Indexed OCR Text

Pages 221-240

وخصّه الله بها زاده الله بها شرفاً وخطَراً فى قومه ، وعطّلت كل سقاية كانت بمكة حين
ظهرت ، وأَقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها ، لمكانها من البيت وأنها سقاية الله
عزَّ وجلَّ لإسماعيل - صلى الله عليه وسلم(١) .
فوائد
الأُولى: قال السُّهيلى - رحمه الله تعالى: الأَسياف والغزالان، كان ساسان ملك الفُرْس
أَهداها للكعبة ، وقيل سابور. وكانت الأَوائِل من ملوك الفرس تحجُّها إلى ساسان أَو
سابور(٢) .
الثانية: قال السُّهيلى أَيضاً: دُلَّ عبدُ المطلب على زمزم بعلامات ثلاث: بنَقْرَة
الغراب الأَعْصَمِ ، وأَنها بين الفَرْث والدم ، وعند قرية النمل ، ولم يخص هذه العلامات
الثلاث إِلا بحكمة إلهية وفائدة مشاكلة لطيفة فى علم التعبير والتوسّم الصادق لمعنى زمزم
ومائها . أَما الفرث والدم: فإِن ماءها طعام ◌ُعْم وشفاء سُقُمٍ . وهى لِمَا شُربت له ، وقد
تقوَّتَ من مائها أَبو ذَرّ - رضى الله تعالى عنه - ثلاثين ما بين ليلة ويوم فسَمِن حتى
تكسَّرت مُكَن بطنه، فهى إِذًا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى اللبن: ((إذا
شرب أحدكم اللبن فليقل : اللهم بارك لنافيه وزِدْنا منه فإنه ليس شىء يسدُّ مسدَّ الطعام
والشراب إِلا اللبن )) وقد قال الله تعالى: ((من بَيْن فَرْثٍ ودمٍ لبنًا خالصاً سائغًا للشاربين)) (٣)
فظهرت هذه السُّقيا المباركة بين الفَرْث والدم ، وكانت تلك من دلائلها المشاكِلة لمعناها .
وأَما الغراب : فهو فى التأويل فاسق ، وهو أَسود ، فدلت نَقْرته عند الكعبة على نقرة
رّ الأَسود الحبشى بمعْوَله فى أساس الكعبة بهدمها آخر الزمان ، فكأَن (٤) نقرة الغراب فى ذلك
المكان تُؤْذن بما يفعله(٥) الفاسق فى آخر الزمان بقِبْلة الرحمن وسُقْيَا أَهلِ الإِيمان ، وذلك
عندما يُرْفع القرآن . وتحيا عبادةُ الأوثان .
وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليُخرّبنَّ الكعبة ذو السُّوَيْقتَيْن من
الحبشة)) وفيه أيضاً من صفته أنه أَفْحج، وهذا ينظر إلى كون الغراب أَعصمَ ، إذ الفَحج :
(١) فى خبر حفر عبد المطلب زمزم انظر سيرة ابن هشام ١٥٠/١ والاكتفا ١٥٥/١.
(٣) سورة النحل ٦٦.
(٢) الروض ٩٧/١.
(٤) كذا فى ط موافقا الروض. وفى بقية النسخ: فكانت .
(٥) ص ت م : بما فعله . محرفة .
- ٢٢٠ -

تباعدٌ فى الرجلين، كما أَنِ العصَم اختلافُ فيهما ، والاختلاف تباعُد ، وقد عرف بذى
السويقتين، كما نُعت الغراب بصفة(١) فى ساقيه. فتأَمَّلْه. وهذا من خَفِىّ عِلم التعبير ،
لأنها كانت رؤیا .
وأَما قَرْية النمل ففيها من المشاكلة أيضاً والمناسبة: أَن زمزم عَيْن مكة التى يَرِدها
الحجيج والعُمَّر من كل جانب ، فيحملون لها البُرّ والشعير وغير ذلك، وهى لا تَحْرث
ولا تزرع. كما قال سبحانه وتعالى خبرًا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :
((ربَّنا إِنِّى أَسْكنتُ من ذريتى بوادٍ غير ذى زَرْعٍ (٢) الآية. وقرية النمل كذلك، لأَن
النمل لا تَحْرث ولا تَزْرعِ وَتَجْلب الحبوب إلى قريتها (٣) من كل جانب ، ومكة كذلك ،
كما قال تعالى: (( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنةً مُطمئنَّةً يأتيها رِزْقُها رغَدًا من كلِّ
مكانٍ(٤) )) مع أن لفظ قرية النمل مأخوذ من قرَيْت الماء فى الحوض إِذا جمعته ، والرؤيا
تعبّر على اللفظ تارة وعلى المعنى أُخرى ، فقد اجتمع اللفظ والمعنى فى هذا التأويل. والله تعالى
أعلم (٥) .
الثالثة : ذكر الزمخشرى - رحمه الله تعالى - فى ربيع الأبرار أن جبريل - صلى الله عليه
وسلم - أَنْبَطَ ماء زمزم مرتين : مرة لآدم - صلى الله عليه وسلم - حتى انقطعت زمن الطوفان ،
ومرة لإِسماعيل. وفى الزَّهْر: ويعضِّد ما قاله قولُ خُوَيْلد بن أَسَد بن عبد العُزَّى فى عبد المطلب:
إليك ابن سلمى أَنت حافرُ زمزم.
أَقولُ وما قولى عليهم بِسُبَّةُ(٦)
ورَكْضة جبريلَ على عهد آدمٍ
رَكَيَّة إبراهيم يومَ ابنِ هاجَـٍ
٠٠٠
الرابعة : فى شرح غريب ما تقدم :
روح القُدس بضم القاف والدال ، وسكون الدال: المطهّر، والمراد به جبريل - صلى
الله عليه وسلم - ، لأنه خُلق من طهارة ، فالإضافة بيانية .
العَقِب : ما فَضل من (٧) مؤخر الرِّجل عن الساق، والمراد به فى الآية الولد . وولد الولد .
(١) ت م بصفر. محرفة.
(٣) ت م : إلى فرشها .
(٥) الروض ٩٩/١.
(٧) ت م : عن.
(٢) سورة إبراهيم ٣٧
(٤) سورة النحل ١١٢ .
(٦) الاكتفا ١٦١/١: بسنة. وقد أوردهما الكلاعى عن الزبير بن بكار .
:
- ٢٢١ -

نابت : بنون ومثناة فوقية . مِضَاض بميم مكسورة وحكى ضمها وضادين معجمتين
جُرْهُم : بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء . نشَر اللهُ ولدَ إسماعيل: أَى كثَّرهم .
رقَّ أَمرُهم : أَى ساءت حالهم .
بَرة بفتح الباءِ الموحدة وتشديد الراء المهملة ، سميت بذلك لكثرة منافعها وسعة مائها .
المضئونة : قال ابنُ وهب(١) بن منبه - رحمه الله تعالى -: سمِّيت بذلك لأنها ضُنَّ بها
على غير المؤمنين ، فلا يتضلع منها منافق .
روى البخارى فى التاريخ وابن ماجه والطبرانى والحاكم والبيهقى عن ابن عباس - رضى
الله تعالى عنهما - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((آيةُ ما بيننا وبَيْن المنافقين
أنهم لا يتضَلَّعون من زمزم )» .
له طُرق وهو بمجموعها حسَن(٢).
وروى الأَزرقّ عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: التضلِّع من ماء زمزم
براءةٌ من النفاق)) . وقيل سميت بذلك لأنه قيل لعبد المطلب : احفر المضنونة، ضنّنْت بها
على الناس إلا عليك . ظَبْية: بظاء معجمة فباء موحدة فمثناة تحتية ، سميت بذلك تشبيها
بالظبية وهى الخريطة لجمعها ما فيها . قاله فى النهاية تبعًا لأبى موسى المدينى : والذي جرى
عليه السُّهيْلى والخشنى : أَنها بطاء مهملة فمثناة تحتية ، فباء، قال الخشنى: من الطِّيب.
وقال السهيلى : لأَّها للطيّبين والطيبات ..
تُكْتَم بمثناتين فوقيتين تبنى للمفعول.
لا تَنْزِفَ: أَى لا يفرغ ماؤها ولا يُلْحق قعرها. قال السُّهَيْلى - رحمه الله تعالى - :
وهذا برهان عظيم ، لأنهالا تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط ، وقدٍ وقع فيها حبشىّ
فنُزحت من أجله فوجد ماؤها يفور من ثلاثة أَعين أَقواها وأكثرها ماء عينٍ من ناحية الحجر
الأَسود .
ولا تُذَمّ: قال الخُشَىّ: أى لا توجد قليلة الماءِ يقال أَذْعَمْت البئر إِذا وجدتها ذَمَّة أَى
(١) غير ط : قال وهب .
(٢) سنن ابن ماجه حديث رقم ٣٠٦١ كتاب الحج باب الشرب من زمزم.
قال فى الزوائد : هذا إسناد صحيح رجاله موثقون .
- ٢٢٢ -

قليلة الماء . زاد السُّهَيْلى: وليس معناه على ما يبدو من ظاهر اللفظ من أنها لا يذمُّها أحد ،
ولو كان من الذم لكان ماؤها أعذب المياه ولتضلع كلُّ من شرب منه ، وقد تقدم أنه
لا يتضلع منها منافق، فماؤها إذًا مذموم عندهم. وفى النهاية: لا تُذَم أَى لا تعاب أَو
لا تُلْفَى مذمومة، من قولك: أَذْممته إذا وجدته مذموماً . وقيل : لا يوجد ماؤها قليلا
من قولهم : بئر ذمّة إِذا كانت قليلة الماء .
الفرث : ما یکون فی گرِش ذى الكرش .
الأَعْصَم من الغربان : الذى فى ساقيه بياض . قاله الخشنى - رحمه الله تعالى .
قرية النمل : الموضع الذى يجتمع فيه . الرِّوَى: يقال: ماء رِوَى بالكسر والقصر
ورَواء بالفتح والمدّ: أَى عذْب. ما عَمر : بفتح العين المهملة أى ما عمر هذا الماءُ فإِنه
لا يؤذِى ولا يخاف منه ما يخاف من المياه إِذا أُفرط فى شربها بل هو بركة على كل حال .
نعَام جافل : لم يقسم. الجافل : من جفَلتِ الغنمُ إِذا انفلتت بجملتها (١) ، ولم يُقْسم :
أى لم يتوزع ولم يتفرق ، وعلى هذا يجوز أن يحمل قوله : لا تُذم أَى لا تذم عاقبة
شربها . وهذا تأُويل سائغ إلى ماقدمناه من التأويل ، وكلاهما صحيح فى صفتها .
وفى كل مَبَرّ : مَفْعل من الِبِرّ ، يريد فى مناسك الحج ومواضع الطاعة . الحَزْوَرة بفتح
الحاء المهملة ثم زاى ساكنة فواو فراء فهاء بوزن قَسْورة . قال الإِمام الشافعى - رضى الله
تعالى عنه - : الناس يشدّدونه وهو مخفف. وقال الدارقطنى: التشديد تصحيف وإنما هو
بالتخفيف. موضع بمكة داخل المسجد.
الحُشَاشة : بقية الروح . إِسَاف: بكسر الهمزة وفتح المهملة المخففة : نائلة بنون وبعد
الأَلف مثناة تحتية . الطىُّ : قال ابن هشام : ويقال: الطوىّ: وكلَّ واحد. قال الخشنى :
وليس بظاهر ، لأَن اللى يقال للحجارة التى يُطْوَى أَى يبنى بها البئر سمِّيت بالمصدر ،
والطوىّ هو البئر نفسها .
كاهنة بنى سعد بن هُذَيْم : كذا روِى ، ورواه ابن سِرَاج : سعد هذيم. بإسقاط ابن .
قال الخشنى : وهو الصواب لأَن هذيماً لم يكن أباه وإنما كفله بعد أبيه فأُضيف إليه .
(١) ت م : بحملها .
- ٢٢٣ -

أشراف الشام بالفاء أُخت القاف: وهو ما ارتفع من أرضه، واحده شَرَف. تقول ::
قعدت على شَرف من الأَرض أَى على مكان مرتفع، من أَفناءٍ قريش . الأَفناءُ جمع فِنْو كأَحمال
وحِمْل، أَى أَخلاطهم . المفاوز: القِفَار واحدها مفازة، وفى اشتقاق اسمها ثلاثة أقوال:
فقيل لأَّن راكبها إِذا قطعها فقد فاز . وقيل : معناها : مَهْلكة ، يقال : فاز الرجل ، وفوّز
مشددًا ، وفاد بالدال المهملة : إِذا هلك . وقيل سميت مفازة على جهة التفاؤل .
ظمئوا: عطشوا. ضَيْعة رجل: هو فى الأصل المرة من الضياع . نضرب فى الأرض:
نسافر . انبعثَت به راحلته : قامت من بُروكها . حِلُّ بكسر الحاء : الحلال ضد الحرام
وبِلّ بكسر الباء الموحدة : المباح . وقيل : الشفاء من قولهم: بَلَّ من مرضه وأَبَلَّ . وبعضهم
يجعله إِتباعًا لحِلّ . قال فى النهاية : ويَمْنع من جواز الإِتباع الواو .
أسيافا قلعية : منسوبة إلى بلد بالهند من جهة الصين. والقَلْعة بفتح اللام وسكونها
الموضع المرتفع . النِّصْف بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها : النَّصَفة بفتحات،
وهو الاسم من الإِنصاف. القِدَاح: جمع. قِدْح بكسر القاف فيهما ، وهو السَّهْم الذى كانوا
يستقسمون به . هُبَل : بضم الهاء وفتح الباء .
:
الخَطَر: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة. قال فى المصباح: خَطُر الرجل يَخْطُر خَطَرًا، .
وزَان شَرُفٍ شَرِفًا إِذا ارتفع قَدْره ومنزلته فهو خطير .
٠٫٠٠
(١) ص ت م: ابن راشد. محرفة. والتصويب من ط .
(٢) ت م ، والمجارد.
- ٢٢٤ -
.!

الباب التاسع
فى بعض أسماء البلد الشريف والحرم المنيف
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى: ولا يُرى فى البلاد بلدة أكثر أسماء من مكة
. والمدينة، لكونهما أَشرف الأَرض . انتهى .
الباسَّة : بالباء الموحدة والسين المهملة . قال مجاهد - رحمه الله تعالى: سمِّيت بذلك ؛
لأَنّها تبسُ من أَلْحَدَ فيها أَى تهلكه وتَحْطمه.
بَرَّة : نقله الزركشي عن ابن خليل - رحمهما الله تعالى .
بُسَاق: ذكره ابن رَشِيق - رحمه الله تعالى - فى ((العُمْدة)). قال فى شفاء الغرام:
وهو بباء موحدة فسين مهملة فألف فقاف. انتهى. وفى الصِّحَاح : بسَق فلان على أصحابه
أَى علاَهم. وفى القاموس: أَنه كغُرَاب : جبل بعرفات ووادٍ فى الحجاز . وفى المشترك لياقوت
وربما قالوه بالصاد جبل بعرفات ، فيه وادٍ بين المدينة والحجاز وعقبة بين التيه وأَيْلة .
بَكَّة بالباء. قال: أَبو عُبَيْد البَكْرى: وهى مكة تُبْدل الميم من الباء قال تعالى: ((إِنَّ أَولَ
بيتٍ وُضِع للناسِ لَلَّذِى بِبَكَّة)) وقال: ((ببَطْنِ مكة)) وقال عطية: بكَّة موضع البيت،
ومكة ما حوالَيْه. وهو قول إِبراهيم النَّخَعى. وقال ◌ِكْرِمة: بَكَّة: ما وَلىِ البيتَ . ومكةُ
ما وراء ذلك. وقال القُتَبِىّ: قال أبو عبيدة: بَكَّة بالباء ، اسمٌ لبطن مكة. قال البَكْرى :
والذى عليه أَهلُ اللغة أَن مكة وبكة شىء واحد، كما يقال سبَد رأْسَه وسمَده، وضَرْبة
لازم ولازب . قال : وقيل بل هما اسمان لمعنيين واقعان على شىء واحد ، فاشتقاق مكة
[ لقلة مائها ](١)، فذكر ما سيأتى فى مكة. ثم قال: قالوا: وسميت بكَّة لأَن الناس
يَتّباكُون فيها أَى يزدحمون (٢). انتهى.
زاد الزركشى فى الإِعلام ، والفاسيّ فى شفاء الغرام : وقيل: لأَّها تبكُ أَعناقَ الچيابرة
(١) بياض بالأصل وما أثبته من معجم ما استعجم ٢٦٩/١.
(٢) المعجم ٢٦٩/١.
- ٢٢٥ -
٢٩ - سبل الهدى والرشاد
:

إذا ألحدوا فيها ، أَى تدقها. والبَكُّ: الدق. ولفظ الزركشي: أى تكْسرهم فيذلُّون بها
ويخضعون . وقيل : إِنها تضع من نَخْوة المتكبرّين فيها. قاله - الترمذى - رحمه الله تعالى.
البلد: قال الله تعالى: ((لا أُقْسِم بهذا البلد )) وروى ابن جرير وابن أبى حاتم ، عن
ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما -: ((لا أقسم بهذا البلد)) قال: مكة. ((وأَنت حِلّ
بهذا البلد)) يعنى بذلك النبيّ - صلى الله عليه وسلم ، أحل الله تعالى له يومَ دخول مكة أُن
يقتل من شاء ويستحبى من شاء .
بلدُ(١) الله تعالى: لاختياره لها على غيرها .
البلدة. قال تعالى: ((بَلْدة فَيِّبَةٌ وربُّ غفُور)) قال ياقوت فى ((المشْتَرك)): هى مكة .
وقال تعالى: ((إِنما أُمرتُ أَنْ أَعبدَ ربِّ هذه البلدة)) قال الواحدىّ فى الوسيط وابن بَرَّجَان (٢)
فى تفسيره : هى مكة .
1
وروى ابن أبى حاتم عن ابن عباس فى الآية قال : هى مكة . وروى عَبْدُ بن حُمَيْد عن
قتادة مثله . وروى ابن المنذر عن ابن جُرَيْج قال : زعم الناس أنها مكة .
البَلَد الحرام: لحُرْمة (٣)مكة. وسيأتى لهذا مزيد بيان فى حجة الوداع .
البلد الأمين: لتحريم القتال فيه، قال تعالى: ((وهذا البلدِ الأَمِين(٤)) قال خُزَيْمة
ابنِ ثابت ، وليس بالأَنصارى : سأَلتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية
فقال: مكة . رواه الطَّبرانى فى الأوسط . وبه قال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما.
زواه(٥) ابن جرير ، وابن أبى حاتم . ولا خلاف فى ذلك بين المفسرين .
الثَّنِيّة : ذكره الزركشي . وقال فى شفاء الغرام : هذه عن ياقوت . انتهى.
والذى ذكره ياقوت فى المشترك بعد أن ذكر الكلام على الثنية : فالأول : الثنية البيضاء،
وهى عِقَبة تُهْبطك(٦) إِلى فَخّ بالخاء المعجمة وأَنت مُقْبل إِلى المدينة، تريد أسفل من مكة
قبل ذى طُوَى ، ولم يذكر أَن مكة نفسها اسمها الثنية . فالله تعالى أعلم .
(١٠) ت م : ببلد الله. محرفة.
(٢) ابن برجان: عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد الخمى الإشبيلى من رجال الصوفية ومفسريهم، له كتاب فى
تفسير القرآن مخطوط، جرى فيه على طريق الصوفية. توفى سنة ٥٣٦ م. انظر فوات الوفيات ٢٧٤/١، و لسان الميزان ١٣/٤.
( ٤) سورة البلد .
(٣) ت م : لحرم مكة .
(٥) ت م : رواه أيضاً ابن جرير .
(٦) ت م : تبط .
- ٢٢٦ -

الحاِمَة : ذكره الأَزْرقى والنووى وغيرهما، لحَطْمها الملحدين .
الحَرم : بحاء وراء مهملتين ذكره سليمان بن خليل فى مناسكه . الحُرْمة بالضم . الحِرْمة
بالكسر . ذكرهما عديس فى الباهر .
الرأس : قال النووى: لأَنّه أَشرف الأرض كرأس الإِنسان. وأنشد كُرَاع :
وفى الرأس آياتٌ لمن كان ذا حِجّى وفى مَدْيِنِ العَلْيا وفى مَوضع الحِجْرِ
الرِّتَاجِ: براء مكسورة فمثنَّاة فوقية فأَلف فجيم. ذكره المحب الطّبرى، وقال الزركشى
المعروف أن الرتاج: الباب. قال الخليل: وربما أُريد به الكعبة. ومنه الحديث: ((جعَل
مالَه فى رِتَاج الكعبة)) أَى لها ، فكنَى عنها بالباب ، لأَن منه يُدْخل إليها .
سَبوحة : ذكره فى شفاء الغرام . وقال فى الصِّحاح : وهى بفتح السين مخففة : البلد
الحرام . ويقال : وادٍ بعرفات . وذكرها الفارابيّ فى فَعُولة بفتح الفاء وضم العين .
سَلامٍ : بالكسر بلا تنوين ذكره فى شفاء الغرام .
السبل . ذكره صاحب القاموس فى التحبير .
صَلاَحِ : بفتح الصاد وكسر الحاء المهملة بلا تنوين . قال النووى : سميت بذلك
لأُمْنها . زاد الزركشى فى الإِعلام : ولأَن فيها صلاح الخُلق، أَو لأنها تُعمل فيها الأعمال
الصالحة .
صلاحٍ : منونة .
طيّبة : بالتشديد لِطيبها .
العَدْراء : لأنها لم تُنَلْ بمكروه
.
العَرْش، بوزن بَدْر. قاله كُرَاعٍ - رحمه الله تعالى - وبضمتين. قاله البَكْرى.
العَرِيش: بزيادة مثناة تحتية ذكره ابن سيده، لأَن أَبياتها عيدان تُنْصب وتظلَّل.
قال الزركشي : قالوا : ويقال لها - عُروش واحدها عرش.
العَرُوض: ذكره فى التحبير. ولم يزد على ذلك. وفى الصحاح: عَرَّضَ الرجلُ إِذا أَنَى العَرُوض
وهى مكة والمدينة وماحولهما. وذكره الفارابى فى ديوانه فى مادة فَعُول بفتح الفاءوضم العين(١).
(١) قال النهروانى فى الإعلام بأعلام بيت الله الحرام (ط جوتنجن) ص ١٧: (( ومنها: العروض، بفتح المهملة،
ولذلك سمى علم عروض الشعر عروضاً، لأن الخليل بن أحمد اخترعه بمكة فسماه باسمها)).
- ٢٢٧ -

فاران : بناء فأَلف فراء فأَلف فنون ، نقله فى شفاء الغرام عن ياقوت والذى فى
((المشترك)) له: فاران اسم جبال مكة، وقيل اسم جبال الحجاز، ولها ذكر فى التوراة
يجىء فى أعلام نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم .
المقدَّسة والقادس والقادسة والقادسية: أَسماء لها من القُدْس وهو الظُّهْر نصيب(١) لأَن)
تطهِّر من الذنوب، ذكر الأول ابن جماعة . والثانى والثالث ابن قرقول ، وذكر الزركشي
الثلاثة والرابع الفاسِىّ(٢).
قرية الحُمْس: بحاء مهملة مضمومة فميم ساكنة فسين مهملة جمع أَحْمَس، وهم
قريش ومن ولَدتْه قريش وكِنَانة وجَدِيلة وقيس، سُبُّوا حُمْسًا لأَنهم تحمَّسوا فى دِينهم أَى
تشدَّدوا. والحماسة أيضاً : الشجاعة. ولهذا مزيد بيان فى باب حفظ الله تعالى نبيَّه - صلى
الله عليه وسلم - فى خال طفوليته(٣).
قرية (٤) النمل: ذكر هذين الاسمين صاحب القاموس فى تحبير المؤشَّى (٥).
قال فى شفاء الغرام : قرية النمل ونَقْرة الغراب. علامتان لموضع زمزم حين أُمر عبد المطلب
بحفرها. وعدَّها بعضهم اسمين لزمزم مجازا . فإِن كان شيخنا - رحمه الله تعالى - لَحظ
كونُهما اسمين وسمّى بها مكة من(٦) باب تسمية الكلّ باسم البعض، وهو مجاز شائع ؟
فيصحّ على هذا أن يذكر فى أَسماء مكة الصفا والمروة والحَزْوَرة وغير ذلك . وقوله : قرية (٧)
الحُمْس: إِن كان شيخنا لَحظ فى تسمية مكة بذلك أَن الخُمْس كانوا سكانَ مكة ، فيصح
على هذا أَن يذكر فى أسماء مكة قرية العماليق وقرية جُرْهم، لكونهم كانوا سُكَّان مكة قبل
الحُمْس، اللهم إلا أن تكون سمِّيت مكة بقرية النمل ونَقْرة الغراب وقرية الحمس منقولاً
عن كتب اللغة ، فلا يُقاس عليه غيره .
القرية: قال الله تعالى: ((ضرّب الله مَثلاً قرية (٨))) قال مجاهد - رحمه الله تعالى]:
يعنى مكة .
(١٠) فى ط: ((أسماء كلها من القدس وهو الطهر، لأنها تطهر ... إلخ)).
(٢) كذا فى ط ، وهو الصواب، وفى ص ت م: القابسى ، محرفة .
.(٣) ط : فى حال الطفولية.
(٤) ت م: وقرية النمل.
(٦) ت م : فى باب .
(٥٠) ت م : فى تحبير الموشين ، محرفة.
(٨) سورة النحل ١١٢ ..
. (٧). ت م : وقرية الحمس .
- ٢٢٨ -

كُوْثَى: بكاف مضمومة وثاء مثلثة مفتوحة . نقله الأَزرقى عن مجاهد وجزم به السُّهيلى.
وفى المطالع: سميت باسم بقعة فيها . وأَفاد الفاكهى أَن كُوثَى فى ناحية قُعَيْقعان. وقيل:
كوفى جبل بمنى
المأمون : ذكره الزركشي ونقله الشيخ عن ابن دحية لتحريم القتال فيه .
مُخْرَج صِدْق: روى الزُّبير بن بكَّار فى أخبار المدينة عن زيد بن أَسْلم - رحمه الله تعالى -
قال: جعل الله تعالى مُدْخَل صدق : المدينة ومُخْرَج صِدْق : مكة .
المسجد الحرام : قال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما: الحرَم كله هو المسجد الحرام .
رواه سعيد بن منصور. ولهذا مزيد بيان يأتى فى تفسير أول سورة الإسراء فى أبواب الإِسراء
إن شاء الله تعالى .
المَعَاد: قال تعالى: (( إِنّ الذى فرَض عليك القرآنَ لَرادُّك إِلى مَعَادِ(١))) قال ابن عباس
- رضى الله تعالى عنهما : يعنى مكة . رواه البخارى .
المكَّتان : ذكره الشيخ برهانُ الدين القِيراطىّ - رحمه الله تعالى - فى قصيدة فى أسماء
مكة . قال فى شفاء الغرام : ولعله أَخذه من قول ورقة بن نوفل :
أَرى الأَمرَ لا يَزْداد إِلَّا تفاقُمًا وأنصارُنا بالمكتين قليلٌ
ولهذا مزيد بيان يأتى فى باب البعثة إن شاء الله تعالى .
مكة : اختُلِف فى سبب تسميتها مكة بالميم ، فقيل : لأنها تمكُّ الجبارين ، أَى تُذْهب
نَخْوتهم. وقيل: لأنها تمكُّ الفاجر عنها، أَى تُخرجه . وقيل: لأَنْها تجذب الناس إليها
من قولهم : امْتَكَّ الفصيلُ ما فى ضَرْع أمّه إذا لم يُبْق فيه شيئا . وقيل : لقلة مائها . وقيل :
لأَنّها تمك الذنوب أَى تستخرجها (٢). وتذهب بها كلها (٣). وقيل لأنها لمّا كانت فى بطن وادٍ
تمك الماء من جبالها عند نزول المطر وتنحدر إليها السيول .
نادر: نقله فى (( الزَّهْر)) عن منتخب كُرَاع. وهو بخط مُغَلْطاى - رحمه الله تعالى -
بنون ودال مهملة ...
الناسَّة: بالنون والسين المهملة المشددة ذكره الماوردى وغيره، لأَنها تنسُّ مِن أَلْحَدَ
(١) سورة القصص ٨٥ .
(٣) معجم البكرى ٢٦٩/١.
.(٢) ط : أيّ تستخرج بها
٠٠ - ٢٢٩ -

فيها، أَى تطرده وتنفيه. وقيل: من نَسَّ (١) الشىء إِذا يبس من العطش. قال فى الصحاح:
يقال لمكة الناسّة لقلة الماء بها من النسّ وهو اليُّبْس .
النسّاسة : بنون وسينين مهملتين: الأولى مشددة ذكره ابن جماعة . ومعناها كمعنى
الاسم الذى قبلها ، وقيل لقلة مائها من النَّس وهو اليُبْس .
الناشَّة بالشين المعجمة. نقله فى ((الزَّهْر)) عن الخطابى لأَنْها تنشُّ من أَلْحد فيها أى
تطرده وتَنْفيه .
"الوادِى : ورد فى كلام عمر - رضى الله تعالى عنه .
أُم راحِم: ذكره فى ((شفاء الغرام))، ونقله فى الزهر عن كُرَاع. ومعناه معنى الاسم
الذى بعده .
أُم رُحُم : براءٍ وحاءٍ مهملتين قال فى الزَّهْر نقلا عن ابن السِّيد: بضم الراء والحاء
ويقال(٢) بتسكين الحاء ونقله الماوردى وغيره عن مجاهد، لأَن الناس يَتَراحمون فيها
ويتواصلون .
أُم الرِّحم : معناه معنى الاسم الذى قبله .
أُم الرَّحمَات: عزَاه الشيخ عبد الله المُرْجانى(٣) لابن العربى - رحمه الله تعالى ..
أُم رَوْح: بفتح الراء من الروح وهو الرحمة ذكره ابن الأثير فى المُرَصَّع(٤).
أُم زَحْم : بزاى من الزحام. ذكره الرّشَاطِىّ - رحمه الله تعالى .
أُمِ صُبَيْح: ذكره ابن الأثير فى كتاب المرصَّع. وهو بضم الصاد كما فى القاموس .
أُم القُرَى: قال الله سبحانه وتعالى: ((لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى)) قال الضحاك - رحمه الله
تعالى: يعنى مكة . واختلف فى سبب تسميتها بذلك. فقيل: لأَن الأَرض دُحِيبت من تحتها
موك -.
(١) ت م: تنس ، محرفة .
(٢) ت م : يقفل.
(٣) كذا فى ط، موافقاً للإعلام بأعلام بيت الله الحرام النهروانى ص ١٨ وذكر أن له كتاباً فى تاريخ المدينة.
وفى بقية النسخ : ابن المرجانى.
(٤) تْم: فى الموضع، محرفة .
٠ ٠: ٢٣٠ -

قاله ابن عباس وتقدم فى باب بدء أمر البيت ، وقيل لأنها أعظم القرى ، وقيل لأن فيها
بيت الله تعالى . ولما جرت العادة بأن الملك وبلده مقدَّان على جميع الأماكن سمى أُمَّا لأَن
الأُم متقدمة، وقيل لأَنها قِبْلة تؤمُّها جميع الأُمة، وقيل لان أَهل القُرى يرجعون إليها فى
الدِّين والدنيا .
أُم كونى: ذكره ابن المرجانِىّ - رحمه الله تعالى - ولم يتكلم عليه(١)
(١) يراجع في أسماء مكة الاعلام للزركشي ص ٧٨، وشفاء الغزام ٤٧/١، ١٢٦.
- ٢٣١ -

الباب العاشر
فى ذكر حرم مكة وسبب تحريمه
حَرَمُ مكة : ما أحاط بها وأَطاف بها من جوانبها ، جعل الله تعالى لها حُكمها فى الحُرْمة
تشريفاً لها. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - فى الإيضاح: وحَدُّه من طريق المدينة
دون التنعيم عند بيوت نِفَار على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن طرف أَضَّاة لِبْنُّ
فى ثنية لِبْن على سبعة أَميال. ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمُقطَّع(١) على سبعة
أَميال . ومن طريق الجعْرانة فى - شعب آل (٢) عبد الله بن خالد على تسعة أميال بمثناة
فوقية فسين مهملة . وليس فى الحدود تسعة بتاء فسين غير هذا الموضع .
ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نَمرة على سبعة أَميال ، ومن طريق جدة منقطع
الأعشاش على عشرة أميال .
فهذا حد ماجعله الله تعالى حرمًا لما اختُص به من التحريم وباينَ بحكمه سائر البلاد.
وهكذا ذكر حدوده أَبو الوليد الأَزرقى فى كتاب مكة وأصحابُنا فى كتب الفقه، ومنهم الماوردى
فى الأحكام السلطانية . إِلا أَن الأَزْرَقى قال فى حدّه من طريق الطائف : أَحد عشر ميلا.
والجمهور قالوا: سبعة كما ذكرنا. وقال فى شفاء الغرام : وتبعه عليه(٣) الفاكهى وأبو القاسم
عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة فى كتابه ((المسالك)) ولا يعرف للأَزرقى فيما قاله مخالف
قبله ولا معاصر له ولا بعده غير الماوردى وصاحب المهذَّب ومن تبعهما - رحمهم الله تعالى.
. وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
ثلاثةُ أَميال إِذا رُمْتَ إتقانَهْ
وللحرَم التحديدُ من أرض طيبةٍ
وجُدّة عَشْرِ ثم تسع جعِرّانَهْ
وسَبْعة أَميسال عراق وطائف
وَمَن يَمَن سَبْعِ بتقديم سِينها
لذلك سَيْل (٤)الحل لم يَعْدُ بنيانه.
(١) ت م : بالمنقطع ، محرفة .
(٣) ت م : على ، محرفة .
(٢٠) ت م : أبى عبد اللّه، محرفة .
(٤) ص ت م : سبيل الحل، محرفة، والتصويب مي ط
٢٣٢

يعنى أَنسَيْل الحل لا يدخل الحرم. كما ذكره جماعة. قال الأزرقى : إلا من موضع واحد
عند التَّنْعيم .
التَّنْعيم بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة بعدها مثناة تحتية ،
وهو من الحِلّ .
نِفَّار : بنون مكسورة ففاء فراء . أَضاة بفتح الهمزة وبالضاد المعجمة على وزن قَنَّاة .
لِبْن بكسر اللام وسكون النون . قاله الحازمى - رحمه الله تعالى.
المُقطَّع ضبطه ابن خليل بضم الميم وفتح الطاء المشددة . وفى خط الطبرى ؛ بفتح الميم
وإسكان القاف . الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء ، وتشدَّد . نَسِرة بفتح
النون وكسر الميم : موضع : قيل مِنْ عرفات(١) وقيل بقربها. الجُدّة بضم الجيم ساحل مكة
معروفة سميت بذلك لأنها حاضرة البحر ، والجدة من البحر والنهر ما وَلِ البَرَّ ، وأَصل
الجُدّة: الطريق المعتد. مُنْقَطع الأَعْشاش: بفتح الهمزة وبالشينين(٢) المعجمتين جمع عُشْ.
قال المحب الطبرى فى (( القرى)) فى سبب تحديد الحرم واختلاف حدوده أربعة أوجه :
الأول ما رواه سعيد بن جُبير عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال : لما أُهبط
آدم - صلى الله عليه وسلم - خرَّ ساجدًا معتذراً، فأرسل الله تعالى إليه جبريل بعد أربعين
سنة فقال : ارفع رأسك فقد قُبلت توبتكُ . فقال: يا رب إنما أَتلَهَّف على ما فاتنى
من الطواف بعرشك مع ملائكتك. فأَوحى الله تعالى إِليه : إِنى سأنزل لك بيتاً أَجعله قِبْلةً .
فأَهبط الله تعالى إِليه البيت المعمور وكان ياقوتة حمراء تَلْتهب التهابّا (٣)، وله بابان
شرقى وغربى قد نظمت حيطانه بكواكب بيض من ياقوت الجنة ، فلما استقر البيتُ
فى الأرض أَضاء نوره ما بين المشرق والمغرب، فنفرت لذلك الجن والشياطين وفزِعوا، فصحِدوا(٤)
فى الجوّ ينظرون من أين ذلك النور، فلما رأوه من مكة أَقبلوا يريدون الاقتراب إليه، فأرسل الله
تعالى ملائكة فقاموا حول الحرم فى مكان الأعلام اليوم، فمنعتهم ، فمن ثم ابتدئ اسم الحرم.
الثانى : ما رواه وهب بن منبه رحمه الله تعالى فقال: إن آدم - صلى الله عليه وسلم -
(٢) ط : والشينين.
(١) ت م : موضع قبل عرفات .
(٣) ص ت م: ملتهب التهابا، محرفة، والتصويب من ط .
(٤) ت م : وصعدوا.
- ٢٣٣ -
٣٠ - سبل الهدى والرشاد

لمّا نزل إلى الأرض اشتد بكاؤه، فوضع الله تعالى له خيمة بمكة موضع الكعبة قبل الكعبة،
وكانت الخيمة ياقوتة حمراء من الجنة ، وفيها ثلاثة قناديل فيها نور يتلهب من الجنة ،
وكان ضوء النور ينتهى إلى مواضع الحرم ، وحرسَ الله تعالى تلك الخيمة بملائكة فكانوا
يقفون على مواضع أَنصاب الحرم يحرسونه ويذودون عنه سكانَ الأَرض من الجن ، فلما
قَبض الله تعالى آدم رفعها إِليه .
الثالث: روى أن إِبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما بنَى البيتَ قال لإسماعيل: ابغنى
حجرًا أَجعله للناس آية . فذهب إِسماعيل ولم يأته بشىء ووجد الركن عنده فقال : من أين
لك هذا ؟ قال : جاء به من لا يَكلِى إِلى حَجرك ، جاء به جبريل . فوضعه إبراهيم موضعه
هذا، فأَنار الحجرُ شرقًا وغربًا ويمينا وشمالا، فحرِّم الله الحرَم حيث انتهى إليه نورُ الركن
وإِشراقه من كل جانب .
الرابع: أن آدم - صلى الله عليه وسلم - لما أُهبط إلى الأرض خاف على نفسه من
الشياطين واستعاذ بالله تعالى، فأرسل(١) الله تعالى ملائكة حقُّوا بمكة من كل جانب ووقفوا
حواليها ، فحرم الله تعالى الحرم حيث وقفت الملائكة . انتهى .
وزاد فى شفاء الغرام تبعا للسُّهيلى: وقيل لأَّن الله تعالى حين قال السموات والأرض ؛
((ائتيَا طَوْعًا أَو كَرْهًا قالتَا أَتَيْنا طائعين)) لم يجبه بهذه المقالة من الأَرض إِلا أَرضُ الحرم،
ولذلك حرَّمها .
٠٠٠
وقال الزركشى رحمه الله تعالى فى الإعلام : فإن قيل : ما الحكمة فى تحديد الحرم ؟
قيل(٢) فيه وجوه: أحدها التزام ما ثبت له من الأحكام وتبيين ما اختص به من البركات .
الثانى : ذُكِرٍ أَن الحجر الأسود لما أتى به من الجنة كان أبيض مستنيراً أَضاء منه نور ،
فحيثما انتهى ذلك النور كانت حدود الحرم. وهذا معنى مناسب والأمر فوق ذلك ..
... الثالث: أنه أَنوار موضوعة من العالم الأعلى ربّانى، وسرَّ روحانى، توجّه إلى تلك
*البقاع. ويذكر أهل المشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأدوار واصلة إلى حدود الحرم ، ولها
منار يَنْبع منها ويكون عنها فى الحرمين والأرض المقدسة(٣) .
(١) ت م : فقال ، فأرسل.
(٢) كذا فى ط ، وفي ص ت م : فقيل.
(٣) يراجع فى حدود الحرم إعلام الساجد ٦٣، وشفاء الغرام ٥٥/١ .
١٠٠
- ٢٣٤ -

ذكر علامات الحرم
قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : أَول من نصبَ أَنصاب الحرم إبراهيمُ يريه
ذلك جبريل ، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميمَ بن أسد الخزاعى
فجدَّد مارثَّ منها. رواه ابنُ سعد(١) والأَزْرقى .
وروى الأزرقى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة رحمه الله تعالى قال : إِن إِبراهيم
- صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - نصَب أَنصابَ الحرم يريه جبريلُ - صلى الله عليه وسلم -
ثم لم تُحرِّك حتى كان قُصَىّ فجددِها، ثم لم تُحرك حتى كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
يومَ الفتح ، فبعث عام الفتح تميم بن أَسد الخُزَاعَى فجددها .
رَثَّ الشىْ يَرِثُّ بالكسر وأَرتَّ : خلَق .
٠
(١) ص ت م: أبو سعد، والتصويب من ط، وانظر طبقات ابن سعد ٩٩/٢ القسم الثانى ( ط ليدن).
-٢٣٥ -

الباب الحادى عشر
فى تعظيم مكة وحرَمها ، وتعظيم الذنب فيها
عن أَبِى شُرَيْح العدوى رضى الله تعالى عنه أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام
الغدَ من يوم الفتح فقال: ((إِن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمْها الناسُ، فلا يحلُّ لامرئ يؤمن بالله
واليوم الآخر أَن يَسْفك بها دمًا ولا يَعْضِد بها شجرةً، فإِن أَحدٌ ترخَّصَ لقتال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - فيها فقولوا له: إِنّ الله تعالى قد أَذِن لرسوله ولم يأُذن لكم، وإنما أَذِن لى
ساعةٌ من نهارٍ ، وقد عادت حُرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلِّغ الشاهد الغائب)).
رواه الإمام الشافعىّ والشيخان (١).
وعنه أيضا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِن الله حرَّم هذا البيت
يومَ خلق السموات والأرض وصاغه يومَ صاغ الشمسَ والقمر وما حِيَاله من السماء حرام ،
وإنه لا يحلّ لأَحد بعدى وإِنما أُحِلَّ لى ساعةً من النهار ثم عاد كما كان)).
رواه الطبرانى (٢) .
وعن عيَّاش بن أبى ربيعة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
((لا تزال هذه الأُمة بخير ما عظَّموا هذه الحرمة حقَّ تعظيمها فإذا ضيَّعوا ذلك هليكوا )).
رواه ابن ماجه(٣).
وعن صفية بنت شَيْبة - رضى الله تعالى عنها - قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم - يقول: (( يا أيها الناس إن الله حرَّم مكة يومَ خلق السموات والأرض، وهى حرام
(١) صحيح البخارى ٥٣/٣ (ط الأميرية) كتاب المغازى.
وصحيح مسلم كتاب الحج باب تحريم مكة وصيدها ... إلخ ، حديث رقم ٤٤٦ ( ط الحلبى).
(٢) مجمع الزوائد ٢٨٤/٣ وقال الهيشمى: رواه الطبر انى فى الأوسط ، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.
(٣) سنن ابن ماجه كتاب المناسك باب فضل مكة (حديث رقم ٣١١٠)، وفى إسناده يزيد بن أبى زياد، واختلط
بأخره .
٢٣٦٠ -

إِلى يوم القيامة، لا يُغْضد شجرها ولا يُنفِّر صيدها ولا تؤخذ لُقطتها إِلا لمنْشِد. فقال
العباس : إِلَّ الإِذْخَر فإِنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِلا
الإِذخر .
رواه البخارى تعليقا. ووصلَه ابن ماجه(١).
وعن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يوم فتح مكة: ((إِن هذا البلد حرَّمه الله يومَ خلق السموات والأرض والشمس والقمر
ووضع هذين الأَخْشَبَيْنِ ، فهو حرام بحُرْمَةِ الله تعالى إلى يوم القيامة، ، وإنه لم يحل القتال
فيه لأَّحدٍ قَبْلى ولا يحل لأحد بَعْدِى، ولم يحل لى إِلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله
إلى يوم القيامة، لا يُخْتلى خلاؤها ولا يُعْضَد شجرها ولا ينفّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها
إلا لمن عرَّفَها إِلى أَخَرةٍ )) .
رواه ابن أبى شيبة والخمسة(٢).
وروى الأزرق عن الزهرى مرسَلا أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إِن الناس
لم يحرِّموا مكة ولكن الله تعالى حرَّمها فهى حرام إِلى يوم القيامة، وإِن من أَعْتَى الناس
على الله تعالى رجلاً قَتل فى الحرم ورجلاً قتل غير قاتله، ورجلاً أَخذ بذُحول الجاهلية)).
الذُّحُول جمع ذَحْل بذال معجمة فحاء مهملة، وزان فَلْس : الحقدُ والعداوة . وطلب
بذَحْله أَى بشأْره ، وهو المراد هنا .
وروى الأَزرقى عن قتادة رحمه الله تعالى قال: ذكرلنا أن الحرم حُرِّم بحِيَاله إلى العرش.
وروى أيضا عن مجاهد قال: إِن هذا الحرَم حُرِّم مَناه (٣) وقَصْده من السموات السبع.
والأرضين السبع ، وإِن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتا فى كل سماء بيت ، وفى كل أَرض
بيت ، ولو وقعن وقعن بعضهن على بعض .
(١) صحيح البخارى ٢٠٨/١، ٢٣٩ كتاب الحج .
وسنن ابن ماجه کتاب المناسك باب فضل مکمة ( حديث رقم ٣١٠٩) .
(٢) صحيح البخارى ٢٣٩/١، وصحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٤٤٥، وسنن أبي داود ٢٠٠/١، كتاب المناسك
باب تحريم حرم مكة، وصحيح الترمذى ٠١٥٤/١ ٢٦٤ (كتاب الحج) و ( كتاب الديات)، وسنن النسائي بشرح
السيوطى ٢٠٢/٥ كتاب الحج باب حرمة مكة ، باختلاف فى اللفظ .
(٣) فى هامش ط : أي حذاء وقصده .
- ٢٣٧ ٠

وروى الأزرقى عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم: (( البيت المعمور الذى فى السماء يقال له الضراح وهو على مَنَا الكعبة ، يعمره
كلَّ يوم سبعون ألف ملك لم يزره قط ، وإِن للسماء السابعة لَحرماً على مَنَا حَرم الكعبة)) .
وروى الأَزرقى والطبرانى والبيهقى فى الشُّعَب عن عائشة - رضى الله تعالى عنها : أَنْ
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ستةٌ لعَنْتهم وكلُّ نَبِىٌّ مُجَابُ الدعوة: الزائدُ
فى كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمُتسلِّط(١) بالجبروت ليُذلّ من أَعزِّ الله ويعز من أَذلك
الله، والتارك لسُنَّى، والمستحل من عِتْرنى ما حرَّم الله، والمستحلُ لحرَم الله(٢).
ذكر تعظيم مالا يعقل للحرم
روى ابن أبى الدنيا فى (( ذَمِّ الملاهى)» عن جُوَيْربة بن أسماء عن عمه رحمهما الله تعالى
قال : حججتُ مع قوم فنزلنا منزلا ومعنا امرأة ، فنامت فانتبهتْ وحيّة منطوية عليها جمعت
رأسها مع ذنّبها بين ثدييها فهالنا ذلك وارتحلنا فلم تزل مَطْوية(٣) عليها لا تضرّها شيئا،
حتى دخلنا أَنصابَ الحرم فانسابت فدخلنا مكة فقضينا نُسكنا وانصرفنا ، حتى إذا كنا
بالمكان الذى تطوَّقت عليها فيه الحية ، وهو المنزل الذى نزلنا فنامت فاستيقظت والحية
منطوية عليها ، ثم صفّرت الحية فإِذا بالوادى يسيل علينا حَيّات فنهَشْنها حتى بقيتْ
عظاما ، فقلت لجارية لهبما : ويحك أُخبرينا عن هذه المرأة . قالت : بغَتْ ثلاثَ مرات،
كل مرة تلد ولدا فإذا وضعتْه سجَرت التَّنُّور ثم ألقته فيه .
وروى الأزرق عن ابن أبى نَجِيح - رحمه الله تعالى - قال: لم تكن كِبَّار الحيتان (٤)
تأكل صغارها فى الحرم زمنَ الطوفان (٥) ..
(١) هكذا الرواية فى صحيح الترمذى: والمتسلط بالجبروت، وفى الأصل: ((والمقسط بالجبروت)).
(٢) صحيح التر مذى ٢٢/٢ (كتاب القدر) ثم قال الترمذى: هكذا روى عبد الرحمن بن أبى الموالى هذا الحديث.
عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن عمرة، عن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم ورواه سفيان الثورى
وحفص بن غياث، وغير واحد عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن على بن الحسين، عن النبى صلى الله عليه وسلم
مرسلا ، وهذ أصح .
: (٣٠) ت م : منطوية.
(٤) الأصل : كبار الحيات ، وما أثبته من أخبار مكة.
(٥) أخبار مكة (ط جوتنجن) للأزرق ص ٣٦٢.
- ٢٣٨ -

وروى ابن أبى شَيْبة عن ابن سابط - رحمه الله تعالى - قال : كان الناس إِذا كان
الموسم فى الجاهلية خرجوا ولم يبق أحد بمكة ، وإنه تخلّف رجل سارِق فعمد إلى قطعة من
ذهب فوضعها ليأخذ أخرى ، فلما أَدخل رأسه مَمزه البيتُ فوجدوا رأسَه فى البيت واسته
خارج البيت(١) فأَلقوه للكلاب .
وروى الجندى عن طاووس - رحمه الله تعالى - قال : إِن أهل الجاهلية لم يكونوا
يصيبون فى الحرم شيئا إلا عجِّل لهم ويوشك أن يرجع إلى ذلك .
والأَحاديثُ والآثار فى تعظيم حُرمة الحرم أكثر من أَن تُحصر .
وروى الأَزرقى عن حُوَيْطب بن عبد العُزَّى - رضى الله تعالى عنه - قال : كنا جلوسًا
بفناء الكعبة فى الجاهلية فجاءت امرأة إلى البيت تَعُوذ به من زوجها فجاء زوجها فمد يده
إِليها فيبست يدُه ، فلقد رأيته فى الاسلام وإنه لأَشَلّ (٢).
وروى الأزرقى عن ابن جُرَيْج - رحمه الله تعالى - قال: الحِطَيم ما بين الركن والمقام
وزمزم والحِجْرِ، وكان إِسَافٌ ونائلة (رجلٌ وامراةٌ) دخلا الكعبة فقبَّلها فيها فمسِخا
حجرين فأُخرجا من الكعبة فنُصب أَحدهما فى مكان زمزم والآخر فى وجه الكعبة يعتبر
بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا ، فسمِّى هذا الموضع الحَطيم لأن الناس كانوا
يحطمون هنالك بالأيمان ويستجاب فيه الدعاء على الظالم للمظلوم ، فقلَّ من دعا هنالك
على ظالم إلا هلَك ، وقلَّ من حلف هنالك إثماً إلا عُجِّلت عليه العقوبة، وكان ذلك يحجز
بين الناس عن الظلم ويتهيب الناس الأيمان هنالك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الله تعالى
بالإِسلام فأَخَّر الله تعالى ذلك لما أراد إلى يوم القيامة (٣).
تنبيه : فى الأحاديث السابقة أَن الله تعالى حرَّم مكة . ولا يخالف ذلك ما رواه
الإمام أحمد ومسلم والنسائى وغيرهم ، عن جابر بن عبد الله - رضى الله تعالى عنهما -
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن «إبراهيم حرَّم مكة، وإنى حرَّمْتُ المدينة (٤)
(١) ت م : خارجه.
(٢) ليس فى أخبار مكة، انظر باب تعظيم الحرم وتعظيم الذنب فيه والإلحاد ص ٣١١ (ط جوتنجن).
(٣) أخبار مكة ص ٣٩٧ (ط جوتنجن).
(٤) صحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٤٥٨، وسنن ابن ماجة كتاب المناسك باب فضل المدينة، ومسند أحمد
٠١١٩/١
- ٢٣٩ -