Indexed OCR Text
Pages 81-100
الحكيم الترمذى : ذكر الصدر دون القلب لأن (١) محل الوسوسة فى الصدر ، فأَزال الله تلك الوسوسة وأَبْدَلها بدواعى الخير وهى الشَّرْح. وقيل القلب محلّ العقل والمعرفة وهو الذى يقصده الشيطان فإِن الشيطان يجىء الصدر الذى هو حصن القلب فإذا وجد مَسْلكًا أغار عليه فيضيق القلب ولا يجدُ للطاعة لذةً ولا للإِسلام حلاوة فإذا طرد العدوّ فى الابتداء حصل الأَمن وزال الضِّيق وانشرح الصدر وتيسّر له القيام بأداء العبوديّة . الأُستاذ أَبو على الدَّقاق رحمه الله تعالى: كان موسى صلى الله عليه وسلم مريدًا إذ قال: ((ربّ اشرحْ لى صَدْرى)) وكان نبينا صلى الله عليه وسلم مُرَادًا إذا قيل له: ((ألم نَشْرحْ لك صدرك )» . الإمام الرازى رحمه الله تعالى: وإِنما لم يقل: ألم نشرح صدرك دون ((لك)) لوجهين: أحدهما: أَراد شرحتُه لأَجلك كما تفعل أنت الطاعة لأَجْلى . الثانى: أَن فيه تنبيهًا على أَن منافع الرسالة عائدة إليه عليه الصلاة والسلام، كأنه قيل إِنمّا شرحنا [ لك] صدرك لأجلك لا لأجلى . وإنما قال (( نَشْرح)) بنون العظمة لأَن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، وكان صلى الله عليه وسلم يضيق صدره من مُنَازعة الجن والإنس فآتاه الله تعالى من آياته ما اتسع لكل ما حمله صلى الله عليه وسلم . واختلف المفسرون فى معنى الآية على أقوال : فقال الإمام البيضاوى رحمه الله تعالى : ألم نُفْسحه حتى وَسِع مناجاةَ الحق ودعوة الخَلْق وكان غائبا حاضرا أَو : ألم نفسحه بما أَودعنا فيه من الحِكَم وأَزَلْنا عنه ضيق الجهل . أَو: بما يسَّرِنا، لك من تلقَّى الوحى بعد ما كان يشق عليك (٢) . وقيل : إِنه إشارة إلى ما روى أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صِبَاه أو يوم أَخْذ الميثاق فاستخرج قلبه فغسله فعلاً، إيمانا وعِلما (٣) ولعله إِشارة إلى نحو ما سبق انتهى . (١) ص : لأنه محل الوسوسة فى الصدر. (٢) تفسير البيضاوى ٣٧٥/٢ (ط الميمنية). (٣) غيرط: وحلما . - ٨١ - ( ٦ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) قال الشيخ رحمه الله تعالى فى حواشيه: إِن أَراد بقوله (( يوم الميثاق)) يوم أخذه فى عالم الذَّرّ فلا أَصل له . وإِن أَراد به يوم بُعث ونُبِّى. وبيّض الشيخ هنا. قلت: وكأنه أَراد : فله أَصل. كما سيأتى فى المرة الثالثة . ولا منافاة بين هذه الأقوال السابقة وبين شق صدره صلى الله عليه وسلم فإن من جملة شَرْح صدره شقه وإخراج ما فيه من أَذى كما أشار إلى ذلك الحافظان أَبو جعفر محمد ابن جَرِير الطَّبَرى وابن كَثِير رحمهما الله تعالی . وقد تكرَّر شقُّ صدره الشريف صلى الله عليه وسلم أَربع مرّات: الأولى : وهو صلى الله عليه وسلم صغير فى بنى سعد . روى البيهقى عن إبراهيم بن طَهْمان - بفتح الطاء المهملة رحمه الله تعالى : قال سألت سعدًا عن قوله تعالى: ((أَلم نشرح لك صدرك)) فحدثنى عن قتادة عن أنس رضى الله تعالى عنه قال : شُقَّ بطنه صلى الله عليه وسلم من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج قلبه إلخ . وروى الإمام أحمد ومسلم عن أنس رضى الله تعالى عنه أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشَقَّ عن قلبه واستخرج القلبَ ثم شق القلب فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله فى طَسْت من ذهب بماء زمزم ثم لأَّمه فأَعاده مكانه . وجعل الغلمان يَسْعون إلى أُمّه - يعنى ظِئِره ـ فقالوا: إن محمدًا قد قُتل فجاءوه وهو مُنْتقع اللون . قال أنس: فلقد كنت أَرَى أَثر المِخْيط فى صدره صلى الله عليه وسلم وروى الإمام أحمد والدارمى والحاكم وصححه والطبرانى والبيهقى وأبو نُعَيْم، عن عُثْبة ابن عَبْدٍ - بغير إِضافة - السُّلَمى رضى الله تعالى عنه، أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كانت حاضنتى من بنى سعد بن بكر ، فانطلقتُ أَنا وابن لها فى بَهْم لنا ولم نأُخذ معنا زادًا فقلت: ياَ أَخى اذهب فائتنا بزادٍ من عند أُمنا . فانطلق أَخى ومكثتُ عند البَهْم فأَقبل إِلىّ طائران كأنهما ذَسْران فقال أحدهما لصاحبه : أَهو هو؟ قال : نعم فأَقبلا. يبتدرانى فأَخذانى فبطَحانى للقفا فشقًّا بطنى ثم استخرجا قلبى فشقَّاه فأخرجا منه علقتينَ سَوْدَاوَيْن - ٨٢ - ----- فقال أحدهما لصاحبه : إيتنى بماء ثَلْج فغسلا به جَوْفى - ثم قال : إيتنى بماء بَرَد فغسلا به قلبى . ثم قال : ايتنى بالسَّكينة فذرَّاها فى قلبى . ثم قال أَحدهما لصاحبه حُصْه . فحاصه وختم عليه (١) بخاتم النبوّة . وذكر الحديث . [ تفسير الغريب ] الظِّئْر ومُنْتقع اللَّون . تقدما فى شرح غريب قصة الرضاع. المِخْيط بكسر الميم : ما يخاط به. البَهْم وَزْن فَلْس - جمع بهمة وهى الصغير من أولاد الغنم . نَسْران : تثنية نَسر - طائر معروف والجمع أَنْسُر ونُسور مثل فَلْس وأَفْلس وقُلوس . ذَرَّاها بذال معجمة: حَشياهَا(٢) حُصْه بحاء مهملة مضمومة : أَى خِطْه يقال حاص الثوبَ يَحُوصه حوصًا إِذا خاطه *** المرة الثانية : وهو صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين . روى عبد الله بن الإِمام أحمد فى زوائد المُسْند بسند رجاله ثقات ، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء، فى ((المُخْتارة)) عن أبيّ بن كعب رضى الله تعالى عنه أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال يارسول الله ما أَولُ ما ابتُدئتَ به من أَمر النبوة ؟ قال : إنى لفى صحراء أَمْشِى ابن عشر حِجَج إِذا أَنا برجلين فوق رأسى يقول أَحدهما لصاحبه : أهو هو ؟ قال نعم. فأخذانى فاستقبلانى بوجوه لم أَرها لخَلْق قط وأرواح لم «أَرها من خَلْق قط، وثياب لم أَرَها على أَحد قط، فأَقبلاً إِلىّ بمشيان حتى أَخذ كل واحد منهما بعَضُدى لا أَجد لأخذهما مَنَّ . فقال أحدهما لصاحبه : أَضْجعه فأضجعانى بلا قَصْر ولا هَصْر وفى لفظ: فقلبانى(٣) لِحَلاوة القفا ثم شقًّا بطنى. وفى لفظ فقال أحدهما (١) ط : وختمه . (٢) مجمع الزوائد: ٢٢٢/٨ وهو فى دلائل النبوة للبيبقى ٣٥٢/١. وقال : رواه أحمد والطبرانى وإسناد أحمد حسن . (٣) ط : فصلقانى وفوقها: فلصقانى . وما أثبته من ص ، ت، م. - ٨٣ - لصاحبه : افلق صدره. فخَوَى أحدهما إلى صدرى فغلقه (١) فيما أرى بلا دم ولا وجع فكان أَحدهما يختلف بالماء فى طَسْت من ذهب والآخر يغسل جَوفى فقال أحدهما لصاحبه : افلق صدره فإذا صدرى فيما أرى مفلوقا لا أجد له وجعًا ثم قال : شق قلبه فشق قلبى فقال : أُخرج الغِلَّ والحسد منه. فأُخرج شبه العَلَقة فنبَذ به . ثم قال: أَدخل الرأفة والرحمةً فى قلبه. فأَدخل شيئا كهيئة الفضَّة. ثم أَخرج ذَرُورا كان معه فذَرَّه عليه ثم نقَر إِبْهَامى ثم قال: اغْدُ واسْلَم. فرجعت بما لم أغد به من رحمتى للصغير ورأفتى للكبير (٢). [ تفسير الغريب ] الحِجَج : بكسر الحاء وفتح الجيم الأُولى السِّنُون . الأرواح : جمع رِيح بمعنى الرائحة وهى عَرَض يدرك بحاسة الشم وهى مؤنثة يقال ريح (٣) ذكية . بلا قَصْر : قصرتُ الثوبَ أَى أَرخيته بلا استرخاء . ولا هَصْر : قال فى النهاية : هصَر ظَهْرَه أَى ثناه إلى الأرض. وأَصلِ الهَصْر أن تأخذ برأس العودِ فتَثْنيه إِليك وتَعْطفه . حلاوة القفا : يأتى بيانه فى بيان غريب المرة الثالثة . خَوَى أَحدُهما إلى صدرى : أَى مال إليه . ذَرُورًا : بفتح الذال المعجمة (١) ط : ففلقاه. (٢) ط: ورقتى على الكبير. والحديث فى مجمع الزوائد ٢٢٣/٨. وقال: رواه عبد الله - أي ابن الإمام أحمد - ورجاله ثقات وثقهم ابن حبان . (٣) غير ط: رائحة . - ٨٤ - المرة الثالثة : عند المبعث روى أبو داود الطيالسى والحارت ابن أبى أسامة فى مسنديهما ، والبيهقى وأبو نعيم كلاهما فى الدلائل ، عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم نذَر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة . فوافق ذلك شهرَ رمضان فخرج ذات ليلة فسمع : السلام عليك . قال : فظننت أنها فُجَاءة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة فقالت : ما شأنك؟ فأَخبرتها فقالت : أَبْشر فإنَّ السلام خير. ثم خرجت مرة أُخرى فإذا أنا بجبريل على الشمس له جناحٌ - بالمشرق وجناح بالمغرب فهِلْت منه فجئت مسرعا فإذا هو بينى وبين الباب فكلَّمنى حتى أنِسْت منه ثم وعَدنى مَوْعدا فجئت له فأَبطأً علىّ فأردت أن أُرجع فإذا أَنا به وبميكائيل قد سدَّ الأُفق فهبط جبريلُ وبقى ميكائيل بَيْن السماء والأرض ، فأخذفى جبريل فأَلقانى لحلاوة القفا ثم شق عن قلبى فاستخرجه ثم استخرج منه ما شاء الله أن يستخرج ثم غسله فى طست من ماء زمزم ثم أعاده مكانه ثم لأَمه ثم أكفأنى كما يُكْفَأ الإِناء ثم ختم فى ظهرى حتى وجدت مَسِّ الخاتم فى قلبى . وذكر الحديث(١). فُجَاءة الجن بالضم والمدّ، وفى لغة بوزن تَمْرةُ: بَغْتَة . هِلْت منه : خِفْت وزنًا ومعنىً . الأُفق . بضم الهمزة والفاء : الناحية والجمع آفاق . حَلاوة القفا: بتثليت الحاء المهملة وخُلَاواه . فإِن ضمَمْت قَصرْت وهى وسط القفا . أَكفأَى : قَلَبنى . ٠٠ (١) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٧١ . - ٨٥ - المرة الرابعة : ليلة الإِسراء روى مسلم والبَرْقانى بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبالقاف والنون ، وغيرهما عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتيت وأنا فى أَهلى فانطُلق. بى إلى زمزم فشرح صدرى ، ثم أُتيت بطَسْت من ذهب ممتلئا حكمة وإيمانا فحشِى بهما صدرى. قال أنس والنبى صلى الله عليه وسلم يُرِينا صدره . فعرج بى الملك إلى سماء الدنيا. وذكر حديث المعراج(١) . وروى الإمام أحمد والشيخان عن مالك بن صَعْصعة رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثهم عن ليلة أُسْرِى به قال : بينما أَنا فى الحطيم وربما قال قتادة : فى الحِجْر. مُضْطجعًا إِذ أَتانى (٢) آت فجعل يقول لصاحبه: الأَوسط من الثلاثة. فأَتانى فشقَّ ما بين هذه إلى هذه . يعنى من ثغرة نحره إلى شِعْرته. فاستخرج قلبى. فأُتيت بطَبْت من ذهب مملوءة إِيمانا وحكمة فغسل قلبى ثم حُشِى ثم أُعيد . ثم أُتيت بدابة دُون البغل وفوق الحمار. ورواه البخارى من طريق شُرَيْك عن أنس رضى الله تعالى عنه (٣). والله أعلم . ذكر أحاديث فيها شق صدره صلى الله عليه وسلم من غير تعيين زمان عن أبى ذر رضى الله تعالى عنه قال : قلت يا رسول الله كيف علمت أَنك نبيّ حتى علمت ذلك واستيقنت أَنك نبيّ ؟ قال: يا أبا ذر أَتانى ملَكان وأَنا فى بعض بطحاء مكة فوقع أحدُهما بالأَرض (٤) وكان الآخر بَيْن السماء والأرض ، فقال أحدهما لصاحبه : هو هو ؟ فقال : هو هو . فقال: زِنْه برجل فوزِنْتُ برجُل فرجَحْت . فقال (٥) : زنه بعشرة فوزننى بعشرة فوزنتهم . فقال: زنه مائة فوزَننى بمائةٍ فرجحتهم . ثم قال : زنه (١) صحيح مسلم كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى شرح النووي على مسلم ٢١٧/٢، (٢) ط : إذاتاه . ٠٢١٨ ، (٣). صحيح البخارى كتاب بدء الخلق باب رقم ٦ وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٥٩، ٢٦٤. ومسند أحمد ٢٠٧/٤، ٠٢٠٨ (٤) ط : على الأرض : (٥) ط : ثم قال . - ٨٦ - بأَلْف. فوزَنى بأَلف فرجحتهم فجعلوا يَنْتَثرون علىَّ من كِفة الميزان . فقال أحدهما للآخر: لو وزنتَه بأُمته رَجَحها . ثم قال أَحدهما لصاحبه : شُقَّ بطنَه فشقَّ بطنى ثم قال أَحدهما لصاحبه اغسل قلبَه(١) فشَقَّ قلبى (٣) فأَخرج منه مَغْمز الشيطان وعَلَق الدم فطرحهما ثم قال أحدهما لصاحبه : اغسل بطنه غَسْلَ الإِناء واغسل قلبه غسل المُلَاءة، ثم دعا بسكِّينةً كأَّها برهرة بيضاء فأُدخلتْ قلبى، ثم قال أَحدهما لصاحبه : خِطْ بطنه . فخاط بطنى فجعلا الخاتم بين كتفىّ فما هو إِلا أَن ولَّيًا عنىِّ فكأَنما أُعَاين الأَمر معاينة . : رواه الدارمى والبزَّار والرّويانى وابن عساكر والضِّيَاء فى المختارة. وروى البيهقى عن يحيى بن جَعْدة (٣) رحمه الله تعالى مُرْسَلا. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِن ملكين جاءانى فى صورة كُرْكيّيْنِ معهما ثلج وبَرَد وماء بارد فشقَّ (٤) أَحدهما صدرى ومجّ الآخر بمنقاره فيه فغسله (٥) . وروى أبو نعيم عن يونس بن ميسرة بن حَلْبَس بمهملتين فى طرفيه وموحدة وزن جَعْفر رحمه الله تعالى - مرسلا. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَتانى مَلك بطَسْت من ذهب فشق بطنى فاستخرج حُشوة جوفى فغسلها ثم فرَّ عليه ذَرُورا ثم قال : قلبٌ وَ كِيع يعى ما وضع (٦) فيه عينان(٧) بصيرتان وأَذنان تسمعان وأنت محمد رسول الله المقفِّى الحاشِر، قلبك سليم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة وخُلقك قيِمَ وأَنت قُثَم (٨). وروى الدارمىّ وابن عساكر، عن ابن غَنْم - بغين معجمة مفتوحة فنون ساكنة - وهو مختلف فى صحبته رضى الله تعالى عنه قال : نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه (١) ط : أخرج قلبه . (٢) غير ط : فشق بطنى. (٣) تابعى ثقة روى عن جدته لأبيه أم هانى" بنت أبى طالب ترجمته فى تهذيب التهذيب ١٩٢/١١. (٤) دلائل النبوة لبيبقى: فشرح أحدهما صدرى. (٥) دلائل النبوة للبيهقى ٨٦/١ وقال: هذا مرسل، وقد روى حديث الشق بإسناد صحيح موصول. وهو فى الخصائص الكبرى للسيوطى ١٦٠/١ (ط الهراس). (٦) كذا فى ط وفى ص ، ت، م : ما وقع فيه . وهو كذلك فى الخصائص الكبرى. (٧) ص ، ت، م : عيناك بصير تان وأذناك سميعتان. وفى الخصائص : عيناك بصير تان وأذناك تسمعان . وما أثبته من ط . (٨) الخصائص الكبرى ١٦٢/١. - ٨٧ - وسلم فشقّ قلبه(١) ثم قال جبريل: قلبك(٢) وكيع فيه أُذنان سميعتان وعينان بصيرتان محمد رسول الله المقفِّى الحاشر خُلقك قيِّم ولسانك صادق ونفسك مطمئنة . ذكر غريب ما تقدم ثُغْرة النَّحْر : بالضم : وهى النقرة التى بين الترقوتين . شِعْرته بكسر الشين المعجمة : العانة . كَفَّة الميزان : بتثليث الكاف والكسر أشهر . مَغْمِز الشيطان: بفتح الميم الأَولى وإِسكان الغين المعجمة وكسر الميم الثانية وآخره زاى ، وهو الذى يُغْمزه الشيطان من كل مولود ، إِلا عيسى بن مريم وأُمه لقول أمّها حَثَّة: (( وإنى أُعيدُها بك وذُريَّتها من الشيطان الرجيم (٣))) قال السُّهيلى: ولا يدل هذا على أَفضلية عيسى على نبينا صلى الله عليه وسلم فقد نُزع ذلك منه ومُلى حكمةً وإيماناً بعد أَن غله روحُ القُدس بالثلج والبَرَد . المُلاءة بالضم والمد : الإزار . سكينة وبرهرة . سيأتى الكلام عليها . ◌ُشْوة بضم الحاء وكسرها : الأمعاء . وكيع قال فى النهاية : قلبُ وكيع : واع: أَى متين مُحْكَم ومنه قولهم : سِقَاء وكيع إِذا كان مُحْكَم الخَرْزِ . فيِّم بمثناة تحتية . وقثم : بمثلثة. وتقدم الكلام عليهما فى الأَسماء (٤). (١) ط : بطنه. (٢) ط : قلب وكيع . (٣) سورة آل عمران ٣٦. (٤) راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ص ٦١٦، ٦١٨ . - ٨٨ - تَبْیَهَاتُ الأول : قال الحافظ أبو الفضل العراق رحمه الله تعالى فى أَوّل شرحه لتقريبه: قد أَنكر صحّة وقوع شق الصدر ليلة الإسراء ابْنُ حَزْمُ وعِيّاض وادَّعَيَا أَنه تنخليط من شُرَيْك . وليس كذلك فقد (١) ثبت فى الصحيحين من غير طريق شريك . وقال الإِمام أبو العباس القرطبى فى المفْهم : لا يُلْتفت لإنكار شق الصدر ليلة الإسراء لأَنّ رواته ثِقَات مشاهير . وقال الحافظ: قد أَنكر شقَّ الصدر ليلة الإسراء بعضُهم ولا إنكار فى ذلك ، فقد تواترت به الروايات . الثانى : قال القرطبى فى المُفهم والتّورَبِشْتِى - بضم المثناة الفوقية وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة بعدها مثناة فوقية - فى شرح المصابيح والطِّيبىّ فى شرح المشكاة والحافظ والشيخ وغيرهم رحمهم الله تعالى أَن جميع ما وَرَدَ فى شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك مما يجب التسليم له دون تعرّض لصَرْفه عن حقيقته لصَلاحية القدرة فلا يستحيل شىء من ذلك . ويؤيّده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أَثر الْمَخِط فى صدره صلى الله عليه وسلم . قال الشيخ رحمه الله تعالى: وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك وحَمْله على الأمر المعنوى وإلزام قائله القولَ بقَلْب الحقائق ، فهو جهل صريح وخطاًّ قبيح نشَأً من خذلان الله تعالى لهم وعكوفهم على العلوم الفلسفية وبُعْدهم عن دقائِقِ السُّنة . عافانا الله تعالى من ذلك . الثالث : قال العلامة ابن المنيّر - بضم الميم وفتح النون وكسر التحتية المشددة رحمة الله تعالى: وشَقُّ الصدر له صلى الله عليه وسلم وصَبْرُه عليه من جنس ما ابتلى به الله الذَّبِيحَ وصبر (١) ص، ت، م : بل ثبت . (٢) غير ط: من شق الصدر. - ٨٩ - عليه ، بل هذا أَشَقُّ وأَجَلُّ لأَن تلك مَعاريض وهذه حقيقة ، وأيضا فقد تكرِّرَ ووقع له صلى الله عليه وسلم وهو صغير يتيم بعيدٌ (١) من أهله صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا. الرابع : سُئل شيخ الإسلام أبو الحسن السُّبكى رحمه الله تعالى عن العلقة السوداء التى أُخرجت من قلبه صلى الله عليه وسلم حين شُقَّ فؤاده وقول الملك: هذا حَظّ الشيطان منك . فأَجاب رحمه الله تعالى : بأَن تلك العلقة خَلَقها الله تعالى فى قلوب البشر قابلةً لما يُلْقيه الشيطان فيها فأُزيلت من قلبه صلى الله عليه وسلم فلم يبق فيه مكان لأَن يُلْقَى الشيطان فيه شيئا . هذا معنى الحديث ولم يكن للشيطان فيه حظ . وأَما الذى نَفاه الملك هو أَمْرٌ فى الجِبلَّات (٢) البشرية فأُزيل القابلُ الذى لم يكن يلزم من حصوله حصول القَذْف فى القلب . قيل له : فلمَ خلق الله تعالى هذا القابل فى هذه الذات الشريفة ، وكان يمكن أن لا يخلقه الله تعالى فيها ؟ فقال: إنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخَلْقه تكملة للخَلْق الإِنسانى ولابد منه ونَزْعه كرامةٌ ربّانية طرأَت . وقال غيره : لو خلق الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم سليما فيها لم يكن للآدميين الطِّلاع على حقيقته، فأَظهره الله تعالى على يد جبريل عليه الصلاة والسلام ليتحققوا (٣) كمالَ باطنه كما برز لهم مُكَمَّل الظاهر . الخامس : قال الشيخ أبو محمد بن أبى جَمْرة - وهو بجيم مفتوحة فراء مهملة رحمه الله تعالى : الحكمة فى شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم مع القدرة على أن يمتلى قلبُه إيمانا وحكمة من غير شق : الزيادة فى قوة اليقين لأنه(٤) أُعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أَمِن معه من جميع المخاوف العادية ، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم أَشجَع الناس حالاً ومقالاً ولذلك وصف بقوله تعالى: (( ما زاغ البَصرُ وما طَغَى(٥) )) (١) غير ط : بعيدا. (٢٠) غير ط : فى الجبليات . (٣) غير ط : ليتحقق. (٤) ت ، م : كأنه . (٥) سورة النجم ١٧ . - ٩٠ - السادس: اختلف: هل كان شق الصّدر وغسله مختصًّا به صلى الله عليه وسلم أَو وقع لغيره ؟ صحح الشيخ رحمه الله تعالى عدمَ المشاركة . وسيأتى فى الخصائص أن الصحيح المشاركة . السابع: فى الحكمة فى تكرّره . قال الحافظ رحمه الله تعالى ، بعد أن ذكر الأولى والثالثة والرابعة : ولكل من الثلاث حكمة ، فالأولى كان فى زمن الطفوليّة لينشأً على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان ، ثم عند المبعث زيادة فى الكرامة ليتلقَّى ما يُلْقَى إليه بقلب قوىّ فى أكمل الأحوال من التطهير ، ثم وقع عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهّب للمناجاة . قلت : وسكت عن حكمة المرّة الثانية مع ذكره للمرة (١) الثانية فى كتاب التوحيد جازمًا بها ويحتمل أن يقال لمّا كان العَشْر قريبا من سِنّ التكليف شُقَّ صدرُه صلى الله عليه وسلم وقُدِّس حتى لا يلتبس (٢) بشئ مما يعاب على الرجال . والله تعالى أعلم. قال الحافظ رحمه الله تعالى : ويحتمل أن تكون الحكمة فى هذا الغسل لتقع المبالغة فى الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما هى فى شَرْعه صلى الله عليه وسلم . وقال ابن أبى جَمْرة رحمه الله تعالى: وإِنما غُسل قلبه (٣) صلى الله عليه وسلم وقد كان مقدَّسًا وقابلا لما يُلْقَى فيه من الخير. وقد غسل أولا وهو صغير السّن وأُخرجت منه العلَقة (٤) إعظاماً وتأهبًا لما يُلْقَى هناك. يعنى فى المعراج. وقد جرت الحكمة بذلك فى غير ما مَوْضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متوضئًا لأَن الوضوء فى حقه إنما هو إِعظام وتأهب للوقوف بين يدى الله تعالى ومناجاته . وكذلك أيضًا الزيادة على الواحدة والفِّنتين إِذا أَسْبغ بالأُولى لأَن الإِجزاء قد حصل وبقى ما بعدَ الإِسباغ إلى الثلاث عظامًا لما يُقْدِمِ عليه . وكذلك (١) غير ط : فى المرة الثانية. (٢) ط : لا يتلبس. (٣) ط : بطنه . (٤) ط : من قلبه العلقة. - ٩١ - غسل الباطن(١) هنا وقد قال تعالى: ((ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تَقْوى القُلوب(٢))) فكان الغسل له صلى الله عليه وسلم من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم الشعائر كما نصّ عليه بالقول وقال البرهان النعمانى رحمه الله تعالى فى سراجه : قد سُنَّ لداخل الحرم الشريف الغُسْل.، فما ظنك بداخل المحضرة المقدَّسَة ؟ ! فلما كان الحرم الشريف من عالم الملك وهو ظاهر الكائنات أُفيط الغسل له بظاهر البدن فى عالَم المعاملات ، ولما كانت الحضرة القدسيّة (٣) من عالم الملكوت وهو باطن الكائنات أُنيط الغسل بباطن البدن فى التحقيقات ، وقد عُرِج به صلى الله عليه وسلم لتُفْرض عليه الصلاة وليصلِى ملائكة السموات ، ومن شأْل الصلاة الظَّهُور فقدِّس ظاهرا وباطنا . فإن قلت : إِن الله تعالى خلقه نورًا متنقّلا من الأَنبياء وفى صفاء النور ما يُغنى عن التطهير الحِّى ، ثم إن المرة الأولى لم تكن كافية فى تطهير الباطن ويلزم عليه أنه بعد النبوة كان فيه شىء يحتاج إلى ذلك، وهو منزَّه عن أَدران البشرية. قلت : الغسلة الأُولى لعَيْن اليقين والثانية لعِلْم اليقين، والثالثة لحَقّ اليقين. *** الثامن : اختلف هل وقع له صلى الله عليه وسلم مع ذلك مشقة أم لا ؟ .. قال الحافظ : من غير مشقة وبه جزَم ابنُ الجَوْزى فقال: شَقَّه وما شَقَّ عليه . وقالك ابن دِحْية : بمشقة عظيمة ولهذا انتُقِع لونُه صلى الله عليه وسلم أَى صار كلون النقع وهو الغبار ، وهذه صفة ألوان الموتى . (١) ط : غسل البطن. (٢) سورة الحج ٣٢. (٣) ط : الخضرة الشريفة. - ٩٢ - قلت: رواية (( انتقع لونُه)) حكاية)) وقع فى المرة الأولى وهو صغير فى بنى سعد. وأَمًّا ما وقع بعدها فلم يُنْقَل أنه صلى الله عليه وسلم تأثّر لذلك . وقد تقدم فى حديث أبى هريرة فى المرة الثانية ما يؤيد ذلك فراجعه . التاسع : وقع السؤال هل كان شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم بآلة أم لا : ولم يجب عنه أحد ولم أر من تعرَّض له بعد التتبع. وظاهر قوله: ((فشقّ)) أنه كان بآلة ، ويدل لذلكَ قول الملَك فى حديث أبى ذر. ((خِطْ بطنَه فخاطَه)) وفى لفظ عن عتبة ابن عبد: ((حُصه فحَاصه))؛ وفى حديث أَنس ((كانوا يرون أَثر الْمَخِيط فى صدره صلى الله عليه وسلم )). العاشر: فى حديث أبى ذرّ ((وأتيت بالسِّكِّينة كأَّنها بَرهرَهة فوضعْت فى صدرى)) قال ابن الأنبارى: ((بَرَهْرهة)) وهى السِّكينة المعوجّه الرأْسِ التى تسميها العامة ((المِنْجل)) بالجيم . وقال الخطابي : عثرت على رواية وفيها: أَنه شُقَّ عن قلبه قال: فدُعى بسِكِّينة (١) كأَّنها درهمة بيضاء ، فوقع لى أَنه أَراد بالبَرْرهة سِكِّينة بيضاء صافية الحديد تشبيهًا بالبَرَهْرهة من النساء فى بياضها وصفائها . ثم قال ابن دِحْية والصواب فى هذه اللفظة السَّكِينة - أَى بالتخفيف لأَنه قال بعد شق البطن ، ثم أُتيت بالسّكينة كأنها بَرهْرهة فوضعت فى صدرى، فإِنما عنَى بها السَّكينة التى هى فى أصل اللغة فَعِيلة من السكون وهى أكثر ما تأتى فى القرآن العظيم بمعنى السكون والطمأنينة . الحادى عشر: خص الطست ما ذكر لكونه أَشهر (٢) آلات الغَسل عُرْفًا. قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: وفى (٣) ذِكْر الطست أيضا وحروف اسمه حِكَم تنظر إِلى قوله تعالى ((طسم تلك آياتُ القرآنِ وكتابٍ مُبين(٤))) (١) غير ط : فأتى بالسكينة. (٢) غير ط : أشرف . (٣) الروض الأنف ١١١/٢. (٤ ) سورة النمل : ٠١ - ٩٣ - الثانى عشر : قال السهيلى: خصّ الذهب لكونه مناسبًا للمعنى الذى أُريد به فإِنْ نظرت إلى لفظ الذَّهب فمطابِقٍ للذَّهاب ، فإن الله تعالى أراد أن يُذْهب عنه الرجسَ ويطهِّرة تطهيرًا وإِن نظرت إلى معنى الذَّهب وأَوصافه وجدته أَنْقَى شىء وأَصْفَاه يقال فى المثَل: ((أَنْقَىّ من الذهب)) وقالت بَرِيرةُ فى عائشة رضى الله تعالى عنها: ما أَعْلَم عليها إلا ما يَعْلم الصّائِغُ على الذهب الأحمر . وقال حذيفة رضى الله تعالى عنه فى صِلَة - بكسر الصّاد المهملة - ابن أَشْيَمَ - بالشين المعجمة - وَزْن أَعَلَم: إِنما قَلْبُه ذَهب . وقال جَرير بن حازم رحمه الله تعالى ؛ وهو بالحاء المهملة والزاى، فى الخليل بن أحمد : إِنه لرجلٌ مِن ذهب. يريد النقاء من العُيوب فقد طابق طَسْت الذهب ما أُريدَ بالنبى صلى الله عليه وسلم من نقاء قلبه . ومن أَوصاف الذهب أيضا المطابقة لهذا المقام : ثِقله ورسوبُه فإِنه يُجعل فى الزئبق الذى هو أَثقل الأشياء فيَرْسب. والله سبحانه وتعالى يقول: ((إِنَّا سنُلْقِى عليك قَوْلا ثَقِيلا))(١) وقال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: إِنما ثَقُلت موازين المحِقِّين يوم القيامة لاتباعهم الحق وحُقَّ لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا . وقال فى أَهل الباطل بعكس ذلك . وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه الوحى وهو على ناقته فثَقُل عليها حتى ساخَتْ قوائمها فى الأَرض . فقد طابقت الصفةُ المعقولة الصفةَ المحسوسة . ومن أوصاف الذهب أيضا : أَنه لا تأُكله النَّار ، وكذلك القرآن لا تأكل النارُ يوم القيامة قلبًا وعَاهُ ولا بَدَنًا عمِل به. قال عليه الصلاة والسلام: ((لو كان القرآن فى إِحَاب ثم طُرح فى النار ما احترق(٢)) ومِن أَوصاف الذهب المناسبة لأَوصاف القرآن والوحى: أَن الأَرض لا تُبْليه وأَن الهواء لا يُذْريه وكذلك القرآن لا يَخْلَق على كثرة الردّ ولا يستطاع تغييره ولا تَبْديله . (١) سورة المزمل ٥ . وهذا النص كله عن الروض الأنف ١١١/١. (٢) الحديث فى تذكرة الموضوعات للحافظ المقدسى ص ٩٨ بها مش الموضوعات الكبير لعلى القارى ( ط الهند) بلفظ: ((لو كان القرآن فى إهاب ما مسته النار)). وقال فيه عبد الوهاب بن الضحاك، قال البخارى : عنده عجائب. - ٩٤ - ومن أَوصافه أيضًا : نفَاستُه وعزته عند الناس. وكذلك القرآن والحق عزيزان . قال تعالى: ((وإِنَّه لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (١)). فهذا إِذا نظرت إلى أَوصافه ولفظه (٢) فإِن نظرت إلى ذاته وظاهره فإِنه زخرف الدنيا وزنتها ، وقد فُتح بالقرآن والوحى على النبى صلى الله عليه وسلم وأُمته خزائن الملوك وتصيير ذلك إلى أيديهم ذهبها وفضتها وجميع زخرفها وزينتها . ثم وعد (٣) باتباع الوحى والقرآن قصورَ الذهب فى الجنة قال صلى الله عليه وسلم : جَنَّتان من ذهب آنيتُهما وما فيهما (٤)) وفى التنزيل: (( يُطافُ عليهم بِصِحَاف مِن ذَهبٍ (٥) )) فكأن ذلك الذهب يُشْعر بالذهب الذى يصير إليه من اتبع الحق والقرآن، وأوصافُه تُشْعر بأَوصاف . الحق (٦) والقرآن ، ولفظُه يُشْعر بإِذهاب الرِّجْس. كما تقدم . فهذه حِكَم بالغة لمن تأَمَّل ، واعتبار صحيح لمن تدبّر . وزاد غيره أَن الذهب مِن جَوَالب السرور . وقال الشاعر : صَفْراء لا تَنْزِلِ الأَحزانُ ساحتَها لو مسَّهَا حَجَرٌ مَسَّته سرّاءٍ (٧) *** الثالث عشر : قال النووى رحمه الله تعالى : ليس فى هذا الخبر ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب والفضة لأَن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أَن يكون حُكْمُهم حُكْمَنا ولأنه كان قَبْل تحريم النبى صلى الله عليه وسلم أَوانى الذهب والفضة . انتهى . (١) سورة فصلت ٤١. (٢) غير ط: إلى أو صاف لفظه. والضمير عائد إلى الذهب. (٣) ت، م : ثم أتبع باتباع. (٤) صحيح البخارى كتاب التوحيد وكتاب التفسير وصحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٢٩٦، وسنن الترمذى كتاب الجنة ، وسنن ابن ماجة فى المقدمة ومسند أحمد ٤ /٤١١ ، ٤١٦ . (٥) سورة الزخرف ٧١ . (٦) غير ط: بأوصاف من اتبع الحق والقرآن . (٧) البيت لأبى نواس من قصيدته التى مطلعها: دع عنك لومى فإن اللوم إغراء وداونى بالتى كانت هى الداء وفى هذا الاستشهاد نظر فإن المؤلف يستشهد بهذ البيت على أن الذهب من جوالب السرور، مع أن المقصود بالصفراء هنا الخمر وأنها تبعث النشوة فى شاربها وتنسيه أحزانه ، وليس فى البيت تعرض للذهب . - ٩٥ - أى لأن التحريم إنما وقع بالمدينة كما نبّه عليه الحافظ الرابع عشر: يؤخذ من غَسْل قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم أنه أفضل المياه وبه جَزَم الإِمام البُلْقِينى قال ابن أَبِى جَمْرة : إِنما لم يُغْسل بماء الجنة لِمَا اجتمع فى زمزم من كون أصل «أنها من الجنة ثم استقر فى الأرض، فأُريد بذلك بقاء بركته صلى الله عليه وسلم فى الأرض . وقال غيره : لمّا كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل صلى الله عليهما وسلم وقد ربِّى عليه ونما عليه قلبُه وجَسدُه وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة ، ناسَب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك . ولِمَا فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية إليه فى الفَتْح فجعل السقاية للعباس وولده وحجابةً البيت لعثمان بن شيبة وعِقِبه إلى يوم القيامة . الخامس عشر: الحكمة فى غسل صدره صلى الله عليه وسلم بماء الثلج والبرد هى مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدّر بالأجزاء الترابيّة التى هى محلّ الأَرجاس وعنصر الأكدار، الإيماء إلى أن الوقت يَصْفُو له صلى الله عليه وسلم ولأُمته ويَرُوق بشريعته الغرّاءِ وَسُنّته، والإِشارة. إلى ثلوج صدره أَى انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم والإيذان ببرودة قلبه ، أى طمأنينته على أُمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيكتهم. وقال ابن دِحْية: إنما غُسل قلبُه صلى الله عليه وسلم بالثلج لِمَا يُشْعر به الثلجُ من ثلج اليقين إلى قلبه . وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول بين التكبير والقراءة: اللهم اغسلنى من خطاياىَ بالثَّلْجِ والبَرد(١))) وأراد تعالى أن يغسل قلبه فيا حُمل من الجنة فى طست ملىء حكمة وإيماناً ليعْرف قلبُه طِيبَ الجنَّة ويجد حلاوتها فيكون فى الدنيا أَزْهدَ وعلى دعوة الخَلْقِ إِلى الجنة أَخْرَص ، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان له أعداء يتقوَّلون عليه فأراد (١) الحديث بنحوه فى صحيح البخارى كتاب الدعوات والأذان وفى صحيح مسلم كتاب الذكر حديث رقم ٤٨ وسفن ابن ماجه كتاب الدعاء ومسند أحمد ٥٧٧٦, - ٩٦ . الله تعالى أَن يَنْفى عنه طبعَ البشرية من ضيق الصدر وسوء مقالات الأعداء ، فغسل قلبه ليورث ذلك صدرَه سعةً ويفارقه الضيق، كما قال تعالى: ((ولَقد نَعْلم أَنَّك يَضيق صَدْرُك بما يَقُولون(١) )). فُسل قلبه غير مرّةٍ فصار بحيث إذا ضُرب أَو شُجِّ رأسه أو كُسِرت رَباعيته كما فى يوم أحد يقول : اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون . السادس عشر: جاء فى رواية : أَن المغسول البطن . فقيل : المراد بالبطن هنا ما بَطن وهو القلب ، واستظهره بعضهم لأنه جاء فى روايةٍ ذكرُ القلب ولم يذكر البطن. ويحتمل أن تُحمل كل رواية على ظاهرها ، ويقع الجمع بينهما بأن يقال: أَخْبر صلى الله عليه وسلم مرة بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب ، وأخبر مرة بذِكر القلب ولم يتعرض لذكر البطن ، فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة فى تنظيف المحلّ . قلت : تقدم التصريح بذلك فى الأحاديث السابقة . السابع عشر : قال السُّهيلى رحمه الله تعالى: فإن قيل كيف يكون الإيمان والحكمة فى طست من ذهب ، والإيمانُ عرَض من الأعراض لا يوصف بها إلا محلَّها والذى يقوم به ، ولا يجوز فيها الانتقال لأَن الانتقال من صفة الأجسام لامن صفة الأعراض ؟ قلنا : إنما عُبِّر عما فى الطست - بالحكمة والإيمان كما عبّر عن الَّلَبَن الذى شربه وأَعطى فَضْلَه عمر ابن الخطاب بالعلم ، فكان تأويل ما أُفْرغ فى قلبه صلى الله عليه وسلم إيماناً(٢) وحكمة ولعل الذى كان فى الطست كان ثلجا وبَرَدا كما ذكر فى الحديث الأول ، فعبّر فى المرة الثانية بما يَؤول إليه وعبِّر عنه فى المرة (٣) الأُولى بصورته التى رآها، لأنه فى المرة الأولى كان طفلا فلما رأى الثلج فى طست الذهب اعتقده ثلجا حتى عَرِف تأويله بعدُ . وفى المرة (١) سورة الحجر ٩٧ . (٢) ط: إيمان. (٣) غيرط : فى الصورة الأولى. - ٩٧ - ( ٧ - سبل الهدى والرشاد ج ٢) الأُخرى كان نبيًّا فلما رأى طست الذهب مملوءما ثلجاً على التأويل لحينه واعتقده فى ذلك المقام حكمةً وإيمانا، فكان لفظه فى الحديثين(١) على حسب اعتقاده فى المقامين(٢). انتهى وقال النووى والحافظ : المعنى جُعل فى الطست شىء يحصل به الزيادة فى كمال الإيمان وكمال الحكمة ، وهذا المملوء يحتمل أن يكون على الحقيقة ، وتجسد المعانى جائز كما جاء أَن سورة البقرة تجىء يومَ القيامة كانها الظُّلَّة والموت فى صورة كَبْش وكذلك وَزْن الأعمال ، وغير ذلك من أحوال الغَيْب . وقال البَيْضاوى رحمه الله فى شرح المصابيح: لعل ذلك من باب التمثيل ، إذ تمثيل المعانى وقع كثيرا كما مُثِّلت له الجنة والنار فى عُرْض الحائط - بضم العين المهملة ، وفائدته ـيد كشف المعنوى بالمحسوس . وأشار النووى بقوله: جُعل فيه شىء يحصل به زيادة فى كمال الإيمان إلى آخره : أنه صلى الله عليه وسلم كان متصفاً بأقوى الإيمان. الثامن عشر : المملوء الصدر أو البطن ففى رواية ذكر البطن وفى غيرها القلب . والظاهر أنهما مُلثا معاً وأخبر صلى الله عليه وسلم فى رواية بالبطن وأخبر فى أُخرى بالقلب، ويحتمل أن يكون أراد القلبَ وذكّر البطن توسعة لأن العرب تسمى الشىء بما قارَبه وبما كان فيه. وقد قال تعالى : ((فمن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيه يَشْرَحْ صَدْرَه للإِسلام(٣))) والمراد بالصّدر فى الآية القلب فسمَّاه باسم ما هو فيه وهو الصدر . التاسع عشر: اختلف فى تفسير الحكمة فقيل : إنها العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكفّ عن ضده ، والحكيمُ (١) غير ط : فى الحديث. (٢) الروض الأنف ١١٠/١ (ط الجمالية). (٣) سورة الأنعام ١٢٥. - ٩٨ - ۔ من حاز ذلك . قال الإِمام النووى رحمه الله تعالى : هذا ماصفًا لنا من أقوال كثيرة . انتهى . وقد تطلق الحكمة على القرآن وهو مشتمل على ذكر ذلك كله ، وعلى النبوة كذلك . وقد تُطْلق على العِلم فقط وعلى المعرفة فقط ونحو ذلك . وقال الحافظ : أَصحِّ ما قِيل فيها : أَنها وَضْع الشىء فى محله والفهم فى كتاب الله تعالى . وعلى التفسير الثانى قد توجد الحكمة دون الإيمان ، وقد لاتوجد . وعلى الأُول فقد يتلازمان لأَن الإيمان يدلُّ على الحِكْمة (١). العشرون: قال بعض العلماء: المراد بالوزن فى قوله ((زِنْه بعشرة من أُمته)) الوزنُ الاعتبارى، فيكون المراد الرجحانَ فى الفضل وهو كذلك . وفائدة فِعْل الملكين ذلك ليعْلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك حتى يُخْبِر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأُمور الاعتقادية . وسأُلتُ شيخَ الإِسلام برهانَ الدين ابن أبى شريف رحمه الله تعالى عن هذا الحديث قبل وقوفى على الكلام السّابق ،فكتب لى بخطّه : هذا الحديث يقتضى أن المعانى جعلها الله تعالى ذواتاً فعند ذلك قال الملك لصاحبه : اجعله فى كِفَّة واجعل ألفاً من أمته فى كفة . ففعل فَرَجَح مالَه صلى الله عليه وسَلَّم رجحانا طاش معه ما لِلأَلف بحيث يخيّل إليه أنه يَسْقط بعضُهم عليه، ولمّا عرف الملكان منه الرجحان وأنه معنّى لو اجتمعت المعانى كلها للأُمة ووضعت فى كفة ووضع ماله صلى الله عليه وسلم لَرجح على الأُمة ، قالا : لو أن أُمته وزنت به مالَ بهم، لأَن مآثر خَيْر الخلق صلى الله عليه وسلم وما وهبه الله تعالى له من الفضائِل يستحيل أن يساوبها غيرها . والله أعلم . (١) ط : تدل عليه الحكمة. - ٩٩ - الباب الخامس عشر فى صفة يديه وإبطيه صلى الله عليه وسلم قال علىّ رضى الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شَئن الكفّين سائل الأَطراف سَبْطِ القَصب رواه الترمذى(١). وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الكفين . رواه أبو يعلى وابن عساكر . وقال أنس رضى الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بَسْطَ (٢) الكفين. رواه البخارى (٣). وقال الحافظ أبو بكر ابن أبى خَيْئمة رحمه الله تعالى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَبْل العَضُدين والذراعين طويلَ الزَّنْدين، وكان معمر الأَوصال سَبْط القصَب كأَن أَصابعه قُضْبان الفَضة . رواه أبو الحسن ابن الضحاك . وقال أبو هريرة رضى الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَبْل الذراعين رواه أبو الحسن ابن الضحاك . (١) شرح الشمائل لابن جسوس ١٩/١ بنحوه. ونحوه أيضا عن هند بن أبي هالة ص ٣٣ من شرح الشمائل. (٢) غير ط: سبط الكفين. ورواية ط موافقة لرواية البخارى فى الصحيح. (٣) صحيح البخاري كتاب اللباس باب رقم ٦٨. - ١٠٠ -