Indexed OCR Text
Pages 181-200
المقام حتى وضع قدمه اليسرى عليه وقدم إليها رأسه وهو على دابته فغسلت شِقِّ رأسه الأَيسر، فالأَثَر الذى فى المقام من ذلك، قال: أَبو الجَهْم (١): فلقد رأيت موضع العِقَب والأصابع. ثم اتفقاً(٢) فقالا : فلما فرغت المرأة تغسل رأسه قال لها: إذا جاء إسماعيل فاقرأى عليه السلام. وقولى له : ثبِّت عتبة بابك، فإِنَّ بها صلاح المنزل . فلما جاء إسماعيلُ وجد ريحَ أبيه فقال : هل أتاكم من أَحد بَعدى ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ حسن الهيئة. وأَثْنَت عليه . فسأَلَنِى عنك فأَخبرتُه، وسأَلنى كيف عَيْثُنا؟ فأَخبرته أَنَّا بخير. قال: ما أَوِصاكِ بشىءٍ(٣)؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك، قال : ذاك أَبِى وأَنتَ العَتبة أَمَرنى أَنْ أُمْسَكك . وفى حديث أبى جَهْم : ولقد كنتِ علىّ كريمةً ولقد ازددت كرامةً . فصاحت ويكت ، فقال : مالك ؟ فقالت : أَلَّ أَكون علمتُ من هو فأكرمه وأَصنع به غير الذى صنعتُ فقال لها : لا تبكى ولا تُجزعى، فقد أحسنت ولم تكونى تقدرين أَن تفعلى فوق الذى فعلتِ ، ولم يكن ليزيدك على الذى صنع بك . فولدت لإسماعيل عشرة ذكورٍ أحدهم نابت . بناء ابراهيم للبيت فلمّا بلَغ إسماعيلُ ثلاثين سنةً وإِبراهيم يومئذ ابن مائة أوحى الله تعالى إِلى إِبراهيم أن ابن لى بيتًا. فقال إبراهيم: أَىْ رب أَين أَبنيه؟ فأَوحى الله - تعالى - إِليه: أَن اتبع السَّكينة، وهى ريح لها وجهٌ وجناحان، ومع إبراهيم الملَك والصُّرَد ، فانتهوا إلى مكة . : وفى حديث ابن عباس : ثم لبث عنهم إبراهيمُ ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِى نَبْلًا [ له](٤) تحت دَوْحَةٍ قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولدُ بالوالد والوالد بالولد . (١) كذا فى ط موافقاً للاكتفا ٥٧/١. وفى ت م: أبو جهم. (٢) اتفقا : أى ابن عباس وأبو جهم فى روايتيهما . (٣) ت م: فقال: وما أو صاك عن شىء. (٤) من صحيح البخارى ١٩٢/٢ (ط الأميرية). - ١٨٠ - قَالْ مَعْمَر الراوى لحديث ابن عباس : وسمعتُ رجلا يقول : إنهما بكيًا حتى أجابتهما الطير . انتهى . ثم قال : يا إسماعيل إن الله تعالى أَمَرنى بأَمر. فقال : اصنع ما أمرك به . قال : وتُعينُنِى؟ قال: وأُعينك [ قال: فإن الله أمرنى أن أَبنى هاهنا بيتًا. وأشار إلى أَكمة مرتفعة على ما حولها ](١) قال : فعند ذلك رفع (٢) القواعد من البيت. وفى حديث أبى جَهْم : فنزل إسماعيلُ إلى موضع البيت الذى بوَّأَه الله تعالى لإبراهيم وموضعُ البيت رَبْوة حمراء مَدَرة مُشْرِفة على ما حولها، فحفر إبراهيمُ وإسماعيل - صلى الله عليهما وسلم - وليس معهما غيرهما أساسَ البيت يريدان أَساسَ آدم الأول، فحفرًا عن رَبَضِ البيت، يعنى حوله، فوجدا صخرةً لا يُطِيقها إلا ثلاثون رجلا ، وحفرا حتى بلَغا أَساسَ آدم صلى الله عليه وسلم . وفى حديث ابن عباس عند الإمام أحمد بسند صحيح : أن القواعد التى رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك . وفى لفظ آخر : أَن القواعد كانت فى الأَرض السابعة. رواه ابن أبى حاتم انتهى. قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء ، جاء بهذا الحجر ، أَى المقام، فوضعه (٣) له فقام عليه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ( ربِّنا تَقَبَّلْ منا إنك أنت السميعُ العليم) (٤) . وفى حديث أَبِى جَهْم : وحلَّقت السَّكينة كأنها سحابة على موضع البيت فقالت : ابْنٍ علىَّ. فلذلك لا يَطُوف بالبيت أَحدُ أَبدًا كافر ولا جَبَّار إلا رأَيتَ عليه السَّكِينة فبنى إبراهيمُ البيتَ فجعل طوله فى السماء تسعة أَذْرع وعَرْضه ثلاثين ذراعا وطوله . فى الأرض اثنين وعشرين ذراعا ، وأدخل الحِجْر وهو سبعة أَذرع فى البيت ، وكان قبل ذلك زَرْبًا لغنم إسماعيل، وإِنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سَقْفا، وجعل له (١) من صحيح البخارى ١٩٢/٢. (٢) البخارى : رفعا القواعد. (٣) ت م: وضعه . (٤) إلى هنا رواية ابن عباس التى أوردها البخارى فى صحيحه ١٩٠/٢ (ط الأميرية). - ١٨١ - بأبين(١) وحفر له بئرا عند بابه خِزَّانةً للبيت يُلْقى فيها ما يُهْدِى للبيت ، وجعل الركن علَمَا للناس .. فذهب إسماعيل إلى الوادى يطلب حَجرا ، ونزل جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بالحجر الأسود، وكان قد رُفع إلى السماء حين غَرقتِ الأَرض لمّا رُفع (٢) البيت، فنزل به جبريل فوضعه إبراهيم موضع الركن ، وجاء إسماعيل بحجر من الوادى فوجد إِبراهيم قد وضَع الركن ، فقال : من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم: من لم يَكِلْنى إليك ولا إِلى حَجرك . ولما فرغ إِبراهيم من بناء البيت وأدخل الحِجْر فى البيت جعل المقام لاصقا بالبيت عن يمين الداخل(٣) .. " ورَوى البيهقى عن وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - قال: لمّا أَغرق الله الأرض رُفع البيت فوضع تحت العرش ، ومكثت الأَرض خرابًا أَلفى سنة ، فلم تزل على ذلك حتى كان إِبراهيم صلى الله عليه وسلم فأمره الله سبحانه وتعالى أن يبنى بيته ، فجاءت السَّكينة كأَّنها سَحابة فيها رأس يتكلم ، ولها (٤) وجه كوجه الإِنسان ، فقالت: يا إبراهيم، خذ قدْر ظلى فابنٍ عليه ولا تزِذْ شيئاً ولا تنقص . فأخذ إبراهيم قدر ظلِّها ثم بنى هو وإسماعيل البيت ، ولم يجعل له سقفاً ، وكان الناس يُلْقون فيه الحلىّ والمتاع، حتى إذا كاد أَن يمتلىء اتَّعدَ(٥) له خمسة نفر لِيَسْرِقوا ما فيه ، فقام كل واحد على زاوية واقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك ، وبعث الله سبحانه - عند ذلك حيّة بيضاء سوداء الرأس والذنب ، فحرَست البيت خمسمائة عام لا يَقْرِيه أَحد إِلا أَهلِكُنْه ، فلم تزل كذلك حتى بنَتْه قريش . ورَوَى الأَزْرقى عن عثمان بن ساج - رحمه الله تعالى - قال: بلغنا - وَالله تعالى أعلم - أن خليل الله - سبحانه وتعالى - عُرِج به إلى السماء، فنظر إلى الأرض: مَشَارقها ومغاربها ، فاختار موضعَ الكعبة ، فقالت له الملائكة : يا خليل الله اخترتَ حَرَم الله فى الأرض . (٢) الاكتفاء: كما رفع البيت . (١) الا کتفا : وجعل له باباً : (٣) رواية أبى الجهم هذه أوردها الكلاعى فى الاكتفا ٤٩/١ عن الواقدى عن أبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة العدوى. . (٥) ت م: أنفد. تحريف . (٤) ط : لها وجه . - ١٨٢ - فبناه من سبعة أَحْبُل، ويقولون خمسة، فكانت الملائكة تأقى بالحجارة إلى إبرهيم من تلك الجبال (١). ٠ ورَوَى الأَزْرقى عن على - رضى الله تعالى عنه - وعن مجاهد ، وعن بشر بن غاضم متفرقين ، أَن إِبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أَقبل من إِرمينية - وقال مجاهد : من الشام . ومعه السَّكينة والملك والصُّرَد دليلاً ، يتبوَّأ البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتها، فحفر فأَبرَز عن أُسِّها أَمثال خَلِفة الإِبل لا يحرك الصخرة إلا ثلاثون رجلا ثم قال الله تعالى : قم فابن لى بيتا . قال : يارب وأَين أَبْنِىِ ؟ فبعث الله - سبحانه وتعالى - سحابةٌ فيها رأس تكلِّم إبراهيم ، فقالت : يا إبراهيم ، إِن ربك يأمرك أَن تخطَّ قَدْرِ هذه السحابة ، فجعل ينظر إِليها ويأخذ قدرها ، فقال له الرأس : قد فعلتَ (٢). وفى لفظ : فقالت السكينة : يا إبراهيم رَبَضْت على البيت ؟ قال : نعم . فارتفعت السحابة، فأَبرز عن أُسّ ثابت فى الأَرض ، فبناء إبراهيم ، فلذلك لا يطوف بالبيت ملكٌ من جبابرة الملوك ولا أَعرابى جِلْف إلا وعليه السكينة والوقار. وروى الأزرق عن قتادة رحمه الله تعالى قال : ذكر لنا أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بنى البيتَ من خمسة أَجْبُل : من طورسيناء، وطور زيتا ، ولبنان ، والجودِىّ، وحِرَاء(٣). قال السُهيْلى رحمه الله تعالى: انتبه لحكمة الله تعالى كيف بناها (٤) من خمسة أَجبل، فشاكل ذلك معناها ، إذ هى قِبْلة الصلوات الخمس عمود الإِسلام الذى بُنى على خمس ، وكيف دلَّت عليه السكينة إِذ هى قِبلة الصلوات الخَمْس والسكينة من شأن الصلاة . قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((وائتوها وعليكم السَّكينة)) (٥) . ورَوى الأَزرقى عن ابن إسحاق أَن الخليل - صلى الله عليه وسلم - لما بنى البيت جعل طوله فى السماء تسعة أَذرع، وعرضه فى الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامى الذى عنده الحِجْر ، وجعل عرض ما بين الركن الشامى إلى الركن الغربى (١) أخبار مكة للأزرقى ٢١/١. (٢) كذا بالأصل موافقاً للاكتفا. وفى أخبار مكة: أقد فعلت ؟ (٣) أخبار مكة للأزرق ٢٦/١. (٤) الروض : كيف جعل بناءها . (٥) الروض الأنف السهيل ١٢٩/١. - ١٨٣ - اثنين وعشرين ذراعاً ، وجعل طول ظهرها من الركن الغربى إلى الركن اليمانى أحداً وثلاثين ذراعا ، وجعل عرض سقفها اليمانى من الركن الأسود إلى الركن اليمانى عشرين ذراعا ، وجعل بابِها بالأَرض غير(١) مُبَوَّب، وجعل جُبًّا على يمين من دخله يكون خزانة للبيت (٢). وذكر ابن الحاجّ المالكى - رحمه الله تعالى - فى مَنَاسكه شيئا من خبر بناء إِبراهيم البيت، ثم قال: وكان صفة بناء إِبراهيم البيت أَنه كان مُدوَّرا من ورائه ، وكان له ركنان وهما اليمانيان، فجعلت له قريش حين بنَوْه أربعة أركان. انتهى . ابراهيم يؤنن بالحج قال أبو جَهْم : وأُمر إبراهيم بعد فراغه من البناء أَن يؤذِّن فى الناس بالحج ، فقال: يارب، وما يَبْلِغ صونَى؟ قال الله جل ثناؤه: أَذِّن وعلىَّ البَلاغِ . فارتفع على المقَام - وهو يومئذ مُلْصَق بالبيت - فارتفع به المقام حتى كان أَطولَ الجبال ، فنادى وأَدخل إصبعيه فى أُذنيه، وأَقبل بوجهه شَرْقا وغَرْبا يقول : أيها الناس كُتب عليكم الحج إلى البيت العَتِيق ، فأَجيبوا ربَّكم عز وجل . فأجابه من تحت البحور السبعة ومن بين المشرق والمغرب إِلى مُنْقَطع التراب من أطراف البيت(٣) كلها : لَبِّيك الهم لبيك. أَفلا تراهم يأتون يُلبّون ؟ فمن حج مِن يومئذ إلى يوم القيامة فهو ممن استجاب له عز وجل وذلك(٤) قوله تعالى: ((فيه آياتٌ بَيِّنَاتُ مَقَامُ إبراهيمَ (٥) ، يعنى نداء إبراهيم على المقَام بالحج ، فهى (٦) الآية . قال محمد بن عُمَّر الأَسْلمى راويه(٧) رحمه الله تعالى: وقد روى أن الآية هى أثر إبراهيم على المقام . 15 وروى الفاكهى بإسناد صحيح عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: قام إبراهيم على الحجر فقال: يأيها الناس ، كُتب عليكم الحج. فاسْتَمَعَ مَن فى أَصلاب (١) ت م : من غير . (٣) الاكتفا : من أطراف الأرض كلها . (٥ ) سورة آل عمران ٩٧ . (٢) أخبار مكة .٢٧/١. . (٤) ت م : وذكر قوله تعالى . (٦) ت م : فى الآية. (٧) هو الواقدى، وهو محمد بن عمر بن واقد السهمى الأسلمى بالولاء، المدنى، أبو عبد الله، صاحب المغازى ، وقد ولد بالمدينة سنة ١٣٠ ( وانتقل إلى العراق سنة ١٨٠ فى أيام الرشيد وولى القضاء بغداد، وتوفى بها سنة ٢٠٧ . وقد روى عنه كتبه كاتبه : محمد بن سعد صاحب كتاب الطبقات الكبير . هذا ورواية الاكتفا : قال الواقدي. - ١٨٤ - الرجال وأرحام النساء ، فأجابه مَن كان سبق فى علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك . ورُوى أَيضا عنه قال: والله ما بناه بِقَصّة ولا مدَر ، ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يُسقِّفانه . وروى أيضا عن على - رضى الله تعالى عنه - قال: كان إبراهيم يبنى كل يوم ساقاً . القَصَّة بالفتح : الجير . الساق : العِرْق(١) من الحائط. ورَوَى ابن أبى شَيْبة وابن منيع وابن جَرِير وابن أبى حاتم والحاكم - وصححه - والبيهقى عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال : لمّا فرغ إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - من بناء البيت قال: يارب، قد فرغتُ. قال: أَذِّن فى الناس بالحج . قال : يارب، وما يَبْلِغ صوتى؟ قال: أَذِّن وعلىّ البلاغ. قال: يارب كيف أَقولُ ؟ قال : قل: يأيها الناس كُتِب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسَمعه مَن فى السماء ومَن فى الأَرض ، أَلاَ ترى أَهم يأتون من أَقصى الأَرض يُلَبُّون ؟ ورَوى ابن أبى حاتم عن ابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - قال: لما أمر الله - سبحانه وتعالى - إبراهيم أَن يؤذِّن بالحج صعد أَبا قُبَيْس فوضع إصبعيه فى أذنيه ، ثم نادى : يأَيها الناس ، إِن الله كتب عليكم الحجَّ ، فأَجيبوا ربكم. فأجابوه بالتلبية فى أَصلاب الرجال وأَرحام النساء، وأَولُ من أَجاب أَهلُ اليمن، فليس من حاجٌ يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب يومئذ إبراهيم . ابراهيم يتعلم مناسك الحج قال أبو جَهْم : فلما فرغ إبراهيمُ من الأَذان ذهب به جبريل فأَراه الصَّفا والمروة ، وأفامه على حدود الحرم ، وأمره أَن يَنْصب عليه(٢) الحجارة ، ففعل ذلك إبراهيم وكان أول من أَقام أنصاب الحرم ويريه إياها جبريل . فلما كان اليوم السابع من ذى الحجة خطب إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بمكة حين زاغت الشمسُ(٣) قائماً وإسماعيل جالس ، ثم خرجا من الغد يمشيان على أقدامهما يلبيان (١) ت م : العرض. (٣) زاغت الشمس: مالت، وذلك إذا فاء الفىء. ۔ (٢) الاكتفا : عليها . - ١٨٥ - مُخْرمَيْن مع كل واحد منهما إِداوة يحملها وعصاً يتوكأُ عليها ، فسمى ذلك اليوم يوم التَّرْوية . . وأَتيا(١) منّى فصلَّيا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، وكانا نزَلا من الجانب(٢) ! الأيمن ثم أَقاما حتى طلعت الشمس على ثَّبير ، ثم خرج إِبراهيم يمشى هو وإسماعيل حتى أ أتيًا عرفة وجبريل معهما، يريهما الأَعلام حتى نزلا بنَمِرة، وجعل يريه أَعلام عرفات، وكان إِبراهيم قد عرفها قبل ذلك ، فقال إِبراهيم : عرفتُ. فمِّيت عرفات . فلما زاغت الشمس خرج بهما جبريل حتى انتهى بهما إلى موضع المسجد اليوم ، فقام إبراهيم فتكلم بكلمات وإسماعيل جالس ، ثم جمع بين الظهر والعصر ثم ارتفع بهما جبريل إلى الهضبات(٣) فقاما على أَرجلهما يدعوان إِلى أَن غابت الشمس وذهب الشُّعَاعِ، ثم دفَعا من عرفة على أقدامهما حتى انتهيا إِلى جَمْع ، فنزَلا فصلَّيَا المغرب والعشاء فى ذلك الموضع الذى يصلَى فيه اليوم ، ثم باتا فيه حتى إذا طلع الفجر وقفا على قُزَح ، فلما أَسفرا قبل طلوع الشمس وقفا على أَرجلهما حتى انتهيا إِلى مُحَسِّر ، فأَسرعا حتى قطعاه ثم عادا إلى مَشْيهما الأول ، ثم رمَيَا جَمْرَة العَقَبة بسبع حصَيات حملاها من جمع ، ثم نزلا من منّى فجرًا(٤) فى (٥) الجانب الأيمن، ثم ذبَحا فى المنْحَر اليومَ وحلَقا رؤوسهما، ثم أَقاما أَيام منّى يرميان الجِمَار حين ترتفع الشمس ما شيّيْن ذاهبين وراجعين، وصَدَرا يوم الصَّدَر فصلَّيا الظهر بالأَبْطَح ، وكل هذا يريه جبريل صلى الله عليه وسلم . فلما فرغ إبراهيمُ من الحج انطلق إلى منزله بالشام ، وكان(٦) يحج البيت كلَّ عام ، وحجَّتْه سارةُ، وحجه إسحاق ويعقوب والأَسْباط والأنبياء وهلم(٧) جرا، وحجّه موسى ابن عمران . (١) الاكتفا : فأتيا . (٢) الاكتفا : فى الجانب . (٣) الاكتفا : إلى الهضاب . (٤) ليست فى ط، وليست فى الاكتفا أيضا، ولملها مقحبة. (٥) كذا فى ط موافقا للاكتفا. وفى ص ت م : من الجانب . (٦) الاكتفا : فكان . (٧) الاكتفا : هلم جرا . -١ .- ١٨٦ ..- ثم توفىَّ الله - تعالى - خليلَه بعد أن وجَّه إليه ملك الموت فاستنظره إِبراهيمُ، ثم أَعاده إِليه لما أراد الله تعالى قبضه، فأَخبره بما أُمر به فبلَّمَ لأَمْر ربه (١). فقال له ملك الموت : يا خليل الله على أَىّ حال تحب أَن أَقبضك ؟ قال : تقبضنى وأَنا ساجد . فقبضه وهو ساجد (٢) . ودفن إبراهيم صلى الله عليه وسلم بالشام . وعاش إسماعيل بعد أبيه ما عاش وتوفى بمكة فدفن بالحَجُون (٣) مما يلى بابَ الكعبة ، وهناك قبر أُمه هاجَر دفن معها ، وكانت توفيت قبله . انتھی حدیث أبى جهم (٤) . تنبيه فى بيان غريب ما سبق المناطق: جمع مِنطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يُشدّ(٥) به الوسط. وفى لفظ : النُّطُق بضم النون والطاء وهو جمع نِطَاق، مثل كِتَاب وكُتُب . قال فى النهاية : وهو أَن تلبس المرأة ثوبها ثم تشدّ وسطها بشىء وترفع ثوبها وترسله إلى (٦) الأسفل عند معاناة الأَشغال(٧) لئلا تَعْثر فى ذيلها . تَخْفِضيها : أَى تَخْتنيها، يقال خَفضَتْ الجاريةَ خِفاضا: خَتْنَتْها ، فالجارية مخفوضة ، ولا يطلق الخفض إِلا على الجارية دون الغلام . العِضَاه : بعين مهملة مكسورة فضاد معجمة : شجر الشوك كالطلح والعَوْسج والجاء أَصلية، الواحدة عِضَّة بالهاء وبالتاء كعدة والأَّصل عِضِهَة كَعِنَّبَة. السََّم بفتحتين : شجر من العِضَاه واحدته سَلَمة بفتحتين . السَّمُر بفتح المهملة وضم الميم من شجر الطَّلْح الواحدة سَمُرة . الرَّبْوة مثلثة الراء: المكان المرتفع. مَدَرة بفتحات جمعها مَدَر مثل قَصَب ، وقصبة ، وهو التراب المتلبّد . وقال الأزهرى : المدَر قِطَع الطين . (١) كذا فى ط موافقا للاكتفا، وفى ت م: فسم الأمر إليه عز وجل. (٢) فى الاكتفاء زيادة: وصعد بروحه إلى الله عز وجل. (٣) الاكتفا: فدفن داخل الحجر مما يلى باب الكعبة . (٤) الاكتفا ٤٩/١ - ٦٣. (٥) ت م : ما يلف به . (٦) ط : على الأسفل. (٧) ت، م : عند معاناة الأثقال. - ١٨٧ = الثَّمام بضم المثلثة نَبْت ضعيف قصير لا يَعُول (١) الحَجُون باء مهملة مفتوحة فجيم مضمومة : موضع بأَعلى مكة . السِّقاء بكسر السين المهملة قربة صغيرة . وفى لفظ معها شَنَّة بفتح المعجمة وتشديد النون وهى القربة التٍيقة . الدَّوْحة بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الحاء المهملة هى الشجرة الكبيرة فى أَعلى المسجد : أَى مكان المسجد ، لأَّنه لم يكن يومئذ بناء. قفَّ بقاف ففاء مشددة: أَى ذهب مولِّيا وكاَّنه من القفا أَى أَعطاه قفاه وظهره. الثَّنِيّة بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية. كِدَاء بفتح الكاف ممدود : مكان فى أَعلى مكة . يتدَّوى: يتقلب . يتلبَّط بمثناة تحتية فمثناة فوقية فلام فموحدة قطاء مهملة : أَى يتمرّغ ويضرب نفسه بالأرض . يتلمَّظ بوزن الذى قبله وبعد اللام ديم فظاء معجمة : أَى يدير لسانه فى فيه ويحرِّكُه يَنْشَغ بمثناة تحتية مفتوحة فنون ساكنة فشين معجمة فغين معجمة أَى يشهق ويعلو صوته وينخفض كالذى ينازع . المجْهُودِ : الذى أَصابه الجهْد وهو الأمر الذى يشقّ. تُقرِها نفسُها (٢). بضم أوله وكسر القاف ونفسُها برفع الفاعل أى لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده (٣) فى حال الموت . صَهْ صَةْ ، بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة : كأنها خاطبت نفسها فقالت لها : اسكتى . غَوَاث: بفتح أوله عند أكثر رواة الصحيح وتخفيف الواو آخره مثلثة ، وحكى ابن الأثير ضمَّ أَوله ؛ والمراد به هنا: المستغيث. وحكى ابن قُرْقول كسرها أيضا ، وجزاء الشرط محذوف تقديره : فأغنى . غمزَ الأَرض (٤) بغين معجمة فميم فزاى أى كبسها. انبثق : بنون فباء موحدة فشاء مثلثة فقاف : أَى انفجر . تُحوِّضه ، بحاء مهملة فضاد معجمة وتشديد الواو : أَى تجعله مثل الحوض . عَيْنًا مَعِينا: أَى ظاهرًا جاريا على وجه الأرض. وفى لفظ: لكان(٥) الماء ظاهرا. فعلى هذا فقوله : عَيْنا معينا : صفة للماء . فلذلك نكَّره قال ابنُ الجَوْزِىّ : كان (١) ت، م : قصير وطويل . محرفة . (٣) ت م : مشاهدة . (٥) ت م : كان . (٢) ت م : فلم تقر نفسها. (٤) ت م : غمزه. - ١٨٨ - ظهورُ زمزم نعمةٌ من الله تعالى مَحْضة بغير عمل جليل (١) ، فلما خالطها تحويضُ هاجر داخلها(٢) كَسْبُ البشر فقُصِرت على ذلك . العَمَاليق : ذرية عِمْلاق ويقال عِمْليق بن لاوذ ويقال الود بن إرم ابن سام بن نوح . مُضَاض بمم مكسورة ، وحکی ضمها وضادين معجمتين . الضَّيْعة ، بفتح المعجمة وسكون التحتانية : أَى الهلاك . الرابية ، بالموحدة ثم المثناة التحتية : ما ارتفع من الأرض . أَقطار الأرض ، جمع قُطْر بالضم : الجانب والناحية . تَرِد الماء : تَبْلغه . تَصْدر : ترجع . غَمارة الماء بغين معجمة مفتوحة : كثرته . متنكبًا قوسَه : ملقيا لها على مَنْكِبه . رُفْقة ، بضم الراء ، وسكون الفاء فقاف : وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا فى سَفر أم لا . جُرْهُم، بضم الجيم وسكون الراء وضم الهاء : وهو ابن قحطان ابن عابِر بن شالخ بن أَرْفَخْشِذ بن سام بن نوح . وقال ابن إسحاق : كان جرهم وقطوراء أَخوه أَولَ من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن (٣). وقوله : مُقْبِلين من كَدَاء بفتح الكاف فى جميع نسخ الصحيح والمدّ . واستشكله بعضهم أَن كَدَاء بالفتح والمد فى أَعلى مكة وأَّما الذى فى أسفلها فبالضم (٤) والقصر . يعنى فيكون الصواب هنا بالضم والقصر . قال الحافظ : وفيه نظر ؛ لأنه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العليا وينزلوا(٥) من الجهة السفل . عائِفا ، بالمهملة والفاء : وهو الذى يَحُوم على الماء فيتردّد ولا يمضى عنه. جَرِيًّا، بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية: أَى رسولا . وقد يطلق على الوكيل والأجير قيل سمى بذلك لأَّنه يجرى مَجْرى مرسله أو مو كله، أَو لأَنه يجرى مسرعا فى حوائجه . أَوْ جَريَّيْن : شكّ من الراوى : هل أرسلوا واحدا أو اثنين ؟ وفى بعض الروايات : فأرسلوا رسولا . ويحتمل الزيادة على الواحد ، ويكون الإفراد باعتبار الجنس لقوله : (١) الأصل : كليل . محرفة. (٣) لم يرد فى سيرة ابن هشام ١١٧/١. (٥) ص ط : وينزلون . (٢) ت م : دخلها. (٤) ت م : بالضم. - ١٨٩ - فإذا هُمْ بالماء بصيغة الجمع، ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال، والجمع باعتبار من تبعه من خادم ونحوه . أَلْفَى: بالغاء: أَى وجَد. أُمَّ إسماعيل: بالنصب على المفعولية. الأُنْس، بضم الهمزة : ضد الوحشة . ويجوز الكسر أى تحب جِنْسها. وتعلَّم العربية منهم: فيه إِشعار بأن لعمان أمه وأبيه لم يكن عربيًا، ولهذا مزيد يأتى فى ترجمة إسماعيل فى النسب النبوى . أَنْفَسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النَّفَاسة : أَى رغبتهم فى مصاهرته لنفاسته عندهم. وقال ابن الأثير: أنفسهم عطف على قوله تعلم العربية منهم(١) . وزوّجوه امرأة منهم: ذكروا فى اسمها واسم أبيها أقوالاً لا طائل بذكرها. يطالع تَرِ كته: قال فى المصباح المنير: التَّرِكة بفتح التاء وكَسْر الراء وتخفف بكسر الأول وسكوات الراء مثل كَلِمَةٍ وكِلْمة ، أَى يتفقد حالَ ما تركه هناك. n الشّخْب ، بفتح الشين وسكون الخاء المعجمتين ثم موحدة : السَّيَلان. عَتبة بابك : بفتح العين المهملة والمثناة الفوقية والباء الموحدة : كناية عن المرأة ، وسمّاها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها ، وهى حفظ الباب وصون ما هو داخله .، وكونها محلا للوطء . وتزوج امرأة أخرى : ذكروا فى اسمها ثمانية أقوال . وفى اسم أبيها أربعة ، ولا حاجة لنا إلى ذلك. نابت، بالنون من النبات. فهما لا يخلو عليهما(٢) أخد بغير مكة إلا لم يوافقاه: ولفظ الكُشْمَيْهَىِّ: لا يخلوان بالتثنية . قال ابن القُوطيّة: خلَوْت بالشىء واختلوت بها: إذا لم أُخلط به غيره(٣). يَبْرى، بفتح أوله وسكون الموحدة . النَّبْل، بفتح النون وسكون الموحدة : السُّهُمْ قبل أَن يُركَّب فيه نَصْله وريشه ، وهو السهم العربى . (١) الذى فى النهاية لابن الأثير ١٧٥/٤ فى مادة ((نفس)): (( وفى حديث إسماعيل عليه السلام: أنه ((تعلم العربية وأنفسهم)) أى أعجبهم وصار عندهم نفيسا، يقال أنفسنى فى كذا أی رغبنى فيه » . وليس فيه ذكر لما أورده المؤلف . (٢) ت م : عنهما. (٣) الذى فى كتاب الأفعال لابن القطاع ٣١٥/١: خلوت بالشىء خلوة وأخليت: لم أخلط به غيره. - ١٩٠ - i م الأَكمة ، بفتح الهمزة والكاف : وهى الرابية ، إرمينية بكسر أوله وإِسكان ثانيه بعده مكسورة فتحتية فنون : بلد معروف بالروم . ميم الصُّرَد، وزان (١) عُمَر: قال فى المصباح: نوع من الغربان، الأنثى صُرَدة والجمع صِرْدَان . ويقال له الواق، وكانت العرب تتطيّر من صوته وتقتله فنُهى عن قتله دفْعًا للطِّيَرة ومنه نوع أَسْبَد(٢) يُسميه أَهلُ العراق العقعق، وأَما الصرد الهممْهَام (٣) فهو البرِّى الذى لا يُرَى فى الأَرض ويقفز من شجرة إِلى شجرة، وإذا اضْطُرّ(٤) وأُضْجِر أُدرك وأُخِذْ ويُصَرْصِر كالصقر ، ويصيد العصافير . قال أبو حاتم : الصُّرَد : طائِر أَبْقَع أبيض البطن أَخضر الظهر ضخم الرأس والمنقار ، له ريش ويصطاد العصافير وصغار الطير . وزاد بعضهم على هذا فقال : ويسمَّى المجوَّف لبياض بطنه، والأخطب لخضرة ظهره ، والأَخْيَل لاختلاف لونه . خَلِفِة بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام : الحامل من النوق . ربَضْتَ : أَسَّست . طور زَيْتا ، بلفظ الزيت : علم لجبل بالبيت المقدس . لُبْنان ، بضم أوله وإِسكان ثانيه : جبل بالشام . جَمْع : بفتح أوله وإِسكان ثانيه: اسم لِمُزْدلفة ، سمى بذلك للجمع بين صلاتى المغرب والعشاء فيها . قاله البَكْرى . وقالٍ فى النهاية : لأَن آدم وحواء لما أُهبطا اجتمعا بها . زاد صاحب التقريب : أَو لاجتماع الناس فيها . قُزَح ، بضم أوله وفتح الزاى : جبل بمزدلفة غير منصرف للعلمية والعدل عن قازِح. تقديراً . محسِّر ، بلفظ اسم الفاعل : موضع بين مِىٌ ومزدلفة ، سمَّى بذلك ، لأَن فيل أبرهة كَلَّ فيه وأَعْيَا، فحسَّر أصحابه بفعله ، وأَوقعهم فى الحسرات . (١) ت م : وزن. (٢) كذا فى ط موافقا للمصباح. وفى ص ت م: أسود. محرفة. والأسبد: القليل الشعر. (٣) كذا فى ط موافقا للمصباح. وفى ص ت م: الهمام. محرفة . (٤) المصباح : وإذا طرد . - ١٩١ - المرة الخامسة والسادسة : عمارة العمالقة وجُرْهِم . روى ابن أبى شَيْبة وإسحاق بن راهوَيْه فى مسنده وابن جَرِير وابن أبى حاتم والبيهقى فى الدلائلٍ عن على - رضى الله تعالى عنه - أن بناء إِبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لبث ما شاء اللّه أن يلبث ثم انهدم، فبنتْه العمالقة ، ثم انهدم فبنته جُرْهُم . قال السُّهيلى : وقد قيل إنه بُنى فى أيام جُرْهم مرة أو مرتين لأَن السيل قد صدع حائِطه ، ولم يكن ذلك بُنْيانا وإنما كان إِصلاحا لِمَا وِى [ منه](١) وجدارًا بُنى بينه وبين السيل(٢). قلت : فى حديث أبى جَهم عن حذيفة - رضى الله تعالى عنه - أَن البيت فى زمن جُرْهِمٍ. دخله السيل من أَعلى مكة فانهدم ، فأَعادته جرهم على بناء إِبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وجعلت له مِصْراعين وقُفْلًا(٣). انتهى. فهذا نقل صريح يشهد لما فى حديث سيدنا على - رضى الله تعالى عنه . المرة السابعة : عمارة قُصَىّ بن كلاب . نقله الزبير بن بكّار فى كتاب النَّسَب، وجزم به الإمام أبو إسحاق الماوردى فى الأحكامِ السُّلْطانية (٤) المرة الثامنة : عمارة قريش . وستأتى . المرة التاسعة : عمارة عبد الله بن الزبير - رضى الله تعالى عنهما. عن عائشة - رضى الله تعالى عنها - أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: ألم ترَىْ أَن قومك حين بنّوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إِبراهيم ؟ فقلت : يا رسول الله أَلا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لولا خِذْثَان قومك بالكفر)). فقال عبد الله بن عمر - رضى الله تعالى عنهما - لئن كانت عائشة سمعَتْ هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك استلام الركنين الشاميين اللذين يَلِيان الحجَر ، إلا لأَن البيت لم يتمَّ على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم . (١) زيادة من الروض الأنف . (٢) الروض ١٢٨/١. (٣) الاكتفا ٦٤/١ من حديث أبى جهم. ( ٤) الأحكام السلطانية ص ١٤٣ ( ط السعادة سنة ١٣٢٧ هـ) - ٠ ١٩٢ - وفى رواية قالت : قال لى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا حَداثة عهد قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة ثم بنيتها على أساس إِبراهيم ، فإِن قريشا اقتصرت بناءه ، وجعلتُ له خَلْفا . قال هشام : يعنى بابا . متفق عليه (١) . وفى رواية للبخارى : لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأَمرتُ بالبيت فَهُدِمٍ، فأدخلت ما خرج منه وألزقتُه بالأرض ، وجعلت له بابين : بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا ، فبلغْتُ به أساس إبراهيم )» ، فذلك الذى حمل ابن الزبير على هَدْمه. قال يزيد - هو ابن رومان : وشهدت ابنّ الزبير حين هدمه وبناه فأُدخل فيه من الحِجْر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإِبل(٢). قال جَرِير بن أبى حازم: فقلت له - يعنى ليزيد بن رومان: أَين موضعه ؟ قال: أُريكه الآن. فدخلت معه الحِجْر فأشار إلى مكان وقال : هاهنا. قال جرير: فحَزَرت من الحِجْر ستة أَذرع أو نحوها . وفى رواية عن سعد بن مينا قال : سمعت عبدَ الله بن الزبير يقول : حدثتنى خالتى - يعنى عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ياعائشة لولا أَن قومك حديثو عهد بِشِرْك لهدمتُ الكعبة فأَلزقُها بالأَرض ولجعلت لها بابين: بابًا شرقيا وبابًا غربيًا ، وزدتُّ فيها ستة أذرع من الحجر ، فإِن قريشا اقتصرتها حيث (٣) بنت الكعبة)). ولمسْلم عن عطاء بن أبي رباح - رحمه الله تعالى - قال : لما احترق البيت زمن يزيد ابن معاوية حين غزاها أَهلُ الشام فكان من أمره ما كان ، تركه ابن الزبير حتى قدم الناسُ الموسم يريد أَن يُحَرِّبهم على أَهل الشام ، فلما صدر الناسُ قال: يا أيها الناس أَشيروا علىَّ فى الكعبة أَنقضها ثم أَبنى بناءها أَو أُصْلِح ما وهَى منها ؟ قال ابن عباس: إِنى قد فُرِق(٤) لى فيها رأَىُ أَن تُصْلِح ما وَهَى منها وتدع بيتًا أَسْلَم عليه الناسُ، وأَحجارا أَسْلَم عليها الناس وبُعث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير: لو كان أحد كم (١) صحيح البخارى ١٩٣/٢ (ط الأميرية) كتاب بدء الخلق. وصحيح مسلم كتاب الحج باب نفض الكعبة وبنائها حديث رقم ٣٩٨ وما بعده. (ط الحلبى) ورواية مسلم: ((ولجعلت لها خلفا». (٤) فرق : كشف وبين . (٢) الروض الأنف ١٢٧/١. (٣) ت م : حين. - ١٩٣ - ٢٥ - سبل الهدى والرشاد احترق بيته ما رضى حتى يجدّده فكيف ببيت ربكم ؟ وإنى مُسْتخير ربى ثلاثا ثم عازم على أَمرى . فلما مضى الثلاث أَجمع أَمَره على أَن ينقضوها فتحاماها الناسُ أَن ينزال بأَول الناس يَصْعد فيها أَمرٌ من السماء، حتى صعد رجل فأَلقى منه حجاره، فلما لم يره الناس أصابه شىء تابعوه، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستَّر(١) عليها الستور حتى ارتفع بناؤه(٢) . قال السُّهيلى ، رحمه الله تعالى: وطاف الناس بتلك الأُستار فلم تَخْلُ من طائف حتى لقد ذكر أَن يوم قَتْل ابن الزبير اشتدت الحرب واشتغل الناس فلم يُرَ طائِف يطوف بالكعبة إِلَّ جملٌ يطوف بها (٣). انتهى. وقال ابن الزبير : إنى سمعت عائِشة تقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر وليس عندى من النفقة ما أُنفق على بنيانه لكنت أَدخلت فيه من الحِجْر خمسة أَذرع ، وجعلت له بابا يدخل الناس منه وبابا يخرج الناس منه )) قال : فأَنا اليوم أجد ما أنفق ، ولست أَخاف الناس . قال : فزاد فيه خمسة أذرع حتى أَبْدَى أساسا نظر الناس إليه فبنى عليه البنيان . وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعا ، فلما زاد فيه استقصره فزاد فى طوله عشرة أذرع ، وجعل له بابين : أحدهما يدخل منه ، والآخر يخرج منه . فلما قُتل ابن الزبير، كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير وضع البناء على أُسُّ قد نظر إليه العُدول من أهل مكة ، فكتب إليه عبد الملك : إِنا لسنا من تخليط ابن الزبير فى شىء أَمّا ما زاده فى طوله فأقِرَّه، وأَما ما زاد فيه من الحِجْر فرده إلى بنائِهِ وسُدّ الباب الذى فتحه . فنقضه وأعاده إلى بنائه . وفى تاريخ مكة للأزرق ، أن ابن الزبير لما هَدم الكعبة وسوَّاها بالأرض كشف(٤) عن أساس إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فوجده داخلاً فى الحجر ستة أذرع وشيئا وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق(٥) الإبل، حجارة حمراء آخذ بعضها فى بعض مشبّكة كتشبيك (١) ص ت م: فسوى. وما أثبته عن ط موافقا لصحيح مسلم. (٢) صحيح مسلم كتاب الحج حدیث ٣٩٨. (٣) الروض ٠١٢٨/١ (٤) ت م : وكشف . (٥) ص ت م : كأمناق . - ١٩٤ - الأَصابع وأَصاب فيه قبرا، فقال : هذا قبر أُم إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، فدعا ابنُ الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم فأَشهدهم على ذلك ، وأَدخل عبدُ الله بن مطيع العدوى عَتلة كانت بيده فى ركن من أركان البيت فزعزعت الأركان كلها وارتجت جوانب البيت ورَجفت مكةُ بأَسْرِها رَجْفةً شديدة وخافوا خوفا شديداً ، وطارت من الحجر قطعة فأَخذها بيده ، فإذا فيها نورٌ مثل نار ، فطارت منه بَرْقة فلم يبق دار من دور مكة إِلا دخله ، ففزعوا، فقال ابن الزبير : اشهدوا . ثم وضع البناء على ذلك الأساس ، وجعل لها بابين مُلْصَقين بالأرض ، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن ، وكان وقتَ الهدم قد جعله ابنُ الزبير فى ديباجة وأَدخله فى تابوت وأَقفَل عليه وأَدخله دار الندوة ، وعمد إلى ما كان فى الكعبة من حلى وثياب وطيب فوضعه فى خزانة الكعبة فى دار شيبة ابن عثمان ، فلما انتهى البناء إلى موضع الحجر أمر فنقر بين حجرين أحدهما من المدماك الذى تحته والآخر من الذى فوقه وطبّق ما بينهما . ثم أَمر ابنُ الزبير ابنَه عبادا وجبير بن شَيْبة بن عثمان أَن يجعلا الركن فى ثوب وقال لهما : إِذا فرغتما فكِّرا حتى أَسمعكما فأُخف صلاتى فلما وضعاه فى موضعه كبَّرا فتسامع الناس بذلك . فغضب رجال من قريش حيث لم يُخْضرهم ابن الزبير ، وقالوا : ما رفعته قريش فى الجاهلية حتى حكَّموا أول من يدخل عليهم ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول داخل . وكان الحجَر قد انصدع بسبب الحريق فشدَّه ابن الزبير بالفضة . قال ابن عون :. فنظرت إلى جوف الحجر حين انفلق كأنه الفضة . وكانت الكعبة يوم هدَمها ابن الزبير ثمانية عشر ذراعًا فى السماء، فلما بلغ البنيان هذا الحدَّ قصرت لحال الزيادة فى العرض من الحِجْر ، فقال ابن الزبير : قد كانت تسعة أذرع فى السماء قبل بناء قريش فزادت قريش تسعة أذرع ، وأَنا أُزيد تسعة أُذرع . فجعلها سبعة وعشرين ذراعًا فى السماء! وهى (١) سبعة وعشرون مِدْماكًا ، وعرض جدارها ذراعان. وجعل داخلها ثلاثة دعائم . وكانت قبل ذلك على ست دعائم صَفَّين، وأرسل إلى صنعاء (١) ت م : وهو ، تحريف . - ١٩٥ - فأَّى برخام فجعله فى الروازن(١) لأجل الضوء، وجعل لبابها مِصْراعين طولهما أُحد عشر ذراعًا ، وجعل الباب الآخر بإِزائه على هيئته وجعل لها درجًا من خشب معوجة يُصعد منها إلى ظهرها . فلما فرغ من بنائها خلَّقها من داخلها ومن خارجها بالطِّيب والزعفران وكسَاها القَبَاطِيَّ (٢) وقال: من كانت لى عليه طاعة فليخرج فليَعْتَمر من التَّنْعيم، ومن قدَر أَن يَنْخَر بدنةً فليفعل ، فإن لم يقدر فشاة ، ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسّر . وأخرج ابنُ الزبير مائة بدَنة ، فلما طاف بالبيت استلم الأركانَ الأربعة جميعا. فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير تُستلم الأركان كلها ، ويُدْخل من باب ويخرج من باب حتى قُتل ابن الزبير ودخل الحجاج مكة ، فكتب إلى عبد الملك بكل ما فعله ابن الزبير، فكتب إليه عبد الملك بن مروان أن اهدم ما زاده فيها من الحِجْر وردَّها على ما كانت عليه وسُدَّ البابَ الغربيّ الذى فتح واترك سائِرها . فكلُّ البيت اليوم على بنيان ابن الزبير ، إِلا الجدار الذى فى الحِجْر وموضع سد الباب الغربى ، فإِنه من بنيان الحجاج ، وغَيَّر تلك الدَّرج التى فى جوفها ، ونقص من طول الباب خمسة أَذرع . فلما حج عبد الملك قال له الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى : أَنا أَشهد لابن الزبير بالحديث الذى سمعه من عائشة فقد سمعته أَنا أَيضا منها. قال : أَنت سمعته منها ؟ قال : نعم ، فجعل ينكث بقضيب كان فى يده فى الأَرض ساعة ثم قال : ودِدْت أنى كنت تركته وما تحمَّل(٣) . # المرة العاشرة : عمارة الحجاج . وتقدم بيانها ذكره السهيلى والنووى رحمهما الله تعالى . قال فى شفاء الغرام : وفى إطلاق العبارة بأنه بني الكعبة تجوّز لأنه لم يبن إلا بعضها (٤). (١) ت م: فى الرؤزان، والروزان: جمع الروزن، وهى الكوة . (٢) القباطى: ثياب بيض كانت تصنع بمصر. (٣) أخبار مكة ١٣٥/١ - ١٣٨. (٤) ت م : لم يبن بعضها. - ١٩٦ - الباب الثالث فى أَسماء البيت الشريف منها : الكعبة. قال الله سبحانه وتعالى: ( جَعَل اللهُ الكعبةَ البيتَ الحرامَ قيامًا للناسِ(١)). قال مجاهد رحمه الله تعالى : إِنما سميت الكعبة لأَنها مربَّعة . رواه ابن أبى شيبة ، وعبد بن حُمَيْد ، وكذا قال عكرمة . رواه ابن أبى شيبة وعبد . وقال القاضى فى ((المشارق)): الكعبة هو البيت نفسه لا غير، سمى بذلك لتكعّبه (٢) وهو تربيعه ، وكل بناء مرتفع مربع كعبة(٣). وقال : النووِىّ سميت بذلك لاستدارتها وعلوّها ، وقيل لتربيعها. قال فى شفاء الغرام : وممن قال : إنها سميت بالكعبة لكونها على خِلْقَةِ الكعب ، ابنُ أبى نجيح وابن جُرَيْج رحمهما الله تعالى . ومنها : بَكَّة . قال أبو مالك الغِفَارى رحمه الله تعالى: بكة : موضع البيت، ومكة ما سوى ذلك. رواه ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور وعَبْد بن حُميد وابن جرير . وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : مكة من الفَج إلى التنعيم . وبكَّة من البيت إلى البطحاء . رواه ابن أبى حاتم . وقال عكرمة رحمه الله تعالى : البيت وما حوله بَكَّة وما وراء ذلك مكة . رواه ابن أبى شيبة وعبْد بن حُمَيْد . وقال مجاهد رحمه الله تعالى : بَكَّة الكعبة ، ومكة ما حوها . رواه عبد بن حميد . وقال ابن شهاب رحمه الله تعالى : بَكَّة البيت . ومكة الحرم كله. رواه ابن جرير ، وسمِّى البيت بذلك لما رواه ابن أبى حاتم عن محمد بن يزيد بن المهاجر قال : إِنما سميت بكَّة لأنها كانت تبكُّ الظَّلَمة . ولهذا مزيد بيان فى باب أسماء الحرم . ومنها : البيت الحرام . وتقدم فى الآية السابقة . (١) سورة المائدة ٩٧ . (٢) م : للتكعيب . (٣) ت م : كعب . - ١٩٧ - ١ ومنها : المسجد الحرام . قال تعالى: ( فَوَلٌّ وَجْهَك شَطْر المسجدِ الحرام) والمراد به هنا الكعبة بلا خوف . وقد ورد إطلاق المسجد الحرام على غير الكعبة كما سيأتى . ومنها: قادِس. ذكره فى شفاء الغرام ولم يتكلم عليه . وقال أبو عبيد البكرى رحمه الله تعالى فى مُعْجمه نقلا عن كُرَاعَ : القادِس : اسم للبيت الحرام . قال غير كراع : سميت بذلك من التقديس وهو التطهير لأنها تطهِّر من الذنوب(١). ومنها: ناذِر. ذكره فى شفاء الغرام . ولم يتكلم على ضبطه ولا على معناه . وذكره فى القاموس فى مادة نذَر بالذال وقال إنه من أسماء مكة . ومنها القَرْية القديمة . ذكره فى شفاء الغرام . ومنها البيت العَتِيق قال الله تعالى: (وَلْيَطَّوفوا بالبيتِ العَتِيق(٢) ). روى البخارى فى تاريخه والترمذى - وحسَّنه - وابن جَرير والحاكم - وصحَّحه - عن عبد الله بن الزبير رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنما سمى الله البيت ◌ّ العتيق لأَّنه أَعتقه من الجبابرة فلم (٣) يظهر عليه جَبَّار قط (٤) )) .. وروى عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن ابن عباس مثله . وقال مجاهد : إنما سمى البيت العتيق لأَنّه أَعتقه من الجبابرة لم يدّعِه جبار قط. وفى لفظ: فليس فى الأَرض جبار يدّعى أنه له . رواه ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير . وروى ابن المنذر وابن أبى حاتم عنه قال: إنما سمى البيت العتيق لأَّنه لم يُرده أَحدُ بسوء إِلاَّ هلَك . وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى أنه أعتق من الغرق فی زمان نوح . رواه ابن المنذر وابن أبى حاتم . وقال الحسن رحمه الله تعالى : لأَّنه أول بيت وضع . رواه ابن أبى حاتم . . (١) معجم ما استعجم للبكرى ٢٧٠/١. (٢) سورة الحج ٢٩ . (٣) ت م : لم يظهر . (٤) صحيح الترمذى ٢٠٠/٢. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وقد روى هذا الحديث عن الزهرى عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا . - ١٩٨ - وما رواه عبد الله بن الزبير أَوْلَى وصححه ابن جماعة فى مناسکه . ومنها : البَنِيّة . بموحدة فنون فمثناة تحتية مشددة فى حديث البراء بن مَعْرور : ((رأَيت أَلَّ أَجعل هذه البَنِيَّة منى بظهر (١)))، يعنى الكعبة. وقد كثر قسَمُهم بربّ هذه البنية . ومنها الدوّار : بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء . ذكره ياقوت فى المشترك وَضْعًا والمختلف صقعًا(٢) (١) انظر حديث البراء بن معرور فى سيرة ابن هشام ٨١/٢ (ط الحلبى). (٢) ت م: والمختلف صنعا . محرفة. - ١٩٩ - ... - . -