Indexed OCR Text

Pages 601-620

واحدة بائنة، فإذا كان لا يملِك إسقاط الرجعة، فكيف يملِكُ إثباتَ التحريم الذي
لا تعود بعده إلا بزوجٍ وإصابة؟
فإن قيل: فلازم هذا أنه لا يملكه ولو بعد اثنتين، قلنا: ليس ذلك بلازم،
فإن الله سبحانه ملكه الطلاق على وجه معين، وهو أن يطلق واحدة، ويكون أحق
برجعتها ما لم تنقض عدتها، ثم إن شاء طلق الثانية كذلك، ويبقى له واحدةٌ،
وأخبر أنه إن أوقعها، حَرُمَتْ عليه، ولا تعود إليه إلا أن تتزوج غيره، ويُصيبها
ويُفارقها، فهذا هو الذي ملكه إياه، لم يُملِّكه أن يُحرمها ابتداء تحريماً تاماً من
غير تقدم تطليقتين. وبالله التوفيق.
فصل
قد ذكرنا حكم رسول الله ميل في المختلعة أنها تعتد بحيضة، وأن هذا
مذهب عثمان بن عفان، وابن عباس، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في
إحدى الروايتين عنه، اختارها شيخنا. ونحن نذكر الأحاديث بذلك بإسنادها.
عدة المختلفة
قال النسائي في ((سننه الكبير)): باب في عدة المختلعة. أخبرني أبو علي
محمد بن یحیی المروزي، حدثنا شاذان عبد العزيز بن عثمان أخو عبدان، حدثنا
أبي، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني محمد بن
عبد الرحمن، أن رُبَيِّع بنتَ معوِّذ بنِ عفراء، أخبرته أن ثابت بن قيس بن شماس
ضرب امرأته، فكسرَ يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فجاء أخوها يشتكيه
إلى رسولِ الله ◌َِّ، فأرسل رسولُ اللّهِ بِـّ إلى ثابت، فقال: ((خُذ الذي لها
عليك، وخلِّ سبيلها)) فقال: نعم، فأمرها رسول الله يخ يلٍ أن تتربص حيضة
واحدة، وتلحق بأهلها(١) .
أخبرنا عُبِيدُ اللّهِ بنُ سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني عمي، قال:
أخبرنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت،
(١) سنده حسن، وهو في ((المُجْتَبى)) المطبوع ١٨٦/٦ في الطلاق: باب عدة المختلعة.
٦٠١

عن رُبَيِّعٍ بنتِ معوِّذ، قال: قلتُ لها: حدثيني حديثَك، قالت: اختلعتُ من
زوجي، ثم جئتُ عثمان، فسألتُ ماذا عليَّ مِن العِدة، قال: لا عِدة عَلَيْكِ إلا أن
يكونَ حديثَ عهد بك فتمكثين حتى تحيضي حَيضة. قالت: وإنما تَبَعَ في ذلك
قضاءَ رسول الله ◌َِّ فِي مريم المَغَالِیّة، كانت تحتَ ثابتِ بنِ قیس بن شماس،
فاختلعت منه(١).
وروی عكرمةُ عن ابن عباس رضي الله عنه، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت
منه، فجعل رسولُ الله ◌ِّ عِدَّتَها حيضة. رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحيم
البزاز، عن علي بن بحر القطان، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن
مسلم، عن عكرمة(٢). ورواه الترمذي: عن محمد بن عبد الرحيم بهذا السند
بعينه. وقال: حديث حسن غريب.
ولهذا كما أنه موجبُ السنة وقضاء رسول الله صَ﴾ٍ، وموافقٌ لأقوالِ
الصحابة، فهو مقتضى القياس، فإنه استبراءٌ لمجرد العلم ببراءة الرحم، فكفت
فيه حيضة، كالمسبية والأمة المستبرأة، والحرة، والمهاجرة، والزانية إذا أرادت
أن تنکحَ.
وقد تقدم أن الشارع مِن تمام حكمته جعل عِدة الرجعية ثلاثة قروء لمصلحة
المطلق، والمرأة ليطول زمان الرجعة، وقد تقدم النقصُ على هذه الحكمة،
والجواب عنه.
(١) أخرجه النسائي ١٨٦/٦، ١٨٧، وابن ماجه (٢٠٥٨) في الطلاق: باب عدة
المختلعة، وإسناده قوي.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٢٩) في الطلاق: باب في الخلع، والترمذي (١١٨٥) في
الطلاق: باب ما جاء في الخلع، والبيهقي ٧/ ٤٥٠ وسنده حسن كما قال الترمذي
ورواه عبد الرزاق (١١٨٥٨) عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن
النبي ◌َّةٍ مرسلاً.
٦٠٢

ذكر حكم رسول الله ملة باعتداد المتوفى عنها في منزلها
الذي توفي زوجها وهي فيه وإنه غيرُ مخالف لِحكمه
بخروج المبتونة واعتدادها حيث شاءت
ثبت في «السنن)): عن زينبَ بنتِ كعب بن عُجرة، عن الفُريعة بنت مالك
أخت أبي سعيد الخُدري، أنها جاءت إلى رسول الله # تسأله أن ترجعَ إلى أهلها
في بني خُدرة، فإن زوجها خرج في طلب أَعْبُدٍ له أَبَُّوا، حتى إذا كانُوا بطرف
القُدُوم، لحقهم فقتلُوه، فسألتُ رسول الله بَّي أن أرجع إلى أهلي، فإن لم يتركني
في مسكن يَمَلِكُه ولا نفقة، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((نعم)) فخرجتُ حتى إذا كُنْتُ في
الحجرة أو في المسجد، دعاني أو أمر بي فدعيتُ له، فقال: «كيف قُلتِ»؟
فرددتُ عليه القِصةَ التي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: ((امْكُنِي فِي بَيْتِك
حَتَّى يَبْلِغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ))، قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما
كان عثمان، أرسل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فقضى به، واتبعه(١).
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال أبو عمر بن عبد البر: هذا
حديثٌ مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق. وقال أبو محمد بن حزم:
لهذا الحديث لا يثبت، فإن زينب هذه مجهولة، لم يروِ حديثَها غير سعد بن
إسحاق كعب وهو غير مشهور بالعدالة، ومالك رحمه الله وغيره يقول فيه:
---
(١) أخرجه مالك ٥٩١/٢ في الطلاق: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى
تحل، وأبو داود (٢٣٠٠) في الطلاق: باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي
(١٢٠٤) في الطلاق: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، وابن ماجه (٢٠٣١) في
الطلاق: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي ١٦٨/٢، وأحمد ٣٧٠/٦
و٤٢٠، والنسائي ١٩٩/٦ في الطلاق: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى
تحل، والشافعي في ((الرسالة)) (١٢١٤) وأبو داود الطيالسي في ((مسنده)) رقم
(١٦٦٤) وإسناده قوي، وصححه ابن حبان (١٣٣٢) والحاكم ٢٠٨/٢ وأقره
الذهبي، ونقل الحاكم تصحيحه عن محمد بن يحيى الذمنه ..
٦٠٣

سعد بن إسحاق، وسفيان يقول: سعيد. وما قاله أبو محمد غيرُ صحيح،
فالحديث حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق، وأدخله مالك في
«موطئه)»، واحتج به، وبنی علیه مذهبه.
وأما قوله: إن زينب بنت كعب مجهولة، فنعم مجهولةٌ عنده، فكان ماذا؟
وزينبُ هذه من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها سعد بن إسحاق بن
كعب، وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبان في كتاب الثقات. والذي غر أبا محمد
قولُ علي بن المديني: لم يرو عنها غيرُ سعد بن إسحاق وقد روينا في ((مسند
الإِمام أحمد)): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن
عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجرة، عن
عمته زينبَ بنتِ كعب بن عُجرة وكانت عند أبي سعيد الخُدري، عن أبي سعيد،
قال: اشتكى الناسُ علياً رضي الله عنه، فقام النبيَُّ﴾ خطيباً، فسمعتُه يقول: ((يَا
أيُّها النَّاسُ لا تَشْكُوا عَلِيّاً، فَواللهِ إنَّه لأَخْشَنُ في ذَاتِ اللّهِ أو في سَبِيلِ اللّهِ))(١)،
فهذه امرأة تابعية كانت تحتَ صحابي، وروى عنها الثقات، ولم يُطعن فيها
بحرف، واحتج الأئمة بحديثها وصححوه.
وأَما قولُه: إن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة، فقد قال إسحاق بن
منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وقال النسائي أيضاً، والدار قطني أيضاً: ثقة.
وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في کتاب الثقات، وقد روى عنه الناس :
حمادُ بن زيد، وسفيانُ الثوري، وعبدُ العزيز الدراوردي، وابنُ جريج،
ومالكُ بن أنس، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، وهو أكبرُ منه،
وحاتمُ بن إسماعيل وداودُ بن قيس، وخلق سواهم من الأئمة، ولم يُعلم فيه قدح
ولا جرح ألبتة، ومثل هذا يُحتج به اتفاقاً.
وقد اختلف الصحابةُ رضي الله عنهم ومَنْ بعدهم في حكم هذه المسألة،
اختلاف الفقهاء في هذه
المسألة
(١) أخرجه أحمد ٨٦/٣، وسنده جيد كما قال الحافظ في ((التهذيب)).
٦٠٤

فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة
رضي الله عنها. أنها كانت تُفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها، وخرجت من أفتى بخروج المتوفى
بأختها أمّ كلثوم حين قُتِلَ عنها طلحة بن عبيد الله إلى مكة في عمرة(١).
عنها زوجها ومن قال:
تعتد حيث شاءت
ومن طريق عبد الرزاق: أخبرنا ابنُ جريج، أخبرني عطاء، عن ابن عباس
أنه قال: إنما قالَ اللّهُ عز وجل: تعتد أربعة أشهر وعشراً، ولم يقل: تعتد في
بيتها، فتعتد حيث شاءت(٢) وهذا الحديث سمعه عطاء من ابن عباس، فإن
علي بن المديني: قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال:
سمعتُ ابنَ عباس يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُم ويَدْرُونَ أَزْوَاجاً
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾، ولم يقل: يَعْتَدِدْنَ في بيوتهن، تعتَدُّ حيث
شاءت. قال سفيان: قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا .
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرَ بن
عبد الله يقول: تعتدُّ المتوفَّى عنها حيثُ شاءت (٣).
وقال عبد الرزاق عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كان يُرخِّلُ المتوفَّى عنهن في عدتهن (٤).
وذكر عبد الرزاق أيضاً، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن
طاووس وعطاء، قالا جميعاً: المبتوتة والمتوفي عنها تَحُجَّانِ وتعتمِرَان، وتنتقلان
وتبیتان(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٤) وإسناده صحيح.
(٢)
أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥١) وإسناده صحيح.
(٣)
أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٩) وإسناده صحيح.
أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٦) وإسناده صحيح، وأخرجه البيهقي ٤٣٦/٧ .
(٤)
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٦٠) ورجاله ثقات.
٪

وذكر أيضاً عن ابن جريج، عن عطاء قال: لاَ يَضُّ المتوفَّى عنها أينَ
اعتدت(١).
وقال ابنُ عُيينة: عن عمرو بن دينار، عن عطاء وأبي الشعثاء، قالا جميعاً:
المتوفَّى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت(٢).
وذكر ابنُ أبي شيبة، حدثنا عبد الوهّاب الثقفي، عن حبيب المعلم، قال:
سألتُ عطاء عن المطلقة ثلاثاً، والمتوفَّى عنها، أتَحُجَّان في عِدتهما؟ قال:
نعم(٣). وكان الحسن يقولُ بمثل ذلك.
وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن حنين بن أبي حكيم، أن امرأة
مُزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة، سألت عمر بن عبد العزيز، أأمكث حتى
تنقضيَ عِدتي؟ فقال لها: بل الحقي بقرارك ودار أبيك، فاعتدي فيها (٤).
قال ابن وهب: وأخبرني يحيى بنُ أيوب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه
قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأتُه، وله بها دار، وله بالفُسطاط دار،
فقال: إن أحبَّت أن تعتدَّ حيثُ توفِّيَ زوجُها فلتعتد، وإن أحبَّتْ أن ترجِعَ إلى دار
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٥٠) والبيهقي ٤٣٥/٧.
(٢) رجاله ثقات، وذكره في ((المحلَّى)) ٢٨٥/١٠ من طريق إسماعيل بن إسحاق
القاضي، عن علي بن المديني، عن ابن عيينة.
(٣) رجاله ثقات.
(٤) رجاله ثقات، وخناصرة بليدة من أعمال حلب تحاذي قنسرين نحو البادية، وذكرها
المتنبي فقال:
وكُلُّ نفس تُحِبُّ مَحياهَا
أُحِبُ حِمصاً إلى خُنَاصِرةٍ
سنانَ وثَغْرِّي على حُمْيَّاها
حيثُ التقى خدُّها وتُفاح لبـ
شَتَوْتُ بالصَّحصَحانِ مشتاها
وصِفتُ فيها مصيفَ بادِيَةٍ
أو ذُكِرَت حِلَّة غَزْونَاها
إن أعشَبَتْ روضَةٌ رعيناها
٦٠٦

زوجها وقراره بالفُسطاط، فتعتد فيها فلترجع(١) .
قال ابن وهب: وأخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشج، قال:
سألتُ سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجُها إلى بلد فيتوفى؟ قال:
تعتد حيث توفي عنها زوجها، أو ترجعُ إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها (٢)
وهذا مذهبُ أهل الظاهر كُلِّهم.
ولأصحاب هذا القولِ حُجتان، احتج بهما ابنُ عباس، وقد حكينا
إحداهما، وهي: أن الله سبحانه إنما أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر، ولم يأمرها
بمکان معین.
والثانية: ما رواه أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثنا
موسى بن مسعود، حدثنا شِبل، عن ابن أبي نجيح، قال: قال عطاء: قال ابن
عباس: نسخت هذه الآية عدتَها عندَ أهلها، فتعتد حيثُ شاءت، وهو قولُ الله
عز وجل ﴿غيرَ إخراج﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله، وسكنت في
وصيتها، وإن شاءت، خرجت لِقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَئِكُمْ
فيُما فَعَلْنَ﴾، قال عطاء: ثم جاء الميراثُ، فنسخ السكنى، تعتدُّ حيث شاءت(٣).
وقالت طائفة ثانية مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم: تعتدُّ في منزلها التي
توفي زوجها وهي فیه، قال وكيع: حدثنا الثوريُّ، عن منصور، عن مجاهد، عن
سعيد بن المسيِّب، أن عمر ردَّ نِسوة من ذي الحُليفة حاجَّاتٍ أو معتمراتٍ توفي
عنهن أزواجهن(٤).
من قال تعتد في منزلها
التي توفي زوجها وهي
فيه
(١) رجاله ثقات.
(٢)
رجاله ثقات.
أخرجه أبو داود (٢٣٠١) في الطلاق: باب من رأى التحول، والنسائي ٦/ ٢٠٠،
(٣)
والبخاري ٨/ ١٤٥ .
(٤) رجاله ثقات.
٦٠٧

وقال عبدُ الرزاق: حدثنا ابنُ جُريج، أخبرنا حُميدُ الأعرج، عن مجاهد
قال: كان عمر وعثمان يرجعانهن حاجَّاتٍ ومعتمراتٍ من الجُحفة وذي
الحُليفة (١).
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن يوسف بن ماهك عن أمه
مُسيكة، أن امرأة متوفَّى عنها زارت أهلها في عِدتها، فضربها الطلق، فأتْوا
عثمان، فقال: احمِلُوها إلى بيتها وهي تُطْلَقُ (٢).
وذكر أيضاً عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كانت له ابنة
تعتدُّ مِن وفاة زوجها، وكانت تأتيهم بالنَّهار، فَتَحَدَّثُ إليهم، فإذا كان الليل،
أمَرها أن ترجعَ إلى بيتها(٣) .
وقال ابنُ أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي
كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، أن عُمر رخّص للمتوفى عنها أن تأتي
أهلها بياض يومها، وأن زيد بن ثابت لم يُرَخِّص لها إلا في بياض يومها أو
ليلها(٤).
وذكر عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم
النَّخَعي، عن علقمة، قال: سأل ابنَ مسعود نساء من همدان نُعِيَ إليهن
أزواجُهن، فَقُلْنَ: إنا نَسْتَوحِشُ، فقال ابنُ مسعود: تجتمِعْنَ بالنهارِ، ثم ترجعُ كلُّ
امرأة منكن إلى بيتها بالليل(٥).
(١) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (١٤٠٧١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٦٧) ومسيكة لا يعرف حالها، ولا يُحفظ عنها راوٍ غير ابنها،
وباقي رجاله ثقات، ونقله ابن حزم في ((المحلى)) ٢٨٦/١٠.
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (١٢٠٦٤) وسنن سعيد بن منصور رقم (١٣٦٧).
(٤) رجاله ثقات.
(٥) إسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (١٢٠٦٨)، وسنن سعيد بن منصور (١٣٣٧)،
و ((سنن البيهقي)) ٤٣٦/٧ .
٦٠٨

وذكر الحجاج بن المنهال، حدثنا أبو عَوانة، عن منصور، عن إبراهيم، أن
امرأة بعثت إلى أمّ سلمة أمّ المؤمنين رضي الله عنها: إن أبي مريض، وأنا في
عِدة، أفآتيه أُمرضه؟ قالت: نعم ولكن بيتي أحدَ طرفي الليل في بيتك(١).
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن
الشعبي، أنه سُئِلَ عن المتوفَّى عنها: أتخرج في عدتها؟ فقال: كانَ أكثرُ أصحاب
ابن مسعود أشدَّ شيء في ذلك، يقولون: لا تخرُج، وكان الشيخ - يعني علي بن
أبي طالب رضي الله عنه - يُرحلها(٢).
وقال حمّادُ بنُ سلمة: أخبرنا هشام بن عُروة، أن أباه قال: المتوفَّى عنها
زوجُها تعتدُّ في بيتها إلا أن ينتوي أهلُها فتنتوي معهم (٣) .
وقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم، أخبرنا يحيى بن سعيد هو
الأنصاري، أن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيِّب قالوا
في المتوفَّى عنها: لا تبرَحُ حتى تنقضي عِدتُها.
وذكر أيضاً عن ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وجابر، كلاهما
قال في المتوفَّى عنها: لا تخرُجُ.
وذكر وكيع، عن الحسن بن صالح، عن المغيرة، عن إبراهيم في المتوفَّى
عنها: لا بأس أن تخرُجَ بالنهار، ولا تبيتُ عن بيتها.
وذكر حماد بن زيد، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، أن امرأة
تُوفي عنها زوجُها وهي مريضة، فنقلها أهلُها، ثم سألوا، فَكُلُّهم يأمرهم أن تُرد
(١) وأخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٠) من طريق الثوري عن منصور عن إبراهيم، عن رجل من
أسلم، عن أم سلمة ...
(٢) رجاله ثقات.
(٣) وأخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٩) من طريق ابن جريج عن هشام بن عروة، عن أبيه.
٦٠٩
زاد المعاد ج٥-م٢٠

إلى بيت زوجها، قال ابنُ سيرين: فرددناها في نَمَطِ، وهذا قولُ الإِمام أحمد،
ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة رحمهم الله، وأصحابهم، والأوزاعي، وأبي
عُبید، وإسحاق.
قال أبو عُمر بن عبد البر: وبه يقول جماعةُ فقهاء الأمصار بالحجاز،
والشام، والعراق، ومصر.
وحجة هؤلاء حديث الفُريعة بنت مالك، وقد تلقاه عثمانُ بنُ عفان
رضي الله عنه بالقبول، وقضى به بمحضر المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهلُ
المدينة والحجاز والشام، والعراق ومصر بالقبول، ولم يُعْلَمْ أن أحداً منهم طعن
فيه، ولا في رواته، وهذا مالك مع تحريه وتشدُّدِهِ في الرواية. وقوله للسائلِ له
عن رجل: أثقة هو؟ فقال: لو كان ثقة لرأيته في كتبي: قد أدخله في «موطئه»،
وبنی علیه مذهبه.
قالوا: ونحن لا نُنكر النزاعَ بين السلف في المسألة، ولكن السنة تفصِلُ بين
المتنازعين. قال أبو عمر بن عبد البر: أما السنة، فثابتة بحمد الله. وأما الإِجماع،
فسمتغنى عنه مع السنة، لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من
وافقته السنة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: أَخَذَ المترخِّصون في
المتوفَّى عنها بقول عائشة رضي الله عنها، وأخذ أهل العزم والورع بقول ابن
عمر (١).
فإن قيل: فهل ملازمة المنزل حقٍّ عليها، أو حق لها؟ قيل: بل هو حَق
عليها إذا تركه لها الورثة، ولم يكن عليها فيه ضررٌ أو كان المسكن لها، فلو حوَّلها
الوراث، أو طَلَبوا منها الأجرة، لم يلزمها السكن، وجاز لها التحولُ.
هل ملازمة المنزل حق
على المعتدة أو حق لها
(١) ((المصنف)) (١٢٠٨٠).
٦١٠

ثم اختلف أصحابُ هذا القول: هل لها أن تتحول حيثُ شاءت، أو يلزمُها
التحولُ إلى أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة؟ على قولين. فإن خافت هدماً أو
غَرَقاً، أو عدواً أو نحو ذلك، أو حوّلها صاحبُ المنزل لكونه عاريَّة رجع فيها، أو
بإجارة انقضت مدتُها، أو منعها السكنى تعدياً، أو امتنع من إجارته، أو طلب به
أكثر من أجر المثل، أو لم تَجِدْ ما تكتري به، أو لم تجِدْ إلا من مالها، فلها أن
تنتقِلَ، لأنها حالُ عذر، ولا يلزمها بذلُ أجر المسكن، وإنما الواجبُ عليها فِعل
الشُّكنى لا تحصيلُ المسكن، وإذا تعذرت الشُّكنى، سقطت، وهذا قول أحمد
والشافعي.
فإن قيل: فهل الإِسكان حقٌّ على الورثةِ تُقدَّمُ الزوجة به على الغرماء، هل الإسكان حق على
وعلى الميراث، أم لا حق لها في التركة سوى الميراث؟ قيل:
الورثة يقدم على
الغرماء؟
هذا موضوع اختلف فيه. فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلاً، فلا سُكنى
لها في التركة، ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بُذِلَ لها كما تقدم، وإن كانت
حاملاً، ففيه روايتان إحداهما أن الحكم كذلك. والثاني: أن لها السُّكنى حق
ثابت في المال، تُقَدَّمُ به على الورثة والغرماء، ويكون من رأس المال، لا تُباع
الدار في دينه بيعاً يمنعُها سكناها حتى تنقضي عدتها، وإن تعذر ذلك، فعلى
الوارث أن يكتريَ لها سكناً من مال الميت. فإن لم يفعل، أجبره الحاكمُ، ولیس
لها أن تنتقِلَ عنه إلا لضرورة.
وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه، لم يَجُزْ، لأنه يتعلق بهذه السكنى
حقُّ الله تعالى، فلم يجز اتفاقُهما على إبطالها، بخلاف سُكنى النكاح، فإنها حقٌّ
الله تعالى، لأنها وجبت مِن حقوق العِدة، والعِدة فيها حقٌّ للزوجين. والصحيح
المنصوص: أن سكنى الرجعية كذلك، ولا يجوز اتفاقهما على إبطالها، هذا
مقتضى نص الآية، وهو منصوص أحمد وعنه رواية ثالثة: أن للمتوفَّى عنها
الشُّكنى بكل حال، حاملاً كانت أو حائلاً، فصار في مذهبه ثلاثُ روايات:
٦١١

وجوبها للحامل، والحائل، وإسقاطها فى حقهما ووجوبها للحامل دون الحائل،
هذا تحصيلُ مذهب أحمد في سكنى المتوفى عنها.
وأما مذهب مالك، فإيجاب السكنى لها حاملاً كانت أو حائلاً، وإيجابُ
السكنى عليها مدة العِدة، قال أبو عمر: فإذا كان المسكن بكراءٍ؟ فقال مالك: هي
أحقُّ بسكناه من الورثة والغرماء، وهو مِن رأس مال المتوفَّى، إلاّ أن يكونَ فيه
عقد لزوجها وأراد أهل المسكن إخراجَها. وإذا كان المسكنُ لزوجها، لم يُبع في
دینه حتى تنقضي عدتها، انتهی کلامه.
وقال غيرُه من أصحاب مالك: هي أحقُّ بالسكنى من الورثة والغرماء إذا
كان الملك للميت، أو كان قد أدَّى كِراءه، وإن لم يكن قد أدى، ففي ((التهذيب)):
لا سُكنى لها في مال الميت، وإن كان موسِراً وَرَوَى محمد، عن مالك: الكراء
لازم للميت في ماله، ولا تكون الزوجةُ أحقَّ به، وتُحاصُّ الورثة في السكنى،
وللورثة إخراجها إلا أن تُحِبّ أن تسكن في حصتها، وتؤدي کِراء حصتهم.
وأما مذهب الشافعي: فإن له في سكنى المتوفى عنها قولين، أحدُهما: لها
الشُّكنى حاملاً كانت أو حائلاً. والثاني: لا سُكنى لها حاملاً كانت أو حائلاً،
ويجب عنده ملازمتُها للمسكن في العِدة بائناً كانت أو متوفى عنها، وملازمة البائن
للمنزل عنده آكدُ مِن ملازمة المتوفَّى عنها، فإنه يجوز للمتوفَّى عنها الخروجُ نهاراً
لقضاء حوائجها، ولا يجوزُ ذلك في البائن في أحد قوليه وهو القديمُ، ولا يُوجبه
في الرجعية بل يستحبه.
وأما أحمد، فعنده ملازمةُ المتوفَّى عنها آكدُ مِن الرجعية، ولا يُوجبه في
البائن. وأورد أصحاب الشافعي رحمه الله على نصه بوجوب ملازمة المنزل على
المتوفَّى عنها مع نصه في أحد القولين، على أنه لا سكنى لها سؤالاً. وقالوا:
كيف يجتمع النَّصَّان، وأجابوا بجوابين. أحدهما: أنه لا تجِبُ عليها ملازمةُ
المسكن على ذلك القول، لكن لو ألزم الوارثُ أجرة المسكن، وجبت عليها
٦١٢

الملازمةُ حينئذ، وأطلق أكثرُ أصحابه الجواب هكذا.
والثاني: أن ملازمة المنزل واجبة عليها ما لم يكن عليها فيه ضرر بأن
تُطالب بالأجرة، أو يُخرجها الوارث، أو المالك، فتسقط حينئذ. وأما أصحاب
أبي حنيفة، فقالوا: لا يجوزُ للمطلقة الرجعية، ولا للبائن الخروجُ مِن بيتها ليلاً
ولا نهاراً، وأما المتوفى عنها، فتخرج نهاراً وبعض الليل، ولكن لا تبيتُ في
منزلها، قالوا: والفرقُ أن المطلقة نفقتُها في مال زوجها. فلا يجوز لها الخروجُ
كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها، فإنها لا نَفَقَّةً لها، فلا بد أن تخْرُجَ بالنهار
لإصلاح حالها، قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي يُضاف إليها بالسكنى حالَ
وقوع الفرقة، قالوا: فإن كان نصيبُها مِن دار الميت لا يكفيها، أو أخرجها الورثةُ
من نصيبهم، انتقلت، لأن هذا عذر، والكونُ في بيتها عبادة، والعبادةُ تسقط
بالعذر قالوا: فإن عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقِلَ إلى
بيت أقلَّ كراء منه، وهذا مِن كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها، وإنما يَسقط
السكن عنها لِعجزها عن أجرته، ولهذا صرَّحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة
إن كفاها، ولهذا لأنه لا سُكنى عندهم للمتوفى عنها حاملاً كانت أو حائلاً، وإنما
عليها أن تلزم مسكنها الذي توفِّي زوجُها، وهي فيه ليلاً لا نهاراً، فإن بذله لها
الورثةُ وإلاّ كانت الأجرة عليها، فهذا تحريرُ مذاهب الناس في هذه المسألة،
ومأخذُ الخلاف فيها وبالله التوفيق.
ولقد أصاب فريعَة بنتَ مالك في هذا الحديث نظيرُ ما أصاب فاطمة بنت
قيس في حديثها، فقال بعضُ المنازعين في هذه المسألة: لا ندُ كتابَ ربنا لقول
امرأة، فإن الله سبحانه إنما أمرها بالاعتداد أربعة أشهر وعشراً، ولم يأمرها
بالمنزل. وقد أنكرت عائشةُ أم المؤمنين رضي الله عنها وجوبَ المنزل، وأفتت
المتوفَّى عنها بالاعتداد حيث شاءت كما أنكرت حديثَ فاطمة بنت قيس،
وأوجبت السكنى للمطلقة.
وقال بعضُ من نازغ في حديث الفُريعة: قد قُتِلَ مِن الصحابة رضي الله
٦١٣

عنهم على عهد رسول الله وَّر خلقٌ كثير يوم أحد، ويومَ بئر مَعونة، ويومَ مؤتة
وغيرِها، واعتدَّ أزواجُهم بعدهم، فلو كان كلُّ امرأة منهن تُلازم منزلها زمن
العدة، لكان ذلك من أظهرِ الأشياء، وأبينها بحيثُ لا يخفى على من هو دونَ ابن
عباس وعائشة، فكيف خفي لهذا عليهما وعلى غيرهما من الصحابة الذين حكى
أقوالهم، مع استمرار العمل به استمراراً شائعاً، هذا من أبعد الأشياء، ثم لو كانت
السنَّةُ جارية بذلك، لم تأت الفُريعة تستأذنهُ نََّ أن تلحق بأهلها، ولَما أذِنَ لها في
ذلك، ثم يأمُر بردها بعد ذهابها، ويأمرها بأن تمكث في بيتها فلو كان ذلك أمراً
مستمراً ثابتاً، لكان قد نسخ بإذنه لها في اللحاق بأهلها، ثم نسخ ذلك الإذن بأمره
لها بالمُكث في بيتها، فيُفضي إلى تغيير الحكم مرتين، وهذا لا عهد لنا به في
الشريعة في موضع متيقن.
قال الآخرون: ليس في هذا ما يوجب رد لهذه السنة الصحيحة الصريحة
التي تلقَّاها أميرُ المؤمنين عثمان بن عفان، وأكابرُ الصحابة بالقبول، ونفذها
عثمان، وحكم بها، ولو كنا لا نقبلُ رواية النساء عن النبي ◌ََّ، لذهبت سننٌ كثيرة
مِن سُنن الإِسلام لا يُعرف أنه رواها عنه إلا النساء، وهذا كتابُ الله ليس فيه ما
ينبغي وجوب الاعتداد في المنزل حتى تكون السنةُ مخالفة له، بل غايتُها أن تكونَ
بياناً لحكم سكت عنه الكتاب، ومثل هذا لا تُرد به السننُ، وهذا الذي حذَّر منه
رسولُ الله ◌َّهِ بعينه أن تترك السنة إذا لم يكن نظيرُ حكمها في الكتاب.
وأما تركُ أمِّ المؤمنين رضي الله عنها لحديث الفُريعة، فلعله لم يَبلُغْها، ولو
بلغها فلعلها تأولته، ولو لم تتأولْه، فلعله قام عندها معارض له، وبكل حال
فالقائلون به في تركهم لتركها لهذا الحديث أعذرُ من التاركين له لترك أمّ المؤمنين
له، فبین الترکین فرقٌ عظیم.
وأما من قُتِلَ مع النبي ◌َِّ، ومن مات في حياته، فلم يأتِ قطُّ أن نساءهم
كن يعتَدِدْنَ حيث شِئن، ولم يأت عنهن ما يُخالف حُكمَ حديثِ فُريعة ألبتة، فلا
يجوز تركُ السنة الثابتة الأمر لا يُعلم كيف كان، ولو عُلِمَ أَنهن كن يَعتَدِدْنَ حيث
٦١٤

شئن، ولم يأت عنهن ما يخالف حكم حديث الفريعة، فلعل ذلك قبل استقرار هذا
الحكم وثبوته حيث كان الأصلُ براءة الذمة، وعدم الوجوب.
وقد ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال: قال
مجاهد: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم إلى رسول الله مَّر، فقلن: إنا
نستوحِشُ يا رسول الله بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا تبددنا في
بيوتنا، فقال رسولُ الله ◌ِّ: ((تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ
فَلَتَؤُبْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلى بَيْتِها))(١) وهذا وإن كان مرسلاً، فالظاهِر أن مجاهداً إما أن
يكون سمعه مِن تابعي ثقة، أو مِن صحابي، والتابعون لم يكن الكذبُ معروفاً
فيهم، وهم ثاني القرون المفضلة، وقد شاهدُوا أصحابَ رسول الله ◌َّةِ، وأخذوا
العِلمَ عنهم، وهم خيرُ الأمة بعدهم، فلا يُظن بهم الكذبُ على رسول الله ◌َِّ،
ولا الروايةُ عن الكذابين، ولا سيما العالمُ منهم إذا جزمَ على رسولِ الله ◌َه
بالرواية، وشَهِدَ له بالحديث، فقال: قال رسولُ الله ◌ِ لَه، وفعلَ رسولُ ◌َّةِ، وأَمَر
ونهى، فيبعُدُ كُلَّ البعد أن يُقْدِمَ على ذلك مع كون الواسطة بينه وبينَ رسولِ الله ◌ُِّ
كذاباً أو مجهولاً، وهذا بخلاف مراسيل من بعدهم، فكلما تأخرت القرونَ ساء
الظن بالمراسيل، ولم يشهد بها على رسول الله بحّ، وبالجملة فليس الاعتماد
على هذا المرسل وحَده، وبالله التوفيق.
ذِكرُ حكمِ رسولِ اللهِلَّ في إحداد المعتدةِ نفياً وإثباتاً
ثبت في «الصحيحين)): عين حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها
أخبرته لهذه الأحاديثَ الثلاثة، قالت زينبُ: دخلت على أمِّ حبيبة رضي الله عنها
زوج النبي ◌َّ حين تُوفي أبوها أبو سفيان، فدعت أم حبيبة رضي الله عنها بطيبٍ
فيه صُفرةٌ خَلُوقٌ أو غيرُه، فدهنت منه جاريةً، ثم مسَّت بعارضيها، ثم قالت: والله
مالي بالطّيبِ من حاجة، غير أني سمعتُ رسولَ الله ◌ِلَّ يقول على المنبر: ((لا
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٠٧٧) ورجاله ثقات إلا أنه مرسل كما قال المصنف.
٦١٥

يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْمِ الآخرِ تُحِدُّ عَلَىْ مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إلاَّ عَلَىْ زَوْجٍ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْراً».
قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين تُوفي أَخوها فدعت
بطيب، فمسَّت منه، ثم قالت: واللّهِ مالي بالطيبِ من حاجة، غير أني سمعت
رسولَ الله ◌ََّ يقول على المنبر: ((لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ
عَلَىْ مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إِلاَّ عَلَىْ زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً».
قالت زينتُ: وسمعت أُمِّي أمَّ سلمة رضي الله عنها تقولُ: جاءت امرأة إلى
رسولِ الله وَّة، فقالت: يا رسولالله: إن بنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت
عينُها، أَفَتَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله ◌ََّ: ((لا))، مرتين، أو ثلاثاً، كل ذلك يقول:
(ا))، ثم قال: إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمي
بالبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ».
فقالت زينب: كانتِ المرأة إذا تُوفي عنها زوجُها، دخلت حِفْشاً، ولَبِسَتْ
شَرَّ ثِيابِها، ولم تَمَسَّ طِيباً ولا شيئاً حتى يَمُرَّ بها سنة، ثُم تُؤْتِى بدابةٍ حمارٍ، أو
شاةٍ، أو طير، فتفتَضُّ به، فقلما تفتضُّ بشيء إلا مات، ثم تَخْرِجُ، فَتُعطى بعرة،
فترمي بها، ثم تُراجع بعدُ ما شاءت مِن طيب أو غيره (١). قال مالك تفتض:
تمسح به جلدها.
وفي ((الصحيحين)): عن أمّ سلمة رضي الله عنها، أن امرأة تُوفي عنها
زوجُها، فخافوا على عينها، فَأَتْوا النبي ◌َِّ، فاستأذنُوه في الكُحْل، فقال
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٩٦/٢، ٥٩٨ في الطلاق: باب ما جاء في الإحداد،
والبخاري ٤٢٧/٩ في الطلاق: باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً،
ومسلم (١٤٨٦) و (١٤٨٧) و (١٤٨٨) و (١٤٨٩) في الطلاق: باب وجوب الإحداد
في عدة الوفاة.
٦١٦

رسولُ اللهِِّ: ((قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَكُونَ فِي شَرِّ بَيْتِها، أَوْ فِي شَرِّ أَخْلاَسِها في
بَيْتِهَا حَوْلاً، فإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةِ، فَخَرَجَتْ أفَلاَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً)) (١).
وفي ((الصحيحين)) عن أَمِّ عَطيّة الأنصارية رضي الله عنها، أن رسول الله ◌ِّل
قال: ((لاَ تُحِدُّ المرْأَةُ عَلى مَيِّتِ فَوْقَ ثَلاَثٍ إلاَّ عَلى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلاَ
تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ وَلاَ تَمَسُّ طيباً إلا إذا طَهُرَت نُبُذةً
مِنْ قُسْطِ أَوْ أَظْفَارٍ)(٢).
وفي ((سنن أبي داود)): من حديث الحسن بن مسلم، عن صفيَّة بنت شيبة،
عن أُمّ سلمة زوج النبي ◌َّ أنه قال: ((المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُها لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ
الثِّابِ وَلاَ المُمَثَّقَة، وَلَ الحُلِيَّ وَلاَ تَكْتَحِلُ، وَلاَ تَخْتَضِبُ))(٣).
وفي ((سننه)) أيضاً: من حديث ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه قال:
سمعتُ المغيرةَ بنَ الضحاك يقول: أخبرتني أمُّ حكيم بنت أَسْيَدٍ، عن أمها، أن
زوجَها تُوفي، وكانت تشتكي عينيها فتكتحِلُ بالجَلاء. قال أحمد بن صالح رحمه
الله: الصوابُ: بِكُحْلِ الجلاء فأرسلت مولاةً لها إلى أمّ سلمة رضي الله عنها،
فسألتها عن كُحل الجَلاء، فقالت: لا تكتحِليْ به إلا مِن أمرٍ لا بد منه يشتدُّ عليك،
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٤٣٢ في الطلاق: باب الكحل للحادة، وفي الطب: باب الإِثمد
والكحل من الرمد، ومسلم (١٤٨٨).
(٢) أخرجه البخاري ٤٣٢/٩، ٤٣٣ في الطلاق: باب القسط للحادة، وباب تلبس الحادة
ثياب العصب، وفي الحيض: باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، ومسلم
١١٢٧/٢ (٩٣٨) (٦٦) في الطلاق: باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة. والعصب:
نوع من البرود يعصب غَزْلُهُ، ثم يصبغ، ثم ينسج، والنبذة: القطعة والشيء اليسير،
والقسط: عود طيب الريح يحمل من الهند تتبخر به النفساء، والأظفار: جنس من الطيب
لا واحد له من لفظه.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٣٠٤) في الطلاق: باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها، والنسائي
٢٠٣/٦، ٢٠٤ في الطلاق: باب ما تَجْتَنِبُ الحادة من الثياب المصبغة، وإسناده
صحیح.
٦١٧

فتكتحلين بالليل، وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ
رسول الله ◌َّ حين تُوفي أبو سلمة وقد جعلت على عَيْنَيَّ صَبِراً، فقال: ((ما هُذا يَا
أُمَ سلمة))؟ فقلت: إنما هو صَبِرٌ يا رَسُولَ الله، ليس فيه طِيب. فقال: ((إنَّه يَشُبُ
الوَجْهَ فَلاَ تَجْعَليه إلاَّ باللَّيْلِ، وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهار، ولا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلاَ بِالحِنَّاءِ
فَإِنَّهُ خِضَابٌ)»، قالت: قلت: بأي شيء أمتَشِطُ يا رسول الله؟ قال: ((بالسِّدْر
تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَك))(١) .
مدة الاحداد
وقد تضمنت هذه السنة أحكاماً عديدة. أحدها: أنه لا يجوزُ الإِحدادُ على
ميِّتٍ فوقَ ثلاثة أيامٍ كائناً من كان، إلا الزوجَ وحدَه.
وتضمن الحديثُ الفرقَ بين الإِحدادين من وجهين.
وجوب الإحداد وجوازه
أحدهما: من جهة الوجوب والجواز، فإن الإحداد على الزوج واجب،
وعلى غيره جائز.
مدة الإحداد
الثاني: من مقدار مدة الإِحداد، فالإِحدادُ على الزوج عزيمة، وعلى غيره
رخصة، وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجُها، إلا ما حُكي عن
الحسن، والحكم بن عتيبة. أما الحسن، فروى حماد بن سلمة، عن حميد،
عنه، أن المطلقة ثلاثاً، والمتوفَّى عنها زوجُها تكتحلان وتمتشِطَان، وتتطيّبانِ
وتختضِبان، وتنتقلان، وتصنعانِ ما شاءتا، وأما الحكم: فذكر عنه شعبةُ: أن
المتوفى عنها لا تُحِدُّ.
قال ابنُ حزم: واحتج أهل هذه المقالة، ثم ساق مِن طريق أبي الحسن
محمد بن عبد السلام، حدثنا محمدُ بنُ بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا
شُعبة، حدثنا الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن رسولَ اللّهِ إِلَ﴾
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٠٥)، والنسائي ٢٠٤/٦، والمغيرة بن الضحاك لم يوثقه غير ابن
حبان، وأم حكيم لا يعرف حالها وكذا أمها، وذكره عبد الحق الأشبيلي في ((أحكامه)) من
جهة أبي داود وقال: ليس لهذا الحديث إسناد يُعرف.
٦١٨

قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: ((إذا كَانَ ثلاثَة أيَّامٍ فالبَسي ما شئتِ، أو إذا كَانَ
بغَّدَ ثلاثة أيام) شعبة شك.
ومن طريق حماد بنِ سلمة، حدثنا الحجّاجِ بنُ أرطاة، عن الحسن بن
سَعِدٍ، عن عبد الله بن شداد، أن أسماءَ بنت عُميس استأذنتِ النبيَّ بَ لّ أن تبكي
على جعفر وهي امرأتُه، فَأَذِنَ لها ثلاثةَ أيام، ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن
تطهري واكتحلي.
قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث الإحداد، لأنه بعدها، فإن أم سلمة رضي الله
عنها روت حديث الإِحداد، وأنه ◌َّ أمرها به إثر موتٍ أبي سلمة، ولا خلاف أن
موت أبي سلمة كان قبل موتٍ جعفر رضي الله عنهما.
وأجاب الناسُ عن ذلك بأن لهذا حديث منقطع، فإن عبد الله بن شداد بن
الهاد(١) لم يسمع من رسول الله ◌َّة، ولا رآه، فكيف يُقَدَّمُ حديثُه على الأحاديث
الصحيحة المسندة التي لا مطعن فيها؟ وفي الحديث الثاني: الحجاج بن
أرطاة(٢)، ولا يُعارض بحديثه حديثُ الأئمة الأثبات الذين هم فرسانُ الحديث.
فصل
الحكم الثاني: أن الإِحداد تابع للعِدة بالشهور، أما الحامل، فإذا انقضى
حملُها، سقط وجوبُ الإِحداد عنها اتفاقاً، فإن لها أن تتزوج، وتتجمَّل، وتتطيّب
لزوجها، وتتزیَّن له ما شاءت.
تبعية الإحداد للعدة
فإن قيل: فإذا زادت مدةُ الحمل على أربعة أشهر وعشر، فهل يسقطُ
وجوبُ الإِحداد، أم يستمِرُّ إلى حين الوضع؟ قيل: بل يستمِرُ الإِحداد إلى حين
الوضع، فإنه من توابع العدة، ولهذا قُيِّد بمدتها، وهو حُكم من أحكام العِدة،
(١) رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وعبد الله بن شداد لم يسمع من رسول الله وسلم شيئاً.
(٢) الحجاج بن أرطاة موصوف بكثرة الخطأ والتدليس، وقد عنعن.
٦١٩

وواجب من واجباتها، فكان معها وجوداً وعدماً.
تستوي الزوجات
بالإحداد حتى الكافرة
والأمة والصغيرة
فصل
الحكم الثالث: أن الإِحداد تستوي فيه جميعُ الزوجات المسلمة والكافرة،
والحُرة والأمة، والصغيرة والكبيرة، وهذا قولُ الجمهور: أحمد، والشافعي،
ومالك. إلا أن أشهب، وابنَ نافع قالا: لا إحداد على الذمية، ورواه أشهب عن
مالك، وهو قولُ أبي حنيفة، ولا إحداد عنده على الصغيرة.
واحتج أربابُ هذا القول بأن النبيَّ بَّه جعل الإِحداد من أحكام من يؤمن
بالله واليوم الآخر، فلا تدخُلُ فيه الكافرةُ، ولأنها غيرُ مكلَّفة بأحكام الفروع.
قالوا: وعدولُه عن اللفظ العام المطلق إلى الخاص المقيّد بالإِيمان يقتضي
أن هذا من أحكام الإِيمان ولوازمه وواجباته، فكأنه قال: من التزم الإِيمان، فهذا
من شرائعه وواجباته .
والتحقيقُ أن نفي حِلِّ الفعل عن المؤمنين لا يقتضي نفيَ حُكمه عن الكفار،
ولا إثباتَ لهم أيضاً، وإنما يقتضي أن من التزم الإِيمان وشرائعه، فهذا لا يَحِلُ
له، ويجب على كل حال أن يلزم الإِيمان وشرائعه، ولكن لا يلزمه الشارعُ شرائعَ
الإِيمان إلا بعد دخوله فيه، وهذا كما لو قيل: لا يحِل لمؤمن أن يترُك الصلاة
والحجَّ والزكاة، فهذا لا يدل على أن ذلك حِلٌّ للكافر. وهذا كما قال في لباس
الحرير: ((لاَ يَنْبَغِي هُذَا لِلمُثَّقِينَ)) (١)، فلا يدل أنه ينبغي لغيرهم. وكذا قوله: ((لاَ
يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ لَغَّانَ))(٢).
وسر المسألة: أن شرائعَ الحلال والحرام والإِيجاب، إنما شُرِعَتْ لمن
التزم أصل الإِيمان، ومن لم يلتَزمه وخلي بينه وبين دينه، فإنه يُخلى بينَه وبينَ
(١) أخرجه البخاري ٢٣٠/١٠، ومسلم (٢٠٧٥) كلاهما في اللباس من حديث عقبة بن
عامر.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٩٧) في البر: باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.
٦٢٠