Indexed OCR Text
Pages 681-700
تعديدها، لم يجز بيعُه، فإن هذا لم يقله أحدٌ من الناس قط، وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة، وهما جُلُّ منافعه، ولا يُقتنى إلا لذلك، فمن الذي رأى منافعه كُلَّها محرمة، ولا يصح أن تراد منافعة الشرعية؟ فإن إعارته جائزة . وقوله: ومن رأى جميعها محللة، أجاز، كلامٌ فاسِدٌ أيضاً، فإن منافعه المذكورة محللة اتفاقاً، والجمهور على عدم جواز بيعه. وقوله: ومن رآها متنوعة، نظر، هل المقصود المحلل أو المحرم؟ كلامٌ لا فائدة تحته ألبتة، فإن منفعةَ كلب الصيد هي الاصطيادُ دون الحراسة، فأين التنوعُ وما يُقدَّرُ في المنافع من التحريم يُقدَّرُ مثلُه في الحمار والبغل؟ وقوله: ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة، منع. أظهرُ فساداً مما قبله، فإن هذه المنفعةَ المحرمة ليست هي المقصودةَ من كلب الصيد، وإن قُدِّرَ أن مشتريَه قصدها، فهو كما لوقصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه، وتبين فساد هذا التأصيل، وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النصُّ الصريح الذي لا معارض له ألبتة من تحريم بيعه . فإن قيل: كلبُ الصيد مستثنى من النوع الذي نهى عنه رسول الله (ێ﴾، بدليل ما رواه الترمذي، من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبيَّ ◌َّ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، إلا كلبَ الصَّيْدِ (١). تضعيف المصنف لأحاديث استثناء كلب الماشية وقال النسائي: أخبرني إبراهيم بن الحسن المصيصي، حدثنا حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه، أن (١) أخرجه الترمذي (١٢٨١) في البيوع من حديث أبي هريرة، وفي سنده أبو المُهَزِّم، - وإسمه يزيد بن سفيان - متروك، وقال: وقد روي عن جابر، عن النبي بَيّ: نحو هذا، ولا يصح إسناده أيضاً. ٦٨١ رسولَ اللهِ وَ* نهى عن ثَمَنِ الكَلْبِ والسّنَّورِ، إلا كلب الصيد(١). وقال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابنُ أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا المثنَّى بن الصبّاح، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله مَ﴾ قال: ((ثَمَنُ الكَلْبِ سُحْتٌ إلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ)) (٢). وقال ابن وهب عَمَّن أخبره، عن ابن شهاب، عن أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، عن النبي بَ﴾ قال: ((ثَلاثٌ هُنَّ سُخْتٌ: حُلْوانُ الكاهِنِ، ومَهْرُ الزانِية، وثَمَنُ الكلبِ العَقُور)) (٣). وقال ابن وهب: حدثني الشِّمْرُ بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنَّ النَبيَّ بَّنَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ العَقُورِ (٤). ويدل على صحة هذا الاستثناء أيضاً، أن جابراً أحدُ من روى عن النبيِّ وَّه النهيَ عن ثمنِ الكلب، وقد رخّص جابر نفسُه في ثمن كلب الصيد، وقولُ الصحابي صالح لتخصيص عموم الحديث عند من جعله حجة، فكيف إذا كان معه النصُّ باستثنائه والقياس؟ وأيضاً لأنه يُباح الانتفاع به، ويَصِحُّ نقلُ اليد فيه بالميراث، والوصية، والهبة، وتجوزُ إعارته وإجارته في أحد قولي العلماء، (١) أخرجه النسائي ٣٠٩/٧ في البيوع: باب ما استثني من بيع الكلب، ورجاله ثقات إلا · أن فيه تدليس أبي الزبير، والنسائي طعن في صحته وقال: هذا حديث منكر. (٢) يحيى بن أيوب مختلف فيه، والمثنى بن الصباح ضعيف، والحديث في ((المحلى)) ١٠/٩ و١١. (٣) فيه جهالة وانقطاع. (٤) الشمر هو ابن نمير ضعيف، وحسين بن ضُمَيرة كذبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب، وقال أحمد: لا يساوي شيئاً، وقال ابن معين: ليس بِثِقَةٍ ولا مأمون، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. ٦٨٢ وهما وجهان للشافعية، فجاز بيعه كالبغل والحمار. فالجواب: أنه لا يَصِحُّ عن النبي ◌ِّ استثناءُ كلب الصيد بوجه: أما حديث جابر رضي الله عنه، فقال الإمام أحمد وقد سئل عنه: هذا مِن الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف، وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف على جابر. وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا الحديث. وقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: هذا لا يصح، أبو المهزِّم ضعيف، يريد راويه عنه. وقال البيهقي: روى عن النبيِّ يَّرُ النهيَ عن ثمن الكلب جماعةٌ، منهم: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، ورافع بن خديج، وأبو جُحيفة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد. والحديث الذي رُوي في استثناء كلب الصيد لا يصح وكأن مَنْ رواه أراد حديث النهي عن اقتنائه، فَشُبَّهَ عليه، والله أعلم. وأما حديثُ حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، فهو الذي ضعفه الإِمام أحمد رحمه الله بالحسن بن أبي جعفر، وكأنَّه لم يقع له طريق حجاج بن محمد، وهو الذي قال فيه الدار قطني: الصواب أنه موقوف، وقد أعله ابن حزم، بأن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر، وهو مدلس، وليس من رواية الليث عنه. وأعلَّه البيهقيُّ بأن أحدَ رواته وهم من استثناء كلب الصيد مما نُهِيَ عن اقتنائه من الكلاب، فنقله إلى البيع . قلت: ومما يدل على بطلانِ حديثٍ جابر هذا، وأنه خُلِّطَ عليه أنه صَحّ عنه، أنه قال: أربعٌ من السحت: ضِرَابُ الفَحْل، وثمنُ الكلب، ومَهْرُ البغيِّ، وكسب الحجام. ولهذا علة أيضاً للموقوف عليه من استثناء كلب الصيد، فهو علة للموقوف والمرفوع. وأما حديثُ المثنَى بن الصبَّاح، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، فباطل، لأن فيه يحيى بن أيوب، وقد شهد مالك عليه بالكذب، وجرَّحه الإِمام ٦٨٣ أحمد. وفيه المثنى بن الصباح، وضعفه عندهم مشهور، ويدل على بطلان الحديث، ما رواه النسائي، حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: أربعٌ مِن السُّحت، ضِرَابُ الفَحْلِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، ومَهْرُ البَغيِّ، وكَسْبُ الحََّامِ (١). وأما الأثر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فلا يُدرى من أخبر ابنَ وهب عن ابن شهاب، ولا من أخبرَ ابنَ شهاب عن الصديق رضي الله عنه، ومثل هذا لا يُحتج به . وأما الأثرُ عن علي رضي الله عنه: ففيه ابن ضميرة في غاية الضعف، ومثلُ لهذه الآثار الساقطة المعلولة لا تُقدم على الآثار التي رواها الأئمة الثقاتُ الأثبات، حتى قال بعضُ الحفاظ: إن نقلها نقلُ تواتر، وقد ظهر أنه لم يَصِحَّ عن صحابي خلافها ألبتة، بل لهذا جابر، وأبو هريرة، وابن عباس يقولون: ثمنُ الكلب خبیٹ . قال وكيع: حدثنا إسرائيل، عن عبد الكريم، عن قيس بن حَبْتَرٍ، عن ابن عباس رضي اللّهَ عنهما يرفعه: ((ثَمَنُ الكَلْبِ، ومَهْرُ الْبَغِيِّ، وثَمَنُ الخَمْرِ حَرَامٌ))(٢). وهذا أقل ما فيه أن یکون قول ابن عباس. وأما قياسُ الكلب على البغل والحمار، فمن أفسد القياس، بل قياسُه على الخنزير أصحُّ من قياسه عليهما، لأن الشبَه الذي بينه وبين الخنزير أقربُ مِن الشبه الذي بينَه وبينَ البغل والحمار، وله تعارض القياسانِ لكان القياسُ المؤيَّد بالنصِّ (١) رجاله ثقات. (٢) رجاله ثقات، وذكره في ((المحلى)) ١٠/٩، ونسبه إلى ابن أبي شيبة، وهو في («المسند» ٢٣٥/١ وإسناده صحيح. ٦٨٤ الموافق له، أصحَّ وأولى من القياس المخالف له. فإن قيل: كان النهيُ عن ثمنها حينَ كان الأمر بقتلها، فلما حَرُمَ قتلُها، وأبيحَ اتخاذُ بعضها، نُسِخَ النهيُ، فنسخ تحريمُ البيع. قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها لصحتها دليل، ولا شُبهة، وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدَعْوَى ألبتة بوجه من الوجوه، ويدل على بطلانها: أن أحاديثَ تحريمِ بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة كُلّها، وأحاديثُ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم، ونوع مقيّد مخصص وهو المتأخر، فلو كان النهي عن بيعها مقيداً مخصوصاً، لجاءت به الآثارُ كذلك فلما جاءت عامة مطلقة، عُلِمَ أن عمومَها وإطلاقَها مراد، فلا يجوز إبطالُه. والله أعلم. فصل الحكم الثاني: تحريمُ بيع السِّنور، كما دل عليه الحديثُ الصحيح الصريح الذي رواه جابر، وأفتى بموجبه، كما رواه قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن وضَّاح، حدثنا محمد بن آدم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه كره ثمن الكلب والسنور. قال أبو محمد: فهذه فتيا جابر بن عبد الله، أنه كره بما رواه، ولا يُعرف له مخالف مِن الصحابة، وكذلك أفتى أبو هريرة رضي الله عنه، وهو مذهبُ طاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وجميع أهل الظاهر، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهي اختيارُ أبي بكر عبد العزيز، وهو الصواب لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يُعارضه، فوجب القولُ به . تحريم بيع السنور قال البيهقي: ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوماً بنجاستها، فلما قال النبيُّ بَّه: ((الهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجَسِ)) (١). صار ذلك (١) أخرجه مالك ٢٣/١، وأحمد ٣٠٣/٥، وأبو داود (٧٥) والترمذي (٩٢) والنسائي ٥٥/١، وابن ماجه (٣٦٧) من حديث أبي قتادة، وإسناده حسن، وصححه الترمذي = ٦٨٥ منسوخاً في البيع. ومنهم من حمله على السنور إذا توخَّش، ومتابعة ظاهر السنة أولى. ولو سمع الشافعي رحمه الله الخبر الواقع فيه، لقال به إن شاء الله، وإنما لا يقول به مَنْ توقَّف في تثبيت روايات أبي الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس، وحفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي سفيان، انتهى كلامه. ومنهم من حمله على الهرِّ الذي ليس بمملوك، ولا يخفى ما في هذه المحامل مِن الوهن. فصل تحريم مهر البغي والحكم الثالث: مهر البغي، وهو ما تأخذُه الزانية في مقابلة الزنى بها، فحكم رسولُ اللهِ﴾ٍ أن ذلك خبيثٌ على أي وجه كان، حرةً كانت أو أمةً، ولا سيما فإن البغاء إنما كان على عهدهم في الإِماء دون الحرائر، ولهذا قالت هند: وقت البيعة: ((أو تزني الحُرة؟!)) ولا نزاع بين الفقهاء في أن الحرة البالغة العاقلة إذا مكنت رجلاً من نفسها فزنى بها أنه لا مهرَ لها، واختلف في مسألتين. هل للحرة المكرهة على إحداهما: الحرة المكرهة. والثانية: الأمة المطاوعة، فأما الحرة المكرهة على الزنى مهر؟ الزنى، ففيها أربعة أقوال، وهي روايات منصوصات عن أحمد. أحدها: أن لها المهر بكراً كانت أو ثيباً، سواء وطئت في قبلها أو دبرها. والثاني: أنها إن كانت ثيباً، فلا مهر لها، وإن كانت بكراً، فلها المهرُ، وهل يجب معه أرشُ البكارة؟ على روايتين منصوصتين، وهذا القولُ اختيارُ أبي بكر. وابن خزيمة، وابن حبان (١٢١) والحاكم ١٥٩/١، ١٦٠، ونقل البيهقي تصحيحه = عن البخاري، والدارقطني، والعقيلي. ٦٨٦ والثالث: أنها إن كانت ذاتَ محرم، فلا مهر لها، وإن كانت أجنبية، فلها المهر. والرابع: أن من تحرم ابنتها كالأم والبنت والأخت، فلا مهر لها، ومن تحل ابنتها كالعمة والخالة، فلها المهر. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا مهر للمكرهة على الزنى بحال، بكراً كانت أو ئیباً. فمن أوجب المهر، قال: إن استيفاء هذه المنفعة جعل مقوماً في الشرع بالمهر، وإنما لم يجب للمختارة، لأنها باذلة للمنفعة التي عوضها لها، فلم يجب لها شيء، كما لو أذنت في إتلاف عضو من أعضائها لمن أتلفه. ومن لم يُوجبه قال: الشارعُ إنما جعل هذه المنفعة متقومة بالمهرِ في عقد أو شبهة عقد، ولم يُقومها بالمهر في الزنى ألبتة، وقياس السفاح على النكاح من أفسد القياس. قالوا: وإنما جعل الشارعُ في مقابلة هذا الاستمتاع الحدَّ والعُقوبة، فلا يجمع بينَه وبينَ ضمان المهر. قالوا: والوجوب إنما يُتُلقى من الشارع من نص خطابه أو عمومه، أو فحواه، أو تنبيهه، أو معنى نصِّه، وليس شيء من ذلك ثابتاً متحققاً عنه. وغاية ما يُدعى قياسُ السفاح على النكاح، ويا بُعد ما بينهما. قالوا: والمهر إنما هو مِن خصائص النكاح لفظاً ومعنى، ولهذا إنما يُضاف إليه فيقال: مهر النكاح، ولا يُضاف إلى الزنى، فلا يقال: مهر الزنا، وإنما أطلق النبي رَله المهر وأراد به العقد، كما قال: ((إنَّ اللّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والميْنَةِ والخِنْزِيرِ والأَصْنَامِ)) (١). وكما قال: ((ورَجُلٌ بَاعَ حُراً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ))(٢). ونظائرُه كثيرة. (١) متفق عليه من حديث جابر وقد تقدم. (٢) أخرجه البخاري ٣٤٦/٤، ٣٤٧ في البيوع: باب إثم من باع حراً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله #: ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره))= ٦٨٧ والأولون يقولون: الأصلُ في هذه المنفعة، أن تقوَّم بالمهر، وإنما أسقطه الشارعُ في حق البغي، وهي التي تزني باختيارها، وأما المكرهة على الزنى فليست بغياً، فلا يجوز إسقاطُ بدلِ منفعتها التي أُكرِهت على استيفائها، كما لو أُكرِهَ الحر على استيفاء منافعه، فإنه يلزمُه عوضها، وعوضُ هذه المنفعة شرعاً هو المهر، فهذا مأخذ القولين. ومن فرَّق بين البكر والثيب، رأى أن الواطىء لم يذهب على الثيب شيئاً، وحسبُه العقوبة التي ترتبت على فعله، ولهذه المعصية لا يُقابلها شرعاً مال يلزم من أقدم عليها، بخلاف البكر، فإنه أزال بكارتها، فلا بُد من ضمان ما أزاله، فكانت لهذه الجنايةُ مضمونةً عليه في الجملة، فضمن ما أتلفه مِن جزء منفعة، وكانت المنفعة تابعة للجزء في الضمان، كما كانت تابعة له في عدمه من البكر المطاوعة . ومن فرَّق بين ذوات المحارم وغيرهن، رأى أن تحريمهن لما كان تحريماً مستقراً، وأنهن غيرُ محل الوطء شرعاً، كان استيفاءُ هذه المنفعة منهن بمنزلة التلوط، فلا يوجب مهراً وهذا قولُ الشعبي، وهذا بخلاف تحريم المصاهرة، فإنه عارض يُمكن زوالُه. قال صاحب ((المغني)): وهكذا ينبغي أن يكون الحكم فيمن حرمت بالرضاع، لأِنَّهُ طَارىءٌ أيضاً. ومن فرَّق في ذوات المحارم، بينَ مَنْ تحرم ابنتها، وبين من لا تحرُم، فكأنه رأى أن من لا تحرم ابنتها تحريمها أخف مِن تحريم الأخرى، فأشبه العارض. فإن قيل: فما حكمُ المكرهة على الوطء في دُبرها، أو الأمة المطاوعة على. ذلك؟ قيل: هو أولى بعدم الوجوب، فهذا كاللواط لا يجب فيه المهر اتفاقاً. = وفي سنده يحيى بن سليم الطائفي قال الحافظ في ((التقريب»: صدوق سيىء الحفظ . ٦٨٨ وقد اختلف في هذه المسألة الشيخانِ، أبو البركات ابن تيمية، وأبو محمد بن قدامة، فقال أبو البركات في ((محرره)): ويجب مهرُّ المثل للموطوءة بشبهة، والمكرَهَة على الزنى في قبل أو دبر، وقال أبو محمد في ((المغني)): لا يجب المهرُ بالوطء في الدبر، ولا اللواط، لأن الشرع لم يَرِدْ بِبَدَلِه، ولا هو إتلافٌ لشيء، فأشبه القبلة والوطءَ دونَ الفرج، وهذا القولُ هو الصوابُ قطعاً، فإن هذا الفعل لم يجعل له الشارعُ قيمة أصلاً، ولا قدَّر له مهراً بوجه من الوجوه، وقياسُه على وطء الفرج مِن أفسد القياس، ولازم من قاله إيجابُ المهر لمن فعلت به اللوطية مِن الذكور، وهذا لم يقل به أحد ألبتة . فصل وأما المسألة الثانية: وهي الأمة المطاوعة، فهل يجب لها المَهر؟ فيه هل للأمة المطاوعة على قولان. أحدُهما: يجبُ، وهو قولُ الشافعي، وأكثر أصحاب أحمد رحمه الله. الزنى مهر؟ قالوا: لأن لهذه المنفعة لغيرها، فلا يسقط بدلها مجاناً، كما لو أذنت في قطع طرفها. والصوابُ المقطوع به: أنه لا مهر لها، وهذه هي البغيُّ التي نهى رسولُ الله ◌ِّ عن مهرها، وأخبر أنه خبيثٌ، وحكم عليه وعلى ثمنِ الكلب، وأجرِ الكاهن بحكم واحد، والأمة داخلة في هذا الحكم دخولاً أولياً، فلا يجوز تخصيصُها مِن عمومه، لأن الإِماء هن اللاتي كُن يُعرفن بالبغاء، وفيهن وفي ساداتهن أنزل اللّهُ تعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: ٣٣]، فكيف يجوز أن تُخرج الإماء مِن نص أردن به قطعاً، ويُحمل على غيرهن. وأما قولكم: إن منفعتها لسيدها، ولم يأذن في استيفائها، فيقال: هُذه المنفعةُ يملك السيدُ استيفاءها بنفسه، ويملِكُ المعاوضة عليها بعقد النكاحِ أو شبهته، ولا يملِكُ المعاوضَةَ عليها إلا إذا أذنت، ولم يجعل اللّهُ ورسوله للزنى عوضاً قط غير العقوبة، فيفوت على السيد حتى يُقضى له، بل هذا تقويمُ مال ٦٨٩ أهدره اللّهُ ورسولُه، وإثباتُ عِوض حكم الشارعُ بخبثه، وجعله بمنزلة ثمنٍ الكلب، وأجرِ الكاهن، وإن كان عوضاً خبيثاً شرعاً، لم يجز أن يقضي به . ولا يقال: فأجر الحجام خبيث، ويُقضى له به، لأن منفعة الحجامة منفعة مباحة، وتجوز، بل يجبُ على مستأجره أن يُوفيه أجره، فأين هذا مِن المنفعة الخبيثة المحرمة التي عِوضها مِن جنسها، وحُكمه حكمها، وإيجابُ عوض في مقابلة لهذه المعصية، كإيجابٍ عوض في مقابلة اللواط، إذ الشارع لم يجعل في مقابلة لهذا الفعل عوضاً. فإن قيل: فقد جعل في مقابلة الوطء في الفرج عوضاً، وهو المهرُ مِن حيث الجملة، بخلاف اللواطة . قلنا: إنما جعل في مقابلته عوضاً، إذا استوفي بعقد أو بشبهة عقد، ولم يجعل له عوضاً إذا استوفي بزنى محض لا شُبهة فيه، وبالله التوفيق. ولم يُعرف في الإِسلام قط أن زانياً قضي عليه بالمهر للمزني بها، ولا ريب أن المسلمين يرون لهذا قبيحاً، فهو عند الله عز وجل قبيح. فصل فإن قيل: فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته، ثم تابت، هل يجبُ عليها ردُّ ما قبضته إلى أربابه، أم يطيبُ لها، أم تصدَّق به؟ ما تفعل الزانية بكسبها إذا قبضته ثم تابت؟ قيل: لهذا ينبني على قاعدة عظيمة مِن قواعد الإِسلام، وهي أن مَن قبض ما ليس له قبضُه شرعاً، ثم أراد التخلصَ منه، فإن كان المقبوضُ قد أُخِذَ بغير رضى صاحبه، ولا استوفی عِوضه، ردّه عليه. فإن تعذّر ردُّه عليه، قضى به ديناً يعلمه عليه، فإن تعذَّر ذلك، رده إلى ورثته، فإن تعذَّر ذلك، تصدق به عنه، فإن اختار صاحبُ الحق ثوابَه يوم القيامة، كان له. وإن أبى إلا أن يأخذ مِن حسنات القابض، استوفى منه نظيرَ ماله، وكان ثوابُ الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم. ٦٩٠ وإن كان المقبوضُ برضی الدافع وقد استوفی عوضه المحرم، کمن عاوض على خمر أو خنزير، أو على زنى أو فاحشة، فهذا لا يجبُ ردُّ العوض على الدافع، لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوزُ أن يجمع له بينَ العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسير أصحاب المعاصي عليه. وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذاً علم أنه ينال غرضه، ويسترِد ماله، فهذا مما تُصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغُ القولُ به، وهو يتضمن الجمْع بين الظلم والفاحشة والغدر. ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ثم يرجع فيما أعطاها قهراً، وقبح لهذا مستقر في فِطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة، ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسولُ الله ◌َّةٍ، ولكن خبثه لخبث مكسبه، لا لظلم من أخذ منه، فطریقُ التخلص منه، وتمام التوبة بالصدقة به، فإن كان محتاجاً إليه، فله أن يأخذ قدر حاجته، ويتصدق بالباقي، فهذا حکمُ کل کسب خبيث لِخبث عوضه عيناً كان أو منفعة، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوبُ رده على الدافع، فإن النبي ◌َّ حكم بخُبثٍ کسبِ الحجام، ولا یجب ردُّه علی دافعه. فإن قيل: فالدافع مَالَه في مقابلة العوض المحرم دفع ما لا يجوزُ دفعه، بل حجر عليه فيه الشارع، فلم يقع قبضُه موقعه، بل وجودُ هذا القبض كعدمه، فيجب ردُّه على مالكه، كما لو تبرع المريضُ لوارثه بشيء، أو لأَجنبي بزيادة على الثلث، أو تبرَّع المحجورُ عليه بفلس، أو سفه، أو تبرع المضطرُ إلى قوته بذلك، ونحو ذلك. وسر المسألة أنه محجورٌ عليه شرعاً في هذا الدفع فيجب ردُّه. قيل: هذا قياس فاسد، لأن الدفع في هذه الصور تبرئٌ محض لم يُعاوض عليه، والشارع قد منعه منه لتعلق حق غيره به، أو حق نفسه المقدمة على غيره، وأما ما نحن فيه، فهو قد عاوض بماله على استيفاء منفعة، أو استهلاك عينٍ محرمة، فقد قبض عوضاً محرماً، وأقبض مالاً محرماً، فاستوفى ما لا يجوز استيفاؤه، وبذل فيه ما لا يجوزُ بذلُه، فالقابضُ قبض مالاً محرماً، والدافعُ ٦٩١ استوفى ◌ِوضاً محرماً، وقضيةُ العدل ترادُ العوضين، لكن قد تعذر ردُّ أحدهما، فلا يُوجب رد الآخر من غير رجوع عوضه. نعم لو كان الخمر قائماً بعينه لم يستهلكه، أو دفع إليها المال ولم يفجر بها، وجب ردُّ المال في الصورتين قطعاً كما في سائر العقود الباطلة إذا لم يتصل بها القبضُ. فإن قيل: وأيُّ تأثير لهذا القبض المحرم حتى جعل له حرمة، ومعلوم أن قبضَ ما لا يجوز قبضُه بمنزلة عدمه، إذ الممنوعُ شرعاً كالممنوع حساً، فقابضُ المال قبضه بغير حق، فعليه أن يَرُدَّهُ إلى دافعه؟ قيل: والدافع قبض العين، واستوفى المنفعة بغير حق، كلاهما قد اشتركا في دفع ما ليس لهما دفعه، وقبض ما ليس لهما قبضه، وكلاهما عاصٍ لله، فكيف يُخص أحدهما بأن يجمع له بين العوض والمعوض عنه، ويفوتُ على الآخر العوض والمعوض. فإن قيل: هو فوَّتَ المنفعة على نفسه باختياره. قيل: والآخر فوَّت العوض على نفسه باختياره، فلا فرق بينهما، وهذا واضح بحمد الله . وقد توقف شيخنا في وجوب ردِّ عوض لهذه المنفعة المحرمة على باذله، أو الصدقة به في كتاب ((اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم))، وقال: الزاني، ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المالَ عن طيب نفوسهم، فاستوفوا العوضَ المحرم، والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحقِّ الله تعالى، وقد فاتت لهذه المنفعةُ بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحدَ العوضين، ردَّ الآخر، فإذا تعذر على المستأجر ردُّ المنفعة لم يرد عليه المال، وهذا الذي استوفيت منفعتُه عليه ضرر في أخذ منفعته، وأخذ عوضها جميعاً منه، بخلاف ما إذا كان العوض خمراً أو ميتة، فإن تلك لا ضرر عليه في فواتها، فإنها لو كانت باقية لأتلفناها عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت، لتوفرت عليه بحيث كان يتمكن من صربف تلك المنفعة في أمر آخر، أعني من صرف القوة التي ٦٩٢ عمل بها. ثم أورد على نفسه سؤالاً، فقال: فيقال على لهذا فينبغي أن تقضوا بها إذا طالب بقبضها. وأجاب عنه بأن قال: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض لم يحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض لم يُحكم بالرد، ولكن المسلم تحرم عليه لهذه الأجرة، لأنه كان معتقداً لتحريمها بخلاف الكافر، وذلك لأنه إذا طلب الأجرة، فقلنا له: أنت فرطت حيث صرفت قوتَك في عمل يحرم، فلا يُقضى لك بالأجرة. فإذا قبضها، وقال الدافع هذا المال: اقضوا لي برده، فإني أقبضته إياه عوضاً عن منفعة محرمة، قلنا له: دفعته معاوضة رضيتَ بها، فإذا طلبت استرجاع ما أخذ، فاردد إليه ما أخذت إذا كان له في بقائه معه منفعة، فهذا محتمل. قال: وإن كان ظاهرُ القياس، ردها لأنها مقبوضة بعقد فاسد، انتهى. وقد نص أحمد في رواية أبي النضر، فيمن حمل خمراً، أو خنزيراً، أو ميتة النصراني: أكرهُ أكلَ كرائه، ولكن يُقضى للحمال بالكراء. وإذا كان لمسلم، فهو أشدُّ كراهة. فاختلف أصحابه في هذا النص على ثلاث طرق. هل لمن حمل خمراً أو ميتة أو خنزيراً لنصراني کراء؟ إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدة. قال ابنُ أبي موسى: وكره أحمد أن يُؤجر المسلم نفسَه لحمل ميتة أو خنزير لنصراني. فإن فعل، قضي له بالكراء، وهل يطيبُ له أم لا؟ على وجهين. أوجههما: أنه لا يطيبُ له، ويتصدَّقُ به، وكذا ذكر أبو الحسن الآمدي، قال: إذا أجر نفسه من رجل في حمل خمر، أو خنزير، أو ميتة، كره، نص عليه، ولهذه كراهة تحريم، لأن النبي ◌َّ لعن حاملها. إذا ثبت ذلك، فيقضى له بالكراء، وغير ممتنع أن يُقضى له بالكراء، وإن كان محرماً، كإجارة الحجام انتهى. فقد صرَّح هؤلاء، بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمة عليه على الصحيح. الطريق الثانية: تأويلُ هذه الرواية بما يُخالف ظاهرها، وجعل المسألة رواية واحدة، وهي أن لهذه الإِجارة لا تصِح، وهذه طريقة القاضي في ((المجرد))، وهي طريقة ضعيفة، وقد رجع عنها في كتبه المتأخرة، فإنه صنف ((المجرد)) قديماً. ٦٩٣ الطريقة الثالثة: تخريجُ هذه المسألة على روايتين إحداهما: أن لهذه الإجارة صحيحة يستحق بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثانية: لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرة وإن حمل. ولهذا على قياس قوله في الخمر: لا يجوز إمساكُها، وتجب إراقتها. قال في رواية أبي طالب؛ إذا أسلم وله خمر أو خنازير، تُصب الخمرُ، وتسرَّحُ الخنازير، وقد حرما عليه، وإن قتلها، فلا بأس. فقد نص أحمد، أنه لا يجوز إمساكُها، ولأنه قد نصَّ في رواية ابن منصور: أنه يكره أن يُؤاجر نفسه لنطارة كرم لنصراني، لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يُباع لغير الخمر، فقد منع من إجارة نفسه على حمل الخمر، وهذه طريقة القاضي في ((تعليقه)) وعليها أكثر أصحابه، والمنصور عندهم: الرواية المخرجة، وهي عدمُ الصحة، وأنه لا يستحق أجرة، ولا يقضى له بها، وهي مذهب مالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد. ولهذا إذا استأجر على حملها إلى بيته للشرب، أو لأكل الخنزير، أو مطلقاً، فأما إذا استأجره لحملها لِيُريقها، أو لينقل الميتة إلى الصحراء لئلا يُتأذَّى بها، فإن الإجارة تجوزُ حينئذ لأنه عمل مباح، لكن إن كانت الأجرة جلد الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه، رده على صاحبه، هذا قول شيخنا، وهو مذهب مالك. والظاهر: أنه مذهب الشافعي. وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله: فمذهبه كالرواية الأولى، أنه تصح الإِجارة، ويُقضى له بالأجرة، ومأخذه في ذلك، أن الحمل إذا كان مطلقاً، لم يكن المستحق نفسَ حمل الخمر، فذكرهُ وعدمُ ذكره سواء، وله أن يحمل شيئاً آخر غيره، كخل وزيت، وهكذا قال: فيما لو أجره داره، أو حانوته ليتخذها كنيسة، أو ليبيع فيها الخمر، قال أبو بكر الرازي: لا فرق عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيعَ فيها الخمر، أو لا يشترط وهو يعلم أنه يبيعُ فيه الخمر: أن الإِجارة تَصِحُّ، لأنه لا يستحق عليه بعقد الإِجارة فعل هذه الأشياء، وإن شرط ذلك، لأن له أن لا يبيعَ فيه الخمر، ولا يتخذ الدار كنيسة، ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة، فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء، ٦٩٤ كان ذكرها وتركها سواء، كما لو اكترى داراً لينام فيها أو ليسكنها، فإن الأجرة تستحق عليه، وإن لم يفعل ذلك، وكذا يقول: فيما إذا استأجر رجلاً ليحمل خمراً أو ميتة، أو خنزيراً: أنه يصح، لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمله بدلَه عصيراً استحق الأجرة، فهذا التقييدُ عندهم لغو، فهو بمنزلة الإِجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزة. وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوز بيعُ العضير لمن يتخذه خمراً، ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة. قال: لأن السلاح معمول للقتال لا يصلح لغيره، وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: ليس المقيد كالمطلق، بل المنفعة المعقودُ عليها هي المستحقةُ، فتكون هي المقابلة بالعوض، وهي منفعة محرمة، وإن كان للمستأجر أن يُقيم غيرها مقامَها، وألزموه فيما لو اكترى داراً لِيتخذها مسجداً، فإنه لا يستحِقُّ عليه فعل المعقودِ عليه، ومع هذا فإنه أبطل لهذه الإِجارة بناء على أنها اقتضت فعلَ الصلاة، وهي لا تستحقُّ بعقد إجارة. ونازعه أصحاب أحمد ومالك في المقدمة الثانية، وقالوا: إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم، حرمت الإِجارة، لأن النبيَّ بَّ لعن عاصِرَ الخمر ومعتصرها، والعاصر إنما يعصِرُ عصيراً، ولكن لما علم أن المعتصِرَ يريد أن يتخذه خمراً، فيعصره له، استحق اللعنة. قالوا: وأيضاً فإن في هذا معاونة على نفس ما يَسْخَطُهُ اللّهُ ويُبغضه، ويلعنُ فاعله، فأصولُ الشرع وقواعدُه تقتضي تحريمَه وبطلان العقد عليه، وسيأتي مزيد تقرير هذا عند الكلام على حكمه ول# بتحريم العينة وما يترتب عليها من العقوبة. قال شيخنا: والأشبهُ طريقةُ ابن موسى، يعني أنه يُقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة، ولكن لا يطيبُ له أكلُها. قال: فإنها أقربُ إلى مقصود أحمد، وأقربُ إلى القياس، وذلك لأن النبي ◌َّلعن عاصر الخمر، ومعتصرها، وحامِلَها، والمحمولة إليه. فالعاصر والحامِل، قد عاوضا على منفعة تستحق ٦٩٥ عوضاً، وهي ليست محرمةً في نفسها، وإنما حُرّمت بقصد المعتصر والمستحمل، فهو كما لو باع عنباً وعصيراً لمن يتخذه خمراً، وفات العصيرُ والخمر في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجاناً، بل يُقضى له بعوضه. كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر، لا تذهب مجاناً، بل يُعطى بدلها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر، لا من جهة المؤجر، فإنه لو حملها للإِراقة، أو لإِخراجها إلى الصحراء خشبة التأذي بها، جاز. ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنى أو التلوط أو القتل أو السرقة، فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر، فهو كما لو باع ميتة أو خمراً، فإنه لا یقضی له بثمنها، لأن نفس لهذه العين محرمة، وكذلك لا يُقضى له بعوض لهذه المنفعة المحرمة. قال شيخنا: ومثلُ هذه الإِجارة، والجعالة، يعني الإِجارة على حمل الخمر والميتة، لا تُوصف بالصحة مطلقاً، ولا بالفساد مطلقاً، بل يقال: هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه يجب عليه العوض، وفاسدة بالنسبة إلى الأجير، بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاعُ بالأجر، ولهذا في الشريعة نظائر. قال: ولا يُنافي هذا نصُّ أحمد على كراهة نطارة كرم النصراني، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه، ثم نقضي له بكرائه، قال: ولو لم يفعل هذا، لكان في هذا منفعة عظيمةٌ للعصاة، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينُون به على المعصية قد حصلوا غرضَهم منه، فإذا لم يعطوه شيئاً، ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم، كان ذلك أعظمَ العون لهم، وليسوا بأهلٍ أن يُعاونوا على ذلك، بخلاف من سَلَّم إليهم عملاً لا قيمة له بحال، يعني كالزانية، والمغني، والنائحة، فإن هؤلاء لا يُقضى لهم بأجرة، ولو قبضوا منهم المال، فهل يلزمُهم ردُّه عليهم، أم يتصدقون به؟ فقد تقدم الكلام مستوفى في ذلك، وبينا أن الصواب أنه لا يلزمهم رده، ولا يطيبُ لهم أكله، والله الموفق للصواب. فصل الحكم الخامس: حلوان الكاهن. قال أبو عمر بن عبد البر: لا خلاف في تحريم حلوان الكاهن ٦٩٦ حُلوان الكاهن أنه ما يُعطاه على كهانته، وهو مِن أكل المال بالباطل، والحلوان في أصل اللغة: العطية. قال: علقمةُ: فَمَنْ رَجُلٌ أَخْلُوهُ رَحْلي ونَاقَتِي يُبلِّغُ عَنِّي الشِّعْرَ إِذْ مَاتَ قَائِلُهُ(١) انتھی. وتحريمُ حُلوان الكاهن تنبيه على تحريم حُلوان المنجم، والزاجر، وصاحب القُرعة التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصا، والعرَّاف، والرَّمَّال ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبارُ عن المغيبات، وقد نهى النبيُّ رَّة عن إتيان الكُهَّانِ، وأخبر أن ((مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَصَدَّقه بما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرِ بِمَا أنزل عليه ◌َِّ))(٢) ولا ريبَ أن الإِيمانَ بما جاء به محمَّدٌ مَ﴿، وبما يجيء به هؤلاء، لا يجتمعانِ في قلب واحد، وإن كان أحدُهم قد يَصْدُقُ أحياناً، فصِدقُه بالنسبة إلى كذبه قليلٌ من كثير، وشيطانُه الذي يأتيه بالأخبار لا بُد له أن يَصْدُقَه أحياناً لِيُغْويَ به الناس، ویفتنهم به . وأكثر الناس مستجيبون لهؤلاء، مؤمنون بهم، ولا سيما ضعفاء العقول، كالشُّفهاء، والجُهَّالِ، والنِّساء، وأهل البوادي، ومن لا عِلْمَ لهم بحقائق الإِيمان، فهؤلاء هم المفتونون بهم، وكثيرٌ منهم يُحْسِنُ الظنَّ بأحدهم، ولو كان مشركاً كافراً بالله مجاهراً بذلك، ويزوره، وينذر له، ويلتمِسُ دعاءه. فقد رأينا وسمِعْنَا من ذُلك كَثِيراً، وسببُ هذا كله خفاءُ ما بعث اللّهُ به رسوله من الهدى ودين الحق على هؤلاء وأمثالهم، ﴿ومَنْ لم يجعل اللّهُ له نوراً فما له من نور﴾ وقد قال الصحابة رضي الله عنهم النبي ◌ُِّ: إنَّ هؤلاءِ يُحدثوننا أحياناً بالأمر، فيكونُ كما (١) ديوان علقمة ص ١٣١ واللسان: جلا، ونقل عن ابن بري أنه يروي لضابىء البرجمي. (٢) أخرجه أحمد ٤٢٩/٢ من حديث أبي هريرة، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٨/١. ٦٩٧ قالوا، فأخبرهم أنَّ ذُلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّيَاطِين، يُلْقُونَ إِلَيْهِمُ الكَلِمَةَ تَكُونُ حقَاً، فَيَزِيدُون هُمْ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ(١) فَيُصَدَّقُونَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الكَلِمَةِ. وأما أصحابُ الملاحم، فرَّبُوا ملاحِمَهمَ من أشياء. ما تتركب عليه الملاحم أحدها: من أخبار الكهان. والثاني: من أخبارٍ منقولة عن الكتب السالفة متوارثة بينَ أهل الكتاب. والثالث: من أمور أَخْبَرَ نبِيُّنا ◌َلّ بها جملة وتفصيلاً. والرابع: من أمور أخبر بها من له كشف مِن الصحابة ومَن بعدهم. والخامس: من منامات متواطئة على أمر كُلي وجزئي. فالجزئي: يذكرونه بعينه، والكُلي: يُفصلونه بحدس وقرائن تكون حقاً أو تقارب. والسادس: مِن استدلال بآثار علوية جعلها الله تعالى علامات وأدلة وأسباباً لحوادث أرضية لا يعلمُها أكثرُ الناس، فإن الله سبحانه لم يخلق شيئاً سدى ولا عبثاً. وربط سبحانه العالَم العُلوي بالشُّفلي، وجعل عُلويه مؤثراً في سُفليه دن العكس، فالشمس، والقمرُ لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإن كان كسوفُهما لِسبب شر يحدث في الأرض، ولهذا شرع سُبحانه تغييرَ الشرِ عند كُسوفهما بما يدفع ذلك الشرَّ المتوقَّعَ مِن الصلاة والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار والعتق، فإن هذه الأشياءَ تُعارضُ أسباب الشر، وتُقاومها، وتدفع موجباتها إن قويت عليها . وقد جعل اللّهُ سبحانه حركةَ الشمس والقمر، واختلافَ مطالعهما سبباً للفصول التي هي سببُ الحر والبرد، والشتاء والصيف، وما يحدُث فيهما مما يليق بكُلِّ فصل منها، فمن له اعتناء بحركاتهما، واختلاف مطالعهما، يستدِلُّ (١) أخرجه البخاري ١٨٦،١٨٥/١٠، ومسلم (٢٢٢٨) من حديث عائشة رضي الله عنها . ٦٩٨ بذلك على ما يحدث في النبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمر يعرفه كثيرٌ من أهل الفلاحة والزراعة، ونواتي السفن لهم استدلالاتٌ بأحوالهما وأحوالِ الكواكب على أسباب السلامةِ والعطبِ مِن اختلاف الرياح وقوتها وعُصوفها، لا تكاد تَخْتَلُّ. والأطباءُ لهم استدلالات بأحوال القمر والشمس على اختلاف طبيعة الإنسان وتهيئها لقبول التغير، واستعدادها لأمور غريبة ونحو ذلك. وواضعو الملاحم لهم عناية شديدة بهذا، وأمور متوارثَة عن قدماء المنجمين، ثم يستنتجون مِن هذا كُلِّه قياسات وأحكاماً تشبه ما تقدم ونظيره. وسنة الله في خلقه جارية على سنن اقتضته حكمته، فَحَكم النظير حکمُ نظيره، وحكمُ الشيء حكم مثله، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاءِ والقدر، واعتبار بعضه ببعض، والاستدلال ببعضه على بعض، كما صرف أئمة الشرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشرع، واعتبار بعضه ببعض، والاستدلال ببعضه على بعض، والله سبحانه له الخلق والأمر، ومصدر خلقه وأمره عن حكمة لا تختل ولا تتعطل ولا تنتقِضُ، ومن صرف قوى ذهنه وفكره، واستنفد ساعاتٍ عمره في شيءٍ مِن أحكام هذا العالم وعلمه، كان له فيه من النفوذ والمعرفة والاطلاع ما ليس لغيره. ويكفي الاعتبارُ بفرع واحدٍ من فروعه، وهو عبارة الرؤيا، فإن العبد إذا نفذ فيها، وكَمُل اطلاعه، جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرُنا مِن ذلك أموراً عجيبةٌ، يحكم فيها المعبِّرُ بأحكام متلازمة صادقة، سريعة وبطيئة، ويقول سامعها: هُذه علم غيب. وإنما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسبابٍ انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره، والشارع صلوات الله عليه حرم من تعاطي ذلك ما مضرتُه راجحة على منفعته، أو ما لا منفعة فيه، أو ما يُخشى على صاحبه أن يجرَّه إلى الشرك، وحرم بذل المال في ذُلك، وحرم أخذه به صيانة للأمة عما يُفسد عليها الإِيمان أو يخدِشُه، بخلاف علم عبارة الرؤيا، فإنه حقٌّ لا باطل، لأن الرؤيا ٦٩٩ مستندة إلى الوحي المنامي، وهي جزء من أجزاء النبوة، ولهذا كُلَّما كان الرائي أصدقَ، كانت رؤياه أصدقَ، وكلما كان المعبِّرُ أصدق، وأبر وأعلم، كان تعبيرُه أصحَّ، بخلاف الكاهن والمنجم وأضرابهما ممن لهم مدد من إخوانهم من الشياطين، فإن صناعتهم لا تَصِحُّ مِن صادق ولا بار، ولا متقيد بالشريعة، بل هم أشبهُ بالسحرة الذين كلما كان أحدُهم أكذبَ وأفجرَ، وأبعدَ عن الله ورسوله ودينه، كان السحرُ معه أقوى وأشدَّ تأثيراً، بخلاف علم الشرع والحق، فإن صاحبَه كلما كان أبرَّ وأصدقَ وأدينَ، كان علمه به ونفوذه فيه أقوى، وبالله التوفيق . فصل الحكم السادس: خبثُ كسبِ الحجّام، ويدخُلُ فيه الفاصد والشارِط، وكل من يكون كسبُه من إخراج الدم، ولا يدخل فيه الطبيبُ، ولا الكخَّال ولا البيطارُ لا في لفظه ولا في معناه، وصحَّ عن النبيِّ بَِّ ((أنَّه حكم بخُبته وأَمَرَ صَاحِبَه أَنْ يَعْلِفَه نَاضِحَه أَوْ رَقِيقَهُ)»(١) وصحَّ عنه أنه احتجمَ وأعطى الحجامَ أجرَهُ»(٢) . خبث كسب الحجام (١) أخرجه مالك برواية أبي مصعب كما في ((شرح السنة)) ١٨/٨، وأبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧) وابن ماجه (٢١٦٦) وأحمد ٤٣٦/٥ من حديث ابن شهاب الزهري، عن ابن محيصة أحد بني حارثة، عن أبيه ... وإسناده صحيح، وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣٧٧/٤ ورجاله ثقات، وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند أحمد ٣٠٧/٣ و٣٨١، وإسناده صحيح، وعن رافع بن خديج عند أحمد ١٤١/٤ . (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ) ٩٧٤/٢ في الاستئذان: باب ما جاء في الحجامة وأجرة الحجام، والبخاري ٢٧٢/٤ في البيوع: باب ذكر الحجام، وباب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون، وفي الإِجارة: باب ضَريبة العبد، وتعاهد ضرائب الإماء، وباب من كلم موالي العبد أن يخففوا من خراجه، وفي الطب: باب الحجامة من الداء، وأخرجه مسلم (١٥٧٧) في المساقاة: باب حل أجرة الحجامة من حديث أنس بن مالك قال: حجم رسولَ الله وَله أبو طيبة، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه. ٧٠٠