦/١ - ٤٩١. وقال ابن هشام: وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.
- ٥٠٨ -

الثالث : فى بيان غريب ما تقدم .
الشِّعْب: بكسر الشين المعجمة : وهو الطريق فى الجبل ومَسِيل الماء فى بطن أرض ،
والمراد به هنا شِعْب بنى هاشم بن عبد مناف ، فقسَّمه بين بنيه حين ضعف بصره وصار
للنبي صلى الله عليه وسلم حظُّ أَبيه ، وهو كان مَنْزل بنى هاشم غير مساكنهم ، وهو الذى
يعرف بشعب ابن يوسف. قاله فى المطَالع .
قال فى النور: وقوله ((صار إليه حظُّ أَبيه)) فيه نظر لأَن أَباه توفى قبل جده عبد المطلب
فلم ينتقل لعبد الله شىء حتى يقال إنه ورثه عليه الصلاة والسلام ، وحين توفى عبد المطلب
حُجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولاده ، هذا شرعنا وما أَظنهم كانوا يخالفون ذلك .
ويحتمل أنه وصل إليه حظ أبيه بطريق آخر .
دِيَة مضاعفة : الدية مائة من الإبل معروفة . والمضاعفة : قال الخليل : التضعيف
أَن يزاد على أصل الشىء فيجعل مثلين أو أكثر .
ظاهرَهم : عاونهم .
مُنَابذتهم : نَقْضهم العهد .
ذات بيننا : وصلنا .
ولا خير ممن خصه الله بالحب : خير مخفف من خيرٌّ كَهَيْن ومَّيْت . وممن متعلق
بمحذوف كأَّنه قال لا خير أَخْيَر ممن خصه الله بالحب .
السَّقْبُ : بسين مهملة مفتوحة فقاف ساكنة فباء موحدة وهو من الرُّغَاء وهو أصوات
الإِبل . والسَّقْب: ولد الناقة، وأُراد به هنا ولد ناقة صالح صلى الله عليه وسلم التى عَقَرها
قُدَار، فرغًا ولدُها وصاح برغائِه كلُّ شيءٍ له صوت ، فهلكت ثمودُ عند ذلك فضربت العرب
ذلك مثلاً فى كل مَلكة .
الأواصر : بالصاد والراء المهملتين : أسباب القرابة والمودة .
٠ ٥٠٩ ٣

1
حَرْبا عَوانا : أَى قوتل فيها مرارا .
لِعِزَّاء : بعين مهملة مكسورة أَى لشدة .
عَضُّ الزمان : شدته .
السوالف : بسين مهملة مفتوحة وفاء : صفحات الأعناق .
أُثِرَّت : بضم الهمزة وكسر المثناة الفوقية وفتح الراء المشددة فتاء تأنيث : أَى قُطعت
القُسَاسِيَّة : بقاف مضمومة فسين مهملة فألف فسين أُخرى مكسورة : سيوف منسوبة
إلى قُسَاس وهو جبل فيه معدن الحديد .
المعترَك . موضع الحرب .
ضَنْك : بضاد معجمة مفتوحة فنون ساكنة فكاف : أَى ضيق .
الطَّخْم : بطاء مهملة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة : التى فى لونها سواد .
يَعْكفن : يقمِن ويلازمن .
الشَّرب : بشين مشددة مفتوحة فراء ساكنة : الجماعة من القوم يشربون .
الحُجَرات : بحاء مهملة مضمومة وجيم فراء مفتوحتين .
المعمَعمة : بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فميم فعين أُخرى مفتوحتين ، وهى الأصوات
فى الحرب وغيرها .
الجُرْب : بضم الجيم وسكون الراء : الإِبل التى بها جَرب فهى تحكّ بعضها بعضا .
أَزْره : بهمزة مفتوحة : وهى القوة والظهر أيضا أَى ظهره .
الحفائظ : بالحاء المهملة : جمع حفيظة وهى الغضب فى الحرب .
النُّهَى : بضم النون : العقول .
الكُمَاة : بضم الكاف : الشجعان .
الرُّعْب : الفزع .
الأَرضَة : بفتح الهمزة والراء والضاد المعجمة الساقطة فتاء تأنيث : دُوَيّبة تأكل
الخشب .
- ٥١٠ -

التواقب : النجوم ، جمع ثاقب وهو النجم المضىء.
ما كَذَبْتَنِى : بتخفيف الذال المعجمة أى ما حدثتنى بحديث كذب .
العِصَابة : بكسر العين : الجماعة .
برُمَّته: بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة : قطعة من حَبْل بالية ، والجمع رِمَم ورِمَام ،
وأَصله أَن رجلا دُفِع إلى عدوه بحبل فى عنقه فقيل ذلك لكل من دفع شيئا بجملته .
مُعْجَبين : بفتح الجيم .
نَصَف: بفتح النون والصاد المهملة: وهى فى الأَصل المرأة بين الحَدثة والمِنَّة أَى
فى أمر وسط بيننا وبينكم لا فيه خَيْف علينا ولا عليكم .
تفسير غريب قصيدة أبى طالب اللامية .
خليلىّ : تَغْنية خليل ، وهو منادى مضاف حذف منه حرفه .
تَصْغو : بصاد مهملة وغين معجمة مائلة .
نَهْنه : يقال : نَهْنَهْتُ الرجلَ إِذا كَفَفْته .
والبلابل بموحدتين: الأُمور المهمّة .
العُرَى : جمع عروة . وأَراد بها ها هنا العهود .
الوسائل : جمع وسيلة وهى القُرْبة يقال: وَسَل إلى ربه وسيلةً إِذا تقرّب بعمله إِليه ،
والوسيلة : المنزلة عند الملِك .
صارَحُونا : واجهونا مكافحة .
المزايلِ : المحاوِل المعالج .
حالَفوا : عاهدوا .
أَظنة : جمع ظَنِين وهو المتهم .
الأَّنامل : أَطراف الأصابع .
بسمراء سمحة : يعنى قناة تسمح بالانعطاف عند هَزِّها .
العَضْب : بالعين المهملة والضاد المعجمة : القاطع .
- ٥١١ -

تراث: أصله وُرَاث من ورثتُ ، ولكن لا تُبْدل هذه الواو ياء إلا فى مواضع مخصوصة
والتراث : مال قد يورث وتوارثه قومٌ عن قوم .
المَقَاول : بالقاف: الملوك بلغَة حِمْير. ويقال: الذين يَخْلفون الملوك إِذا غابوا (١).
رَهْطَى : قومى وقبيلتى .
الوصائل : ثياب حُمْر فيها خطوط كان البيتُ يُكْسَى بها .
الرِّتَاج : هنا بكسر الراء : والمراد به هنا الباب .
لَدى : بمعنى عند .
نافل : بالنون والفاء : أَى كل مُتَبرِّئ يقال: انتفل من كذا أَى تبرأً منه ، فاستعمل
اسم الفاعل من الثلاثى غير المزيد قال الأعشى : لا تَلْفَنا من دماء القوم نَنْتفلُ(٢).
ثَور : بثاء مثلثة وراء .
أَرْسَى : أُثبت .
وثبيرا : بثاء مثلثة مفتوحة فباء موحدة مكسورة فمثناة تحتية فراء .
وحِرَاء : بكسر الحاء : وتقدم الكلام عليه فى باب بدء الوحى . والثلاثة جبالٌ بمكة .
راق : صاعد .
لبرُّ: من البرّ . وفى بعض التصانيف ليَرقَى من الرقّى وصححوا الأُولى وقالوا : الثانيةُ
تصحيف ضعيف المعنى ، فإِنه معلوم أن الراقى يرقى وإنما هو لبرٌّ أَى فى طلب بَرّ وهو خلاف
الإِثم. أَقْسَم بطالب البرِّ بصعوده فى حراء المتعبدّ فيه وبالنازل منه .
نازل : من النزول .
مُلِحّ: مُجْحف يقال : أَلحَّ على الشىء إِذا أقبل عليه مواظبا .
الكاشح : العدوّ .
بمعيبة : بالعين المهملة : أَى مَنْقَصة .
(١) ط : إذا قاموا.
(٢) ديوان الأعشى ص ١٤٩ ( ط صادر ) ونصه :
لئن منيت بنا عن غب معركة
لم تلفنا من دماء القوم تنتفل
- ٥١٢ -

وبالحجر الأسود . فيه زحاف ويسمى الكفّ، وهو حذف النون من مَفَاعلن وهو بعد الراء
من الأسود (١).
ما لم يحاول: يريد
اكتنفوه : أحاطوا به ، وفى رواية : كثفوه بناء مثلثة بعد الكاف : ازدحموا عليه من
الشىء الكثيف وهو الملتفّ.
الأصائل: والأُصُل بضمتين جمع أصيل وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب .
ومَوْطِئْ إِبراهيم فى الصخر رَطْبة : يعنى موضع قدميه حين غسلت امرأة ابنه رأسَه
: وهو راكب فاعتمدَ بقدمه على الصخرة، أَبقى الله تعالى أَثَر قدمه آيةً. وقيل بل هو أَثر
قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه .
وتُراء : بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الراء . وكابل بضم الباء الموحدة : جيلان من
:
العجم .
نَظْعن : بظاء معجمة مشالة : نرحل .
فى بلابل : يروى بمثناتين فوقيتين أى فى حركة واضطراب وبموحدتين أى فى وساوس
الهموم ، واحدها بَلْبال .
نُبْزَّى : بنون مضمومة فباء موحدة ساكنة فزاى مفتوحة : معناه نُسلَب ونُغْلَب عليه .
تناضل : نرامى بالسهام .
نَذْهِلِ : نَغْفل .
الحلائِل : الزوجات ، واحدها حليلة .
الرَّوايا : جمع راوية : الإِبل التى تحمل الماء .
الصلاصل : بفتح الصاد المهملة الأولى وكسر الثانية : بقية الماء .
(١) كذا بالأصل.
- ٥١٣ -
(٣٣ - سبل الهدى والرشاد ج ٢)

الصّغْن : بكسر الضاد وسكون الغين المعجمتين : العداوة .
يركب رَدْعَه : براء مفتوحة فدال ساكنة فعين مهملتين أَى يسقط على وجهه فى
دمه . الطَّعْن بفتح الطاء وسكون العين المهملتين .
الأَنكَب : المائِل إلى جهة .
المتحامل : المائِل عن الحق .
لَعَمْر الله : بفتح العين : بقاء الله .
جَدّ : بجيم فدال مهملة : عَظُم .
بالأَّماثِل : بالخيار من القوم .
سَمَيْدَع : بفتح السين المهملة لا بضمها : السيِّد .
الحقيقة : بحاء مهملة وقافين بينهما مثناة تحتية ما يحقّ على الرجل أن يحميه .
باسل : شجاع كريم .
لا أَبالك: ويقال لا أَبًا لك وهو مَدْح.
الدِّمَار : بذال معجمة مكسورة : ما يلزم الرجلَ حمايتُه والدفعُ عنه ويُلَام على
إضاعته .
الذَّرْب : بدال معجمة تفتح وتكسر : الفاسد.
مُوَاكل : أَى يتوكل على غيره.
ثمال البتامَى : أَى قائم بمصالحهم وغياتهم.
عصمة للأرامل : يمنعهن من الضياع والحاجة .
يلوذ : يلجأ .
الهُلأَّك : بضم الهاء وتشديد اللام .
غير عائل : مائِل عن الحق .
الصَّمِيم وزان كريم : الخالص . وصميم القلب وسطه .
- ٥١٤

من ذؤابة هاشم : الذؤابة بضم الذال المعجمة وبالهمزة وقد تبدل واوا وهى فى الأصل
الشّعر المضغور منْ شعر الرأس . وذؤابة الجبل : أعلاه ثم أستعير للشرف والمرتبة .
الخطوب : جمع خَطْب وهو الأمر الشديد .
غِبَّه : بغين معجمة مكسورة فموحدة أى عاقبته .
غير طائل : أَى غير رفيع ولا نَفِيس. وأَصل الطائل النفع والفائدة، وهذا اللفظ
يقال للشىء الخسيس مشتق من الطَّوْل .
الرَّحْط : بسكون الهاء وتفتح : دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة أو منها إِلى
الأَ ربعين.
برَاء : بموحدة مفتوحة فراء فمد فهمز أَى برىء عن مساوئه .
المعقَّة : العقوق .
الخاذل : بالخاء والذال المعجمتين : تارك النَّصْرة والإِعانة .
أشمّ : بالشين المعجمة : عزيز .
البهاليل : السادة واحدهم بُهْلول بضم الموحدة وسكون الهاء .
الحَوْمة : بفتح الهاء المهملة : من كل شىء معظمه .
الوجْد : الحب .
الدَّاب : العادة .
على رَغْم العدوّ: بتثليث الراء : أَى أَلصقه الله بالرَّغام بفتح الراء وهو التراب ،
هذا هو الأصل ثم استعمل فى الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كُرْه .
المُخاتِل : بالخاء وكسر المثناة الفوقية : المُخادع .
المؤمَّل : بفتح الميم المشددة المرجو خيره .
طائش : خفيف العقل .
يُوَالى : يَعْبُد .
- ٥١٥ -

السُّبَّة : الشّم .
غير ناصل : بنون وصاد مهملة أى زائل .
التهازل : الهزل وهو ترك الجدّ فى قول أو فعل .
لا مكذَّب : بفتح الذال المعجمة المشددة ...
ولا يُغْنَى : يشتغل .
الأَرُومة : بفتح الهمزة وضم الراء : الأصل .
بِسَوْرة روى بضم السين المهملة أَى المنْزِلة ، وبفتحها أَى الشدة والبطش .
المتطاول : بكسر الواو من الطول بفتح الطاء وهو الفضل والعلوّ .
حَدِبْتُ : بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين أَى عطفت ومنعت .
الذُّرَى : جمع ذروة بذال معجمة تضم وتفتح وهى أعلى ظهر البعير .
الكَلاكل : جمع كلكل وهو معظم الصدر .
- ٥١٦ -

الباب التاسع عشر
فى رجوع القادمين من الحبشة إِليها والهجرة الثانية
قال ابن سعد: قالوا : لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مكة من الهجرة الأولى
اشتدَّ عليهم قومُهم وسطَتْ بهم عشائرهم ولقوا منهم أَذىّ شديدا ، فأَذِن لهم رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم فى الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية ، فكانت خَرْجتهم الثانية أَعظمَها
مشقة ، ولقوا من قريش تعنيفًا شديداً ونالوهم بالأذى واشتد عليهم ما بلغهم عن النجاشى
من حُسْن جواره لهم ، فقال عثمان بن عفان: يارسول الله فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة
ولستَ معنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنتَم مهاجرون إلى الله تعالى وإلىّ ، لكم
هاتان الهجرتان جميعا)).
قال عثمان : فحسبنا يا رسول الله(١)
قال ابن إسحاق وابن سعد : وكان عِدَّة من خرج فى هذه الهجرة من الرجال ثلاثةً
وثمانين .
قال ابن سعد : ومن النساءِ إِحدى عشرة امرأة قُرَشية وسَبْع غرائب . وزاد غيرُهما على
ذلك كما سيأتى بيانُه .
وقد روى قصتهم الإِمامُ أَحمد عن ابن مسعود ، وأَبو نُعَيمْ والبيهقى عن أبى موسى
الأشعرى، وابن إسحاق عن أَم سَلَمة، والطبرانى وابن عساكر عن جعفر بن أبى طالب
رضى الله عنهم قالوا : لمّا نزلنا أَرضَ الحبشة جاوَرْنا بها خيرَ جار النجاشىّ، أَمِنَّا على دِيننا
وعبَدْنا الله تعالى لا نؤْذَى ولا نسمع شيئا نكرهه ، فلما بلغ ذلك قريشًا انتمروا بينهم
٠٠
أَن يبعثوا فينا رجلين جَلْدين وأَن يُهْدوا للنجاشى هدايا مما يُسْتَظرف من متاع مكة ، وكان
(١) طبقات ابن سعد ٢٠٧/١ (ط بيروت).
- ٥١٧ -

أُعجب ما يأتيه منها الأَّدَم فجمعوا له أَدَمًّا كثيرا ولم يتركوا من بَطًا رقته بِطْرِيقا إِلا أَهدوا
له هدية ، ثم بعثوا عُمَارة بن الوليد وعمرو بن العاص وأمروهما بأَمرهم وقالوا لهما : ادفعا
إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلِّما النجاشىَّ فيهم ، ثم قدِّما إلى النجاشى حَدَاياه ثم
اسأَلاه أن يسلمهم إليكما قبل أَن يكلِّمهم .
فخرجا حتى قدِما على النجاشى ونحن عنده بخير دار عند خير جار ، فلم يَبْق من
بطارقته بطريقُ إِلا دفعا إِليه هديته قبل أَن يَدْفعا إلى النجاشىّ هديته ويكلِّماه وقالا لكل
بطريق منهم : إنه قد ضَوَى إِلى بلد الملِك منا غلمانٌ سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا فى
دِينكم، وجاءوا بدين مبتدَعَ لانعرفه نحن ولا أَنتم وقد بعثَنا إلى الملِك فيهم أشرافُ
قومهم ليردَّهم إليهم، فإذا كلَّمنا الملِك فيهم فأَشيروا عليهَ بأَن يُسلِّمهم إلينا ولا يكلمهم
فإِن قومهم أَعْلَى وأَعلم بما عابوهم فيه . فقالوا : نعم .
ثم إِنهما لمّا دخلا على النجاشى سجدًا له وقدَّما له هداياهما فقبلها ثم قالا له : أَيها
الملك إِنّ نفرا من بنى عمنا سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يَدْخلوا فى دينكم جاءوا بدين
ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أَنت ، وقد بعثنا إِليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم
وعشائرهم(١) لتردّهم عليهم فهم أَعْلَى وأَعلم بهم عينًا وبما عابوا عليهم وبما عيبوهم(٢) فيه .
ولم يكن شىء أبغضَ إلى عمرو بن العاص وعُمَارة بن الوليد من أَن يسمع النجاشىِّ
كلام جعفر وأصحابه فقالت بطارقته : صدَقًا أيها الملك قومُهم أَعْلَى بهم عينًا وأعلم بما عابوا
عليهم . فأَسْلِمْهم إِليهما فليردَّاهم إلى بلادهم وقومهم .
قال : فأين هم ؟ قالا : فى أرضك . فغضب النجاشى ثم قال : لاها الله إِذن لا أسلمهم
إليهما ولا يُكَاد قومٌ جاورونى ونزلوا بلادى واختارونى على مَن سِوايَ حتى أدعوهم فاسألهم عما
يقول هذان من أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أَسلمتهم إليهما ورددتهم إلى تقومهم ، وإِن
كانوا غير ذلك منعتهم منهم وأحسنتُ جِوَارهم ما جاورونى .
(١) ط : وعشراتهم.
(٢) ط: عتبوهم. هذه لا معنى لها وقد كرر المؤلف الكلمة فى لفظ عابوا عليهم بعد عيوبهم وإذا تكون
عتبوهم محرفة .
- ٥١٨ -

ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله
اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما عَلِمْنا
وما أَمرنا به نُبيِّنا كان فى ذلك ما هو كائن . فقال جعفر بن أبى طالب : أَنا خطيبكم
اليومَ .
وقد دعا النجاشى أَسَاقفته فنشروا مصاحفهم حوله ، فدخل جعفر وتبعه المسلمون
فسأَّم فقالوا : مالك لا تسجد للملك ؟ قال إِنا لا نَسْجِد إِلا الله عز وجل . فقال النجاشى
ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومَكم ولم تدخلوا فى دينى ولا فى دين أَحد من هذه العِلَل .
فقال جعفر : أيها الملك كنا قومًا أَهل جاهلية نعبد الأصنامَ ونأكل الميتة ونأتى
الفواحش ونقطع الأَرحام ونُسِىء الجِوارَ ويأْكل القوىُّ الضعيفَ ، فكنًّا على ذلك حتى بعث
الله إِلينا رسولاً منا نَعْرف نسَبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحِّده ونَعْبده
ونخلعَ ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأَوثان، وأَمرنا أَن نعبد الله
وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . فعدَّد عليه أمورَ الإِسلام .
ثم قال : وأَمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلَة الرَّحِم وحُسْن الجوار والكفّ عن
المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقَذْف المحصَنات ،
فصدَّقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله تعالى ، فعبدنا الله تعالى وحده ولم نشرك
به شيئا وحرَّمنا ما حرم الله علينا وأَحللنا ما أَحلَّ لنا فعدا علينا قومُنا فعذَّبونا وفتَنونا عن
ديننا ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأَن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ،
فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك
على من سواك ورغبنا فى جوارك ورجَوْنا ألا نُظْلم عندك أيها الملك .
فقال له النجاشى : هل معك مما جاء به من شىء فقال له جعفر : نعم ، قال فاقرأه علىَّ .
فقرأ عليه صدرًا من ((كهيعص)) فبكى والله النجاشىُّ حتى أَخْضَل لحيتَه وبكت أَساقفته
حتى أَخضلوا مصاحفهم حينَ سمعوا ما يُتْلِى عليهم .
ثم قال له النجاشى : إن هذا والذى جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة .
- ٥١٩ -.

تم قال النجاشى لعمرو : أَعبيدُهم لكم؟ قال : لا. قال: أَفلكم عليهم دَيْن ؟ قال :
لا. قال : انطلقها فوالله لا أَسْلمهم إليكما أبدًا ولا يُكَادون .
فلما خرجا(١) من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينَّه عنهم غدًا بما أَستأُصل به
خضراءهم. فقال له عُمَارة لا تفعل فإن لهم أَرحامًا وإِن كانوا قد خالَفونا. قال: والله
لأُخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ .
ثم غدًا إِلى النجاشى فقال: أيها الملك إنهم يقولون فى عيسى قولاً عظيما فاسأَّهم عما
يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسأَّهِم ◌ِنه فاجتمع المسلمون ولم يَنْزل بهم مثلُها . فقال بعضهم
لبعض : ماذا تقولون فى عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟ فقالوا : نقول والله ما قال الله
تعالى وما جاء به نبينا كائِنًا فى ذلك ما هو كائن . فقال جعفر : لا يتكلم أحدٌ أَنا
خطيبكم .
فلما. دخلوا عليه فإذا هو جالس فى مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن
شماله والقِسيسون جلوسٌ سِمَاطَيْن ، فقال لجعفر وأصحابه : ما تقولون فى عيسى بن مريم ؟
فقال جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذى جاء به نبينا ، نقول هو عبدُ الله ورسوله
ورُوحه وكلمته ألقاها إلى مريم العَذْراءِ البَتُول. فضرب النجاشى بيده الأرض فأَخذ منها
عودًا ثم قال ما عدَا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العُود، يا معشر القسيسين والرهبان والله
ما يزيدون على الذى فيه . فتناخرَتْ بطارقته حولَه حين قال ما قال فقال : وإِن نَخرْتم
والله ..
ثم قال : مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده أَشهد أنه رسول الله وأنه الذى نجد فى الإنجيل ،
وأنه الرسول الذى بشّر به عيسى بن مريم ، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أَنا فيه من
الملك لأَنينه حتى أكون أنا الذى أَحمل نعليه ، وأَمَر لنا بطعام وكسوة ، ثم قال : اذهبوا
فأنتم آمنون. من سَبَّكم غَرِمٍ ، من سبكم غرم، مَنْ سبَّكم غرم . قالها ثلاثا . فما أحبّ
أن لى جبلا من ذهب وأنى آذيت رجلاً منكم .
(١) ط: خرجوا. كانا رجلين فخرجوا تحريف ولا حاجة إلى التمحل.
(٢) ط: وما جاءنا.
- ٥٢٠ -