Indexed OCR Text
Pages 201-220
الباب الرابع فى بعض فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها وآداب ذلك روى ابن خُزَيْمة والطبرانى والبيهقى من طريق عبد الله بن المؤمل ، عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من دخل البيت فصلّى فيه دخل فى حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له )). وفى لفظ : خرج مغفوراً له . وروى الفا كهى عن ابن عمر - رضى الله تعالى عنهما - قال فى دخول البيت: دخول فى حسنة وخروج من سيئة . وروى الفا كهى عن مجاهد رحمه الله تعالى قال : دخول البيت حسنةٌ وخروج من سيئة ويخرج مغفورا له . ورَوى الفاكهى عن عبد الله بن عمر - رضى الله تعالى عنهما - أَنه قال لهند بن أَوس: أَرأَيت الكعبة؟ من دخلها فصلى فيها خرج من ذنوبه كيوم ولدَتْه أُّه . وروى الفاكِهِىّ عن عطاء رحمه الله تعالى قال : لَأَن أُصلى فى البيت ركعتين أحب إلىّ أَن أُصلى أربعًا فى المسجد الحرام . ورَوى الفاكهى عن الحسن رحمه الله تعالى قال : الصلاة فى الكعبة تَعْدِل مائة ألف صلاة. وفى رسالة الحسن لأَهل مكة : مَن دخل البيت دخل فى رحمة الله عز وجل ، وفى حِلَى الله عز وجل ، وفى أَمْن الله عز وجل ، ومن خرج خرج مغفورا له . وروى عبْد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم عن يحيى بن جَعْدة بن هُبَيْرة فى قوله تعالى : ( ومَنْ دَخله كان آمنًا ). قال: آمنًا من النار . - ٢٠٠ - وما أَحسن ما أَنشده الحافظ أبو طاهر السِّلفى (١) رحمه الله تعالى لنفسه بعد دخول البيت [ زاده الله تعالى تشريفا وتكريما ](٢): أبعد دخول البيتِ والله ضامنٌ أَيبقى قبيحٌ والخطايا كَوامنُ ويرجع كلَّ وهو جَذْلان آمنُ فيحاشَا وكلاًّ بل تُسَامَحِ كُّها فائدتان : الأولى : قال فى شفاء الغرام : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت أربع مرات بعد الهجرة : الأُولى يوم الفتح . رواه مسلم(٣) عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ، الثانية : ثانى الفتح . رواه الإمام أحمد عن أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنهما (٤) الثالثة فى عمرة القضية . نقله المحب الطبرى فى القرى عن عروة وسعيد بن المسيَّب . وفى ذلك نظر لما سيأتى عن عبد الله بن أبى أَوفى رضى الله تعالى عنه . الرابعة : فى حجة الوداع ، رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه (٥) الثانية: اتفق الأَئمة الأربعة رحمهم الله تعالى على استحباب دخول الكعبة ، واستحسن الإِمام مالك رضى الله تعالى عنه كثرة دخولها ، وأَما حديث عائشة رضى الله تعالى عنها : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندى وهو قَرِير العين طيب النفس ، ثم رجع وهو حزين فقلت له فقال : إِنى دخلت الكعبة ووددت أَنى لم أكن فعلت ، إِنى أَخاف أَن أَكون أَتعبت أمتى من بعدى ، رواه الإمام أحمد والترمذى وصححه. فلا دلالة فيه لعدم الاستحباب ، بل دخوله صلى الله عليه وسلم دليل على استحبابه ، وتمنِّيه عدم الدخول قد علله النبي صلى الله عليه وسلم بالشفقة على أمته ، وذلك لا يدفع الاستحباب . ١ ١ (١) أبو طاهر السلفى: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة (بكسر السين وفتح اللام) الأصبهافى ولد بأصبهان ٤٧٨ وتوفى بالإسكندرية سنة ٥٤٦ . ونسب إلى جده إبراهيم سلفة، وهو لفظ أعجمى ومعناه بالعربى ثلاث شفاه كما قال ابن خلكان . ترجمته فى وفيات الأعيان ٨٧/١ (ط محيى الدين) ومرآة الزمان ٣٦١/٨. (٢) ليست فى ظ (٣) صحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٣٨٩، ٣٩٠، ٣٩١ - ٣٩٥ (ط عبد الباقى). (٤) مسند أحمد ٢٠٧/٦. (٥) سنن أبي داود ٢٠١/١ (ط نصر الهورينى) كتاب المناسك باب فى دخول الكعبة . وصحيح الترمذى ١٦٥/١ (ط١٢٩٢ الأميرية) كتاب الحج باب ما جاء فى دخول الكعبة. وسنن ابن ماجه كتاب المناسك الباب الثامن والعشرون والسابع والسبعون ( ط عبد الباقى). - ٢٠١ - ٢٦ - سبل الهدى والرشاد وحديث عبد الله بن أبى أوفى(١) رضى الله تعالى عنه: اعتمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلفَ المقام ركعتين ومعه من يَسْتره من الناس ، قال له رجل : أَدخَل النبى صلى الله عليه وسلم الكعبة ؟ قال : لا. رواه الشيخان . فكذلك لا دليل فيه لعدم الاستحباب . قال النووى : قال العلماء رحمهم الله تعالى : سبب ترك دخوله صلى الله عليه وسلم ما كان فى البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه يغيرّها(٢) . فلما كان يوم الفتح أَمر بإزالة الصور ثم دخلها كما فى حديث ابن عباس فى الصحيح . وأَما آداب الدخول فكثيرة ، منها : الغُسْل، ومنها : نزع الخُفّ والنعل، ومنها : أَلّ يرفع بصره إلى السقف لأَن ؛ ذلك يؤدى إلى الغفلة واللهو عن القصد . روى الحاكم عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها كانت تقول : عجبًا للمرء المسلم إِذا دخل الكعبة حين يرفع بصره قِبَل السقف يدَع (٣) ذلك إجلالاً لله تعالى وإِعظامًا، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة ما خلَّف بصره موضع سجوده حتى خرج منها . ومنها : أَلَّ يزاحِمِ أَحدًا زحمةً شديدة يتأذى بها أَو يؤذى بها أَحد . كما ذكره النووى رحمه الله تعالى : ومنها : أَن يُلْزم قلبَه الخشوع والخضوع ، وعينيه الدموع إن استطاع ذلك، وإلاَّ حاول صورتهما . ومنها : أَلَّ يسأل مخلوقا. قال سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله تعالى : دخل هشام ابن عبد الملك الكعبة فرأى سالم بن عبد الله بن عمر ، فقال: سَلْنى حاجتك . فقال : استحی من الله تعالى أن أسأل فى بيته غيره . وأَما ما يُطلب فى الكعبة من الأمور التى صنعها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فهو : التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والثناء على الله تعالى والدعاء والاستغفار والصلاة . لأَحاديث وردت فى ذلك يأتى بيانها فى غزوة الفتح إن شاء الله تعالى . (١) ت م: ابن أبى الأرقم . محرفة. (٢) ط : بغيرها . (٣) ت م : يصنع . - ٢٠٢ - الباب الخامس فى فضل النظر إلى البيت الشريف قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : النظر إلى الكعبة مَحْض الإيمان : وقال حمَّاد ابن [ أبى ] سلمة رحمه الله تعالى: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد فى العبادة فى غيرها . وقال يونس بن خبَّاب رحمه الله تعالى: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض عبادة الصائِم القائم الدائِم القانت . وقال مجاهد رحمه الله تعالى : النظر إلى الكعبة عبادة . وقال سعيد بن المسيَّب رحمه الله تعالى . من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقًا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه . وقال أبو السائب المدنى رحمه الله تعالى: من نظر إلى الكعبة إِيمانا وتصديقا تحاتَّتْ(٢) عنه الذنوب كما يتحاتُ (٣) الورقُ من الشجر. وقال زهير بن محمد رحمه الله تعالى : الجالس فى المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلى أفضلُ من المصلىِّ فى بيته لا ينظر إلى البيت . وقال عطاء رحمه الله تعالى : النظر إلى البيت عبادة ، والناظر إلى البيت بمنزلة الصائم القائم المُخْبِت المجاهد فى سبيل الله . روى الجميعَ الأَزْرِقُّ والجندى(٤) ١ (١) من أخبار مكة للأزرق ص ٢٥٦ ( ط جوتنجن) (٢) ت م : تناحت . (٣) ت م : كما ينحات. محرفة . (٤) أخبار مكة للأزرق ص ٢٥٦ ( ط جوتنجن) .. - ٢٠٣ - الباب السادس فى بعض فضائل الحجر الأسود والمقام روى الترمذى وابن حبان والحاكم والبيهقى فى الدلائل عن ابن عمر (١) رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الركنُ والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس(٢) الله تعالى نورهما، ولولا ذلك لأَضاءتا ما بين المشرق والمغرب (٣))). وروی الحا کم عن أنس رضى الله تعالى عنه قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة . وروى البيهقى فى الشُّعَب عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن الركن والمقام من يواقيت الجنة، ولولا ما مسَّهما من خطايا بنى آدم لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسَّهما من ذى عاهة ولا سقيم إِلاَّ شُفى . وروى الترمذى - وصحَّحه واللفظ له - والإِمام أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: ((نزل الحَجَر الأسود من الجنة وهو أشدُّ بياضًا من اللبن فسوّدَتْه خطايا بنى آدم (٤))). ورَوى ابن خزيمة عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الحجر ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وإِنما سَوَّدته خطايا المشركين، يُبْعث يوم القيامة مثل أُحد يشهدلمن استلمه وقبّله من أهل الدنيا)). لطيفة : قال الإِمام بدر الدين أحمد بن محمد الشهير بابن الصاحب رحمه الله تعالى (١) كذا بالأصل وفى صحيح التر مذى: قال سمعت مسافع الحاجب ، قال سمعت عبد الله بن عمرو. (٢) ت م: خلس. (٣) صحيح الترمذى ١٦٦/١ كتاب الحج باب ما جاء فى فضل الحجر الأسود والركن والمقام. ثم قال الترمذى: هذا يروى عن عبد الله بن عمرو موقوفا قوله . وفيه عن أنس أيضا، وهو حديث غريب. (٤) صحيح التر مذى ١٦٦/١. ومسند أحمد ٣٠٧/١، ٣٢٩، ٣٧٣ وروايته: (( حتى سودته خطايا أهل الشرك)». - ٢٠٤ - فإن قلت : ما الحكمة فى كون الحجر من ياقوت الجنة دون غيره من جواهرها ؟ قلت : سِرُ غريب نبهت عليه فى كتاب ((الرموز فى كشف أَغطية الكنوز)) وأَنا ضَنِين(١) بذلك ولكنى أَبوح(٢)هنا بشىء من قشوره، وذلك أن الشمس فى الفلك الرابع المتوسط: لو لم يكن وسَط الأشياء أَحسنها ما اختارت الشمسُ من أَفلاكها الوسطًا وهى المُمِدّة لما فوقها وما تحتها من الأَفْلاك، والمعِدَة فى الفلك(٣) الرابع من الأَنفس وهى الممدة لما فوقها وما تحتها مستقرها (٤) النار ، وخلق الله تعالى فيها عَيْنَا نَبَّاعة بحَمْض مُعِينة على الهضم والتبريد ، ومكة فى الفلك المتوسط من الدنيا وهو محل النار ، وهى الممدة للدنيا ، قال الله تعالى: ( جَعَلَ اللهُ الكعبة البيتَ الحرامَ قِيامًا للناسِ ) أَى : قيامًا لدينهم ودنياهم ، وجعل الحجر من ياقوت الجنة الذى لا يُبَالى بالنار ويحصل منه التبريد المعنوى والحسى : وطالَما أُصْلِيَ الياقوتُ جَمْر غَضًا ثم انطفًا الجَمْرُ والياقوتُ ياقوتُ ثم سِرٌّ آخر: وهو أنه نقطة الدائرة الياقوتية . ذكر ما قيل فى اسوداد الحجر بعد بياضه قال السُّهَيْلى - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر شيئا يتعلق بالحجر الأسود: وانتبه من ها هنا إلى الحكمة فى أنه سوَّدته خطايا بنى آدم دون غيره من أحجار الكعبة وأَستارها وذلك أَن العهد الذى [فيه] هو (٥) الفطرة التى فُطر الناس عليها من توحيد الله تعالى ، فكل مولود يولد على تلك الفطرة وعلى ذلك الميثاق، فلولا أَن أَبويه بهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويمجِّسانه حتى يسودَّ قلبه بالشِّرْك لما حالَ عن العهد ، فلما صار(٦) قلب ابن آدم محلا لذلك العهد والميثاق وصار الحجر محلاً لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق فتناسبًا ، فاسودّ من الخطايا قلبُ ابن آدم بعدما كان ولد عليه من ذلك العهد ، واسودَّ الحجر الأسود بعد ابيضاضه ، وكانت الخطايا سبباً فى ذلك حكمة من الله تعالى (٧). (١) ت م : وأنا متين. محرفة . (٣) ت م: والفلك . محرفة. (٥) الروض : هى الفطرة. (٧) الروض الأنف ١٢٩/١. (٢) ت م : ولكنى ألوح . محرفة . (٤) ط : مقرها . (٦) الروض: فقد صار قلب ابن آدم. وفى الأصل: فلما فقد. وأظنها محرفة. - ٢٠٥ - ورَوى أبو الشيخ عن جعفر بن محمد رحمه الله تعالى قال : كنت مع أبى محمد بن على ، فقال له رجل : يا أبا جعفر ما بدْءُ خلق هذا الركن ؟ فقال: إِن الله - تعالى - لما خلق الخلق قال لبنى آدم : أَلستُ بِرَبِّكم ؟ قالوا: بلى، فأَقُرُّوا فأَجرى نهراً أَحلى من العسل وأَلْيَن من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر ، فكتب إِقرارهم وما هو كائن إِلى يوم القيامة، ثم أَلقم ذلك الكتابَ هذا الحجَر ، فهذا الاستلام الذى يُرَى إِنما هو تبعية على إِقرارهم الذى كانوا أَقُرُّوا به(١) . ورَوى عبد الرازق فى المصنف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسن - رضى الله تعالى عنها - قالت: لمّا أَخذ الله الميثاق من بنى آدم جعله الله - تعالى - فى الركن ، فمِن الوقّاء بعهد الله تعالى استلامُ الحجر . ورَوَى الجندى فى فضائل مكة وأبو الحسن القطَّن فى المطوّلات والحاكم والبيهقى فى الشُّعَب عن أبى سعيد الخدرى - رضى الله تعالى عنه - قال: حَججْنا مع عمر بأن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - فلما دخل فى الطواف استقبل الحجَر فقال : إنى أعلم أَنك حجرٌ لاتضرّ ولا تنفع ولولا أَنى رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلكَ ماقبّلتُك ثم قبّله ، فقال له على - رضى الله تعالى عنه - : يا أمير المؤمنين إنه يضرّ وينفع. قال: بم ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال وأين ذلك من كتاب الله قال: قال الله عز وجل: (( وَإِذْ أَخذ ربُّك مِن بَنِى آدمَ مِن ظُهورِهِم ذريتهم)) إلى قوله: (بلى)(٢)، خلق آدم ومسح على ظهره فقرَّرهم بأنه الرب وأنهم العبيد، وأَخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك فى رِقٍّ ، وكان لهذا الحجّر عينان ولسان ، فقال له : افتح فاك، ففتح فاه فأَلَقمه ذلك الرِّقَّ وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يومَ القيامة ، وإنى أَشهد لَسمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذَلْق(٣) يشهد لمن يستلمه بالتوحيد فهو يا أمير المؤمنين يضرّ وينفع. فقال عمر: أَعوذ بالله أن أعيش فى قوم لست فيهم يا أَبا الحسن (٤). (١) الخبر (مطولا) رواه الكلاعى فى الاكتفا ٤٥/١ عن الزبير بن بكار . (٢) سورة الأعراف: ١٧٢، و (ذرياتهم) بلفظ الجمع قراءة نافع وأبى عمرو وابن عامر، كما فى إتحاف فضلاء البشر : ١٤٠ . (٣) الزلق: الفصيح الحديد . (٤) إنما أراد عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه لا يضر لذاته ولا ينفع لذاته، قضاء على الوثنية التى كانت تزم للأحجار النفع والضرر . وهذه الزيادة عن على رضى الله عنه لم ترد فى رواية البخاري ومسلم . - ٢٠٦ - ٠ تنبيه : قال المحب الطَّبَرى رحمه الله تعالى: وقد اعترض بعض المُلْحِدة ، فقال: كيف يسوِّدُ الحجرَ خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيدُ أهل الإيمان ؟ . والجواب عنه من ثلاثة أوجه : الأول : ما تضمنه حديث ابن عباس الذى رواه الجندى : أَن الله - تعالى - إنما طمَس نوره بالسواد ليَسْتر زينة الجنة عن الظَّلَمة وكأَّنه لما تغيّرت صفته التى كانت كالزِّينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحِجَاب المانع من الرؤية وإِن رُئِى جِرْمه ، إِذ يجوز أَن يُطْلق عليه غير مَرْئى، كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية . الثانى : أجاب به ابن حبيب رحمه الله - تعالى - فقال: لو شاء الله - تعالى - لكان ذلك، وما علمتَ أَيّها المعترض أن الله - تعالى - أجرى العادة بأَن السواد يَصْبغ ولا يُصْبَغ، والبياض ينصبغ ولا يَصْبُغ. والثالث: وهو مُنْقاس، أن يقال: بقاؤه أسود - والله تعالى أعلم -: إنما كان للاعتبار ، + ولُيُعْلَم أَن الخطايا إذا أَثَّرَت فى الحجَر فتأثيرها فى القلوب أعظم . شهادة الحجر الأسود يوم القيامة لمن استلمه بحق : روى الدارمى وابن خُزَيْمة وابن حِبَّان والحاكم عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ليَبْعِثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق (١)) وورد من حديث أنس رواه الحاكم، ومن حديث سلمان رواه الأزرقى ، ومن حديث عبد الله بن عمر ، ورواه ابن خزيمة والطبرانى والبيهقى فى الأسماء والصفات. ماجاء فى تقبيل النبى صلى الله عليه وسلم الحجر واستلامه له وسجوده عليه. قال ابن عمر ـ رضى الله تعالی عنھما۔ : رأيت رسول الله - صلى الله علیه وسلم - يستلم الحجَر ويقبِّله . ٧ (١) سنن الدارمى ٤٢/٢ ((باب الفضل فى استلام الحجر)) ومسند أحمد ٢٤٧/١، ٢٦٢، ٢٩١، ٣٠٧ وسنن ابن ماجه ((كتاب المناسك. باب استلام الحجر)) حديث رقم ٢٩٤٤. وصحيح التر مذى ١٨٠/١. - ٢٠٧ - رواه الشيخان(١). وقال ابن عباس-رضى الله تعالى عنهما -: سجَد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على الحجر. رواه الترمذى (٢). وقال أيضا : رأيت عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - قبَّله وسجد عليه، ثم قال : رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك. رواه البيهقى. وقال جابر بن عبد الله - رضى الله تعالى عنهما _: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إِنّ مَسْحهما - يعنى الرُّكْنين - كفارة للخطايا)). رواه الترمذى (٣) . وقال عابس - بالباء الموحدة والمهملة - ابن ربيعة: رأيت عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - يقبِّل الحجَر ، ويقول: والله إنى لأَعلم أنك حجَر لا تنفع ولا تضرّ، ولولا أَنى رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبّلك ما قبلتك(٤). رواه الشيخان. قال المحب الطبرى رحمه الله تعالى: إِنما قال ذلك عمر لأَن الناس كانوا حديثى عهد بعبادة الأَصنام ، فخشى عمر أَن يظن الجُهّال أَن استلام الحجر من باب تعظيم بعض " الأحجار كما كانت العرب تفعل فى الجاهلية، فأَراد عمر - رضى الله تعالى عنه - أَن يعلم الناس أن استلامه أتباع لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أَن الحجر ينفع ويضر بذاته: كما كانت الجاهلية نعتقده فى الأوثان . ماجاء أن الحجر الأسود يمين الله تعالى فى الأرض يصافح به عباده روى الطبرانى عن عبد الله بن عمروبن العاص - رضى الله تعالى عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتى الركن يوم القيامة أَعظم من أَبِى قُبَيْس، له لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق، وهو يمين الله - تعالى - فى الأرض، يصافح به خلقه)). (١) صحيح البخارى ٢١١/١ كتاب الحج باب تقبيل الحجر. وصحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٢٤٦. (٢) ليس فى صحيح التر مذى. انظر كتاب الحج: باب ما جاء فى استلام الحجر والركن بن اليمانى صحيح التر مذى ١٦٣/١ (٣) صحيح التر مذى ١٨٠/١، ولكن روايته فيه عن ابن عبيد بن عمير عن أبيه أن ابن عمر كان يزا حم على الركتين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنك تزاحم على الركنين زحاما ما رأيت أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يزاحم عليه فقال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله إلخ. (٤) صحيح البخارى ٢١١/١، (كتاب الحج. باب تقبيل الحجر) وصحيح مسلم كتاب الحج حديث رقم ٢٤٨ - ٢٠٨ - رجاله رجال الصحيح ، إلا عبد الله بن المؤمّل ، وهو ضعيف . وروى الطبرانى وأبو عبيد القاسم بن سلام عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الحجَر يمين الله تعالى فى الأرض، ورواه الأَزْرقى وأَبو طاهر المخلِّص عنه موقوفا بلفظ: الحجر الأسود يمين الله تعالى فى الأرض ، فمن لم يدرك بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح الحجَر فقد بايع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم(١) . ورواه الأزرقى أيضا عنه موقوفا بلفظ: الركن [الأسود](٢) يمين الله تعالى فى الأرض، يصافح به عباده كما يصافح أحدكم أخاه(٣) . وفى لفظ رواه محمد (٤) ابن أبى عمر العَدَنى والأزرقى أن هذا الركن الأسود يمين الله تعالى فى الأَرض يصافح بها خلقه ، والذى نفس ابن عباس بيده ما مِنْ مسلم يسأل الله تعالى عنده شيئاً إلا أعطاه إياه . قال الحافظ فى المطالب العالية : موقوف صحيح الإسناد ، زاد تلميذه الحافظ السَّخَاوى فى المقاصد الحَسنة فقال : وله شواهد ، منها ما رواه الدَّيْلمى عن أنس مرفوعاً : الحجر الأسود يمين الله فى الأرض . فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله تعالى أَلاَّ يعصيه، ومنها : ما رواه الحارث بن أَبی أُسامة والخطیب وابن عساکر عن جابر بن عبد الله - رضى الله تعالى عنهما. مرفوعاً: ((الحجَر يمين الله فى الأرض يصافح بها عباده)) . قال الإِمام الخَطَّابى رضى الله تعالى عنه : معنى أنه يمين الله فى الأرض أَن من صافحه : أَى الحجر - كان له عند الله عهد ، وجرت العادةُ بأَن العهد يَعْقده الملِك بالمصافحة لمن يريدُ مولاته والاختصاص به ، فخاطبهم بما يعهدونه . وقال فى النهاية : هذا كلام تمثيل وتخييل، وأَصله أن الملك إِذا صافح رجلاً قبَّل الرجلُ يده ، فكان الحجر الأسود لله بمنزلة اليمين للملك حيث يُسْتَلم ويُلْثَم . وقال المحب الطبرى : معناه أن كل ملِك إذا قَدِم عليه الوافد قبَّل يمينه ، فلما كان الحاجُّ أَولَ ما يَقْدَم يُسَنُّ له تقبيله نُزِّل منزلة يمين الملك ولله المثل الأعلى . (١) أخبار مكة للأزرق ٢٢٠/١ (ط مكة). ولفظه: إن الحجر إلخ . (٢) من أخبار مكة . (٣) أخبار مكة ٢٢٠/١. (٤) ط : رواه أبو محمد . - ٢٠٩ - ٢٧ - سبل الهدى والرشاد 7 الباب السابع فى فضائل زمزم اختلفوا لم سميت بذلك ؟ فقيل : لكثرة مائها . قال أبو عبيد البكرى يقال ماء زَهْزَم وزمزام: أَى كثير. وفى ((المُوعَب)) لابن التيَّان(١) : ماء زمزم وزمزام وهو الكثير وقيل : لتزمزم الماء فيها ، وهو حركته . والزمزمة : الصوت يُسمع له دوىّ . وقيل لاجتماعها . نُقل عن ابن هشام . وقال مجاهد رحمه الله تعالى: سُميت زمزم لأنها مشتقة من الهَزمة . والهزمة : الغَمْزَ (٢) بالعقب فى الأرض . رواه الفاكِهِىّ بسند صحيح . وقيل: لأنها زُمَّت بالميزان(٣) لئلا تأخذ يمينا وشمالا. وقال البَكْرى فى معجمه : فى زمزم لغات : زَمْزم بفتح أوله وإسكان ثانيه وفتح الزاى الثانية، وزُمَّزِم بضم أوله وفتح ثانيه وتشديده وكسر الزاى الثانية، وزُعَزِم بضم أوله وفتح ثانيه بلا تشديد وكسر الزاى الثانية . قال أبو ذرّ رضى الله تعالى عنه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِنها طعام طُعْمِ وشفاء سُقْم . : رواه أبو داود الطيالسى والطبرانى والبزار ، ورجاله رجال الصحيح ، ورواه مسلم بدون ((وشفاء سقم)). (١) ت م: ابن السانى محرفة. وفى ط: ابن التبان. وما أثبته عن معجم الأدباء. وابن التيان : تمام بن غالب بن عمر المرسى الأندلسى أبو غالب، إمام فى اللغة من أهل مرسية بالأندلس ، توفى بالمرية سنة ٤٣٦ هـ. وكتابه ((الموعب)) فى اللغة قال ابن خلكان: لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا. وفى ابن خلكان: التيانى بغير ابن. قال: وأظنه منسوبا إلى التين وبيعه. وترجمته فى وفيات الأعيان ٢٦٨/١ وإنباه الرواة ٢٥٩/١ . وبغية الملتمس ٢٣٦ ومعجم الأدباء ١٤٥/٧ . (٢) ت. م: لأنها مشتقة من الهمزة والهمزة، والغمر بالعب محرفة. (٣) ت : م: بالماء. محرفة . - ٢١٠ - . وقال ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ماء زمزم لِمَا شُرب له )). رجاله موثقون ، إلا أنه اختلف فى إِرساله ووَصْله ، وإِرساله أَصح كما قاله الحافظ . وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ، فيه طعام طعم وشفاء سقم )). رواه الطبرانى ، ورجاله ثقاة وصححه ابن حبان . وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: ((كنا نسمِّيها شَبَّاعة ، يعنى زمزم، ونجدها. نِعْم العون على العيال.)). رواه الطبرانى ورجاله ثقات . وقال أيضا : اشربوا من شراب الأَبْرار يعنى زمزم. رواه الأزرقی . وقال أيضا : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُتحِف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم . ٠ رواه أبو نُعَيْم فى الحِلْية وصحح الدمياطى إِسناده . وقال عبَّاد بن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهم: لما حجَّ معاوية حججنا معه ، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين ، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصَّفًا ، فقال : انزع لى منها دَلْواً يا غلام ، قال : فنزع له منها دلوا ، فأتى به . فشرب ، وصبَّ على وجهه ورأسه ، وهو يقول: زمزم شِفاء وهى لِمَا شُرب له . رواه الفا کھی . i قال الحافظ : هذا إِسناد حسن مع كونه موقوفا ، وهو أحسن من كل إِسناد وقفتُ عليه لهذا الحديث . ,٠ ورَوى الإِمام أحمد وابن ماجه عن أَبي (١) الزُّبَيْر ، عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى (١) ط : عن ابن الزبير. - ٢١١ - عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ماء زمزم لِمَا شرب له)) ولفظ أحمد (( لما شُرب منه (١))). تنبيهان : الأول : قد صح عن جماعة من الأئمة أنهم جربوا هذا الحديث فوجدوه صحيحاً(٢). الثانى: يُذكر على بعض الألسنة أَن فضيلته ما دام فى محله ، فإذا نقل تغيّر . قال فى المقاصد الحسنة : وهذا شىء لا أصل له ، فقد كتب صلى الله عليه وسلم إلى سُهَيْل بن عمرو ((إن جاءك كتابى ليلاً فلا تصبحّن أَو نهاراً فلا تُمْسيّن حتى تبعث إِلَّ بماء زمزم)). وفيه أنه بعث له بمزادتين ، وكان حينئذ بالمدينة قبل أَن تُفتح مكة ، وهو حديث حسن لشواهده . ورَوى الترمذى - وحسَّنه- وابن خُزَيْمة فى صحيحه والحاكم والبيهقى عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أَنْها حَمَلتْ ماءِ زَمْزم فى القوارير، وقالت: حمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الأَّداوى والقِرَب، وكان يصبُّ منه على المرضى ويسقيهم(٣). وروى الطبرانى عن حبيب ابن أبى ثابت قال: سأَلت عطاء رحمه الله تعالى عن حَمْل ماء زمزم، فقال: قد حَمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحمَله الحسن وحمله الحسين رضى الله تعالى عنهما . فائدة : يجوز نقل ماء زمزم باتفاق الأئمة الأربعة ، بل هو مستحب عند الشافعية والمالكية، والفَرْق عند الشافعية بينه وبين حجارة الحرم فى عدم جواز [نقلها] (٤) وجواز نقل ماء زمزم أن الماء ليس شيئا يزول فلا يعود . أشار إلى هذا الفرق الإمام الشافعى کما حكاه عنه البيهقى . (١) رواه ابن ماجه فى سننه (حديث رقم ٣٠٦٢ ط عبد الباقى) كتاب المناسك باب الشرب من ماء زمزم عن جابر ابن عبد الله. وقال السيوطى فى حاشيته على ابن ماجه: هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيراً، واختلف الحفاظ فيه ، فمنهم من صححه ومنهم من حسنه ، ومنهم من ضعفه والمعتمد الأول . وفى الزوائد : هذا إسناده ضعيف . بضعف عبد الله ابن المؤمل. وقد أخرجه الحاكم فى المستدرك من طريق ابن عباس. كما رواه أحمد فى مسنده ٣٥٧/٣، ١٣٧٢، (٢) انظر فى ذلك: ((الإعلام بأعلام بيت الله الحرام)) النهروانى ص ٣٤. (٣) رواه الترمذى فى صحيحه ١٨٠/١ فى آخر كتاب الحج. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . (٤) سقطت من ت. م. - ٢١٢ - ٠ ذكر بعض خواص ماء زمزم غير ما تقدم منها : أَنه يبرّد الحمى لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك كما فى سنن النسائى من حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما (١) . ومنها : أَنه يذهب الصُّداع. قاله الضحاك رحمه الله تعالى . ومنها : أَنه لا يُرْفع ولا يَغُور إِذا رفعت المياه أَو غارت قبل يوم القيامة . قاله الضحاك أَيضا ومنها : أَنه يَفْضُل مياه الأَرض كلها طِبًّا وشرعا. قال الشيخ بدر الدين بن الصاحب رحمه الله تعالى: وازنتُ(٢) ماء زمزم بماء عين مكة فوجدتُ زمزمَ أَثقل من العين بنحو الربع ، ثم اعتبرتها بميزان الطب فوجدتها تَفْضل مياهَ الأَرض كلها طبا وشرعا . بل قال شيخ الإِسلام البلْقينىّ رحمه الله تعالى : إِنه أَفضل من ماء الجنة ولهذا مزيد بيان يأتى فى باب شق صدره صلى الله عليه وسلم ومنها : أَنه يحلو ليلة النصف من شعبان ويطيب . ذكر ذلك ابنُ الْحاجّ فى مناسكه ، نقلا عن مكىّ بن أبى طالب ونص كلامه : قال الشيخ مكىّ بن أبى طالب رحمه الله تعالى: وفى ليلة النصف من شعبان يَحْلو ماءُ زمزم وَيطيب ماؤها ، يقول أَهلُ مكة : إِن عين سُلْوان (٣) تتصل بها تلك الليلة، ويُبْدل على أَخذ الماء فى تلك الليلة الأموال ويقع الزحام فلا يصل إلى الماء إِلا ذو جاه وشرف(٤). قال: وعانيتُ ذلك ثلاث سنين. انتهى . ومنها : أنه يكثر فى ليلة النصف من شعبان كلَّ سنة بحيث أن البئر تفيض بالماء على ما قيل ، لكن لا يشاهِد ذلك إلا العارفون . وقد شاهد ذلك الشيخ صالح أبو الحسن المعروف بكرباج رحمه الله تعالى . ومنها : أَن الاطلاع فيها يجلو البصر. قاله الضحاك . ومنها : أَنه يحطُّ الأَوزار والخطايا . ذكر ذلك أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفرانى الشافعى رحمه الله تعالى فى مناسكه . (١) لم أجده فى سنن النسائى ((كتاب الحج باب الشرب من زمزم)) وإنما هو فى مسند أحمد ٢٩١/١. (٢) ت. م : ووزنت . (٣) عين سلوان: عين بالقدس عجيبة لها جرية أو جريتان فى اليوم فقط يتبرك بها ((عن القاموس المحيط)). (٤) ت م : إلا ذو شرف أو جاه . - ٢١٣ - وروى الأَزْرَقى عن مكحول مُرْسلاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((النظر فى زمزم عبادة وهى تحط الخطَايا (١). ومنها : أن الله تعالى خصَّه بالملوحة ليكون الباعث عليها الملح الإيمانىّ ، ولو جعله عذباً جداً لغلب الطبع البشرى ، وبهذا يُردُّ على أبى العلاء المعَرّى قوله : لكَ الحمدُ أَمْواهُ البلادِ بأَسْرها. عذابٌ وخُصَّت بالملوحةِ زَمْزْمُ(٢) ومنها : أَن من حثَى على رأْسه منها ثلاث حَثَياتٍ لم تُصِبْه ذِلَّة أبدا . رواه الفاكهى عن بعض ملوك الروم أنه وجد ذلك فى كتبهم . ذكر بعض أسماء زهزم : قال الفاكهى رحمه الله تعالى : أعطانى أحمد بن محمد بن إبراهيم كتابا ذكر أنه عن أشياخه من أَهل مكة فكتبتُه من كتابه فقالوا : هذه تسمية أسماء زمزم . هى : زمزم وهزمة جبريل، وسُقْيا إسماعيل، لا تُنْزِف ولا تُذَمْ، وبرَكة ، وسيدة، ونافعة ، ومَضْنونة وعونة (٣)، وبُشْرى، وصافية، وبَرَّة، وعِصْمة، وسالمة، وميمونة ، ومبارَكة ، وكافية ، وعافية ، ومغذية ، وطاهرة ، وحرمة ، ومروية، ومُؤنة ، وطعام طعم ، وشفاء سقم. انتهى . زاد غيره : طَيْبة، وتُكْتَم وشبَّاعة العِيال، وشَراب الأَبرار ، وقرية النمل ، ونَقْرة الغُراب الأَعصم ، وهَزْمة إسماعيل. قال البَكْرى: الهزمة تطامنٌ فى الأرض ، وهَزْمة البشر : حفرتها ، والهزائم : الآبار(٤) . انتهى . ! وحُفْرة العباس . ذكر هذا الاسمَ ياقوتُ فى المشترك . وهَمْزة جبريل بتقديم الميم على الزاى ذكره السُّهيلى(٥) ، وسابق . : قلت : وزاد البَكْرى: الشَّيَّاعَة . قال : بتشديد الشين المعجمة وتشديد الياء أُخت الواو (١) ليس فى أخبار مكة للأزرق انظر باب فضل زمزم وما جاء فى ذلك ص ٢٨٩ (ط جوتنجن) (٢) اللزوميات ١٣٤/٤ (ط صادر) وروايته : تباركت أنهار البلاد سوائح بعذب وخصت بالملوحة زمزم . (٣) ت م : وغوثة. (٤) الذى فى معجم ما استعجم البكرى ص ١٣٥٣: وهزم الأرض: ما تهزم منها، أى تكسر وتشقق، ومنه الحديث الآخر ؛ : إن زمزم هزمة جبريل . (٥) الروض الأنف ٧٩/١ . - ٢١٤ - ..- وبالعين المهملة. هذا نصه ولم يتعرض لحركات الحروف وهى فى خط مُغَلْطَاى فى ((الزَّهْرِ)). بثلاث فتحات . وذكره الزمخشرى كذلك فى أسماء الأماكن والمياه ثم نقل عن الخارْزَنْجى : شُيَاعة بضم الشين وفتح الياء مخففتين . : ورَكْضة جبريل ، وحَفِيرة عبد المطلب ونقل ذلك عن أبى عمر الزاهد رحمه الله تعالى. وزاد فى ((الزَّهْر)) نقلا عن ابن السِّيد فى المثلّث: زَمِّم بفتح الميم الأُولى وبضمها مشددة فيهما . وشَيْعَة بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح العين المهملة . وحَفِيرة(١) عبد المطلب وزاد ابن خالويه فى كتاب ((ليس)) (٢): مَكْنونة بنونين. ومكْتُومة بمثناة فوقية وميم . والله تعالى أعلم . ؟ (١) ط : وحفير. (٢) لم أجده فى كتاب ((ليس فى كلام العرب)) لابن خالويه (ط الشقيطى) - ٢١٥ - الباب الثامن فى تجديد حفر زمزم على يد عبد المطلب بن هاشم قال السهيلى : وكانت زمزم كما تقدم سُقْيا إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - فحفرها له روحُ القدس بعقبه . وفى تحفيره(١) إياها بالعَقِب دون أَن يحفرها باليد أو غيره: إِشارة إلى أَنَّهَا لَعَقِيْله وِرَاثةً وهو محمد-صلى الله عليه وسلم- وأُمتِه، كما قال تعالى: (( وجَعلها كَلِمَةً باقيةً فى عَقِيه (٢)) أَی فی أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - (٣) . انتهى. ولم يزل ماء زمزم ظاهرا ينتفع به سكان مكة . ولما توفى الله سبحانه وتعالى إسماعيل بن إبراهيم -صلى الله عليهما وسلم - وَلِ البيت بعده ابنُه نابت بن إسماعيل ما شاء الله تعالى أَن يليه ، ثم وَلى البيتَ مُضاضُ بن عمرو الجُرْهمِىّ وبنو إسماعيل وبنو نابت مع جدهم مُضَاض وأَخوالهم من جُرْهم. ثم نشر الله تعالى ولدَ إسماعيل بمكة، وأَخوالُهم من جُرهم ولاة البيت والحكام(٤) بمكة لا ينازعهم ولدُ إِسماعيل فى ذلك لخؤولتهم وقرابتهم ، وإِعظاماً للحرمة أن يكون بها بَغىٌ أَو قتالٌ. ثم إِن جُرْهُماً بغَوْا بمكة واستحلُّوا حلالاً من الحرَم (٥) ، فظلموا مَن دخلها من غير أَهلها وأَكلوا مالَ الكعبة الذى يُهْدى لها فرقَّ أَمرُهم، فلما رأَت بنو بكر بن عبد مَناة من كِنانة وغُبْشان من خُزاعة ذلك أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة ، فآذَنوهم ، أَى أَعلموهم، بالحرب ، فاقتتلوا ، فغلبهم بنو بَكْر وغُبْشانُ فنفَوْهم من مكة ، وكانت مكة فى الجاهلية لاتُقِرُّ فيها ظلماً ولا بَغْيًا (٦)، ولا يَبْغى فيها أَحدٌ إِلا أَخرجَتْه، ولا يريدها ملِك يستحلّ حُرْمتها إِلا أَهلكنْه مكانَه (٧). (١) كذا بالأصل، وفى الروض الأنف: وفى تفجيره إياها . (٣) الروض الأنف ٩٧/١. (٢) سورة الزخرف ٢٠٠٢٨ (٥) ت، م : من الحرمة. (٤) ت، م : ولاة البيت الحكام . (٦) ص ت م : لا يقر فيهم ظلم ولا يفى . (٧) الاكتفا ٦٥/١: إلا هلك مكانه .. - ٢١٦ - فخرج عمرو بن الحارث بن مُضَاض بغَزالى الكعبة وبحَجر الركن ، فدفَن الغزالين فى زمزم وردَعَها ، ومرَّت عليها السنون عصراً بعد عصر إِلى أَن صار موضعُها لا يُعرف حتى بوَّأها الله تعالى لعبد المطلب . وانطلق عمرو بن الحارث بن مُضَاض ومن معه من جُرْهم إلى اليمن . حفر عبد المطلب ورَوَى قصة حفر عبد المطلب لزمزم ابنُ إِسحاق عن علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه ، والبيهقىّ عن الزُّهْرى: أَن عبد المطلب بيْنا هو نائم فى الحِجْر ◌ُتى فقيل له : احفر بَرَّة . قال : وما بَرَّة ؟ فذهب عنه ، حتى إذا كان الغد فنام فى مَضْجعه ذلك فأنى فقيل : له : احفر المضْنُونة . قال : وما المضنونة ؟ فذهب عنه ، حتى إذا كان الغد فنام فى مضجعه ذلك فقيل له : احفر ظَبْية . قال : وما ظبْية ؟ فذهب عنه فلما كان من الغد عاد إِلى مضجعه فنام فيه فأَّى فقيل له : احفر زمزم . قال : وما زمزم؟ قال : لا تَنْزِف [أَبدا](١) ولا تُذَمّ تسقى الحجيجَ الأَعظم . ثم ادْعُ بالماء الرِّوَى غير الكدِرْ تَسْقى حجيج الله فى كل مَبرّ ليس يُخاف منه شئ ما عَمرْ فخرج عبدُ المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: تعلَّموا(٢) أَنى قد أُمرت بحفر زمزم . فقالوا : فهل بيِّن لك أين هى ؟ قال : لا . قالوا : فارجع إلى مَضْجعك الذى رأَيتَ فيه ما رأيت ، فإِن يَكُ حقًّا من الله يبيّن لك ، وإِن يك من الشيطان فلن يعود إليك . فرجع عبد المطلب إلى مضجعه فنام فيه وقال : اللهم بيِّن لى . فأُرى فى المنام : احفرتُكْتَم . وفى لفظ: فقيل له : احفر زمزم إِنْ حفرتها لم تُذَمّ(٣) ، وهى تُراثٌ من أَبيك الأَعظم، لا تَنْزِف [أَبدا](٤) ولا تُذَمّ، تَسْفِى الحَجِيج الأَعظم، مثل نَعام جافلٍ (٥) لم يُقْسم ، ينفذ فيها ناذِر لِمَغْنَم ، تكون ميراثاً وعقداً مُحْكم ، ليست كبعض ما قد تَعْلِم . (١) من ابن هشام ١٤٣/١ والاكتفا ١٥٨/١ (٢) الأصل: تعلمون. وما أثبته من ابن هشام (المرجع السابق) (٣) الاكتفا ١٥٨/١: إنك إن حفرتها لم تندم. (٤) من الاكتفا . (٥) الاكتفا : حافل . بالحاء وهو : الكثير . - ٢١٧ - ٢٨ - سبل الهدى والرشاد فقال : وأين هى ؟ فقيل له : بَيْن الفَرْث والدم ، فى مبحث الغراب الأَعْصم ، فى قربة النمل . فقام عبدُ المطلب فمشى حتى جلس فى المسجد الحرام ينتظر ماسمِى له من الآيات، فنُحرت بقِرة بالحَزْوَرة فانفلتت من جازِرها بحشاشة نفسها حتى غلَبها الموتُ فى المسجد فى موضع زمزم بين الوثنين إساف ونائلة فنحرت تلك البقرة فى مكانها حتى احتُمل لحمها، فَأَقْبل غراب يَهْوى حتى وقع فى الفَرْث ، فبحث عن قرية النمل . فقام عبد المطلب فحفر هنالك ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولدٌ غيره ، فجاءته قريش فقالت له : ما هذا الصَّنيع ؟ قال : أُمرت بحفر زمزم ، فلما كشف عنه وبَصُروا بالطَِّّ كَبَّر ، فعرفتْ قريش أنه قد أَدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا : يا عبد المطلب إنها بئر أَبينا إسماعيل وإِن لنا فيها حقًّا فَأَشْرٍ كنا معك فيها. قال : ما أَنا بفاعل ، إن هذا الأَمر خُصِصْتُ به دونكم . قالوا : تُحاكمنا ؟ قال : نعم. قالوا : بيننا وبينك كاهنة بنى سعد بن هُذَيْم(١) ، وكانت بأشراف الشام. فركب عبدُ المطلب فى نفر من بنى أمية وركب من كل بطن من أَغْناء قريش نفرٌ وكانت الأَرض مَفاوز فيما بين الشام والحجاز ، حتى إذا كانوا بمفازة من تلك البلاد فَنِى ما عند عبد المطلب وأصحابه من الماء حتى أَيقنوا بالملكة، ثم استَسْقوا القومَ قالوا: ما نستطيع أن نسقيكم ، وإنا نخاف مثلَ الذى أَصابكم . فقال عبد المطلب لأصحابه ماذا ترون ؟ قالوا : ما رَأْينا إلا تبعٌ لرأيك. قال: فإنى أرى أن يحفر كلُّ رجل منكمـ حُفْرته ، فكلما(٢) مات رجل منكم دفعه أصحابه فى حفرته حتى يكون آخركم(٣) يدفعه صاحبه ، فضَيْعة رجل أَهون من ضيعة جميعكم. ففعلوا . ثم قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لا نضرب فى الأَرض ونبتغى لعل الله تعالى يسقينا لعَجْز (٤). فقال لأَصحابه ؛ ارتحلوا . فارتحلوا وارتحل، فلما جلس على ناقته فانبعثت به انفجرت عينٌ (٥) من تحت خُفُّها بماءٍ عذب ، فكبّر عبد المطلب ، وكَبَّر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه (١) الطبرى : سعد هذيم. (٣) ت م : آخر يدفعه صاحبه . (٥) ت م : عين ماء (٢) ت م: وكلما . (٤) ت م : لعجزنا . - ٢١٨ - واستقوا وأَسْقَوا ، ثم دعا القبائل من قريش فقال : هلموا إلى الماء فقد سقانا الله تعالى . فجاءوا واستقوا وأَسقوا ، قالوا(١): يا عبد المطلب قد والله قُضِى لك علينا ، لا نخاصمك فى زمزم أبدًا، إِن الذى أَسقاك هذا الماء بهذه الفّلَاة لهو سقاك زمزم ، فارجع إلى سِقَايتك راشداً . ولم يَصِلوا إلى الكاهنة وخَلَّوا بينه وبينها . فلما رجع عبدُ المطلب أكمل حفر زمزم وجعل عليها حوضاً يملؤه ويشرب الحاج منه ، فيكسره أناس من حسَدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب ، فلما أَكثروا إِفساده دعا عبدُ المطلب ربَّه ، فأُرى فى المنام فقيل له: قل: اللهم إنى لا أُحِلّها لمغتسل ، ولكن هى الشارب؟ حِلّ وبِلّ . ثم كُفِيتهم. فقام عبد المطلب فنادى بالذى أُرِى ، ثم انصرف فلم يكن يُفسد حوضّه عليه أَحد إِلَّا رُمِى فى جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته . وذكر ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - أَن عبد المطلب وجد فى زمزم غزالين من ذهب وهما الغزالان اللذان دفنَتْهما جُرْهُم حين خرجت ، ووجد فيها أَسيافا قَلْعيّة وأَدْرُعًا . فقالت له قريش: يا عبد المطلب لنا معك فى هذا شِرْك وحَقّ . قال : لا ، ولكن هلموا إِلى أمر نِصْف (٢) بينى وبينكم، نضرب(٣) عليها بالقِدَاح. قالوا : وكيف نصنع؟ قال : أجعل للكعبة قِدْحين ، ولى قدحين ، ولكم قدحين ، فمن خرج قِدْحاه على شىء كان له ، ومن تَخلَّف قدحاه فلا شىء له . قالوا : أَنصفتَ . فجعل (٤) قِدْحين أَصفرين للكعبة وقدحين أَسودين لعبد المطلب وقدحين أَبيضين لقريش. ثم أَعطوا صاحبَ القِداح الذى يضرب بها عند هُبَل، وهُبَل صنم فى جوف الكعبة ، وقام عبد المطلب يدعو وصاحب القِدَاح يضرب القداح ، فخرج الأَصفران على الغزالين ، وخرج الأَسودان على الأسياف والأَدرع ، وتخلَّف قِدْحا قريش . فضرب عبد المطلب الأَسياف بابًا للكعبة وضرب فى الباب الغزالين من ذهب ، فكان أول ذهبٍ حُلِّيتْه الكعبة . قال ابن إسحاق - رحمه الله تعالى - : فلما حفر عبد المطلب زمزم ودلَّه الله تعالى عليها (١) ت م: وقالوا. وفى الاكتفا: ثم قالوا. (٢) ص ت م : ينصف. وما أثبته من ط . (٣) ص ت م : فضرب. (٤) كذا فى ط موافقا لابن هشام والاكتفا. وفى ص ت م: فجعلوا. - ٢١٩ - ٠