Indexed OCR Text

Pages 401-420

تفسير الغريب
التابعة(١) : قال فى الزهر بتاء مثناة فوقية فباء موحدة فعين مهملة . الغَمَاغِم بغينين
معجمتين بعد كل ميم بعد الأولى ألف: الأَغطية. يُعَاوره : يتداولونه بينهم. مَهمَّ،
أى مفازة. والجمع مَهَامِه. أَحَمَّ الشئ، قَرُب ودنا. الذَّرَى. بفتح الذال المعجمة اسم
لما ذرتْه الريح واسم الدمع المصبوب . العِيَرات بكسر العين وفتح الياء جمع عير . كذا
جمعوه والقياس التسكين .
٠٠٠
قال محمد بن عمر الأُسْلمى رحمه الله تعالى: ترك عبدُ الله أُمَّ أَمن وخمسة أَجمال
وقطعة من غنم فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه .
(١) كذا بالأصل ولم تتقدم هذه الكلمة فيها سبق ولا معنى لوجودها هنا .
- ٤٠٠ -

الباب الرابع
فى تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم ومكانه
وفيه فصلان : الأول : فى بيان يومه ، وشهره ، وعامه .
الصواب : أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين . روى الإمام أحمد ومسلم وأبو داود
عن أبى قتَادة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الاثنين فقال :
(( ذاك يومُ ولِدت فيه ، أَو قال أُنزل علىَّ فيه(١) )) .
وروى يعقوب بن سفيان عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : ولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنئْ يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين، ورفّع الحجرّ
الأسود يوم الاثنين .
وفى بعض الطرق عند ابن عساكر : وأُنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: ( اليوم أكملتُ
لكم دينكم)(٢) وكانت وقعة بدر يوم الاثنين .
قال(٣) ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول: ((اليوم أكملت لكم دينكم))
يوم الجمعة .
وروى الزبير بن بكّار وابن عساكر عن معروف بن حَزَّبُوذ رحمه الله تعالى قال: ولِد
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين طلع الفجر .
وقال الحافظ أبو الفضل العراقى فى المورِد(٤): الصواب أنه صلى الله عليه وسلم ولد
فى النهار ، وهو الذى ذكره أهل السير . وحديث أبي قتادة مصرح به .
وروى(*) الأربعة عن سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى قال : ولد رسول الله صلى الله عليه
(١) صحيح مسلم كتاب الصيام حديث رقم ١٩٧ ومسند أحمد ٢٠٠/٢، ٢٣٠. وسنن أبي داود ٢٤١/١ كتاب الصوم
باب فى صوم الدهر تطوعا )
(٢) سورة المائدة ٣
(٤) ص، ت، م : فى المولد، وما أثبته من ط .
(٣) ط : وروى .
(٥) ط : وروى عن سعيد بن المسيب .
- ٤٠١ -
٥١ - سبل الهدى والرشاد

وسلم عند إِنهار النهار ، وجزم به ابن دِخْية ، وصححه الزركشى رحمه الله تعالى فى شرح
البردة ولبعضهم شعر :
تُطْفًا وقد منح الجزا إسعادها
يا ساعةً فَتَح الهدى أَرْفادها
فاق الشهورَ جلالةً إِذ سادَها
لاحتْ بشهر ربيع الزاكى الذى
كالشُّهب لايُحْصى الورَى تَعْدَادَها
حيثُ النبوة أشرقتْ بمآثَرٍ(١)
يُعْلى (٢) لمكة غَوْرها ونِجَادَها
حيث الأمانة والرسالة قد بَدتْ
قال ابن دِحْية رحمه الله تعالى: وأَما ما روى من تدلّ النجوم فضعيف ، لاقتضائه
أن الولادة کانت ليلاً .
قال الزركشى : وهذا لا يَصْلح أن يكون تعليلا فإن زمان النبوة صالح للخوارق :
ويجوز أن تسقط النجوم نهاراً .
شعر :
فيها بخير العالمين محمدٍ
يا ساعةً نِلْنا السعادة والهنـ
وتكمَّلت فى شهر مولد أحمدٍ
تمَّت لنا أَفراحُها بِظُهوره
غيره [ لبعضهم رحمه الله تعالى(٣)] .
بمولد خَيْرِ الرُّسْلِ فى ساعة السعد
توالَتْ أمورُ السَّعْد فى خيرساعة
ويا طيب مولود حَوی سائِر المجدِ
فیاطیب أوقاتٍ ویا طيب مَوْلدٍ
قال ابن كثير والحافظ وغيرهما : ثم إن الجمهور على أن ذلك كان فى شهر ربيع
الأول(٤) .
قال السهيلى : وهو المعروف. ونقل بعضهم فيه الإجماع .
يقول لنا لسانُ الحالِ منه وقولُ الحقِ يَعْذُبِ السَّمِيعِ
فوجْهى والزمانُ وشَهْر وَضْعِى رَبِيعٌ فى ربيعٍ فى ربيعِ
قال بعض أهل المعانى : كان مولده صلى الله عليه وسلم فى فصل الربيع وهو أَعْدَل الفصول
ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد ، ونسيمه معتدل بين اليبوسة والرطوبة وشمسه معتدلة
(٢) ص ت م : يعلو .
(١) ص.ت م: بمآمن. محرفة. وما أثبته من ط.
(٤) السيرة النبوية لابن كثير ١٩٩/١ .
(٣) ليست فىے ط .
- ٤٠٢ -

فى العلوّ والهبوط، وقمره معتدل فى أول درجة من الليالى البيض ، وينعقد فى سِلْك هذا
النظام، ماهيّاً الله تعالى له صلى الله عليه وسلم من أَسماء مُرَبِّيه ففى الوالدة والقابلة الأَمْن
والشِّفَاء وفى اسم الحاضنة البرَكة والنماء ، وفى مرضعيه صلى الله عليه وسلم الآتى ذكرهما
الثواب والحِلْم والسَّعد.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : لاثنتى عشرة ليلة [ خلَتْ(١) ] منه ورواه ابن أبى
شَيْبة فى المصنّف عن جابر وابن عباس . قال فى الغُرَر : وهو الذى عليه العمل . وقيل
لليلتين خلتا منه وقدمه فى الإِشارة ، وقيل لثمان . ونقل أَبو عمر عن أصحاب الزِّيج أنهم
صححوه ورجحه ابن دِحْية. وقال الحافظ : إنه مقتضى أكثر الأخبار . وقيل : لَعَشْر .
حكاه الدمياطى عن جعفر الباقر وصححه . وقيل : لسبع عشرة . وقيل لثمانى عشرة ، وقيل :
فى أوله حين طلع الفجر .
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : عام الفيل . قال ابن كثير : وهو المشهور عند
الجمهور. وقال إبراهيم بن المنذر الحزَامىّ (٢) شيخ البخارى : وهو الذى لا يشك فيه أحد
من العلماء. وبالغ خليفة بن خياط وابن الجزَّار(٣) وابن دِخْية وابن الجَوْزى وابن القيم
فنقلوا فيه الإجماع .
وروى البيهقى والحاكمُ فى المُستدرك وصححه وأقرّه الذهبيّ فى مختصره، وصَحّحه
فى تاريخه الكبير عن يحيى بن مَعِين، عن حَجَّاج بن محمد ، عن يُونُس بن أبى إسحاق
عن أبيه ، عن سَعِيد بن جبير ، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : ولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم الفيل(٤)
قال الحافظ فى شرح الدَّرَر: والمحفوظ لفظ العام . وقيل : يطلق اليوم ويراد به مُطْلق
الوقت ، كما يقال يوم الفتح ، ويوم بدر ، فإن كان المراد حقيقة اليوم فيكون أُخصّ
من الأُول وبذلك صرح ابن حِبّان فى تاريخه فإنه قال : ولد عامَ الفيل فى اليوم الذى بعث
(١) من سيرة ابن هشام ١٥٨/١
(٢) ص ت م: الخزامى. محرفة والتصويب من ط . وانظر ميزان الاعتدال ٦٧/١.
(٣) ط : وابن الحذاء .
(٤) المستدرك الحاكم ٦٠٣/٢ وقال: تفرد حميد بن الربيع بهذه اللفظة (أى يوم) فى هذا الحديث ولم يتابع عليه.
كما أورد الحاكم قبل هذه الرواية الرواية الصحيحة : عام الفيل .
- ٤٠٣ ۔

الله فيه الطيرَ الأَبابيلَ على أصحابِ الفيل . قال: ثم وَجدتُ الحديثَ عن ابن مسعود عن
يحيى بن مَعِين بسنده المذكور قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ الفيل يعنى
عام الفيل .
وروى ابن إسحاق وأَبو نُعَيْم والبيهقى عن المطّلب بن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمة
عن أبيه عن جده قال: ولِدْت أَنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الفيل كنا لِدَيْنِ(١)
وسأل عثمان بن عفان قُباثَ بن أَشْيَمَ الكِتَانِى ثم اللَّيْى: يا قُبَاث أَنت أكبر
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر منى وأنا أَسنّ
منه ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفتْ بى أمى على خَذْق الفيل أَخضراً
مُحِيلاً(٢).
مَخْرمة بفتح الميم وإسكان الخاء المعجمة . ومات على دينه . لِدَيْن: قال أبو ذرّ
المشهور فيه : لِدَتَيْن بالتاء يقال فلان لِدَة فلان إذا ولد معه فى وقت واحد . قال الجوهرى
لدة الرجل تِرْبه والهاء (٣) عِوَض عن الواو الذاهبة منه، لأَّنه من الولادة. وهما لِدَان
والجمع لِدَات ولِدُون . التِّرْب بكسْر التاء المثناة الفوقية وإِسكان الراء وبالموحدة : مَنْ
ولِد معك. قُبَاث بضم القاف ويقال بفتحها، قال الحافظ : وهو المشهور ، ثم موحدة
خفيفة ثم مثلثة ، ابن أَشْيَم بمعجمة وتحتانية وزان (٤) أَحْمد .
وعلى هذا فقيل بعد الفيل بخمسين يوما . قال ابن كثير : وهو أشهر ، وصححه
المسعودى والسهيلى . وزاد أنه الأشهر والأكثر وقيل بزيادة خمس .
وذكر أبو بكر محمد بن موسى الخوارِزمىّ رحمه الله تعالى أن قدوم أصحاب الفيل
مكة لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم . وقد قال ذلك غيره، وزاد يوم الأحد . وكان أول
المحرم تلك السنة يوم الجمعة .
وروى ابنُ سعد وابنُ عساكر عن أبى جَْفَر الباقر رحمه الله تعالى قال : كان قُدومٌ
أصحاب الفيل فى النصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس
(١) ت م: كاللدين. والخبر فى دلائل النبوة لأبى نعيم ١٠١ وسيرةٍ ابن هشام ١٥٩/١.
(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ١٠٠ . والخذق: الروث.
(٣) ص ت م ( بالهاء) .
(٤) ط : وزن .
- ٤٠٤ -

وخمسين ليلة(١) . وصحح الحافط الدمياطى هذا القول. وقيل بأربعين يوما . وقيل بشهر
وستة أيام . وقيل بعشر سنين . وقيل بثلاثين عاما. وقيل بأربعين عامًا. وقيل بسبعين
عاما .
وقيل لثنتى(٢) عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب
الفيل .
وقيل فى صفر. وقيل فى ربيع الآخر . وقيل فى المحرّم لخمس بقين منه . وقيل فى
عاشوراء .
قال السهيلى رحمه الله تعالى : أَهلُ الحساب يقولون وافق مولده من الشهور الشمسية
نيسان ، وكان لعشرين مضت منه (٣)
وقال الذهبيّ فى تاريخ الإِسلام : نظرت فى أن يكون صلى الله عليه وسلم ولد فى ربيع
وأن يكون ذلك فى العشرين من نيسان فرأيته بعيدا من الحساب يستحيل أن يكون مولده
فى نيسان إلا أن يكون مولده فى رمضان .
وقال الإِمام أبو الحسن الماوردى رحمه الله تعالى: وافق شهر ربيع من شهور الروم
العشرين من شباط. انتهى . ويقال : شباط(٤) بالإِعجام والإهمال .
قال الدِّمياطى رحمه الله تعالى: فى بُرْج الحمَل. قال فى النُّور : وهذا يحتمل أن
يكون فى أوائل نيسان وأن يكون فى آذار. ثم قال السَّهيلى. وولد بالغفر من المنازل وهو
مولد النبيين ، ولذا قيل :
خير منزلتين(٥) كانت فى الأبد هو ما بين الزبانى (٦) والأسد
لأن الغفر يليه من العقرب زبانيها ، ولا ضرر فى الزبانين (٧) إنما تضر العقرب بذنبها،
ويليه من الأسد أليته وهو السماك والأَسد لا يضرّ بأَلْيته وإِنما يضر بمخْلبه ونابه .
وقال ابن دِحْية : أَظن السهيلى نسى السنبلة وظن أن السماك من الأسد .
(١) طبقات ابن سعد ٦٢/١ (القسم الأول).
(٢) ص ت م ؛ بثنى .
(٣) الروض ١٠٧/١ ونصه: فكانت لعشرين إلخ.
(٤) ص ، ت ، م : من شباط.
(٥) ط : خير منزلتين فى الأبد.
(٦) ط : بين الزبانين والأسد.
(٧) ص : فى الزبانات
- ٤٠٥ -

قال أبو عبد الله بن الحاج رحمه الله تعالى فى المدخّل: فإن قال قائل: ما الحكمة فى ٠
كونه صلى الله عليه وسلم خُصَّ مولده بشهر ربيع وبيوم الاثنين على الصحيح المشهور
عند أكثر العلماء ، ولم يكن فى شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر ، واختص
بفضائل عدة ، ولا فى الأشهر الحُرم(١) التى جعل الله لها الحرمة يوم خلق السموات
والأرض ، ولا فى ليلة النصف من شعبان ، ولا فى يوم الجمعة ولا فى ليلتها ؟
فالجواب من أربعة أوجه :
الأَول ماورد فى الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين(٢). وفى ذلك تنبيه
عظيم وهو أَن خلق الأَقوات والأَّرزاق والفواكه والخيرات التى يمتدّ بها بنو آدم ويَحْيَوْن
ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها وتطيب بها نفوسهم وتسْكن خواطرهم عند رؤيتها
الاطمئنان نفوسهم لتحصيل ما يُبقى حياتهم ، على ما جرت به حكمة الحكيم سبحانه وتعالى.
فوجوده(٣) صلى الله عليه وسلم فى هذا الشهر فى هذا اليوم قُرَّة عين بسبب ما وجد من الخير
العظيم والبركة الشاملة الأُمة محمد صلى الله عليه وسلم ....
الوجه الثانى: أن ظهوره صلى الله عليه وسلم فى شهر ربيع فيه إشارة ظاهرة لمن تفطَّن
لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع إذ أن فيه تفاؤلا حسنًا وبشارة(٤) لأمته صلى الله عليه
وسلم .
وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصِّقلّى رحمه الله تعالى : لكل إنسان من اسمه
نصيب . هذا فى الأشخاص وكذلك فى غيرها ، وإذا كان كذلك ففصْل الربيع فيه
تنشقُّ الأَرض عمّا فى باطنها(٥) من نِعَ المولى سبحانه وتعالى وأرزاقه التى بها قوام العِبَاد
وحياتهم ومعايشهم وصلاح أحوالهم ، فتنفلق الحبة والنوى وأنواع النبات والأَّقوات المقدرة
فيها ، فتُبْهِج الناظرَ عند رؤيتها وتبشِّره بلسان حالها بقدوم يَنْعها . وفى ذلك إشارة عظيمة
إلى الاستبشار بابتداء نعم المولى سبحانه وتعالى، ألا ترى أنك إذا دخلت إلى البستان فى
مثل هذه الأيام تنظر إليه كأنه يضحك لك ، وتجد زَهْره كأَن لسان حاله يخبرك بما لك
(١) ص ت م : الحرام.
(٣) ص ت م : لوجوده. محرفة. وما أثبته من ط.
(٤) ص ت م : بيشارته .
(٢) أخرجه أحمد فى مسنده ٣٢٧/٢ .
(٥) ص ت م : عما فى بطنها .
- ٤٠٦ -

من الأرزاق المدَّخرة والفواكه . وكذلك الأَرض إِذا أبهج نوّارها كأنه يحدثك بلسان حاله
كذلك أيضا .
فمولده صلى الله عليه وسلم فى شهر ربيع فيه من الإِشارات ما تقدَّم ذكر بعضه . وذلك
إشارة ظاهرة من المولى تبارك وتعالى إِلى التنويه بعظيم قَدْر هذا النبي الكريم صلى الله عليه
وسلم، وأنه رحمة للعالمين. وبُشْرى للمؤمنين. وحماية لهم من المهَالك والمخاوف فى الدارَيْنِ
وحماية للكافرين بتأخير العذاب عنهم لأَجْله صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ( وما كان
الله ليُعَذِّبهم وأَنت فيهم(١) ) فوقعت البركات وإدرار الأَرزاق والأَّقوات . ومن أعظمها
مِنَّته على عباده لهدايته عليه الصلاة والسلام لهم إلى صراط الله المستقيم .
الوجه الثالث : ما فى شريعته صلى الله عليه وسلم من شبه الحال ، ألا ترى أن فصل
الربيع أَعدَل الفصول وأحسنها إِذ ليس فيه بَرْد مُزْعج ولا حَرٌ مُقْلق ، وليس فى ليله ولا نهاره
طول خارق ، بل كله معتدل وفصله سالم من العلل والأمراض والعوارض التى يتوقعها
الناس فى أَبدانهم فى زمان الخريف، بل الناس فيه تنتعش قُوَاهم وتنصلح أَمزجتهم(٢)
وتنشرح صدورهم لأَن الأَبدان يُدْركها فيه من أمداد القوة ما يدرك النباتَ حين خروجه ،
إِذ منها خلقوا ، فيطيب ليلهم للقيام ونهارهم للصيام ، لما تقدم من اعتداله فى الطول والقصر
والحر والبرد ، فكان فى ذلك شبه الحال بالشريعة السَّمْحة(٣) التى جاء بها صلوات الله وسلامه
عليه من رفع الإِصر والأغلال التى كانت على من قبلنا .
الوجه الرابع : أنه قد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أنه صلى الله عليه وسلم تتشرف به
الأزمنة والأمكنة لا هو يتشرف بها ، بل يحصل للزمان أو المكان(٤) الذى يباشره عليه
الصلاة والسلام الفضيلة العظمى والمزيّة على ما سِوَاه من جنسه إلا ما استثنى من ذلك لأجل
زيادة الأعمال فيها وغير ذلك ، فلو ولد صلى الله عليه وسلم فى الأوقات المتقدم ذكرها
لكان قد يتوهم أنه يتشرف(٥) بها فجعل الحكيم جل جلاله مولده صلى الله عليه وسلم
فى غيرها ليظهر عظيم عنايته سبحانه وتعالى وكرامته عليه
(١) سورة الأنفال ٣٣.
(٣) ص : السمحاء.
(٥) ص ت م : متشرف .
(٢) ص ت م : أمزاجهم.
(٤) ص ت م : أو للمكان .
- ٤٠٧ -

الفصل الثانى : فى مكانه : اختلف : هل ولد بمكة أَو غيرها ؟ والصحيح الذى عليه
الجمهور هو الأول .
وعليه فاختلف فى مكانه من مكة على أقوال :
أحدها : فى الدار التى فى الزقاق المعروف بزقاق المولد فى شعب مشهور بشعب بنى هاشم .
وكانت بيد عقيل. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى : قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهَبها عقيل بن أبى طالب فلم تزل بيده حتى توفى عنها فباعها ولده من محمد بن يوسف
أخى الحجاج ، وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين .
الثانى : أنه صلى الله عليه وسلم ولد فى شِعْب بنى هاشم. حكاه الزبير .
الثالث: أَنه ولد صلى الله عليه وسلم بالرَّدم .
الرابع : بعُسْفان .
٢
١
- ٤٠٨ -
٠٠

الباب الخامس
فى إخبار الأحبار وغيرهم بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم
روى أبو نُعَيْم والبيهقى عن حسان بن ثابت رضى الله تعالى عنه قال : إنى لغلام يَفعة
ابن سبع سنين أَو ثمان أعقل ما رأيت وسمعت إذا يهودى يصرخ ذات غداة على أُطمه :
يا معشر يهود. فاجتمعوا إليه وأَنا أُسمع . قالوا : ويلك ما بك ؟ قال : طلع نجمُ أَحمد
الذى ولد به فى هذه الليلة (١)
يَفعة بفتح الفاء والعين المهملة أَى شاب. أُطمه: بالإضافة للضمير والأُلُم بضم الهمزة
والطاء المهملة : الحِصْن ويروى على أُطمة بتاء تأنيث على معنى البُقعة .
وروى ابن سعد والحاكم وأَبو نُعَيْم بسند حسن فى الفتح عن عائشة رضى الله عنها
قالت : كان يهودى قد سكن مكة يتجر بها ، فلما كانت [ تلك (٢)] الليلة التى ولد فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى مجلس من قريش : يا معشر قريش ، هل ولد فيكم
. الليلة مولود ؟ فقال القوم : والله ما نعلمه. قال : احفظوا ما أقول لكم : ولد هذه الليلة
نبيّ هذه الأُمة الأخيرة ، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأُنهن عرف فرس ،
لا يرضع ليلتين . فتصدَّع القومُ من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله : فلما صاروا إِلى
منازلهم أَخبر كلُّ إنسان منهم أَهلَه فقالوا : لقد ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام
سموه محمدا . فالتقى القوم حتى جاءوا اليهودىَّ فأخبروه الخبر . قال : اذهبوا معى حتى
أَنظر إليه فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة فقالوا : أُخرجى إلينا(٣) ابنك. فأَخرجتُه
إ كشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة ، فوقع مغشيًّا عليه فلما أفاق قالوا: ويلك ما لك ؟
قال : والله ذهبت النبوة من بنى إسرائيل ، أَفرحتم به يا معشر قريش والله لَيْسطونَّ بكم
(١) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣٦.
(٢) ليست فى ط .
(٣) ص ت م : لنا .
- ٤٠٩ -
٥٢ - سبل الهدى والرشاد

سطوةٌ يخرج خَبرُها من المشْرق إلى المغرب (١)
متواترات أى متتابعات أو متفرقات :
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كانت يهود قريظة والنَّضِير
وفلَك وخيبر يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث وأَن دار هجرته
المدينة ، فلما ولد قالت أحبار يهود ولد الليلة أَحمد ، هذا الكوكب قد طلع. فلما تنبّأَ
قالوا قد تنبّأَ أَحمد. كانوا يعرفون ذلك ويقرُّون به ويَصِفونه ! إِلا الحسد والبغى ](٢)
وروى أبو نعيم وابن عساكر من طريق المسيّب بن شريك عن محمد بن شريك عن
شعيب بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، قال : كان يمرّ الظَّهران راهب من أَهل الشام يدعى
عيص، وكان قد آتاه الله علما كثيرا، وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة فيلقى الناس
ويقول : يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب ويملك العجمَ هذا زمانه ،
فمن أدركه واتبعه أَصاب حاجته ، ومن أدركه وخالفه أَخطأً حاجته ، وبالله ما تركت
أَرضَ الخمرِ والخميرِ (٣) والأَمن وحَلْلتُ أَرضَ البؤس والجوع والخوف إِلا فى طلبه . فكان
لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول : ما جاء بعد . فلما كان صبيحة اليوم الذى ولد
فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبدُ المطلب(٤) حتى أتى عيصَ فوقف على أصل
صومعته فناداه فقال : من هذا ؟ فقال : أنا عبد المطلب . فأَشرف عليه فقال: كن أَباه
فقد ولد ذلك المولود الذى كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين ويبعث يوم الاثنين وإِنّ
نجْمه طلع البارحة ، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكى ثلاثا ثم يعافى، فاحفظ لسانك فإِنه
لم يُحسد حسدِهِ أَحد، ولم يُبْغ على أَحد كما يُبْغَى عليه. قال : فما عمره ؟ قال : إِن طال
عمره لم يبلغ السبعين بموت فى وترٍ دونها فى الستين فى إحدى وستين أو ثلاث وستين(٥).
(١) طبقات ابن سبعه ١٠٦/١ (القسم الأول) والوفا ٥٠/١ .
(٢) من طبقات ابن سعد ١٠٤/١ (القسم الأول )
(٣) ص : أرض الخمر والخير.
(٤) كذا بالأصل موافقا للخصائص ١٢٥/١. وفى تاريخ ابن عساكر ٣٥٤/١ وسيرة ابن كثير ٢٢٢/١ خرج
عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا فوقف فى أصل صومعته ثم نادى: يا عيصاه: فناداه: من هذا ؟ فقال: أنا عبد الله
فأشرف عليه فقال : كن أباه .
(٥) سيرة ابن كثير ٢٠٢٢/١. وفيها زيادات كثيرة. وتاريخ ابن عساكر ٣٥٤/١ كذلك. والخصائص ١٢٥/١
قال ابن كثير وفيه غرابة .
- ٤١٠ -

الباب السادس
فى وضعه صلى الله عليه وسلم والنور الذى خرج معه وتدلِّى النجوم له ونزوله ساجدا
على الأرض بيديه وما رأته قَابِلَتُه الشَّفَّاء أم عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه
من الآيات
عن أبى العَجْفاء رحمه الله تعالى مرسَلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأت
◌ُمی حین وضعتْنی سطع منها نورٌ فضاءت له قصور بُصْری .
رواه ابن سعد ورجاله ثقات(١) .
بُصْرى - بباء موحدة مضمومة فصاد مهملة ساكنة فألف مقصورة - والمراد بها هنا
بلد بالشام من أعمال دمشق . قال فى المِسْكة الفائحة : وفى تخصيص بصرى لطيفة، وهى
أنها أَول موضع من بلاد الشام دخلها ذلك النور المحمدى ، وكذلك (٢) هى أول ما افتُتح
من بلاد الشام .
وبصْری أيضا من قری بغداد .
وعن عثمان بن أبى العاص رضى الله تعالى عنه قال: حدثتنى أبى أَنها شهدت ولادةً
آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدتْه قالت: فما شىء أنظر إليه من البيت إلا نورًا
وإنى لأَنظر إلى النجوم تدنو حتى إنى لأَقول : ليقعن علىّ ، فلما وضعته خرج منها نور
أَضاء له البيت والدار حتى جعلت لا أُرى إلا نورا (٣).
وعن العِرْباض بن سارية رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
((إنى عند الله لخاتم النبيين)) الحديث وفيه رؤيا أمى التى رأت وكذلك أمهات النبيين(٤)
يرَيْن ، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورًا أَضاءت له قصور
الشام .
(١) الطبقات ٦٣/١ (القسم الأول)
(٣) الوفا ٩٤/١ .
(٢) ص ت م : ولذلك.
(٤) ص ت م : أمهات المؤمنين . محرفة .
- ٤١١ -

رواه(١) الإمام أحمد والبزار والحاكم وابن حبان وصححاه .
وروى ابن حبان عن حليمة رضى الله تعالى عنها عن آمنة أُم رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنها قالت : إن لابنى هذا لَشَأْناً إنى حملت به فلم أَجد حَمْلاً قط كان أَخفَّ علىّ
ولا أعظم بركة منه، ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج منى حين وضعته أضاءت لى
أَعناقُ الإِبل ببُصْرى ، ثم وضعتُه فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعا يديه بالأرض
رافعاً رأسه إلى السماء.
وروى ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن آمنة قالت : لما
فَصَل منّى ابنى محمد صلى الله عليه وسلم خرج منه نورٌ(٢) أَضاء له ما بين المشرق والمغرب.
وروى ابن أبى حاتم عن عِكْرمة رحمه الله تعالى قال : لما ولد رسول الله صلى الله عليه
وسلم أشرقت الأرض نورا .
وروى الإمام أحمد وابن سعد بسند حسن عن أبى أمامة رضى الله تعالى عنه قلت: يا رسول
الله ما كان بَدْء أمرك؟ قال: دعوة أبى إِبراهيم وبُشْرى عيسى بن مريم، ورأَت أمى أَنه
خرج منها نور أضاءت له قصور الشام (٣) .
وروى ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمى بأسانيد له متعددة عن آمنة أنها قالت :
لما وضعتُه خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ، ثم وقع جاثيا على ركبتيه
معتمدا على الأرض بيديه ، ثم أخذ قبضة من تراب وقبضها ورفع رأسه إلى السماء ، وأَضاءت
له قصور الشام وأسواقها ، حتى رأيت أَعناقَ الإِبل ببُصْرَى.
وإنما أَضاءت قصور بصرى بالنور الذى خرج منه إشارة إلى ما خصِّ الشامَ من نبوته
صلى الله عليه وسلم ، فإنها دار ملكه كما ذكره كعب أن فى الكتب السابقة : محمد رسول
الله مولده بمكة ومهاجَره پِیَثْربَ ومُلکه بالشام .
وقد وردت أحاديث فى فضل الشام، ذكر بعضها الحافظ المُنْذِرىّ فى كتاب (( الترغيب
والترهيب)).
(١) مسند أحمد ١٢٧/٤، ١٢٨.
(٢) غير ط : خرج نور .
(٣) مسند أحمد ٢٦٢/٥ وطبقات ابن سعد ٩٦/١ (القسم الأول)
- ٤١٢ -
*

وقال بعضهم : أضاءت قصورُ بصرى إشارةً إلى أنه صلى الله عليه وسلم ينوّر البصائر
ويُحْيِى القلوبَ الميتة .
وفى خروج هذا النور معه صلى الله عليه وسلم حين وضعته إشارة إلى ما يجى به من
النور الذى اهتدى به أَهلُ الأَرض وزال به ظُلْمة الشرك منها. كما قال الله تعالى: ((قد
جاء كم مِنَ اللهِ نُورٌ وكتابٌ مبين يَهْدِى به اللهُ مع اتَّبِع رِضْوانه سُبُلَ السَّلام ويُخْرجهم
من الظُّلمات إلى النور بإِذنِهِ ويَهْديهم إلى صراط مستقيم (١)). قال(٢) الإِمام أبو شامة رحمه
الله تعالى : وقد كان هذا النور الذى ظهر وقت ولادته صلى الله عليه وسلم قد اشتهر فى
قريش وكثر ذكره فيهم ، وإلى ذلك أَشار عمه العباس رضى الله تعالى عنه فى أبياته السابقة
حيث قال فى حقه صلى الله عليه وسلم وزاده شرفا وفضلا :
وأنت لما وُلِدْتَ أَشرقت الأَر ضُ وضاءتْ بنورك الأُفق
فنحن فى ذلك الضِّياءِ وفى النُّور وسُبل الرشادِ نَخْتـرقُ
ويرحم الله تعالى القائل :
أَضاء الفضًا من نُوره الساطعِ
لما استهلَّ المصطفى طالعًا
يب من دانٍ ومن شاسع
وعطّر الكونَ شدَى عِطْره الطـ
. ونادت الأكوانُ مِن فَرْحة يا مَرْحبًا بالقَمرِ الطالعِ
وروى ابن سعد عن موسى بن عبيدة رحمه الله تعالى عن أخيه قال : لما ولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم فوقع على الأرض وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء وقبض قبضة
من تراب ، فبلغ ذلك رجلا من لِهْب فقال لصاحبه (٣): انجه(٤) لئن صدَق الفأل لِيَغْلبِنَّ
· هذا المولودُ أَهلَ الأَرض(٥).
وروى ابن سعد وأبو نُعَيْم بسند قوى عن حسّان بن عطية - رحمه الله تعالى : -ورضى
عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا ولِد وقع على كفيه وركبتيه شاخصا (٦) ببصره
إلى السماء(٧). زاد السُّهَيْلى: مقبوضة أصابع يده(٨) مشيرا بالسبَّابة كالمسبِّح بها .
(١) سورة المائدة ١٦/١٥.
(٣) ص ت م : لصاحب .
(٦) ط: شاخصا إلى السماء.
(٧) طبقات ابن سعد ٦٤/١ (القسم الأول)
(٢) ط : وروى .
(٤) كذا فى ط ت م. وفى ص: أنجد.
(٥) طبقات ابن سعد ٩٧/١ ( القسم الأول)
(٨) الروض ١٠٥/١ وعبارته : أصابع يديه .
- ٤١٣ -

قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الجَوْجَرِىّ رحمه الله تعالى: وفى رَفْع بصره
صلى الله عليه وسلم فى تلك الحال إِشارة وإيماء إلى ارتفاع شأنه وعلوّ قدره وأنه يَسُود الخلق
أجمعين، وكان هذا من آياته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أَوّل فعل وُجد منه فى أَوّلك
ولادته ، وفيه إشارة وإيماء لمن له تأَّمّل إلى أن جميع ما يقع له من حين يولَد إلى حين
يُقبض(١) صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه(٢) العقل فإنه صلى الله عليه وسلم لا يزال متزايد
الرفعة فى كل وقت وحين، عَلِىَّ(٣) الشأن على المخلوقات. وفى رَفْعه صلى الله عليه وسلم
رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد وأنه لا يتوجه قصده إلاَّ إلى جهات العلوّ(٤) دون غيرها
مما لا يناسب قَصْده .
وروى ابن الجَوْزى فى ((الوفا)) عن أبى الحسين بن البَرَاء - مرسلا - رحمه الله تعالى قال:
قالت آمنة وجدته(٥) جاثيا على ركبتيه ينظر إلى السماء ، ثم قبض قبضةً من الأَرض
وأَهْوَى ساجدًا(٦)
قال بعض أهلِ الإِشارات: لما ولد عيسى صلى الله عليه وسلم قال: (إِنِّى عبدُ الله آتانِىّ
الكتابَ وجَعَلنى نَبِيًّا))(٧) فأَخبر عن نفسه بالعبودية والرسالة ، ونبينا صلى الله عليه
سلم وضِع ساجدا وخرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب ، وقبض قبضة من تراب
وفي رأسه إلى السماء فكانت عبودية عيسى المقال، وعبودية محمد صلى الله عليه وسلم
الفِ ر، ورسالة عيسى بالإخبار، ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم بظهور الأنوار .
فى سجوده صلى الله عليه وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأً أمره على القُرْب؛ قال الله
تعالى: ((واسجُدْ واقتربْ))(٨) وقال صلى الله عليه وسلم: ((أَقربُ ما يكون العبدُ من ربه
وهو ساجد )) فحال عيسى عليه الصلاة والسلام يشير إلى مقام العبودية ، وحال محمد صلى
١
الله عليه وسلم يشير إلى مقام القُرْب من الحضرة الإلهية . ولبعضهم :
وأنت لكلِّ المرسَلين ختامُ
لك القَرْبُ من مَوْلاك يا أُشرَف الورَى
(١) ص : يقبر .
(٣) ط : عالى.
(٥) الوفا : ولدته .
(٧) سورة مريم ٣٠.
(٢) كذا فى هامش ط . وفى ص ت م: على العقل.
(٤) ص: العلى ((بتشديد الياء)). وفى ت م: العليا .
(٦) الوفا ٩٥/١ .
(٨) سورة العلق ١٩ .
- ٤١٤ -
۔۔۔

وأنت لكلِّ الأنبياءِ إِمامُ
وأَنت لنا يومَ القيامة شافعٌ
مباركة مقبولة وسلامُ
عليك من الله الكريم تحية
وروى أبو نُعَيْم عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه عن أُمه الشَفَّاء بنت عمرو
ابن عوف رضى الله تعالى عنها قالت : لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على
يدى فاستهلَّ، فسمعت قائلاً يقول: رحمك الله أو رحمك ربك فأَضاء ما بين المشرق والمغرب
حتى إنى نظرت إلى بعض قصور الروم. قالت : ثم ألبسته وأَضجعتُه فلم أَنشب أَن غشيتنى
ظُلمة ورعب وقشعريرة عن يمينى فسمعت قائلا يقول : أين ذهبتَ به . قال : إِلى المغرب
وأَسفر عنى ذلك. ثم عاودنى الرعب والقشعريرة عن يسارى فسمعت قائلا يقول : أين ذهبتَ
به ؟ قال: إِلى المشرق. قالت(١): فلم يزل الحديث منى على بال حتى بعثه الله تعالى(٢)
تَنْيَهَاتُ
الأول : قال الشيخ رحمه الله تعالى فى فتاويه : لم أَقف فى شئ من الأحاديث مصرَّحا على
أنه صلى الله عليه وسلم لمّا ولد عطس ، بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانّها كالطبقات
لابن سعد، والدلائل للبيهقى ، ولأبى نعيم ، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه ،
وكالمستدرك للحاكم. وإِنما الحديث الذى روته الشفَّاء أُم عبد الرحمن بن عوف يعنى السابق
آخر الباب فيه لفظ يشبه التشميت . لكن لم يصرح فيه بالعطاس ، والمعروف فى اللغة أَن
الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فيحتمل . وحَمْل القائل
على الملَك ظاهر .
وقال العلامة شمس الدين الجَوْجَرِىّ رحمه الله تعالى فى شرح الهمزية: الاستهلال وإن
كان هو صياح المولود أول ما يولد إلا أن حمله على العطاس هنا قريب ، كحمل القائل
على الملَك .
الثانى : جرت عادة كثير من المحبين إذا سمعوا بذكر وضعه صلى الله عليه وسلم
أن يقوموا تعظيمًا له صلى الله عليه وسلم، وهذا القيام بِدْعة لا أصل لها ، وقال ذو المحبة
(١) ط : قال .
(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم: ص ٩٣ .
- ٤١٥ -

الصادقة حسَّان زمانه أبو زكريا يحيى بن يوسف الصَّرْصَرى(١) رحمه الله تعالى ورضى عنه
فى قصيدة له من ديوانه :
على فضة من خط أحسن من كتَبْ
قليلٌ لمدح(٢) المصطفى الخطُّ بالذهبْ
قياما صفوفًا أَو جِئِيًّا على الرُّكَبْ
وإن ينهض الأشراف عند سماعه
على عرشه يا رتبةً سَمتِ الرُّتَبْ
أَمَا اللهُ تعظيمًا له كتبَ اسمَه
واتفق أن منشدا أنشد هذه القصيدة فى ختم درس شيخ الإِسلام الحافظ تقى الدين أبى
الحسن السبكى. والقضاةُ والأَّعيان بين يديه فلما وصل المنشد إلى قوله: ((وإن ينهض
الأَشراف عند سماعه )) إلى آخر البيت قام الشيخ للحال قائما على قدميه امتثالا لما ذكره
الصَّرْصَرى، وحصل للناس: ساعَة طيِّبة. ذكر ذلك ولده شيخ الإسلام أبو النصر عبد الوهاب
فى ترجمته من الطبقات الكبرى .
الثالث : اشتهر على بعض الألسنة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولدت فى زمن
الملك العادل . قال الحافظ : إنه كذب باطل لا أصل له . وقال الشيخ الإِمام بدر الدين
الزركشى رحمه الله تعالى فى اللآلى(٣): روى الحافظ السَّمْعانى عن أبى بكر الحِيرىّ رحمه
الله تعالى قال حكى لى شيخ من الصالحين أنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فى المنام قال
فقلت له : يا رسول الله بلغنى أَنك قلت : ولدت فى زمن الملك العادل وإنى سأَلت الحاكم
أبا عبد الله الحافظ عن هذا فقال؛ كذِب لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
النبي صلى الله عليه وسلم : صدَق أبو عبد الله .
١
وقال الحليمىّ رحمه الله تعالى فى ((الشُّعَب)): هذا الحديث لا يصح وإن صحَّ فإِطلاق
العادل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يُدْعَى به لا لِوَصْفه بالعدل والشهامة له بذلك ، أَو
وصفه بذلك بناء على اعتقاد الفُرْس فيه أنه كان عادلاً كما قال الله تعالى ( فما أَغْنَتْ
عنهم آلمتُهم(٤) ) أَى ما كان عندهم آلهةً ولا يجوز أن يسمّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
من یحکم بغیر ◌ُكْم الله عادلاً .
١٠
(١) الصرصرى: يحيى بن يوسف بن يحيى الأنصارى، أبو زكريا جمال الدين، شاعر ضرير من أهل بغداد ،
وأكثر شعره فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد قتل يوم دخول التتار بغداد سنة ٦٣٦ هـ. ترجمته فى البداية والنهاية
٢١١/١٣ النجوم الزاهرة ٦٦/٧. وكشف الظنون ١٣٤٠.
(٢) ط : لحظ المصطفى.
( ٤) سورة هود ١٠١
(٣) ت م : فى الأولى .
- ٤١٦ -

وقال الشيخ رحمه الله تعالى فى الدُّرَر : قال البيهقى فى الشُّعب: تكلم شيخنا أبو عبد الله
يعنى الحاكم، فى بطلان ما يرويه بعض الجهلة عن نبينا صلى الله عليه وسلم: ((ولدت
فى زمن الملك العادل)) يعنى كسرى أَنوشروان، ثم رأَى بعْض الصالحين فى المنام رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم فحكى له ما قال أبو عبد الله فصدَّقه وقال ما قلته قط .
وقال صاحب المقاصد : وأما ما يحكى عن الشيخ أبى عمر بن قُدَامة المقْدِسىّ رحمه
الله تعالى مما أورده ابن رجب فى ترجمته من طبقاته أنه قال : جاء فى الحديث أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: (( ولِدْت فى زمن الملِك العادل كسرى)) فلايصحّ لانقطاع سنده،
وإِن صح فلعل الناقل للحكاية لم يضبط لفظً الشيخ وإِن ضبط الحكاية .
- ٤١٧ -
٥٣ - سبل الهدى والرشاد

الباب السابع
فى انغلاق البُرْمة حين وضِع صلى الله عليه وسلم تحتها
روى أبو نُعَيْم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال : كان فى عهد الجاهلية
إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا(١) فلما
ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرَحوه تحت بُرْمة فلما أصبحوا أَتوا البُرْمة فإِذا هى قد
انفلقت اثنتين وعيناه صلى الله عليه وسلم إلى السماء ، فعجبوا من ذلك(٢).
وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات أثبات عن عكرمة رحمه الله تعالى - مرسلا - أَن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وضعته أُّ وضعتْه تحت بُرْمة فانفلقت عنه ، قالت:
فَنظرتُ إِليه فإِذا هو قد شق بصره ينظر إلى السماء (٣).
وروى البيهقى عن أبى الحسن التنوخى رحمه الله تعالى قال : كان المولود إِذا ولد فى
قريش دفعوه (٤) إِلى نسوة من قريش إلى الصبح فكفأُن عليه بُرْمة ، فلما ولد رسول الله
صلى الله عليه وسلم دُفع إلى نسوة فكفأُنَ عليه بُرْمة ، فلما أَصبحن أَتَيْنَ فوجدن البُرْمة
قد انفلقت عنه باثنتين ، فوجدنه مفتوح العين شاخصًا ببصره إلى السماء فأتاهن عبد المطلب
فقلن : ما رأينا مولودا مثله ووجدناه قد انغلقت عنه البرمة ووجدناه مفتوحا عينه شاخصا
ببصره إلى السماء فقال : احفظنه فإنى أرجو أن يصيب خيرًا .
وروى ابن الجوزى عن أبى الحسين بن البَراء - مرسلا - رحمه الله تعالى عن آمنة
(١) ص ت م: ينظرون إليه حين يصبحون. وما أثبته من ط .
(٢) ليس فى دلائل النبوة المطبوع إلا إشارة لانغلاق البرمة. ولم ترد فيه هذه الرواية بنصها. أنظر دلائل النبوة
لأبي نعيم ٩٦ والوفا ٩٥/١ .
(٣) طبقات ابن سعد ٦٣/١ (القسم الأول)
(٤) ص ت م : رفعوه.
- ٤١٨ -

أنها قالت: وضعت عليه إِناء فوجدته قد انفلق(١) الإِناء عنه وهو يمصّ إبهامه يَشْخَبُ
لبنا(٢) .
قال بعض أهل الإشارات فى انغلاق البُرْمة عنه صلى عليه وسلم إِشارة إلى ظهور أمره
وانتشاره وأنه يغلق ظلمة الجهل ويزيلها .
يَشْخَب بشين فخاء معجمتين أَى يسيل .
(١) ط : قد تفلق
(٢) الوفا ٩٥/١.
- ٤١٩ -