Indexed OCR Text
Pages 281-300
الباب الثالث فى سرد أسماء آبائه إلى آدم صلى الله عليه وسلم وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَىّ ابن كِلَاب . وأُمّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهْرة ابن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة ابن خُزَيْمة بن مُدْركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان . هذا هو النسب الصحيح المتفق عليه فى نسب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما فوق ذلك مختلف فيه . ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، إنما (١) الخلاف فى عدد من بين عدنان وإِسماعيل من الآباء فمُقِلٌّ ومكثر، وكذلك من إبراهيم إلى آدم صلى الله عليهما وسلم لا يعلم ذلك على حقيقته إلا الله تعالى . والذى رجَّحه الإمام العلامة الشريف النسَّبة أَبو على محمد بن أُسعد بن على بن حسن الجَوَّانى بفتح الجيم والواو المشددة وكسر النون وقال: إنه أَصح الطرق وأَحسنها وأَوضحها وإنه رواية شيوخه فى النسب كالشيخ شرف الدين بن أبى جعفر البغدادى المعروف بابن الجوَّانية، وأَبى الغنائم الزيدى والبطحاوى والسِّجْزى وأَبى بكر محمد بن عبدة الفَفْعَسىّ وغيرهم وهى عهدة أَكثر النسابين الأجلاء وهى رواية عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما وعليها استقر رأى أَكثر أَهل العلم . انتهى . وتبعه على ذلك الحافظ شرف الدين الدمياطى والقاضى عز الدين بن جماعة وأَبو الفتح والعلامة بدر الدين حسن بن حبيب الحلبى فى سيرهم : أَن عدنان بن أدّ بن أدَد بن اليسَع بن الهَميسع ابن سلامان بن نَبْت ابن حمْل بن قيدار بن إسماعيل . (١) ت م: وإنما . - ٢٨٠ - وقال ابن إسحاق ومن تبعه فى السيرة تهذيب ابن هشام : إِن أُدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يَعْرب بن يَشْجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل صلى الله عليهما وسلم بن آزر بن ناحور بن ساروح بن راغو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخهذ ابن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ ، وهو إدريس صلى الله عليه وسلم، بن يرْد بن مهلاييل بن قينان بن يانش بن شيث بن آدم صلى الله عليه وسلم (١). ويرحم الله تعالى القائل حيث قال : فَأُولئك الساداتُ لم تر مِثْلَهم لم يَعْرفوا ردَّ العُفَاة وطالما زُهْر الوجودِ كريمةٌ أَحسابهِمْ حَلُموا إِلى أَن لا تكاد تراهمُ وتكرَّموا حتى أَبَوْا أَن يجعلوا كانت تعيش الطيرُ فِى أَجْنَابِهِم وكفاهمُ أَنَّ النبيَّ محمدا ، ويرحم(٢) الله تعالى القائل أيضا : نَسَبٌ أَضاء وشَمْسه من هاشمٍ من معشر وَرِثوا السيادة كابراً أَقمارُ أَنديةٍ أُسودُ وقائعٍ لا عارَ فيهم غير طُولٍ تيقُّظ أَهلِ الرِّفَادِة والحِجَابة والحِجَا(٤) المطعمون إذا البلادُ مَجِيعة والمجتبَى الهادِى خِيَّارهم وهمْ عينٌ على مُتْتَابع الأحقابِ رَدُّوا عِدَاتَهُمُ على الأَعقابِ يُعْطون عافِيهِمُ بغير حِسَابِ يوماً على ذى هَفْوَةٍ بِغِضَاب بين العُفَاة ومالهم من باب والوحش حين تشحُّ كلُّ سَحَابِ منهمْ فَمَدْحهمُ بكل كتابٍ وسماؤه من يغرب ونِزَارِ عن كابرٍ فهمُ كِيَار كبارٍ أَطْوَادِ أَحلامٍ سَحَابُ قِطَارٍ(٣) ما زال يَنْفِى ضيق طَيْف العارِ وسِقاية الحُجَّاج والزوار ومُبدِّلو الإِعْسار: بالإِيسارِ بين الأنام خِيَار كلِّ خِيَارٍ , ٠ ٠ ٠ (١) سيرة ابن هشام ٢/١. (٣) القطار : جمع قطرة. (٢) ط : والقائل. (٤) ص ت م : والحمى . - ٢٨١ - ٣٦ - سبل الهدى والرشاد قال أبو عمر رحمه الله تعالى: ولقد (١) اعتنى الناس بنظم نسَب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحسن ما جاء فى ذلك ما نظمه أبو العباس عبد الله محمد بن محمد النارى (٢) رحمه الله تعالى . قلت : وهو بالنون والشين المعجمة على وزْن الماشِى ، وفيه بعض مخالفة لما تقدم ، فى قوله : وُفُورَ حُظوظِى من كريم المواهِب مَدْحتُ رسولَ الله أَبْغِى بمَدْحِهِ مدحت امرءًا فات المديحَ موحَّدًا . نبيًّا تسامى فى المشارق ندوره أَتَتْنا به الأَنْبَاءِ قبلَ مجيئهِ وَأَصبحتِ الكهانُ تهتف باسمه وأَنْطقت الأَّصنامُ نُطْقًا تبرَّأَتْ وقالتْ لأَهلِ الكفر قولاً مبيّناً ورامَ استراقَ السمعَ جِنٌّ فَزَيَّلتْ هدانا إلى ما لم نكن نهتدى لــه وجاء بآيَاتٍ تبيَّن أنها فمنها انشقاقُ البدر حتى (٦) تعمَّمت ومنها نبوع الماء بين بَنَانه فروَّى بها جمًّا غفيرا وأَسْهلت وبثر طَغَتْ بالماء من مَسِّ سَهْمه : بأوصافِه من مُبْعِدٍ أَو مُقَاربِ فلاحَتْ هَوادِيِه لِأَهلِ المَغَارِبِ وشاعَتْ به الأخبارُ فى كلِّ جانب وتَنْفِى بِه رَجْمَ الظُنونِ الكواذبِ إلى الله فيه من (٣) مَقَالِ الأَكاذبِ أَتاكم نبيِّ(٤) من لُوَّىّ بن غالب مَقاعدَهم منها رُجومُ الكواكب لِطُولِ العَمَى عن(٥) موضحات المذاهب دَلائِلُ جَبَّار مُثِيبٍ مُعاقِبٍ شُعوب الضِّيَا منه رءوسَ الأَخَاشِب وقد عَدِمِ الوُرَّادُ قُرْبَ المشارب بأَعناقه طوعاً أَكفُّ المذَانب ومن قبلُ لم تَسْمح بِمَذْقةٍ(٧) شارب (١) ط : وقد . (٢) أبو العباس الناشى: عبد الله بن محمد الناشى المعروف بابن شرشير أصله من الأنبار، ورد بغداد، ثم ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وكان متكلماً معتزلياً يحكى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعرى فى كتابه ((المقالات)) فيما يحكى عن المعتزلة. وكان شاعراً مطبقاً قادراً على النظم البديع والمعانى المخترعة، وذكر الخطيب البغدادى أن له قصيدة على قافية واحدة قريباً من أربعة آلاف بيت، انظر تاريخ بغداد ٩٢/١٠، ووفيات الأعيان ٢٦٣/١، وسيرة ابن كثير ٨١/١. (٣) ت م : عن مقال. . (٤) ط : أتاكم رسول . (٦) ط : حين تعممت. (٥) ط : من موضحات . (٧) المذقة: قال فى الأساس: مذق اللبن بالماء يمذقه ومذق الشراب: مزجه فأكثر ماءه، ولبن مذيق، وسقانى مذقاً ومذقة . فلعل المراد : لم تسمح بالقليل من الماء ، ولو مقدار ما يمزج بالشراب . - ٢٨٢ - وضُرْع مَرَاه(١) فاسْتَدرَّ ولم يگن ونُطْقٌ فصيحٌ من ذِراع مُبِينةٍ . وإخباره بالأمر من قبل كَوْنه ومن تِلْكُمُ الآيَات وَحْىٌ أَتَّى بسه تقاصَرت الأفكارُ عنه فلم تُطعْ حَوَى كلَّ عْمٍ واحتوى كلَّ حكمة أَتانا به لا عن رَويّسة مُرْتَيٍ يُوَاتيه طَوْراً فى إجابة سائل وإتيان بُرْهان وفرض شرائعٍ وتصريف أمثال وتثبيت حجة وفى مَجْمَع النادى وفى حَوْمة الوغى فيأنى على ماشئت من طرقاته وصدَّق منه البعضُ بعضاً كأنما وعَجْزُ الورَى عن أَن یجیئوا(٦) يمثلما تأَبَّى(٧) بعبد الله أكرم والد. وشَيْبة ذى الحمد الذى فخَرْت به ومن كان يُستسقى الغمام بوجهه وهاشم البانى مَشِيد افتخاره(٨) وعبد مناف وهو علَّم قومَه به دَرَّة تُصْفِى إلى كُفِّ حالب لكَيْدِ عدوٍّ للعَداوة ناصب وعند مَبَاديه بما فى العواقب قَريب المآتَى مُسْتجم (٢) العجائب بليغاً ولم يَخْطر على قلب خاطب وفات مَرام المستمِرِّ المُوارِب(٣) ولا صُحْف مُسْتَمْلٍ ولا وَصْف كاتب وإفتاء مُسْتفت ووعظ مخاطِب وقصِّ أَحاديث ونَصْب مآدب (٤) وتعریف ذی جْدٍ وتوقیف کاذب وعندَ حديث المعضلات الغرائب كريمَ المعانى مُسْتدِرَّ الصَّوَائبِ(٥) يُلاحظ معناه بَعَيْن المراقِب وصَفْنَاهُ مَعْلومٌ بِطُول التجارب تبَلَّج منه عن كَريمِ مَنَاسب قريشٌ على أَهل العُلَى والمناصب .. ويُصْدَر عن آرائه فى النوائِب بغرّ المساعى وابتذالٍ (٩) المواهب اشتطاط الأمانى واحتكام الرغائب (١) مراه : حلبه . (٢) الأصل: مستحم، والتصويب من سيرة ابن كثير ٧٨/١. (٣) المستمر: القوى، والموارب: المخاتل. (٥) الصوائب: الأمطار، والرواية عند ابن كثير: قويم المعانى مستدر الضرائب .. (٦) ص ت م : عن أن يجيبوا. (٨) ت م : مشيد الفخاره ، محرفة. (٤) رواية ابن كثير: ونص مآرب. (٧) تأبى بعبد الله: أى كان له عبد الله أباً. . (٩). رواية ابن كثير: وامتنان المواهب. - ٢٨٣ - ٠ وإن قُصَيًّا من كِرَامِ غِرَاسِهِ به جَمع الله القبائِلَ بعدَما وحَلَّ كلابٌ من ذُرَى المَجْد مَعْقَلا وهُرّة لم يَخْلُلْ مَرِيرةَ عَزْمِه وكَعْب علاً عن طالب المجد كعبُه وأَلوى تُوَّىُّ بالعداة فطوّعت وفى غالب بأسُّ أَبى الناس دونهم وكانت لفِهْر فى قريش خطابة وما زال منهم مالكٌ خيرَ مالك وللَّضْر طَوْلٌ يَقْصِرِ الطَّرْفُ(٥) دونه لِعَمْرِى لقد أَبدَى كَنَانِهُ قَبْله ومن قبله أَبَقِى خُزَيْمَةِ حَمْدِهِ ومُذْركةٌ لم يدرك الناسُ مثلَه وإلياس كان اليأُس منه مقارِنا وفى مُضَر مُسْتَجمَعَ الفَخْر كله وحَلَّ نزَار من رياسةٍ أَهله وكان مَعَدٌّ عُدَّةً لوليّه وما زال عدنان إذا عُدَّ فضلُه وأُدُّ تأَدَّى الفضلُ منه لغاية وفى أُدَدٍ حلْمٍ تَزَيَّن بالحجَا ١ لفى مَنْهل لم يَدْن من كفِّ قاضب(١) تَقْسَّمها نَهْبُ الأُكُفّ السَّوالب تقاصَرَ عنه كلُّ دان وعَازب(٢) سفَاه سفيه أو مَحُوبة حائب(٣) فنال بأَعْلَى السَّعِى أَعلَى المراتب له همَمَ الثُّمِ الأُنوف الأَغَالب يُدَافع عنه(٤) كلَّ قَرْن مُغَالِب يَعُوذ بها عند اشتجار المخَاطِبِ وأَكْرَم مصحوب وأَنْجِدَ صاحب بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب محاسنَ تأبِى أَن تَطُوع لغالبِ(٦) تَلِيدَ تُرَاثٍ عن حَميد الأقارب أَعفَّ وأَعْلَى عن دَنىء(٧) المكاسبِ لأعدائه قبل اعتداد الكتائب إذا اعتركتْ يوماً زحوفُ المقَانب (٨) مَحسلا تسامَى عن عيون الرَّوَاقبِ إذا خاف من كَيْد العدوِّ المحارب توحَّد فيه عن قریب وصاحب وإرْثٍ حَواه عن قُروم أَشَايبٍ(٩) إذا الحِلْمِ (١٠) أَزْهاه قُطُوبُ الحواجب (١) القاضب : الفارس. (٣) الجائب : الآثم . (٥) ت م : الطوق ، محرفة . (٦) ت م : لغائب . (٢) ت م : وغارب. وابن كثير: وغائب. (٤) ت م : عنهم ، وهى رواية ابن كثير . (٧) ت م : عن وفى المكاسب، محرفة . (٨) ط : زحوف المناقب، والمقانب: جمع المقناب، وهو الطائفة من الخيل ما بين الثلاثين إلى أربعين، والرواية . عند ابن كثير : وفى مضر يستجمع الفخر ... إلخ. (٩) القروم: السادة، والأشايب: جمع أشيب، والذى فى كتب اللغة: شِيبٌ وشُيَّب وشُيُب. (١٠) مّ ت م: إذا الحكم، وأزهاء: استخف به. - ٢٨٤ - وما زال يَسْتعلى هَمَيْعِ بِالعُلَى ونَبْت نَمْه دَوْحَةُ العِزّ وابتنَى وچیزتْ لقیدارِ سماحةٌ حاتمٍ همُ نَسْل إسماعيل صادقُ وَعْده وكان خليل الله أكرم من عنَتْ وتارحُ مازالت له أَرْيَحيَّة وناحور نَخَّار العدَی حفظت له وساروغ فى الهيجاء ضَيْغم غابة وأَرغو(٤) فنابٌ فى الحروب محكّم(٥) وما فالغٌ فى فضله تِلْوَ قومه وفالخْ وأَرفخشذ وسام سمَتْ بهم وما زال نوح عند ذى العرش فاضلا ولَمْكُ أَبوه كان فى الرَّوْعِ رائِعاً ومن قبل لَمْكٍ لم يَزلْ مَتُوثَلِخْ وكانت لإِدريس النبي منازل وياردُ بحرٌ عند أَهل سَراته وكانت لمهياييل فيهم فضائِلٌ وقَيْنان من قبلُ اقتنى مجدَ قومه وكان أَنوش ناشَ للمجد نفسه ويَتْبع آمالَ البعيد المراقب مَعَاقلَه فى مُشْمخِرَ الأَهاضبِ(١) وحِكْمة لقمان وهِمّةُ حاجِبٍ فما بَعْده فى الفخر مَسْعَى لذاهب . له الأَرضُ من ماشٍ عليها وراكبٍ تبيِّن هند عن حَمِيد الضرائب(٢) مآثر لما يُحْصها عَدُّ حاسب يقدّ الكُمَاةَ بالمرهَفَاتِ القَواضبِ (٣) ظَنِين على نفس المشِيح المُغَالب ولا عابرٌ من دونهم فى المراتبِ سَجايا حَمتْهم كلِّ زارٍ (٦) وعائِبٍ يعدّده فى المصطفَيْن الأَطايبِ جرِيًّا على نفس الكَمِىّ المضارب يذود العِدى بالذائدات الشوازب(٧) من الله لم تُقْرِن(٨) بهمة غالبٍ(٩) أَبِىُّ الخَزَايا مُشْدقّ المذاهبِ مهذَّبة من فاحشاتِ الثَالبِ وفات بَشْأُوالفضلِ وَخْدَ الركائبِ (١٠). ونزَّهها عن مُرْدِيات المطالب (١) المشمخر: المرتفع، والأهاضب : الجبال الطويلة الممتنعة. (٢) الضرائب : جمع ضريبة، وهى الطبيعة، ورواية ابن كثير: عن حميد المضارب." (٣) القواضب : القواطع . (٤) ط: وراغو، وفى الأصل: فبابه، محرفة، وعند ابن كثير: وأرغو ناب. وعنده أيضاً: ضنين على نفس المشح. (٦) . ط : كل راد . (٥) ط: محكم. (٧) الشوازب : الخشنة . (٨) ت م: لم تتر ، محرفة. (٩) ط : بهمة راغب موافقاً لابن كثير . (١٠) ت م: وجد كالربيب، محرفة، والوخد : الإسراع ، البعير. - ٢٨٥ - شريفاً بريًّا من ذَمِيمِ المعائبِ فاضلا وما زال شِيث بالفضائل وعن عُوده أَجْنَوا ثمارَ المناقب وكلُهُم من نور آدم أُقْبِسُوا جَرَى فى ظهور الطِّبين المناجِبِ وكان رسولُ اللّه أَكرمَ مُنْجَب مبرَّاة من فاضحات المثَالِبِ مقابِلَة آباؤه أمهاتِه. علیه سلام الله فى كل شارق. ألاح لنا ضوءًا وفى كل غارب(١) (١) القصيدة بتمامها فى سيرة ابن كثير ٧٧/١ - ٨١. - ٢٨٦ - الباب الرابع فى شرح أسماء آبائه صلى الله عليه وسلم وبعض أحوالهم على وجه الاختصار عبد الله : علَم منقول من مركب إضافي . أما المضاف إليه ففى كونه منقولا فى الأصل أَو مرتَجلاً خلاف مشهور لا نطيل بذكره ، وهو الاسم الأعظم للبارى تعالى فى قول أكثر أهل العلم كما حكاه البَنْدَنِيجىّ رحمه الله تعالى، وقد أَشبعت الكلام على هذا الاسم العظيم فى كتابى (( القول الجامع الوجيز الخادم للقرآن العزيز)). وأَما المضاف فإِنه صفة فى الأصل ، كما صرح به ابن الحاجب . والعبد هو المملوك من نوع من يعقل ، مشتق من التعبد وهو التذلل . قال ابن الأَنْبَارى رحمه الله تعالى: العبد الخاضع لله، من قولهم: طريق مُعَبَّد إِذا كان وطئِها الناسُ والعُبودية: أَشرفُ أَوصاف العبد، وبها نَعت الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فى أَعلى مقاماته وهو الإِسراء. كما سيأتى بيان ذلك هناك. وكنيته قال ابن الأثير: أَبو قُثَم . والقُثَم من أسمائه صلى الله عليه وسلم ، مأخوذ من القَئْم وهو الإِعطاء أو من الجمع ، يقال للرجل الجموع للخير: قَثُوم وقُثَم . وقيل كنيته : أبو محمد . وقيل أَبو أحمد ويلقب بالذَّبِيح ، لقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فيما رواه ابن سعد ، ومعاوية بن أبى سفيان فيما رواه الحاكم ، وابن جرير والزهرى فيما رواه البيهقى ، وابن إسحاق فيما رواه البيهقى : أَن أَباه عبد المطلب لما أُمر فى منامه بحفر زمزم ولم يكن له من الولد إلا الحارث وبه كان يكنى . فنذَر إِن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا أن يمنعوه ليَنْحرن أحدهم عند الكعبة . وكان السبب فى ذلك كما رواه ابن سعد والبلاذرى أَن عَدِىّ بن نوفل بن عبد مناف والد المُطْعم قال له : يا عبد المطلب أَتستطيل علينا وأَنت فَذُّ لا ولدَ لك ؟ فقال عبد المطلب أَبالقِلَّةٌ تُعيِّرنى(١)؟! فوالله (٢) لئن آتانى (١) ت م : تعيرونى . (٢) ط : والله. - ٢٨٧ - الله عشرة من الولد ذكوراً لأَنحرنَّ أَحدهم عند الكعبة . انتهى . فلما توافَى بنوه عشرةً وعرف أنهم سيمنعونه(١) - وذلك بعد حفره زمزم بثلاثين سنة - جمَعهم ثم أخبرهم بنَذْره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأَطاعوه وقالوا : أَوْفٍ بِنَذْرك وافعل ما شئت كيف تصنع. قال : ليأُخذ كلُّ رجل منكم قِدْحا ثم يكتب فيه اسمه ، ثم ائتونى ففعلوا ، فدخل بهم على هُبَل فى جوف الكعبة وكان على بئر فى جوف الكعبة . وكانت البئر هى التى يُجْمع فيها ما يُهدى للكعبة ، وكان عند هُبَل قِدَاح سبعة بها يَضْربون على ما يريدون وإلى ما يخرج ينتهون فى أمورهم. فقال عبد المطلب لصاحب القِدَاح : اضربْ على بَنِىِّ هؤلاء بقِدَاحهم هذه . وأَخَبَره بنذره الذى نذَر. وأعطاه كلُّ رجل منهم قِدْحه الذىُّ فيه اسمه(٢) . قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وكان عبد الله بن عبد المطلب أَصغّر بنى أبيه وأَحبَّهم إليه ، وكان عبد المطلب يرى أن السَّهْم إِذا أَخطأً، فقد أَشْوَى. فلما أَخِذ صاحبُ القداحِ القداحٌ ليضرب بها قام عبدُ المطلب عند هُبَل يدعو الله تعالى ، ثم ضرب صاحبُ القداحِ القداحَ ، فخرج السهمُ على عبد الله فأخذ عبدُ المطلب بيده(٣) وأَخذ الشَّفْرة ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه ، فجذَب العباسُ عبدَ الله من تحت رجل أَبيع حين وضعها عليه ليذبحه ، فيقال إنه شجَّ وجهه شجةً لم تزل فى وجه عبد الله حتى مات ، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا : ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال : أَذبحه . فقالت له قريش وبنوه : والله لا تذبحه أبدا حتى تُعْذِر فيه، لئن فعلتَ هذا لا يزال الرجلُ يأتى بابته فيذبحه ، فما بقاء الناس على هذا ؟ وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان عبد الله ابن أُخت القوم: والله لا تذبحه أبدا حتى تُعْذر فيه، فإن كان فداؤه بأَموالنف فديناه . وقالت قريش وبنوه : لا تفعل وانطلقْ إلى الحجاز فإن به عرَّافة لها تابعٌ من الجن فتسألها ثم أَنت بعد ذلك على رأس أمرك، إن أمرتْك بذبحه ذبحتَه ، وإن أَمرتك بأَمٍ لك وله فيه فَرَج فعَلْته . فانطلقوا حتى قدِموا المدينة فوجدوها بخيبر ، فركبوا حتى جاءوها فسألوها ، وقصّ عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أُراد به فى نَذْره . فقالت لهم: ارجعوا عنِّى اليوم (١) ت م : سيمنعوه ، محرفة. (٣) ت م : فأخذ عبد المطلب عبد اللّه. (٢) طبقات ابن سعد ٥٣/١ (القسم الأول) . - ٢٨٨ - حتى يأتينى تابعى فأَسأَّله . فرجعوا من عندها فلما خرجوا من عندها قام عبد المطلب يدعو الله تعالى ، ثم غدَوْا عليها فقالت لهم: قد جاءنى الخبر، كم الدُّية فيكم ؟ قالوا : عشرة من الإِبل . وكانت كذلك. قالت : فارجعوا إلى بلادكم ثم قَرِّبوا صاحبكم وقرُّبُوا عَشْرا من الإِبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقِدَاح ، فإِن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم ، وإِن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم . 3 فخرجوا حتى قدموا مكة ، فلما أُجمعوا لذلك قام عبدُ المطلب يدعو الله ، فقرَّبوا عبدَ الله وعشرةً من الإِبل ، ثم ضربوا فخرج القِدْح على عبد الله ، فزادوا عشراً من الإِبل ، فبلغت الإِبل عشرين، فقام عبد المطلب يدعو الله ثم ضربوا القدح فخرج على عبد الله ، . فزادوا عشرا من الإبل، وما زالوا كذلك يزيدون عَشْرا فعشرا من الإِبل ويضربون عليها بالقداح ، كلٌّ ذلك يخرج القِدْح على عبد الله حتى بلغت الإِبل مائة ، وقام عبدُ المطلب يدعو الله ثم ضربوا فخرج القِدْح على الإِبل ، فقالت قريش: قد انتهى رضا ربِّك يا عبد المطلب . فقال عبد المطلب(١): لا والله حتى أَضرب عليها ثلاث مرات. فضربوا على عبد الله وعلى الإِبل ، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل ، ثم عادوا الثانية والثالثة ، وعبد المطلب قائِم يدعو الله فخرج القدح فى كلتيهما على الإِبل، فنُحِرت ثم تركت لا يُصدّ عنها إِنسان ولا سبع . قال الزهرى : وكان عبد المطلب أَول من سَنَّ دية النفس مائة من الإبل ، فجَرَتْ فى قريش والعرب ، وأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم(٢). وروى الحاكم وابن جرير والأموى عن معاوية رضى الله تعالى عنه أن أعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: یا ابن الذَّبیحین. فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وم. کر عليه. فتميل لمعاوية : من الذبيحان ؟ قال: إسماعيل وعبد الله(٣). قال ابن حزم رحمه الله تعالى: لاعَقِب لعبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلا ولم يولد لعبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ذكّر ولا أُنثى. (١) ط : فقال عبد الله. (٣) قصص الأنبياء لابن كثير ٢١٧/١. (٢) سيرة ابن هشام ١٥٣/١. - ٢٨٩ - ٣٧ - تسبل الهدى والرشاد وقال ابن سعد رحمه الله تعالى : لم تلد آمنة ولا عبد الله غير رسول الله صلى الله عليه وأُم عبد الله : فاطمة بنت عمرو بن عائذ - بعين مهملة فمثنّاة تحتية فذال معجمة - ابن عمران ابن مخزوم . تفسير الغريب إِسَاف: بكسر الهمزة وفتح السين المخففة . نائلة - بنون فألف فمثناة تحتية : اسما صنمين . أصغر بنى أَبيه : قال السُّهيلى: هذا غير معروف . ولعل الراوية أصغر بنى أمّه ، وإِلا فحمزة كان أصغر من عبد الله ، والعباس كان أصغر من حمزة . قال السهيلى: وله وجه وهو أن يكون عبد الله أصغر ولد أبيه حين أراد نحره ثم ولد بعد ذلك حمزة والعباس(٢). قال أبوذر الخُشَنِىّ رحمه الله تعالى: قوله أصغر بنى أبيه : يعنى فى ذلك الوقت (٣). أَشْوَى بشين معجمة : قال فى النهاية : يقال رَمَى فَأَشْوَى إذا لم يُصب المقْتَل . وقال الخُشَنِى : يقال أَشْويت من الطعام إِذا أَبقيت منه . القِدَاح - بكسر القاف : جمع قِدْح. كذلك(٤) : السهمُ الذين(٥) كانوا يستقسمون په . ومن شعر عبد الله والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أورد الصلاح الصَّفَدى فى تذكرته وشيخنا رحمهما الله فى المسالك : بأن لنا فَضْلا على سادة الأَرضِ لقد حكم السارُون فى كل بلدة يُشَار به ما بين نَشْرِ إِلى خَفْضِ وأن أبى ذو المجد والسؤدد الذى قَدِيما بطِيب العِرْق والحسَبِ المخْضِ وجدّى وآباء له أَثَّلوا العُلَى وسيأتى الكلام على وفاته فى أبواب المولد إن شاء الله تعالى . تنبيه : روى مسلم من طريق حماد بن سلّمة ، عن ثابت ، عن أنس رضى الله تعالى (١) طبقات ابن سعد ٦١/١ (القسم الأول) ط ليدن . (٢) الروض الأنف ١٠٣/١. (٤) كذلك : أى بكسر القاف أيضا . (٣) شرح السيرة لأبي ذر ص ٥٣ . (٥) كذا ولعلها : الذى كانوا . . - ٢٩٠ - ," عنه أن رجلا قال : يارسول الله أين أَبى ؟ قال: فى النار. فلما قفى (١) دعاه فقال: إن أبى وأباك فى النار (٢). قال الشيخ رحمه الله تعالى فى مسَالك الحُنفا فى والدَى المصطفى: قوله: ((إن أبى وأَباك فى النار)) لم يتفق عليه الرواة ، وإنما ذكره حماد بن سلمة ، عن ثابت . وقد خالفه معمر عن ثابت ، فلم يذكر: إن أبى وأباك فى النار. ولكن قال له : إِذا مررت بقبر كافر فبشِّره: بالنار . وهذه اللفظة(٣) لا دلالة فيها على والده صلى الله عليه وسلم بأمرٍ البتة. وهو أَثْبَت من حيث الرواية . فإِن مَعْمَرًا أَثبت من حمَّد . فإن حمادًا تُكلِّم فى حفظه ، ووقع له أحاديث مَنّا كير ذكروا أَن رَبيبه دسَّها فى كتبه . وكان حمَّاد لا يحفظ فحدَّث بها فَوَهِمٍ. ومن ثم لم يخرِّج له البخارى شيئا ، ولا أُخرج له مسلم فى الأُصول إلاَّ من روايته عن ثابت . وقد قال الحاكم فى المدخل : ما خرَّج مُسْلم لحمَّاد فى الأصول إلا من حديثه عن ثابت وقد أخرج له فى الشواهد عن طائفة ، وأَمّا مَعْمَر فلم يُتكلم فى حفظه ولا استنكر شىء · من حديثه واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أَثْبت . ثم وجدنا الحديث وردَ من حديث سعد بن أبى وقاص بمثل رواية مَعْمَر ، عن ثابت ، عن أنس . فروى البزَّار والطبرانى والبيهقى من طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزُّهْرى ، عن عامر ابن سعد ، عن أبيه ، أن أعرابيا ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أين أبى؟ قال : . فى النار. قال: فأين أبوك؟ قال ((: حيثما مررتَ بقبر كافر فبشِّره بالنار)). وهذا الإسناد على شرط الشيخين . فتعيَّن الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره . . وقد زاد الطبرانى والبيهقى فى آخره قال : فأَسلم الأَعرابى بعد وقال : لقد كلَّفى رسولَ : الله صلى الله عليه وسلم تعبأ ! ما مررتُ بقبر كافر إلا بشَّرْته بالنار. (١) ت م : فلما نعى . (٢) صحيح مسلم (١٣٢/١ ط استامبول) كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو فى النار . (٣) ط : وهذا اللفظ . - ٢٩١ - وقد روى ابن ماجه عن طريق إبراهيم بن سعد ، عن الزهرى عن سالم، عن أبيه قال: جاء أَعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إِن أبى كان يصل الرحم وكان . فأين هو ﴾ قال: فى النار. قال: فكأَّنه وجد من ذلك فقال: يا رسول الله ، فأَين أبوك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حيثما مرَرْت بقبر مُشْرك فبشِّره بالنار)). قال: فأَسلم الأَعرابى بعدُ وقال لقد كلَّفنى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تعبًا ! ما مررتُ بقبر كافر إِلا بشَّرْتُه بالنار(١). قال الشيخ رحمه الله تعالى: فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ العامّ هو الذى صدر منه صلى الله عليه وسلم ورآه الأعرابى بعد إسلامه أمرًا مقتضِيًا للامتثال،! فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أَمرٌ بشئ البتة . فعلِم أَن اللفظ الأول من تصرّف الراوى ، رواه بالمعنى على حسب فهمه . وقد وقع فى الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظُ تصرف فيه الراوى ، وغيرُهُ أَثْبت منه. كحديث أَنس فى نفى قراءة البسملة . وقد أَعلَّه الإِمام الشافعى رضى الله تعالى عنه بذلك وقال: إِنَّ الثابت من طريق آخر نفى سماعها (٢) ، ففهم منه الراوى نفى قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه ، فأَخطأ . قال الشيخ رحمه الله تعالى : ونحن أَجبنا عن حديث مسلم فى هذا المقام بنظير ما أجاب به إِمامنا الشافعى عن حديث مسلم فى نفى قراءة البسملة . ثم رأيت طريقا أخرى للحديث مثل لفظ رواية مَعْمَر وأَزْيد وضوحا . وذلك أنه قد صرّح فيه بأَن السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى الله عليه وسلم، فعدَل عن ذلك تجمُّلا وتأدبًا (٣). فروى الحاكم فى المستدرك وصححه عن لقيط بن عامر رضى الله تعالى عنه أنه قال : يا رسول الله هل أحد ممن مضى منا فى جاهليته فى خير(٤) ؟ فقال رجل من عرض قريش : إن أباك المنتفق فى النار . فكأنه وقع حَرُّ بين جلد وجهى ولحمى مما قال لأَبِى على رءوس الناس ، فهمَعْت أَن أَقول: وأَبوك يا رسول الله ؟ ثم نظرت فإِذا الأخرى أجمل، (١) سنن ابن ماجه ٥٠١/١، كتاب الجنائز، باب ما جاء فى زيارة قبور المشركين (حديث رقم ١٥٧٣). (٣) ط : وأدبا. (٢) ت م : سماعهم . (٤) ت م : من خير . - ٢٩٢ - فقلت: وأَهْلِك(١) يا رسول الله ؟ فقال: ما أتيت عليه من قبر قرشِىّ ولا عامِرىّ مشرك فقل : أرسلنى إِليك محمد فأبشِّرك(٢) بما يسوؤك. هذه الرواية لا إِشكال فيها ، وهى أوضح الروايات وأَبْينها . ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بالأَّدلة الآتية فى المسلك الأول والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هى أَرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرَّر فى الأُصول . تتمة : ثبت فى الحديث الصحيح أَن أَهْوَن أَهل النار عذابًا أَبو طالب، وأَنه فى ضَحْضاح من النار فى رجليه نعلان من نار يَغْلى منهما دماغه ، وهذا مما يدل على أَن أَبوى النبى صلى الله عليه وسلم ليسا فى النار. لأنهما لو كانا فيها لكانا أَهون عذابا من أبى طالب ، لأَنهما أَقرب منه مكانًا، وأَبْسط عُذْرًا، فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإِسلام فامتنعا ، بخلاف أبى طالب ، وقد أَخبر الصادق المصدوق أَنه أهون أهل النار عذاباً . فليس أبواه من أهلها. وهذا يسمَّى عند أهل الأصول دلالة الإِشارة . تنبيه : أجاب جماعة عن الأحاديث الواردة فى عدم نجاة الأَبوين بأنها وردت قبل ورود الآيات والأحاديث الآتية فى المسلك الأول. كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة فى أطفال المشركين أنهم فى النار. وقالوا: الناسخ لأحاديث الأَطفال قوله تعالى: (( وما كنا مُعَذِّبِين حتى نَبْعث رسولاً))(٣). وإذا عُلم ما تقرر فللعلماء رضى الله تعالى عنهم فى والدى المصطفى صلى الله عليه وسلم مسالك: الأَول: أَنهمالم تبلغهما دعوة أحد وذلك لمجموع أُمور: تأخر زمانهما وبُعد ما بين الأنبياء السابقين. فإن آخر الأنبياء قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم : عيسى صلى الله عليه وسلم . وكانت الفترة بينه وبين بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ستمائة سنة ، ثم إنهما كانا فى زمن جاهلية، وقد طبَّق الجهلُ الأَرضَ شرقا وغربا وفُقد من يعرف الشرائع ويبلّغ الدعوة على وجهها إِلا نفرا يسيرا من أحبار أَهل الكتاب مفرَّقين فى أقطار الأرض كالشام وغيرها . ولم يُعهد لهما تقلّب فى الأَسفار سوى إلى المدينة ولا عَمَّرا عمراً طويلا بحيث يقع لهما فيه (١) ت م : وأصلك. (٣) سورة الإسراء ١٥. (٢) ط : يبشرك. - ٢٩٣ - التنقيب ، فإن والده صلى الله عليه وسلم صحح الحافظ العلائى أنه عاش من العمر نحو ثمانى عشرة سنة . ووالدته صلى الله عليه وسلم ماتت وهى فى حدود العشرين تقريبا . ومثل هذا العمر لا يسع الفحصَ عن المطلوب فى مثل ذلك الزمان لاسيما وهى امرأة مضنونة محجَّبة فى البيت عن الاجتماع بالرجال ، والغالب على النساء أنهن لايعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع ، خصوصا فى زمان الجاهلية الذى رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه ولهذا لمّا بُعث النبي(١) صلى الله عليه وسلم تعجب من بعثته أهل مكة وقالوا: ((أَبَعث الثّه بَشراً رسولاً)) وقالوا: «لو شاء ربُّنا(٢) لأَنزل ملائكةً ماسمعنا بهذا فى آبائنا الأَوّلين ». فلو كان عندهم عِلْم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم بُعث بما هم عليه ، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدُثورها وفَقْد من يعرفها ، إذا كان بينهم وبينزمن إبراهيم أَزيدُ من ثلاثة آلاف سنة ، وحُكم من لم تبلغه الدعوة أنه يموت ناجياً بشرطه الآتى فى الأحاديث الآتية، وأنه لا(٣) يعذَّب ابتداء قبل الامتحان كما سيأتى بيان ذلك . هذا مذهبنا لا خلاف فيه بين أئمتنا الشافعية فى الفقه والأَشاعرة فى الأُصول . وقد نطق على ذلك إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه فى الأُم والمختصر ، وتبعه جميع الأصحاب فلم يشذّ أَحدٌ منهم بخلاف، واستدلوا على ذلك بعدّة آيات منها قوله تعالى: (( وما كنا مُعَذِّبين حتى نبعث رسولاً (٤) روى ابن جرير وابن أبى حاتم فى تفسيريهما عن قتادة فى الآية قال: (( إنَّ الله ليس بمعذِّب أَحدًا حتى يسبق إليه من الله خبرٌ أَو تأتيه من الله بينة)) ومنها قوله تعالى: ((ذلك أَن لم يَكُنْ ربُّك مُهْلك القُرَى بظُلْم وأَهلُها غافلون))(٥) ومنها قوله تعالى: ((ولولا أن تُصيبهم مصيبةٌ بما قدَّمت أَيديهم فيقولوا : ربَّنا لولا أرسلتَ إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين))(٢) أوردهما الزركشى فى شرح جمع الجوامع استدلالاً على قاعدة أن شُكر المنعِم ليس بواجب عقلاً بل بالسمع ، وهذه القاعدة أَى قاعدة شُكْر المنْعم مرجعها إلى قاعدة كلامية وهى قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه (١) ط : لما بعث رسول الله. (٣) ت م : لم يعذب . (٥) سورة الأنعام ١٣١. (٢) ط : لو شاء الله. (٤) سورة الإسراء ١٥. (٦) سورة القصص ٤٧ . - ٢٩٤ - بين الأَشاعرة كما هو معروف فى كتب الكلام والأُصول . وقد أَطنب الأئمة فى تقريرها . وتَرْجع مسألة من لم تَبْلغه الدعوة إلى قاعدة ثانية أُصولية وهى: أَن الغافل لا يكلّف . وهذا هو الصواب فى الأُصول للآية الثانية . ثم اختلفت عباراتُ(١) الأصحاب فيمن لم تَبْلغه الدعوة ، وأَحسنُها من قال : إنه ناجٍ . وإياها اختار السُّبكى رحمه الله تعالى . ومنهم من قال : على الفِطْرة . ومنهم من قال : مُسْلِمٍ . قال الغزالىُّ رحمه الله تعالى: التحقيق أن يقال : فى معنى المُسْلم . وقد مشى على هذ المسلك فى والدَيْ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومٌ من العلماء فصرَّحوا بأَنهما لم تبلغهما الدعوة. حكاه عنهم سِبْط ابن الجوزى رحمه الله تعالى فى ((مرآة الزمان )) ومشى عليه الإمام الآبِىّ فى شرح مسلم . وكان شيخنا شيخ الإِسلام شرف الدين المنَاوِىّ يعوِّل عليه ويجيب به إذا سئل عنهما. وقد ورد فى أَهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إِلى أَن يُمتحنوا يوم القيامة ، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار . والمصحَّح منها ثلاثة : الأَّول ؛ حديث الأسود ابن سريع رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أربعةٌ يحتجُون يومَ القيامة : رجل أَصمّ لا يسمع شيئا ، ورجل أحمق ، ورجل هَرٍم : ورجل مات فى الفترة(٢). فَأَمَا الأَصمّ فيقول : رب لقد جاء الإِسلام وما أسمع شيئا. وأَما الأحمق فيقول: ربِّ لقد جاء الإِسلامُ والصبيان يَحْذفوننى بالبَعْر. وأَما الهَرِم فيقول: رب لقد جاء الإِسلام وما أعقل شيئا . وأَما الذى مات فى الفترة فيقول : رب ما أَتانى لك رسول. فيأُخذ مواثيقهم لَيُطيعُنِّه، فيرسل إليهم : أَن ادخلوا النار . فمن دخلها كانت عليه بَرْدا وسلاما ، ومن لم يدخلها فيُسحب(٣) إليها)). الثانى : حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه موقوفا ، مثل حديث الأسود بن سريع . رواهما الإِمام أحمد(٤) وإسحاق فى مسنديهما والبيهقى فى كتاب الاعتقاد ، وإسنادهما صحيح. ورواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه . (١) ط : عبارة. (٣) ط : يسحب . (٢) ط : فى فيرة . (٤) مسند أحمد ٢٤/٤ ( ط اليمنية). - ٢٩٥ - الثالث : حديث ثَوْيَان رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذا كان يومُ القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لَمْ ترسل إلينا رسولا ولم يأْتنا لك أَمر ، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أَطوعٌ عبادك. فيقول لهم ربهم : أَرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعونى ؟ فيقولون: نعم . فيأمرهم أَن يَعْمدوا إلى جهنم فيدخلوها ، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تَغَيُّظاً وزفيراً فيرجعون إلى ربهم فيقولون : ربنا أَجِرْنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أَنى إن أمرتكم بأمر تطيعونى؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول : اعمدوا إِليها . فينطلقون حتى إذا رأوها فَرِقوا ورجعوا فقالوا : ربنا فَرِقْنا منها ولا نستطيع أن ندخلها . فيقول : ادخلوها داخرين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو دخلوها أول مرة كانت عليهم برداً وسلاما. رواه البزَّار والحاكم وصححه وأقرَّه الذهبى(١). وورد من حديث أبى سعيد رضى الله تعالى عنه مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يُؤتى بالهالك فى الفترة والمعتوه والمولود ، فيقول الهالك فى الفترة : لم يأتنى كتاب ولا رسول. ويقول المعتوه: أى رب لم تجعل لى عقلاً أَعقل به خيراً ولا شرا . ويقول المولود : لم أُدرك العمل. قال: فَتُرفع لهم نار فيقال لهم: رِدُوها. أَو قال : ادخلوها . فيدخلها من كان فى علم الله سعيدا لو أَدرك العمل ، ويُمْسك عنها من كان فى علم الله شقيّا لو أدرك العمل، فيقول الله تبارك وتعالى: ((إیاى عصيتم فكيف برسلى بالغيب)). رواه البزار (٢) من طريق عطية العوفى وفيه ضَعْف، والترمذى يحسِّن حديثه خصوصا إذا كان له شاهد ، وحديثه هذا له عدة شواهد تقتضى (٣) الحكم بحسنه وثبوته . ومن حديث أنس رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود ، والمعتوه ، ومن مات فى الفترة ، وبالشيخ الفانى ، كلهم يتكلم بحجته ، فيقول الله تبارك وتعالى لِعُنُقٍ من جهنم : ابرُزِى . فيقول لهم : إنى كنت أَبعث إلى عبادى رسلا من أنفسهم ، وإِنى رسول نفسى إليكم ، ادخلوا هذه : فيقول من (١) ذكره الهيشمى فى مجمع الزوائد ٣٤٧/١٠ وقال: رواه البزار بإسنادين ضعيفين. (٢) مجمع الزوائد ٢١٦/٧ وقال الهيشمى: رواه البزار، وفيه عطية وهو ضعيف. (٣) ت م : ينبغى. : - ٢٩٦ - : كُتب عليه الشقاء يا ربّ أَندخلها (١) ومنها كنا نَفْرَق، ومن كتب له السعادة فيمضى فيقتحم فيها مسرعا فيقول الله : قد عصيتمونى فأَنتم لرسلى أَشدّ تكذيبا ومعصية . فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار . رواه البزار (٢) وأبو يَعْلى. ومن حديث معاذ بن جبل رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً وبالهالك فى الفترة وبالهالك صغيرا ، فيقول الممسوخ عقلا : يا رب لو آتيتنى عقلاً ما كان من آتيته عقلا بأَسعد بعقله منىّ . وذكر فى الهالك فى الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب . إنى آمركم بأمر فتطيعون ؟ فيقولون: نعم . فيقول : اذهبوا فادخلوا النار. قال : ولو دخلوها ما ضَرَّتهم فيظنون أنها قد أَهلكت ما خلق الله من شىء فيرجعون سراعا ، ثم يأمرهم الثانية ، فيرجعون كذلك فيقول الرب : قبل أَن أَخلقكم علمتُ ما أَنتَم عاملون وعلى عِلْمَى خلقتكم وإلى علمى تصيرون ، ضُمِّيهم (٣). فتأخذهم . رواه الطبرانى وأبو نعيم(٤) . .!! ، الحافظ رحمه الله تعالى فى الإصابة فى ترجمة أبى طالب فى القسم الرابع من حرف الطاء من الكُنَى، بعد أَن أَورد قصة الامتحان: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته فى جملة من يدخلها طائعًا فينجو ، إِلا أَبا طالب فإنه أَدرك البَعْثة ولم يؤمن ، وثبت أَنه فى ضَحْضاح من النار (٥) . وذكر الحافظ عماد الدين ابن كثير رحمه الله تعالى قصة الامتحان أيضا فى والدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر أَهل الفترة وقال : إِن منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب . إلا أنه لم يقل إِن الظن فى أَبوى النبى صلى الله عليه وسلم أن يجيبا . (١) ت م : أتدخلناها. (٢) مجمع الزوائد ٢١٦/٧ قال الهيشمى: وفيه عطية ، وهو ضعيف (٣) ت م : فتضمهم فتأخذهم. (٤) مجمع الزوائد ٢١٦/٧، قال الهيثمى: وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند البخاري وغيره ، ورمى بالكذب . وقال محمد بن مبارك الصورى : كان يتبع السلطان وكان صدوقاً . (٥) الإصابة ١١٥/٧. - ٢٩٧ - ٣٨ - سبل الهدى والرشاد ولا شك أن الظن بهما أَن يوفقهما الله تعالى حينئذ للإجابة ، لشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم، كما رواه تمام فى فوائده بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعا: (( إِذا كان يوم القيامة شفعتُ لأبى وأمى)) الحديث . وروى الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أبويه فقال: ((ماسأَلتهما ربى وإنى لقائم يومئذ المقام المحمود)). فهذا تلويح بأنه يُرْجَى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود ، وذلك بأن يشفع لهما لِيوفَّقا للطاعة عند الامتحان . ولا شك فى أنه صلى الله عليه وسلم يقال له عند قيامه فى ذلك المقام: سَلْ تُعْطَ واشفع تُشْفَّع ، كما فى الأحاديث الصحيحة ، فإذا سأَل ذلك أُعطيه . وينضم إلى ذلك ما رواه أبو سعد النيسابورى فى ((شَرف المصطفى)) وعمر الملاَّ فى سيرته عن عِبْران بن حُصَيْن مرفوعا: ((سأَلت ربِى أَن لا يدخل النارَ أَحدًا من أَهل بيتى. فأَعطافى ذلك(١))) وروى ابن جرير عن ابن عباس فى قوله تعالى: ((ولسوف يعطيك ربك فترضى » قال : مِنْ رضًا محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يدخل أحدا من أهل بيته النار. فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا ، لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة ، كما تقرر فى علم الحديث . وروى الطبرانى عن أم هانئ رضى الله تعالى عنها ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : : (( ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتى لا تنال أَهلَ بيتى، وإن شفاعتى تنال حاء وحكم )). قال فى النهاية : حاء وحكم: قبيلتان جافيتان من وراء رمل يَبْرين. انتهى. ويبرين بمثناة تحتية فباء موحدة فراء فمثناة تحتية فنون ويقال يبرون . قال أبو عبيد البَكْرى هو رمل معروف فى ديار بنى سعد بن(٢) تميم . وقال الإِمام أبو عبد الله محمد بن خلف الآبى فى شرح مسلم فى شرح حديث: ((إِنّ أبى وأَباك فى النار )) وأَورد قولَ الإِمام النووى فيه أى الحديث: إِن من مات كافرا فى النار ولا تنفعه قرابة الأقربين . ثم قال الآبى : انظر هذا الإِطلاق وقد قال السُّهيلى رحمه (١) يناقض ذلك ما جاء فى الأحاديث الصحيحة من قوله صلى الله عليه وسلم لأهل بيته: ((اعملوا فإنى لا أغنى عنكم من الله شيئاً)). (٢) فى معجم البكرى ١٣٨٧: من تميم. - ٢٩٨ - الله تعالى : ليس لنا أن نقول ذلك. فقد قال صلى الله عليه وسلم (( لا تؤذوا الأحياء بسبٌّ الأَّموات. وقال تعالى: (( إِن الذين يؤذون الله ورسوله لعَنهم اللهُ فى الدنيا والآخرة وأَعدَّ لهم عذابا مهينا(١))) ولعله يصح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم أَحيا [ الله ] له أبويه فآمنا به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذا . ولا يُعْجز الله سبحانه وتعالى شىء. ثم أورد قول النووى وفيه أَن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فى النار ، وليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة لأَنه بلغتهم دعوةُ إبراهيم وغيره من الرسل . ثم قال: قلت: تأَمَّل ما فى كلامه من التنافى، فإِنَّ من بلغتهم الدعوة ليسوا بأَهل فترة، فإِن أَهلَ الفترة هم الأمم الكائنة بين أَزمنة الرسل الذين لم يُرسل إليهم الأول ولم يُدركوا (٢) الثانى، كالأَعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي صلى الله عليه وسلم. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كلِّ رسولين . ولكن الفقهاء إذا تكلموا فى الفترة فإِنما يعنون التى بين عيسى والنبى صلى الله عليه وسلم . ولما دلت القواطع على أنه لا يعذَّب حتى تقوم الحجة علمنا أنهم غير معذَّبين . فإِن قلت : صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المِحْجَن وغيره . قلت : قد أجاب عن ذلك عقيل بن أبى طالب بثلاثة أَجوبة: الأَول أنها أخبار آحاد فلا تُعارض القاطع(٣) . الثانى: قَصْر التعذيب على هؤلاء والله أعلم بالسبب . الثالث : قصر التعذيب فى هذه الأحاديث على من بدَّل وغيِّر الشرائع وشرع من الضلال ما لا يُعْذَر به . فإِن أَهل الفترة ثلاثة أقسام: الأول من أدرك التوحيد ببصيرته ثم من هؤلاء من لم يدخل فى شريعة كقُسّ بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نُفَيْل . ومنهم من دخل فى شريعة حقٍ قائمة الرسم كتُبَّع وقومه . الثانى: من بدَّ وغيّر وأَشرك ولم يوحد وشرع لنفسه فحلَّل وحرَّم وهم الأكثر، كعمرو ابن لُحَىّ أَول من سيَّب السوائب ووصّل الوصيلةَ وحمى الحامى . وزادت طائفة على (١) سورة الأحزاب ٥٧ . (٢) ت م : ولا أدركوا . (٣) ت م : فلا تعارض القطع. - ٢٩٩ -