Indexed OCR Text
Pages 521-540
عليه وسلم أَجْود الناسِ وكان أَجْوَدَ ما يكون فى شهر رمضان(١) )) الحديث . وروى أبو يَعْلَى عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا أخبركم عن الأَجْود ؟ الله الأَجود، وأَنا أَجود بنى آدم)). ولهذا مزید بیان فى باب کرمه وجوده صلى الله عليه وسلم . ((أَجْوَد الناس)): تقدَّم الكلام عليه فى الذى قَبْله. ((الأُجَلّ)): بالجيم وتشديد اللام: الجليل العظيم أى الأكثر إجلالاً وعظمة عند الله وعند عِبَاده . (الأَجير (٢): بالجيم نقله ((ع)) عن (٣) بعض الصحف المنزَّلة؛ لأنه يجير أُمته من النار. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم أَرَ من ذّكره غيره، وأخشى أن يكون تصحَّف بأَحْيَد الآتى . ((أَحاد)): كذا ورد(٤) فى السِّفْر الخامس من التوراة ، وليس بين الحاء والدال ألف إنما يفخِّمون الحاء ، وتفسيره عندهم : واحد . ومعناه فيه صحيح من وجوه ، منها : أنه واحد بمعنى آخر الأنبياء وخاتمهم ، ومنها ! أنه واحدٌ فى السيادة على من سواه ، ومنها أنه واحد فى شريعته أَكْمل(٥) الشرائع ، ومنها : أنه واحد فى خصائص خُصَّ بها من أحكام دِينه وأُمورٍ رفيعةٍ غير دينه، كالشَّفَاعة العامَّة والحَوْض المورود والمقام المحمود : وقال الشيخ رحمه تعالى: أُحَاد فى العربية بضم الهَمْزة : اسمُ عَدَدٍ معدول عن واحدٍ واحدٍ ، ولا يبعد أن يكون اسمه صلى الله عليه وسلم فى التوراة هو هذا الاسمَ العربىَّ المعدول ، ووجه العَدْل فيه عن واحد واحد المتكرر : أنه صلى الله عليه وسلم واحد فى أُمور متعددة ؛ (١) صحيح البخارى ٢٤٧/١ (كتاب الصوم). (٢) ط : أجير. (٤) ط : كذا وجد. (٥) ص ت م: لحمد الشرائع، وما أثبته من ط . (٣) ص ت م : فى بعض . - ٥٢٠ - ١ فعُدل عنها إلى أُحَاد ليدل على ذلك باختصار كما هو فائدة العَدْل أَن لا يؤثّى باللفظ مكرراً ، فيكون هذا الاسم مما سمَّاه الله تعالى به من أسمائه . ومعنى الواحد فى حق الله تعالى : الذى لا شريك له فى ذاته وصفاته . (الأحد)): المنفرد بصفات الكمال عن الخَلْقَ أَو بالقُرْب من الحق(١)، وهو من الصفات المشبّهة وأصله : وَحَد بفتح الحاء وبكسرها أَيضا ، فأُبدلت الواو المفتوحة همزةٌ شذوذا ، لأَن قياس المفتوحة أَولَ الكلمة أَن تبقى على حالها . وهو من أسمائه تعالى ومعناه : المنفرد بصفات الكمال. وسيأتى الفرق بينه وبين الواحد بأَنَّه يقال باعتبار الذات، والأَّحد باعتبار الصِّفَات. وقيل : الواحد للوَصْلِ والأَحد للفَصْل . فمِن الواحد وصل إلى عباده النِّعم . ومن الأَحد انفصلت عنهم النِّقم . (الأَحْسَن)): ذكره أبو حفص النَّفِىّ رحمه الله تعالى فى تفسيره، وهو أَفعل: من الحُسْن ، وهو تناسب الأعضاء على ما ينبغى ، والمراد به : المستجمع صفات الكمال . قال تعالى : (( ومن أَحسَنُ قولاً مَّن دعَا إِلى الله))(٢) قال عبد الرزاق فى تفسيره عن مَعْمر عن الحسن البَصْرىّ رحمه الله تعالى: أَنه تلا هذه الآية فقال: هذا حَبِيب الله تعالى، هذا صَفْوة الله ، هذا أَحَبُّ أَهلِ الأَرضِ إِلى الله أَجاب الله تعالى فى دعوته، ودعا الناسَ إلى ما أَجابَ (٣) الله تعالى فيه . وفى حديث أَنس عند عَبْد بن حُمَيْد : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وكان أجود الناس وكان أشجع الناس . وسيأتى الكلام على ذلك فى باب حُسْنه صلى الله عليه وسلم . ويرحم الله تعالى الشَّرف البُوصيرى(٤) حيث قال : فهو الذى تَمَّ معناه وصُورته ثم اصطفاه حبيباً بارئ النَّسَمِ فجَوْهر الحُسْن فيه غير مُنْقسمٍ منزَّه عن شريكِ فى مَحاسِه والشرفَ ابن الفارض حيث قال : وعلى تَفَنُّن واصفِيه بحُسْنه (١) ص : أو بالحق من القرب. (٣) ص ت م : إلى ما أجابه الله. يَفْنَى الزمانُ وفيه ما لم يُوصَفِ (٢) سورة فصلت ٣٣. (٤) ت م : الأبوصيرى . - ٥٢١ - ٦٦ - سبل الهدى والرشاد قال النَّسَفى رحمه الله تعالى: وهذا الاسم مما سدَّاه الله تعالى به من أسمائه . قال تعالى : (( فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ(١))). ((الأَحْثَم): بالحاء المهملة والشين المعجمة : أَفْعل تفضيل من الحِشْمة وهى الوقار والسكينة أَى أَخْشِ الناس ، أَى أَكثرهم وقارا . ((أَحْيَد)»: عَزاه القاضى للتوراة لأَّنه يُحِيد ◌ُمّتَه عن النار. ويروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مرفوعا: ((اسمى فى القرآن محمد وفى الإنجيل أحمد، وفى التوراة أَحْيد لأَنى أُحِيد ◌ُمْتِى(٢) عن النار)) رواه ابن عَدِىّ وابن عساكر بسندٍواهٍ، وضبطه الشيخ تقي الدين الشُّحُنِّى بضم الهمزة والحلبى بفتحها وسكون الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية وكسرها فى آخره دال مهملة وضبطه الماوردى رحمه الله تعالى بمد الألف وكسر الحاء المهملة . وقال فى الشرح : يحتمل أن يكون أَفعل: من حاد عن الشىء إِذا عَدَّل عنه ونفَر منه، وسمِّی به لأنه حاد عن طريق الباطل وعدَل بأُمته إلى سبيل الحق . وهو غير منصرف للعُجْمة والعلمية ، أَو وزن الفعل مع العلمية . (الآخذ الحُجَزات)): بالإِضافة: اسم فاعل من الأَخذ وهو التناول . روى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنما مَثَلى ومثل أُمتى كمثل رجل استَوقَد ناراً فجعلت الدوابُّ والفراش يَفْعن فيها، فأَنا آخذٌ بحُجَزكم وأَنْ تَقخَّمون(٣) فيها)) وروى الإمام أحمد عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَثلى ومَثلكم كمثل رجل أَوقد ناراً فجعل الفراتُن والجَنادب يقَعْن فيها وهو يَذُبُّهن عنها وأَنا آخذ بحُجَزكم وأنتم تُفْلتون من يدى)). الحُجَزات بضم المهملة وفتح الجيم ثم زاى. والحُجَز جمع حُجْزة وهو حيث يثنى طرف الإزار وهو النيفق من السراويل ومحلها الوسط ، فكأنه صلى الله عليه وسلم قال : أَنا آخذ بأوساطكم لأنجيكم من النار والأَخْذ بالوسط أَمْكَن ، فعبّر عنها بالحُجَزات استعارة بعد استعارة (١) سورة المؤمنون ١٤. (٢) كذا فى ط.وفى ص ت م: ((لأنه صلى الله عليه سلم يحيد أمته عن النار)). (٣) ص ت م : وأنتم تقتحمون فيها . - ٥٢٢ - ((الأخِذ الصدقات)): قال تعالى: ((خُذْ من أموالهم صَدَقَّةً تُطَهِّرهم وتُزَكِّيهم بها))(١) الآية وإِن نزلت فى المخلَّفين عن غزوة تبوك ، وفى صدقة التطوع التى هى من تمام توبتهم ، لكنها عامّة لغيرهم وفى الزكاة المفروضة . ولهذا قال ما نعو الزكاة : لا ندفعها إلا لمن صَلواته سَكنٌ لنا ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأخذ الزكاة من أربابها ويفرّقها على مستحقيها كما هو معلوم معروف . (أَخْرابًا)): هو اسمه صلى الله عليه وسلم فى الإِنجيل ، ومعناه آخر الأنبياء )؛ روى ابن أبى شيبة فى المصنَّف عن مصعب بن سعد ، عن كعب رحمه الله تعالى قال : أُول من يأخذ خَلْقة باب الجنة فيُفتح له محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ علينا آية من التوراة أَخرابا قدمابا(٢) الأَوّلون الآخرون(٣). (الأَخْشَى الله)): أخذه الشيخ رحمه الله تعالى من حديث أبى داود: ((والله إنى لأَرْجو أن أكون أَخْشَاكَم لله))(٤) . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: وفيه إِشكال لأَن الخوف والخشية حالةٌ تنشأ عن ملاحظة شدة النِّقْمة الممكن وقوعها بالخائف ، وقد دلَّ الدليل القاطع على أَنه صلى الله عليه وسلم غير مُعَذَّب. وقال تعالى: ((يومَ لا يُخْزِى اللهُ النبيَّ))(٥) فكيف يتصوَّر منه الخوف فكيف أَشد الخوف ؟ . قال : والجواب أن النسيان جائز عليه صلى الله عليه وسلم فإذا حصل النسيان عن موجبات نَفْى العقاب حدث له الخوف ، لا يقال إن إخباره صلى الله عليه وسلم بشدة(٦) الخوف وعِظَم الخشية عِظَم بالنوع لا بكثرة العدد ، أَى إِذا صدر منه الخوف ولو فى زمنٍ فَرْد كان أشدَّ من خوف غيره . والخشية : الخوف وقيل أَعظمه والهَيْبة أعظم منها . وقال سعيد بن جُبَيْر رحمه الله (٢) کذا فى ط ، وفی ص ت م : أخرما با. (١) سورة التوبة ١٠٣. (٣) ص ت م : والآخرون. (٤) الذى فى سنن أبي داود كتاب الصوم باب ٣٦: ((إنى لأخشاكم لله)) وهو أيضاً فى صحيح البخارى كتاب النكاح وصحيح مسلم كتاب الصيام حديث رقم ٧٤ ، ٧٩ . (٥) سورة التحريم ٠٨ (٦) ت م : بشارة الخوف - ٥٢٣ - تعالى : هى أن تخشاه حتى يَحُول بينك وبين المعصية، وعلى قُدْر عِلْمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى كان خوفه . كما سيأتى فى باب: (( خوفه صلى الله عليه وسلم)). وقال الأُستاذ أَبو على الدقَّاق رحمه الله تعالى : الرهبة على مراتب : أولها : الخوف وهى من شرط الإيمان. قال الله تعالى: ((وَخَافونِى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين)) (١) ثانيها: الخشية وهى من شرط العلم، قال الله تعالى: ((إِنما يَخْشَى اللّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ (٢) )) ثالثها الهيبة، وهى من شرط المعرفة . وقيل هى حركة القلب من جلال الرب . وأَمَا وصفه تعالى بها فى قوله تعالى ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)» برفع الاسم الكريم ونصب العلماء عكس القراءة المشهورة كما قرأ به أبو حَيْوة وعمر بن العزيز وأبو حنيفة [فهو ] على سبيل المجاز ، والمراد غايتها التى هى التعظيم والإجلال فقط على حد قوله : أَهابُك إِجلالاً وما بك قُدْرة. علىَّ ولكن مِلْء عين حبيبُها(٣). ((آخر ماخ(٤)): عزاه ((ع)) لصحف شيئ صلى الله عليه وسلم قال: ومعناه صحيح الإسلام . (الأَدْعَج)): بدال وعين مهملتين أَى أُدعج العينين من الدَّعَج محرَّكا كالدُّعْجة بالضم وهو شدة سواد العين مع سعتها . كما سيأتى فى باب صفاته الحسيّة صلى الله عليه وسلم . ((الأَدْوَم)): بفتح الهمزة وسكون الدال المهملة، أفعل تفضيل من المداومة وهى المواظبة على الشئ. وأصل الدوام السكون يقال: دام الماء(٥): إذا سكّن، ومنه حديث الشيخين عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يَبُولَنّ أَحدُكم فى الماء الدائم ثم يغتسل فيه))(٦) . وسمِّى صلى الله عليه وسلم بذلك لملازمته طاعةً ربه تبارك وتعالى . (١) سورة آل عمران ١٧٥. (٢) سورة فاطر ٢٨ . (٣) البيت نسب إلى نصيب بن رباح الأموى فى شرح الأمالى البكرى، كما نسب إلى مجنون ليلى، وهو من شواحد الأشمونى ، انظر شرح الأشمونى ٢٨٨/١. (٤) ص ت م : آخر ما نح . (٥) ص ت م: دام الألم ، وما أثبته من ط . (٦) ط : منه . والحديث فى صحيح البخارى ٣٧/١ كتاب الوضوء، وصحيح مسلم كتاب الطهارة حديث رقم ٩٤ - ٩٦ .. - ٥٢٤ - وروى الشيخان عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: ((كان عمله صلى الله عليه وسلم دِيمَةً وأيكم يستطيع ما كان يستطيع (١) )) ولا ينافى ذلك عدمُ مواظبته صلى الله عليه وسلم على صلاة الضحى ، كما رواه الترمذى وحسَّنه عن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى الضحى حتى نقول لا يدَعها ، ويدعها حتى نقول لا يصلِّيها ؛ لأَن المواظبة على العمل كانت غالب أحواله صلى الله عليه وسلم وقد يتركها لحكمة كما ترك المواظبة على قيام رمضان لمّا عَلِمٍ به أُناسٌ فقاموا بقيامه خشية أن تُفْرض عليهم فُيُحْرجهم . فإن قيل : لم واظب صلى الله عليه وسلم على قضاء سُنَّة الظُّهر لمّا فاتَتْه لاشتغاله مع الوفْد بعد العصر ولم يواظب على قضاءسنة الفجر لَمَّا فاتته مع الصبح فى الوادى مع أَن سُنَّة الفجر آكَد ووقت قضائها ليس وقت كراهة بخلاف سنة الظهر(٢) ؟ أُجيب: بأَن سُنَّة الفجر فاتته صلى الله عليه وسلم مع جَمْع من الصحابة فلو واظَب على قضائها لتأَسَّى(٣) به كلٌّ من فاتته إذا كان من عادتهم الحرص على اقتفاء آثاره صلى الله عليه وسلم والمتابعة له فى أفعاله فيشق ذلك عليهم ، بخلاف سُنة الظهر أو لأنه كان فى سفر فلم يواظب عليها لذلك بخلاف سُنة الظهر . (أُذُن خَيْر)): سمِّى صلى الله عليه وسلم بالجارحة التى هى آلة السمع كأَن جُمْلته أُذن (٤) كما يقال للرَّبِيئة: عَيْن. قال تعالى: ((ويقولون هو أُذُن قل أُذُن خيرٍ لكم(٥))). قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قائل هذه اللفظة نَبْتل(٦) بن الحارث بن مروة المنافق ؛ كان يأتى النبى فيجلس إليه فيسمع منه ، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، رواه ابن أبى حاتم . وقيل هو الجُلَاس بن سُوَيْد. (١) صحيح البخارى ١٠٢/٤ (ط الأميرية) وصحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث رقم ٢١٧. والديمة : مطر يدوم فی سکون بلا رعد ولا برق . (٢) ص ت م: سنة العصر. (٣) ط : بها. (٤) ص ت م : كأنه جملة أذن . (٥) سورة التوبة ٦١ . (٦) ص ت م : نفيل ، محرفة . - ٥٢٥ - قال الحسن ومجاهد رحمهما الله تعالى: ومعنى هو أذن: يسمع منا مَعاذِيرنا ويُنْصت (١) لنا ، أَى نحن لانبالى عن أَذاه والوقوع فيه؛ إِذ هو سمَّاع لكل ما يقال له من اعتذار ونحوه ويقال للسمَّاع (٢) لكل قول: أُذُن؛ لكثرة سمَاعه، سُمىّ بمحلّه. وقيل هو على حذف مضاف وتقديره ذو أُذن أَى ذو سماع، وقيل هو من قولهم أَذِن للشئ بمعنى استمع ، ومنه الحديث: (ما أَذِن الله لشىء كَأَذِنِه لنىٌّ متغنٌّ بالقرآن(٣)). وصفه الله تعالى بذلك إلا أنه تعالى فسَّرَه بما هو مَدْح لنبيه صلى الله عليه وسلم وثناء عليه وإِن كان قَصدوا بذلك ذَّه. والمشهور ضم ذال أُذُن. وقرأَ نافع بسكونها، قال ابن عطية رحمه الله تعالى: ومعنى أُذن خَيْر: سمَّاع خير وحَقّ لا غيره ، والمشهور إضافته . وقرأ عاصم برفع ((خير)) وتنوين ((أُذن)) قال: وهو يوافق تفسير الحسن أى من يقبل مَعاذ يركم خيرٌ لكم. قال العَزَفِىّ رحمه الله تعالى: وأَما اسمه صلى الله عليه وسلم ((أذُن خير)) فهو مما أعطاه من فضيلة الإِدراك لبيان الأصوات فلا يبقى من ذلك خير ولا يسمع من القول إِلا أُحسَنه . فائدة : قال فى الصِّحَاح : الأذُن مؤنثة وتصغيرها أُذَيْنة . ورجلٌ أُذُن يستوى فيه الواحد والجمع . (الأرجح)): الزائد على غيره عِلْماً وفضلا، وفى حديث شق الصدر ثم قال أحدهما - أى الملكين - لصاحبه : زِنْه بعشرة من أُمته فوزننى بهم فرجَحْتهم. ثم قال : زِنْه بمائة من أُمته فوزننى بهم فوزنتهم . ثم قال زنْه بأَلف من أُمته فوزننى بهم فوزَنْتُهم. فقال: دَعْه عنك فلو وزنتُه بأُمته لوزَتهم . أَى لرجّح عليهم فى الفضل(٤) . وقال زهير بن صُرَد رضى الله تعالى عنه يمدحه(٥) صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا: إن لم تَداركهم نَعْماء تَنْشرها يا أَرْجَحَ الناسِ حِلْما حين يُخْتِبرُ (٦) (٢) ص ت م : للسامع . (١) ط : وينصلنا. (٣) أخرجه مسلم فى صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحسان تحسين الصوت بالقرآن حديث رقم ٢٣٢. (٥) ص : يمدح النبى. (٤) سبق ذكر الحديث بطوله فى هذا الجزء. (٦) البيت لزهير بن صرد، أبو صرد، وهو خطيب وفد هوازن الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة يسألونه أن يرد إليهم ما أصاب منهم من أموال وسبايا ، والقصة رواها يونس بن بكير عن ابن إسحاق وأوردها ابن كثير فى سيرته ٦٦٧/٣ . - ٥٢٦ - (أَرجح الناس عَقْلًا)): روى أَبُو نُعَيْم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: قرأت فى أَحد وسبعين كتابا فوجدت فى جميعها أَن اللهتعالى لم يُعْطِ جميعَ الناس من بدءِ الدنيا إلى انقضائها من العقل فى جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إِلا كحبّة رمل من بين جميع رمال الدنيا ، وإِن محمدا صلى الله عليه وسلم أَرجح الناس عقلا(١). وسيأتى لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى فى الكلام على عقله صلى الله عليه وسلم . (الأَرحم)): أَفْعَل: من الرَّحمة أَى أَكثر الناس رحمة، وسيأتى بيانها إِن شاء الله تعالى. (أَرْحَم الناس بالعيال)): وسيأتى الكلام عليه فى باب شفقته صلى الله عليه وسلم . (الأُزَجّ)): بفتح الزاى وتشديد الجيم أَى أَزجّ الحاجبين أَى المقوَّس الحاجب الوافر شعره . كما سيأتى بيان ذلك فى باب صفاته صلى الله عليه وسلم . (الأَزْكَى)): بالزاى: الطاهر، أَفْعَل من الزكاة وهى الطهارة أَى أَزْكَى العالمين. أَى أَطهرهم . ((الأَزْهَر)): من الزهارة وهى الرونق. روى مسلم عن أنس رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَزْهَر اللون(٢)، قال الإِمام النَّووى: معناه أبيض مستنير فهو بمعنى ما رواه ابن حِبّان عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبْيَض . ولهذا مزيد بيان فى باب صفة لونه صلى الله عليه وسلم . (الأَسَدّ)): بفتح الهمزة والسين وتشديد الدال المهملتين: المستقيم وهو أفعل: من السَّدَد محركةً كالسداد وهو الاستقامة والتوفيق للصواب من القول والعمل، يقال : سَدَّدة تسديدا: إِذا(٣) قوَّمه ووفقه للسداد. وسَدَّ يَسِدٌ، كَفَرَّ يفِر: صار سديدا أَى مستقيما واستَدّ: استقام. وأَسَدَّ: أَصاب السداد أَو طلبه (٤). وسَدَّ الثلمة: أَصْلَحها وأوثقها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أَكثر الناس مُلْكا وأُنسا وجَمْعًا(٥) وسَدَادا أَى استقامة وتوفيقا وإِصلاحاً لِغَلم الرأى وإصابةً للصواب، لأَن جميع ما يصدر منه صلى الله عليه وسلم ولو على سبيل الاجتهاد مستند إلى الوحى ، ولهذا كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم (١) لم أجده فى حلية الأولياء لأبي نعيم فى ترجمة وهب بن منبه، ولا فى دلائل النبوة المطبوع. (٣) ط : أى قومه. (٢) صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ١١٣. (٤) ص ت م : أو طلب . (٥) ط ص : وجنا ، وما أثبته من ت م. - ٥٢٧ - لا يخطئ كما صوَّبه السُّبكى ، ولهذا مزيد بيان فى أبواب عصمته صلى الله عليه وسلم . (أَشْجَع الناس)): من الشجاعة وهى شدة القلب عند البأس، وتقدم فى أَحْسَن، وسيأتى الكلام عليه فى باب شجاعته صلى الله عليه وسلم . (الأَشَدّ حياء من العذراء فى خِدْرِها)): أَى أَ كثر حياء. والحياء يُمَدّ ويُقْصر وهى انقباض النفس عن القبيح مخافةً الذم ، وسيأتى الكلام على ذلك فى باب حيائه صلى الله عليه وسلم . (الأُشْنَب)): بالمعجمة وفتح النون فموحدة من الشَّنبمحركا وهو رونق الأسنان ورقة مائها وقيل رقتها وعذوبتها(١) ، وسيأتى بيانه إِن شاء الله تعالى فى باب صفة فمه وأَسنانه صلى الله عليه وسلم .. (الأَصْدَق)): أَفعل تفضيل. للمبالغة(٢) وأَصله الثبوت والقوة يقال رجل(٣) صدق إذا كان قويا على الطعن ثابتا فيه ، ولا أَحدَ أَقْوَى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أَثْبَت على الحق منه ، فهو صلى الله عليه وسلم أَصْدَق الناس لهجة وأثبت على الحق وأقوى فى الله . وفى حديث على رضى الله تعالى عنه عند الترمذى فى الشمائل : هو أَصْدَق الناس لَهْجة . وهذا الاسم مما سمَّه الله تعالى به من أسمائه قال الله تعالى ( ومَنْ أَصْدَقُ مِنِ اللّه قِيلاً)(٤) (أَصْدَق الناس لَهْجة)): وتقدَّم معناه. واللَّهجة بفتح الهاء وسكونها لغةً : اللسانُ. وقيل طرفه أَى أصدق الناس لسانا . (الأَطْيَب)): أَى الأَّفضل والأشرف، أَو الأكثر طيبا. أَى أَفْعَل: من الطيب وهوحُسْن الرائحة . ((الأَعَزّ)): بمهملة فمعجمة: أَفْعَل: من العِزِ أَى الكثير العِزَّة وهى الغلبة والقوة . ٠٠. (الأَعْظَم)): أى أحسن الناس خَلْقًا وخُلقا لأَنه أَفعل: من العظمة وهى ترجع إلى كمال الذات وتمام الصفات ، وذلك غاية الحُسْن وكماله . (الأَعْلَى)): أَفْعَل: من العُلُوّ وهو الرفعة، أَى الأكثر علوًّا أَى رفعةً على غيره . قال أبو حفص (١) ط : وعذبها. (٢) ص : من المبالغة .. (٣) كذا فى ص ت م، وفى ط : يقال رمح صدق . (٤) سورة النساء ١٢٢ . - ٥٢٨ - النَّسَفى رحمه الله تعالى فى تفسيره : وهو مما سمّاه الله تعالى به من أسمائه ، وأُورد فيه قوله تعالى: ( وهو بالأُفُتى الأَعْلَى (١) ) وفى الأخذ من الآية نظر . قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولم يظهر لى وجه الأخذ منه لأَنَّا وإن جعلنا الضمائر فى) ((استوى)) و((هو)) و((دنَا)) ((فتدلَّ)) ((فكان)» للنبى صلى الله عليه وسلم وهو قولٌ مرجوح فى التفسير لم يصحّ أيضا جَعْل الأَعلى صفةً له لأن الضمير لا يوصف كما تقرر فى النحو إلا على رأىٍ ضعيف وكأنَّه جعله حالاً من ضمير استوى. وجملة ((وهو بالأُفق)) مبتدأ وخبر حالاً أيضاً . والتقدير: فاستوى الأَّعلى أى عليًّا حالة (٢) كونه بالأُفق وهو بعيد جدا ولم يظهر لى فيه غير ذلك . (الأَعْلَم بالله )): والمراد العلم بالله تعالى وصفاته وما يجب له كما قال فى حديث ضعيف رواه الإمام أحمد: ((أَنا أَتْقاكم الله(٣) وأَعْلمكم بحدود الله)) وهو فوق العِلْم المتعارَف، فذاك يأتى بيانه فى شرح اسمه العالم . الأَغرّ : بالغين المعجمة والراء : الشریف الکریم الخيار . قال حسان بن ثابت - رضى الله تعالى عنه - يمدحه صلى الله عليه وسلم : أَغَرُّ عليه للنبوّة خاتٌَ من الله مشهودٌ يَلُوح ويشهدُ(٤) ((أَفصح العرب)): كذا ورد فى حديث ذكره أصحاب الغريب بهذا اللفظ . قال الحافظ العلامة عماد الدين بن كثير والشيخ - رحمهما الله تعالى: ولم نقف على سنده . وروى أيضا: ((أَنا أَفْصَح من نطق بالضاد بيد أَنىِّ من قريش)) أى من أجل أَنى منهم(٥) . ومعنى أفصح من نطق بالضاد : أفصح العرب لأنهم هم الذين ينطقون بها ، وليست فى لغة غيرهم. وأَفْصَح: أَفعل تفضيل من فَصُح الرجل: جادت لغته لا من أَنْصَح إذا تكلم بالعربية ؛ لأَن أفعل التفضيل لا يُبنى إلا من ثُلاثى(٢). وفى الصِّحَاح: رجل فصيح وكلام فصيح أَى بَلِيغ . ولسانٌ فصيح أَى طَلْق . (١) سورة النجم ٧ . (٢) ط : حال . (٣) ط ت م: بالله. وما أثبته من ص. (٤) ديوانه ٤٧ (ط صادر). (٥) ص ت م: أى من أجل أنى من قريش، أى أجل أنى منهم ، وما أثبته من ط . ٠ (٦) ت م : إلا من ثلاث. - ٥٢٩ - ٦٧ - سبل الهدى والرشاد ومَرْجع الفصاحة إما إلى الوضوح، ومنه: أَفْصَح الصبحُ إِذا بدا ضَوْءِه . ويقال لكل واضح : مُفْصح . أَو إِلى الخُلوص. ومنه: أَفصّح اللبنُ إِذا أُخذتْ منه الرغوة ولهذا مزيد بيان فى باب بيان صفاته الحسّية صلى الله عليه وسلم . ((أَكثر الأنبياء تبعا)): بفتح التاء الفوقية والموحّدة : جمع تابع كخدَم جمع خادم. 1 روى مسلم عن أنس بن مالك - رضى الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى اله عليه وسلم: ((إِنّ من الأنبياء من يأتى يومَ القيامة ما معه مُصَدِّق غير واحد (١)) وقولُه صلى الله عليه وسلم فى حديث أبى هريرة ((وأرجو أن أكون أكثرهم تبعا (٢)) لعله قبل أَنْ يُكْشَف له عن أمته ويراهم . وقد حقق الله تعالى رجاءه صلى الله عليه وسلم كما سيأتى بيان ذلك فى الخصائص . ((الأَكْرَم)): المتصف بزيادة الكرم على غيره. وقال بعض العلماء: الكرم كالحرية إلا أنها تقال فى صغير المحاسن وكبيرها ، والكرم لا يقال إلا فى كبيرها فقط ولذا قال تعالى: ((إِنَّ أَكْرَمَكم عند الله أَتْقَاكَم))(٣). روى الدارِمىّ عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى اله عليه وسلم: ((أَنا أكرم الأَوَّلين والآخرين على الله ولا فخر(٤))). ومن كرامته صلى الله عليه وسلم على ربه أنه(٥) أَقسم بحياته وأَشفق عليه فيما كان بتكلفه من العبادة وطلب منه أن يقلِّلها ، ولم يطلب ذلك من غيره بل حضّهم على الزيادة ، وأَقْسَم له أنه من المرسَلين وأنه ليس بمجنون وأَنه لعَلى خُلق عظيم وأنه ما ودِّعه وما قلاَه . وولد صلى الله عليه وسلم مختونًا لئلا يرى أحدٌ عورته ، واستأذن عليه ملك الموت فى الدخول وفى قَبْض روحه الزكية ولم يفعل ذلك بأحد قبله . وهذا الاسم مما سماه الله تعالى به من أسمائه قال تعالى: ((وربُّك الأَكْرَم(٦)) ومعناه: الذى (١) صحيح مسلم كتاب الإيمان حديث رقم ٣٣٢، ونصه: ((وإن من الأنبياء نبياً ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)). (٢) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه كتاب الاعتصام وكتاب فضائل القرآن، ومسلم فى صحيحه كتاب الإيمان حديث رقم ٠٢٣٩ (٣) سورة الحجرات ١٣ . (٤) سنن الدارمى ٢٦/١، وصحيح الترمذى ٢٨٣/٢. (٦) سورة العلق ٣. (٥) ط : أن . - ٥٣٠ - له الكمال فى زيادة الكَرم(١) على كل كريم. أَو الذى أَنعَمَ على عباده بالنعم التى لا تُحصَى ويَحْلَم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة على كفرانها سبحانه وتعالى . ((أَكْرَم الناس)) .. ((أَكْرَم ولد آدم)). كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى حديث الشفاعة . ((الإِكليل)): التاج. ويقال التاج المدوَّر. وهو صلى الله عليه وسلم تاج الأنبياء ورأس الأَصفياء ، وسمِّى به - صلى الله عليه وسلم- لشرفه وعلوه، أو لإِحاطة رسالته وشمولها كما سمى(٢) الإِكليل لإِحاطته بالرأس . ((الأَمْجَد)): أَفْعَل من المجد وهو الشرف . ((الآخِرِ الناهِى)): اسما (٣) فاعل من الأمر والنهى قال تعالى: (يأمُرُهم بالمعروف ويَنْهاهم عن المنْكَر (٤)) وكان ذلك فى حقه صلى الله عليه وسلم فرض عَيْن كما قاله الجُرْجَانى فى شافيته وفى حَقِّ غيره فرض كفاية . قال الشرف البوصيرى رحمه الله تعالى : نبيُّنا الآمِرُ الناهى فلا أَحد أَبرُّ فى قول ((لا)) مِنْه ولا («نَعَمٍ )) قال العَزَفِىّ: وهذا الوصف على الحقيقة لله تعالى، ولكنه لمّا كان الواسطة بين الله تعالى وعبيده أضيف إليه ذلك إِذ هو الذى يُشاهَد آمِرا وناهيا ويُعْلم بالدليل أن ذلك واسطة ونقل من الذى له ذلك الوصف حقيقةً . انتهى . والأُمْر له معان، المقصود منها هنا : طلب إيجاد الشئ . والنَّهْى: طلب تركه(٥) ويُعتبر فيهما العلوّ على الأصح عند الشيخ أبى إسحاق الشيرازى - رحمه الله تعالى - وجماعة من أهل الأصول أى كون الطالب عالى(٦) الرّتْبة على المطلوب منه والاستعلاء بأن يكون الطلب بعظمة على الأَصح عند الإمام الرازى والآمدىّ وابن الحاجب . إذا عُلم ذلك ففى وصف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالآمر والناهى دلالة على علوّ شأنه واستعلاء منصبه ورفع(٧) قدره على جميع الأَنام ، وينشأ من هذا وجوبُ امتثاله (١) ص ت م: فى زيادة الإكرام. (٢) ط : كما يسمى. (٤ ) سورة الأعراف ١٥٧ . (٦) ص ت م : على الرتبة . (٣) ص ت م : اسم فاعل . (٥) ص ت م : طلب الترك. (٧) ط : ورفعة قدره . - ٥٣١ - صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أَمَر به ونهى عنه كما قال تعالى: ( وما آتاكُم الرسولُ فخُذُوه وما نَهاكم عنه فانتهوا(١) ) . الإِمام : المقتدَى به فى الخير أو غيره يطلق على الواحد نحو (إِنِّى جاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا(٢) ) والجمع نحو ( وَأَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاءً)(٣) قال حسان - رضى الله تعالى عنه - يمدحه صلى الله عليه وسلم : إِمامٌ لهم يهديهم الحقَّ جاهدا مُعَلِّم صِدْق إِن يطيعوه يَهْتَدُوا (٤) وسمى به صلى الله عليه وسلم الاقتداء الخَلْق به ورجوعهم إلى قوله وفعله - زاده الله تعالى شرفا وفضلا . ((إِمام الخير)): روى ابن ماجه عن ابن مسعود - رضى الله تعالى عنه - قال: إذا صلَّيتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرض عليه . قالوا له : علِّمنا . قال : قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمَتك وبركاتك على سيِّد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة ، اللهم ابعثه المقامَ المحمود الذى يَغْبطه فيه(٥) الأَوَّلون والآخرون (٦))). ((إِمام العالمين)): العالَم بفتح اللام(٧) اسم جنس غير علَم يجمع على عَوالم وعلى عالمين أيضا إن قلنا باختصاصه بمن يعقل وأنه اسم للتَّقَلَيْن خاصة كما ذهب إليه الزمخشرى - رحمه الله تعالى - لاشتقاقه من العِلْم، وإن قلنا بعدم اختصاصه بهم وأنه اسم لِمَا سِوَى الله تعالى -. وهو الصحيح - لأنه مشتق ـ من العلامة بمعنى أن كل موجود يدل على وجود البارى سبحانه وتعالى ، فليس العالمون جمعًا له لأنه عامّ والعالمون خاص بمن يعقل ، والجمع لا يكون أَخصَّ من المفرد ؛ ولذا قال سيبويه - رحمه الله تعالى -: ليس الأعراب الذين هم من أهل البادية جمعًا للعَرب الذين يطلقون عليهم وعلى أهل القرى . (١) سورة الحشر ٧ . (٢) سورة البقرة ١٢٤. (٣) سورة الفرقان ٧٤ (٤) ديوانه ص ٥٥، وفى ت، م، ص: يرشدوا، وما أثبته من ط موافقاً لرواية الديوان . (٥) ط : به . (٦) سنن ابن ماجه حديث رقم ٩٠٦ (كتاب إقامة الصلاة). (٧) ط : بالفتح . - ٥٣٢ - قال الإِمام البغَوِىّ رحمه الله تعالى: ((وقد اختلف فى مبلغ العوالم فعن سعيد بن المسيب. ألف: ستمائة فى البحر، وأربعمائة فى البَرّ. وقال مُقَاتِل: ثمانون ألف عالم: أربعون فى البر ، وأربعون فى البحر . وقال كعب : لا يحصِى عدد العوالم إلا اللّه تعالى ( وما يَعْلم جُنُودَ رَبِّك إلا هو (١) )). إمام العامِلين : جمع عامِلِ أَى العُبّاد . إمام النَّقين : أَى الذين يقتدون به ويتبعون هَدْيه : جمع مُتَّقٍ ، وهو من اتقى الشرك وتجنّب الشَّكَّ والمخالفات . وتقدَّم فى إمام الخير . ((إمام النبيين)). ((إِمام الناس )) : روى الإمام أحمد والترمذى عن أبى بن کعب - رضى الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة كنتُ إِمامَ النبيين(٢) وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر)، ولفظ الإمام أحمد: كنت إمام الناس(٣). ونكتة تخصيصه بيوم القيامة يأتى فى اسمه صلى الله عليه وسلم: ((سيِّد الناس)). (الأمان)) : روى الإمام أحمد والترمذى عن أبى موسى - رضى الله تعالى عنه قال: أَمَانان كانًا على عَهْد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رُفع أحدهما وبَقِى الآخر ( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرون (٤) ) . ولفظ الترمذى: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَنزل الله علىَّ أَمانين لأمّىٍ))". فذكره. وزاد: ((فإذا مضيتُ تركت فيكم الاستغفار إلى يوم القيامة (٥) )). و کان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانًا لأمته وقومه من العذاب ؛ إذ درأَه الله تعالى عنهم بسبب كَوْنه فيهم . قال بعضهم : النبى صلى الله عليه وسلم هو الأَمان الأَعْظم ما عاش وما دامت سُنَّته باقية فهو باق، فإذا أُميتت فانتظروا البلاء والفِتَن ! ((الأُمنة» : روَی البيھیعن أبى موسى۔۔ رضی الله تعالى عنه - قال : رفع رسولُ الله- صلى (٢) ت م : إمام المتقين . (١) سورة المدْر ٣١. (٢) مسند أحمد ١٣٧/٥، ١٣٨، وصحيح التر مذى ٢٨٢/٢. (٤) سورة الأنفال ٣٣، والحديث فى مسند أحمد ٣٩٣/٤، ٤٠٣ (ط الميمنية). (٥) صحيح الترمذى ١٨١/٢ (كتاب التفسير)، ونصه: (( ... إذا مضيت لتركت فيكم الاستغفار)). - ٥٣٣ - الله عليه وسلم - رأسه إلى السماء فقال: ((النجومُ أُمَنة السماء فإِذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعد، وأَنا أَمَنة أَصحابى فإِذا ذهبتُ أَتى أَصحابى ما يوعدون، وأَصحابى أَمنَةٌ لأمتى فإذا ذهب أصحابى أتى أُمتى ما يوعدون(١) )). والأُمَنة بضم الهمزة وفتح الميم وبفتح الهمزة أيضا : الوافر الأمانة الذى يؤتمن على كلا شىء. وسمى صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الله تعالى استأمنه على وحيه . أو الحافظ أَى حافظ لأصحابه يدفع به الله قيل من البدع وقيل من الاختلاف والفتن ، ولا ينافى هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بأمةٍ رحمةً(٢) قَبض نبيَّها قَبْلَها)) لاحتمال أن يكون)) المراد برحمتهم أَمْنهم - من المسْخ والخسف ونحو ذلك من أنواع العذاب، وبإتيان ما يوعَدون من الفتن بينهم(٣) بعد أن كان بابها مُنْسدًا(٤) عنهم بوجوده صلى الله عليه وسلم أو معنى الأَمن كما فى قوله تعالى: ( إِذ يُغَشِّيكم(٥) النعاسَ أَمَنَةً مِنه(٦)) وسمى به صلى الله عليه وسلم: لأَّنه أَمان المؤمنين من العَذَاب والكافرين من الخَسْفِ والعقاب . (الأُمّة)): الجامع للخير المقتدى به أَو المعلِّم للخير. وأَصل الأُمة: الجماعة. وسمى به صلى الله عليه وسلم كما سمّى به إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لأَنّه اجتمع فيه صلى الله عليه وسلم من الأوصاف الحميدة والخصال الجميلة ما لم يجتمع فى أُمة كثيرة من الناس . المّ. المرّ(٧). المصّ ذكرها ((د)) والمشهور أَنها من أسماء الله تعالى فإن صحَّ ما قاله كانت مما سمَّاه الله تعالى به من أسمائه وقد بسطتُ الكلام على ذلك فى كتاب ((القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز)). ((الأَلْمعِىّ)): بالهمز أوله والياء آخره: الحديد القَلْب واللسان، الذكىّ المتوقّد، مأخوذ من لَمْع النار وهو لهبها وإضاءتها كأَنّه لفرط ذكائه إذا لمع أول الأمر عَرف آخره كما قال أَوْس بن حُجْر (٨): (١) الحديث فى صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة حديث رقم ٢٠٧ . (٢) ط : رحمة أمة . (٣) ص ت م : منهم. (٤) ص : مسدوداً. (٥) الأصل : إذ يغشاكم . (٦) سورة الأنفال ١١ . (٧) ص ت م: المر . الر. (٨) الأصول: أوس بن صخر، محرفة، والبيت من شواهد اللسان ٢٠٣/١٠، ورواية اللسان : .. يظن لك الظن .. - ٥٣٤ - الأَلْمَعِىّ الذى يظُنّ بك الظنَّ كأُنْ قد رأَى وقد سَمِعًا ومثله الأَلْمَع بلا ياء . واليَلْمَع بالتحتية أوله كيسمع. واليلمعى بياءين أوله وآخره. هذا هو الصحيح المشهور ، الموجود فى نسخ القاموس المعتمدة وغيره من كتب اللغة . وأَما ما فى بعض نسخه تبعا لقول الليث : اليلمع: الكذَّاب مأخوذ من اليلمع وهو السَّراب فخطأ باطل . كما قال الأزهرى وغيره من أئمة اللغة ، مستدلاً بأن العرب لم تضعه إلا فى موضع المدح . قال : وما علمت أحدا من أئمة(١) اللغة قال كما قال الليث رحمه الله تعالى. ((الآمِن)): بالمد وكسر الميم كصاحب: الخالص التقى والشريف النقى، وهو اسم فاعل من الأمن وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف كالأَمان والأمانة . يقال أَمِن كفرح أَمْنا وأَمَانًا بفتحهما وأَمَنًا وأَمَنةً محركين وإِمْنا بالكسر فهو آمن وأَمِن كفَرِح، وأَمين كأمير (٢). وسمِّى به صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى أَمَّنه يوم القيامة فقال تعالى: ( يَوْم لا يُخْزى الله النبيّ(٣) ) والحكمة فى ذلك أن يفرغ إلى شفاعة أُمته إذا قال سائر النبيين(٤): نَفْسى نفسى ، ولو لم يؤمنه كان مشغولا كغيره من الأنبياء . انتهى وقد ورد فى تأمينه صلى الله عليه وسلم حديث رواه الطبرانى فى الأوسط بسند واه . ولأَنه صلى الله عليه وسلم كان آمنا من شر الخلق وكيدهم ، لأن الله تعالى عصّمه من الناس وحماه منهم(٥). كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه عمُّه أبو طالب من يَكْلُه حتى نزلت ( والله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس(٦) ) فذهب ليبعث معه فقال: يا عمّ قد عصّمنى الله فلا حاجة لى بذلك. كذا فى شرح النظم ، وفيه نظر لقوله بعد : إن الآية نزلت عام تبوك ، وأبو طالب - مات قبل الهجرة . والله تعالى أعلم . ولا يُسْتشكّل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (( مازالت أَكْلة خيبر تُعادّفى(٧) فقطعت أَبْهَرى)) لأَن الآية نزلت عام تبوك والسم قبلها بخيبر ، ولا ما وقع له من الأذى يوم أُحُد (١) ط : من أهل اللغة. (٣) سورة التحريم ٨. (٥) ط : من الناس. (٧) ص ت م : تعاودنى . (٢) ت م : كأسير . (٤) ط : الأنبياء. (٦) سورة المائدة ٦٧ . - ٥٣٥ - لأن المراد يعصمك من القتل وعليه أن يحتمل ما دون النفس . وأَما أُمْره بعد ذلك بالحراسة فللتشريع . قوله: ((تُعَادّنى)) قال فى الصحاح: العِدَاد: اهتياج وَجع اللديغ(١) وذلك إذا تمَّت له سَنة مُذْ يوم لُدِغ احتاج به الألم ، يقال عادته اللسعة : إذا اشتد العداد . ((الأمين)): ذكره ابن فارس. ومعناه: القوى الحافظ الذى يوثق بأمانته ويُرغب فى ديانته، فَعيل بمعنى فاعل من أَمُن ككرم فهو أَمين وأُمَّان كرُّمَّن. قال الله تعالى: ( إِنَّه القَولُ رسولٍ كريم ذى قوة عند ذى العرش مَکِین مطاع ثمّ أَمین(٢)) فى أحد القولين ، ونسبه القاضى لأكثر المفسرين ، أن الرسول المذكور : محمد صلى الله عليه وسلم . وقد كان يُدْعى بذلك فى صغره لوقاره وصِدْق لهجته وهديه واجتناب القاذورات والأدناس . قال كعب بن مالك فيه صلى الله عليه وسلم : أمينٌ مُحَبٌّ فى العباد مُسَوَّم بخاتم ربِّ قاهرٍ للخواتم وسيأتى قولُ قريش عند إرادة بناء البيت(٣): هذا الأَّمين(٤). . روى مسلم عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله تعالى عنه - مرفوعا: ((أَلا تأمنونى وأَنا أمين من فى السماء يأتينى خبرُ من فى السماء صباحا ومساء(٥) )) وسمِّى بذلك لأنه حافظ الوحى قوى على الطاعة . . أو : المأمون. أَى المؤتمن بفتح الميم ، فعيل بمعنى مفعول من الائتمان وهو الاستحفاظ والوثوق بالأمانة ، يقال: أَمِنه كسمعه وأَمَّنه وائتمنه واستأمنه أى استحفظه ووثق بأَمانته. فهو أَمين ومأمون ، أَى موثق به . وسمِّى صلى الله عليه وسلم بذلك لأن الله تعالى ائتمنه! على وحيه وجعله واسطة بينه وبين خَلْقه وكساه من الأمانة التى هى ضد الخيانة حُلَّة وافرة وتَوَّجه بتاج الصدق المرصِّع بدررها الفاخرة. والمراد فى قوله تعالى: ( إِنا عَرضْنا الأمانة على السموات والأرض (٦) ) الفرائض المفروضة. وقيل: النية القلبية لأن الله تعالى ائتمن العباد عليها، ولم يُظْهرها لأحد من خَلْقه ، فمن أَضمَر التوحيد مثل ما أَظهره فقد (١) ط : الذيع . (٣) ص ت م : بناء الكعبة. (٢) سورة التكوير ١٩ - ٢١. (٤) فى ص زيادة: إن شاء الله تعالى. (٥) صحيح مسلم كتاب الزكاة حديث رقم ١٤٣، ١٤٤. (٦) سورة الأحزاب ٧٢ . - ٥٣٦ - أدى الأمانة ، ومن لا فلا. وقيل : المراد بها العقل . وقيل : العدالة . وقيل غير ذلك. ((الأُمىّ)): قال تعالى: (الذين يتَّبعون الرسولَ النبيِّ الأُمىّ(١)) وهو الذى لا يُحْسن الكتابة، كما فى الحديث: (( إِنَّا أُمة أُمّية لا نَحْسب ولا نكتب(٢))) نسبة إلى الأمّ كأَنّه على الحالة التى ولدته أمُّه . وكانت الأمية فى حقه صلى الله عليه وسلم معجزةً وإن كانت فى حق غيره ليست كذلك. قال القاضى - رحمه الله: لأن معجزته العظمى القرآن العظيم إنما هى متعلقة بطريق المعارف والعلوم مع ما مُنح صلى الله عليه وسلم وفضِّل به من ذلك . ووجود مثل ذلك. ممن لا يقرأ ولا يكتب ولا يُدَارِس (٣) ولا ثُقِّن مُقتضى(٤) العجب ومنتهى العِبَر ومُعْجزة(*) البشر ، وليس فيه إذ ذاك نقيصة ، إذ المطلوب من القراءة والكتابة المعروفة (٦) ليست المعارف والعلوم إلى آخر ما تقدم ، وإنما هى آلة ووساطة موصِّلة إليها غير مرادة فى نفسها ، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استُغنى عن الواسطة . تنبيه : قال القاضى - رحمه الله: من وصَف النبيّ صلى الله عليه وسلم بالأُمّة أَو نحوها من اليُتم وما جرى عليه من الأذى ، فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوّته صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك كان حسنا ، ومن أراد ذلك على غير وجهه وعُلم منه سوء قَصْده لحق بما تقدم، أَى بالسابّ(٧) فيُقتل أو يؤدَّب بحسب حاله. ولهذا مزيد بيان يأتى فى الخصائص إن شاء الله تعالى . الأُمّىّ : قرىء بها. قال ابن عطية - رحمه الله: هو منسوب إلى الأُمّ بمعنى القصد ، أَى أَن(٨) هذا النبى مَقْصد للناس وموضع أَمّ، يَؤُمّونه فى أفعالهم(٩) وشَرْعهم. فعلى هذا يكون اسمًا آخر. وقال ابن جِنّى: يحتمل أَنه بمعنى الأمىّ غُيِّر تغيير النَّسَب فيكون لغة أخرى لا اسما آخر . (١) سورة الأعراف ١٥٧. (٢) الحديث فى صحيح البخارى ٢٤٨/١ (كتاب الصوم). (٣) ص ت م: ولا يدرس، وما أثبته من ط . (٥) ص ت م : وعجزة. (٧) ص : بالسباب. (٩) ط : بأفعالهم. (٤) ص ت م : يقتضى. (٦) ط : المعرفة. (٨) ص : أى أم . - ٥٣٧ - ٦٨ - سبل الهدى والرشاد (أُنْعُم الله)): بفتح الهمزة وضم المهملة، جمع نِعْمة فى الأُّصل وهى الإِحسان وسمِّى بذلك". لأنه نعمة من الله تعالى على عباده وبعثته رحمة لهم، وحصل بوجوده للخَلْق نِعَم كثيرة منها الإِسلام والإنقاذ من الكُفْر والأَمْن من الخَسْف . ٠ ((أَنْفَس العَرَب)): قال الله تعالى: ( لقد جاءكم رسولٌ من أَنْفسِكم(١) ) على قراءة الفتح، وقد روى الحاكم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ :- (أَنفَسكم)) بفتح الفاء أَى من أَعْظمكم قَدْرا . وأَنْفس: أَفْعل من النَّفَاسة وهى الشَّرف والعلوّ والعز، ومنه: دُرُّ نَفِيس أَى عزيز المثل. والجمهور أَن المخاطب بهذه الآية العرب ، وإذا كان صلى الله عليه وسلم أَنفَسهم كان أَنفس الخَلْق، لأَنهم أفضل من غيرهم ولكن إنما فضلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه منهم قال الشاعر : وكم أَبٍ قد علاَ بابنٍ ذُرَى شَرفٍ كما عَلَتْ برسولِ الله عَدْنانُ ((أَوْفَى الناس ذِمَامًا)): بكسر الذال المعجمة أى أكثرهم حُرْمة وأشدهم مهابة قال حسان - رضى الله تعالى عنه : وما حَمِلتْ من ناقةٍ فَوْق رَحْلها أَبَّ(٢) وأَوْفِى ذِمَّةً من محمدٍ (الأَنْورَ المتجرَّد)): أَى المشرق. والمتجرَّد بفتح الراء: كل ما يتجرد عنه من بدنه فيُرى(٣). (الأُوَّاه)) : بتشديد الواو . قال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو: ((ربِّ اجعلنى شَكَّارًا لك ذكَّارا لك رهَّابا لك مِطْواعا لك مُخْبتا لك أَوَّاهَا منيبا (٤) » الحديث. قد اختُلف فى معنى الأَوَّاه على أقوال حاصلها : أَنه الخاشع المتضرع فى الدعاء المؤمن التوَّاب والموقن المنيب الحفيظ بلا ذَنْب ، المسبِّح المستغفر بلا خطأ ، الحليم الرحيم المطيع المستكنّ إِلى الله تعالى ، الخائف الوجِل الذاكر التالى للقرآن، وهو صلى الله عليه وسلم متصف بجميع ذلك . ((الأوسط)): العادل أو الخيار من كل شئ ويرحم الله تعالى القائل: (١) سورة التوبة ١٢٨. (٢) ط : أعز. (٣) من ط . (٤) الحديث أخرجه أحمد فى مسنده ٢٢٧/١. - ٥٣٨ - يا أَوسطَ الناسِ طُرًّا فى تفاخرهم وفى فاضلهم يا أَشْرِف العرب (١) وقد وصف الله تعالى أمته صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ( وكذلك جعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا(٢) ) أَى عدولا خيارا وأَهل دين وسط بين الغُلوّ والتقصير. ((الأَوْلَى)): أَى الأَولى بالمؤمنين من أنفسهم أَى أجدر وأَحْرَى فى كل شئ من أمور الدنيا والدين من أنفسهم . وسيأتى لهذا مزيد بيان فى الخصائص إِن شاء الله تعالى. الأَوَّل : السابق المتقدم على غيره ، أَو الذى يُقْتَدى به ، وهو هنا غير مصروف لكونه جُعل علما له صلى الله عليه وسلم ولوزن الفعل ، ثم هو عند البصريين صفة جارية فى اللفظ مطلقا مجرى أَسْبَق الذى هو أَفعل تفضيل من السَّبْق فيلزم إفراده وتذكيره وإيلاؤه من حيث جُرّد من اللام ، وإِن نويت إضافته بنى على الضم . ((الآخر)): ضد الأول: اسم فاعل من التأخر ضد التقدم. وفى حديث أَنس عند البيهفى فى قصة الإِسراء : ثم لقى خَلْقا من خَلْق الله تعالى فقالوا: السلام عليك يا أَوَّل ، السلام عليك يا آخر ، السلام عليه يا حاشِر ، فقال له جبريل : اردد السلامَ يا محمد . وفى حديث أبى هريرة فى الإسراء عند البزار: ((وجعلتُك أَوّلَ النبيين خَلْقا وآخرهم بَعْثا )). روى مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة وأول من تنشقّ عنهِ الأَرض ، وأَول شافع ، وأَول مشفَّع(٣) ». وهذان الاسمان من أسمائه تعالى . ومعنى الأُول فى حقه : السابقُ للأشياء قبل وجودها بلا بداية والآخر للأشياء بعد فنائها بلا نهاية . قال القاضى : وتحقيقه أنه ليس له أوَّل ولا آخر . ((أَوّل الرّسل خَلْقًا)). (( أَوّل شافع )): أَى طالب للشفاعة . ((أَول مُشَفَّع)): بفتح الفاء : الذى يشفع فتُقْبل شفاعته وهى السؤال فى التجاوز عن المذنبين ويأتى الكلام عليه فى أبواب حشره صلى الله عليه وسلم . (١) ط: وأكرم الناس أما برة وأبا، موافقاً لشرح المواهب ١٢٣/٣. (٢) سورة البقرة ١٤٣. (٣) صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث رقم ٣. - ٥٣٩ -