Indexed OCR Text
Pages 561-580
يُمكن إذا طلقها في الطهر، بخلاف ما إذا طلقها في الحيض. قيل: الجوابُ من
وجھین.
أحدهما: أن الأصل عدمُ الاشتراك في الحروف، والأصل إفراد كل حرف
بمعناه، فدعوى خلاف ذلك مردودة بالأصل.
الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعض العِدة ظرفاً لزمن الطلاق، فيكون
الطلاق واقعاً في نفس العِدة ضرورة صحة الظرفية، كما إذا قلت: فعلته في يوم
الخميس، بل الغالب في الاستعمال مِن هذا، أن يكون بعضُ الظرف سابقاً على
الفعل، ولا ريبَ في امتناع هذا، فإن العِدة تتعقب الطلاق ولا تُقارنه، ولا تتقدم
عليه .
قالوا: ولو سلمنا أن ((اللام)) بمعنى ((في))، وساعد على ذلك قراءةُ ابن عمر
رضي الله عنه وغيره: (فطلقوهن في قُبُلٍ عدتهن)، فإنه لا يلزمُ مِن ذلك أن يكون
القَرء: هو الطهر، فإن القَرء حينئذ يكون هو الحيضَ، وهو المعدودُ والمحسوب،
وما قَبله من الطهر يدخل في حكمه تبعاً وضمناً لوجهين.
من ضرورة الحيض أن
يتقدمه طهر
أحدهما: أن من ضرورة الحيض أن يتقدّمه طهر، فإذا قيل: تربَّصي ثلاث
حيض، وهي في أثناء الطهر كان ذلك الطهر من مدة التربص، كما لو قيل لرجل:
أقم هاهنا ثلاثة أيام، وهو في أثناء ليلة، فإنه يدخُل بقية تلك الليلة في اليوم الذي
يليها، كما تدخل ليلة اليومين الآخرين في يوميهما. ولو قيل له في النهار: أقم
ثلاث ليال، دخل تمامُ ذلك النهار تبعاً لليلة التي تليه .
الثاني: أن الحيض إنما يتم باجتماع الدم في الرحم قبله، فكان الطهر
مقدمةً وسبباً لوجود الحيض، فإذا علق الحكم بالحيض، فَمِنْ لوازمه ما لا يُوجد
الحيض إلا بوجوده، وبهذا يظهرُ أن هذا أبلغُ مِن الأيام والليالي، فإن الليلَ والنهار
متلازمان، وليس أحدهما سبباً لوجود الآخر، وهاهنا الطهرُ سببٌ لاجتماع الدم
في الرحم، فقولُه سبحانه وتعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لاستقبال العدة التي
الطهر سبب لوجود
الحيض
٥٦١
تتربصها، وهي تتربص ثلاث حيض بالأطهار التي قبلها. فإذا طلقت في أثناء
الطهر، فقد طلقت في الوقت الذي تستقبل فيه العدة المحسوبة، وتلك العِدة هي
الحيض بما قبلها من الأطهار، بخلاف ما لو طلقت في أثناء حيضة، فإنها لم تطلق
لِعدة تحسبها، لأن بقية ذلك الحيض ليس هو العِدة التي تعتد بها المرأة أصلا ولا
تبعاً لأصل، وإنما تسمى عِدة لأنها تُحبس فيها عن الأزواج، إذا عرف هذا،
فقوله: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، يجوز أن تكون
اللامُ لامَ التعليل، أي: لأجل يومِ القيامة. وقد قيل: إن القسط منصوب على أنه
مفعول له، أي: نضعها لأجل القسط، وقد استوفى شروطَ نصبه، وأما قوله
تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فليست اللام بمعنى ((في))
قطعاً، بل قيل: إنها لام التعليل، أي: لأجل دلوك الشمس، وقيل: إنها بمعنى
بعد، فإنه ليس المرادُ إقامتها وقتَ الدلوك سواء فسر بالزوال أو الغروب، وإنما
يُؤمر بالصلاة بعده، ويستحيلُ حمل آية العدة على ذلك، وهكذا يستحيلُ حملُ آية
العِدة عليه، إذ يصيرُ المعنى: فَطَلِّقُوهُنَّ بَعْدَ عِدَّتِهِنَّ. فلم يبق إلا أن يكون
المعنى: فطلقوهن لاستقبال عِدتهن، ومعلوم أنها إذا طلقت طاهراً استقبلت العدةَ
بالحيض. ولو كانت الأقراء الأطهار، لكانت السنة أن تطلق حائضاً لتستقبل العدة
بالأطهار، فبيَّن النبيُّ ◌َّه أن العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء هي أن تطلَّق
طاهراً لتستقبل عدتها بعد الطلاق.
فإن قيل: فإذا جعلنا الأقراء: الأطهار، استقبلت عدتها بعد الطلاق بلا
فصل، ومن جعلها الحيضَ لم تستقبلها على قوله حتى ينقضي الطُّهرُ.
قيل: كلام الرب تبارك وتعالى لا بد أن يُحمل على فائدة مستقلة، وحملُ
الآية على معنى: فطلقوهن طلاقاً تكون العدةُ بعده لا فائدة فيه، وهذا بخلاف ما
إذا كان المعنى: فطلقوهن طلاقاً يستقبلن فيه العدة لا يستقبِلْنَ فيه طهراً لا تعتد
به، فإنها إذا طُلقت حائضاً استقبلت طهراً لا تعتد به، فلم تُطلق لاستقبال العدة،
ويُوضحه قراءة من قرأ: فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُل عِدَّتِهِنَّ. وقُبُلُ العدة: هو الوقت الذي
٥٦٢
يكون بين يدي العدة تستقبل به، كقبل الحائض، يوضحه أنه لو أُريد ما ذكروه،
لقيل: في أَوَّلِ عدتهن، فالفرق بَيِّنٌ بينَ قُبُلِ الشيء وأوله.
وأما قولكم: لو كانت القروء هي الحِيض، لكان قد طلقها قَبْلَ العِدة.
قلنا: أجل، وهذا هو الواجبُ عقلاً وشرعاً، فإن العِدة لا تُفارق الطلاقَ ولا
تَسِقُهُ، بل يجبُ تأخرها عنه.
يجب تأخر العدة عن
الطلاق
التطويل عند الطلاق في
الحيض
قولكم: وكان ذلك تطويلاً عليها، كما لو طلَّقها في الحيض، قيل: هذا
مبني على أن العِلة في تحريم طلاق الحائض خشية التطويل عليها، وكثيرٌ من
الفقهاء لا يرضون هذا التعليل، ويفسدونه بأَنّها لو رضيت بالطلاق فيه، واختارت
التطويلَ، لم يُبح له، ولو كان ذلك لأجل التطويل، لم تبح له برضاها، كما يُباح
إسقاطُ الرجعة الذي هو حقُّ المطلِّق بتراضيهما بإسقاطها بالعِوض اتفاقاً، وبدونه
في أحد القولين، وهذا هو مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد
ومالك، ويقولون: إنما حرم طلاقُها في الحيض، لأنه طلقها في وقت رغبة عنها،
ولو سلمنا أَن التحريم لأجل التطويل عليها، فالتطويلُ المضر أن يُطلقها حائضاً،
فتنتظرَ مضي الحيضة والطهر الذي يليها، ثم تأخُذ في العدة، فلا تكون مستقبلةً
لِعدتها بالطلاق، وأما إذا طلقت طاهراً، فإنها تستقبِلُ العِدة عقيب انقضاء الطهر،
فلا يتحقق التطويلُ.
وقولكم: إن القَرء مشتق من الجمع، وإنما يُجمع الحيض في زمن
الطهر. عنه ثلاثة أجوبة .
القرء مشتق من الجمع أي
زمن الطهر
أحدها: أن هذا ممنوع، والذي هو مشتق من الجمع إنما هو مِن باب
الياء مِن المعتل، من قرى يقري، كقضى يقضي، والقَرء من المهموز من
بنات الهمز، مِن قرأ يقرأ، كنحر يَنحر، وهما أصلان مختلفان فإنهم يقولون:
قريتُ الماء في الحوض أقريه، أي: جمعتُه، ومنه سميت القرية، ومنه قرية
النمل: للبيت الذي تجتمع فيه، لأنه يقريها، أي: يضمُّها ويجمعُها. وأما
المهموزُ، فإنه من الظهور والخروج على وجه التوقيت والتحديد، ومنه قراءة
الرد على ذلك بأن ذلك
مشتق من المعتل
لا المهموز
٥٦٣
القرآن، لأن قارئه يُظهره ويُخرجه مقداراً محدوداً لا يزيدُ ولا ينقُصُ، ويدل
عليه قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنِه﴾ [القيامة: ١٧]، ففرق بين الجمع
والقُرْآنِ. ولو كانا واحداً، لكان تكريراً محضاً، ولهذا قال ابن عباس
رضي الله عنهما: ﴿فإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبَعْ قُرْآنَهُ ﴾ [القيامة: ١٨]، فإذا بيناه(١)، فجعل
قراءته نفس إظهاره وبيانه، لا كما زعم أبو عُبيدة أَن القرآن مشتق من الجمع.
ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقةُ سَلَى قَطُ، وما قرأت جنيناً هو من هذا
الباب، أي ما ولدته وأخرجته وأظهرته، ومنه: فلان يَقرؤك السلام، ويقرأ
عليك السلام، هو من الظهور والبيان، ومنه قولهم: قرأت المرأة حيضة أو
حيضتين، أي: حاضتهما، لأن الحيض ظهورُ ما كان كامناً، كظهور الجنين،
ومنه: قروء الثريا، وقروء الريح: وهو الوقت الذي يظهر المطر والريح،
فإنهما يظهران في وقت مخصوص، وقد ذكر هذا الاشتقاقَ المصنفون في
كتب الاشتقاق، وذكره أبو عمرو وغيره، ولا ريب أن هذا المعْنَى في الحيض
أظهرُ منه في الطهر.
قولكم: إن عائشة رضي الله عنها قالت: القُروء: الأطهار، والنساءُ
أعلم بهذا من الرجال.
الرد على قولهم: النساء
أعلم بهذا الباب من
الرجال
فالجواب أن يُقال: مَنْ جَعَلَ النساء أعلمَ بمراد الله من كتابه، وأفهَم
لمعناه مِن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب،
وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء رضي الله عنهم، وأكابر أصحابٍ
رسول اللّه ◌َ﴿؟! فنزولُ ذلك في شأنهن لا يدل على أنهن أعلمُ به من
الرجال، وإلا كانت كُلُّ آية نزلت في النِّساء تكونُ النساءُ أعلَم بها من
الرجال، ويجبُ على الرجال تقليدُهن في معناها وحكمها، فيكنَّ أعلَم مِن
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٨٩/٦ ونَسَبه لابن جرير وابن المنذر، وابن أبي
حاتم.
٥٦٤
الرجال بآيةِ الرضاع، وآيةِ الحيض، وتحريم وطء الحائض، وآية عِدة المتوفى
عنهَا، وآيةِ الحمل والفِصال ومدتهما، وآيةٍ تحريم إبداء الزينة إلا لمن ذكر
فيها، وغير ذلك من الآيات التي تتعلق بهن، وفي شأنهن نزلت، ويجبُ على
الرجال تقليدُهن في حكم هذه الآيات ومعناها، ولهذا لا سبيلَ إليه ألبتة.
وكيف ومدار العلم بالوحي على الفهم والمعرفة، ووفور العقل والرجال أحقُّ
بهذا من النساء، وأوفر نصيباً منه، بل لا يكاد يختلفُ الرجالُ والنساء في
مسألة إلا والصوابُ في جانب الرجال(١)، وكيف يُقال: إذا اختلفت عائشة،
وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود في مسألة: إن
الأخذ بقول عائشة رضي الله عنها أولى، وهل الأولى إلا قولٌ فيه خليفتان
راشدان؟ وإن كان الصديق معهما كما حُكِي عنه، فذلك القولُ مما لا يعدوه
(١) ليس هذا على إطلاقه، فكثيراً ما يكون الصواب في جانب المرأة لا سيما إذا كانت
فقيهة ومحدثة كعائشة رضي الله عنها، ومن طالع كتاب ((مستدركات عائشة على
الصحابة)) للزركشي يتحقق مما قلناه، ومما تعيه الذاكرة ما أخرجه البخاري وغيره
من حديث أبي موسى في قصة قدومِهم من الحبشة إلى المدينة وفيه: فوافقنا
النبي * حين افتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة،
ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حَفصة زوج النبي {3 زائرة،
وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء
عندها، فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال
عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة،
فنحن أحق برسول الله بصلة منكم، فغضبت، وقالت. كلا والله، كنتم مع رسول الله
يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء البغضاء بالحبشة،
وذلك في الله، وفي رسول الله، وايم الله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى
أذكر ما قلت لرسول الله ◌َّة، ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك النبي لة.
وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي مَلّ قلت: يا
نبي الله إن عمر قال كذا وكذا! قال: فما قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا، قال:
ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة
هجرتان ...
٥٦٥
الصوابُ ألبتة، فإن النقل عن عمر، وعلي ثابت، وأما عن الصديق، ففيه
غرابة، ويكفينا قولُ جماعة من الصحابة فيهم مثلُ: عمر، وعلي، وابن
مسعود، وأبي الدرداء، وأبي موسى، فكيف نقدم قول أُمّ المؤمنين وفهمها
على أمثال هؤلاء؟
ثم يقال: فهذه عائشة رضي الله عنها ترى رضاعَ الكبير يَنْشُرُ الحُرمة،
ويُثبت المحرمية، ومعها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد خالفها
غيرُها من الصحابة، وهي روت حديثَ التحريم به، فهلاً قلتم: النساءُ أعلم
بهذا من الرجال، ورجحتم قولَها على قول من خالفها؟
ونقول لأصحاب مالك رحمه الله: وهذه عائشة رضي الله عنها لا ترى
التحريمَ إلا بخمس رضعات، ومعها جماعةٌ من الصحابة، وروت فيه
حديثين، فهلاً قلتُم: النساء أعلم بهذا من الرجال، وقدمتُم قولَها على قول
من خالفها؟
فإن قلتم: هُذا حكم يتعدَّى إلى الرجال، فيستوي النساءُ معهم فيه،
قيل: ويتعدى حكمُ العِدة مثله إلى الرجال، فيجب أن يستويَ النساءُ معهم
فيه، وهذا لا خفاءَ به. ثم يُرجح قولُ الرجال في هذه المسألة، بأن
رسول الله وَ﴿ شهِد لِواحدٍ من لهذا الحزب، بأن الله ضرب الحقَّ على لِسانه
وقلبه (١). وقد وافق ربَّه تبارك وتعالى في عدة مواضع قال فيها قولاً، فنزل
القرآنُ بمثل ما قال (٢)، وأعطاه النبيُّ ◌َّ فضلَ إنائه في النوم، وأوله
(١) يريد عمر بن الخطاب، وقد أخرج أحمد ٥٣/٢ و٩٥، والترمذي (٣٦٨٣) من
طريقين عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله الثّ: ((إن الله جعل الحق على
لسان عمر وقلبه)) وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٢١٧٥) وله شاهد من
حديث أبي هريرة عند أحمد ٤٠١/٢، وآخر من حديث أبي ذر عند أبي داود
(٢٩٦٢) وابن ماجه (١٠٨) وأحمد ١٤٥/٥ و١٦٥ و١٧٧ .
(٢) حديث موافقة رب عمر لعمر أخرجه البخاري ١٢٨/٨، ومسلم (٢٣٩٩) وللسيوطي =
٥٦٦
بالعلم (١) وشهد له بأنه مُحَدَّثٌ مُلْهَمُّ(٢)، فإذا لم يكن بُد من التقليد، فتقليدُه
أولى، وإن كانت الحجة هي التي تَفْصِلُ بين المتنازعين، فتحكيمُها هو
الواجب .
قولكم: إن من قال: إن الأقراء الحِيَض، لا يقولُون بقول علي وابن الأخذ بقول علي: هو أحق
مسعود، ولا بقول عائشة، فإن علياً يقول: هو أحقُّ برجعتها ما لم تغتسل،
برجعتها ما لم تغتسل
وأنتم لا تقولون بواحدٍ من القولين، فهذا غايتُه أن يكون تناقضاً ممن لا يقول
بذلك، كأصحابٍ أبي حنيفة، وتلْكَ شَكَاة ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا عمن يقول بقول
علي، وهو الإِمام أحمد وأصحابه، كما تقدم حكاية ذلك، فإن العِدة تبقى
عنده إلى أن تغتسل كما قاله علي، ومن وافقه، ونحن نعتذِرُ عمن يقول:
الأقراء الحِيض في ذلك، ولا يقول: هو أحقُّ بها ما لم تغتسل، فإنه وافق من
يقول: الأقراء الحِيض في ذلك، وخالفه في توقف انقضائها على الغسل
المعارض أوجب له مخالفته، كما يفعلُه سائر الفقهاء. ولو ذهبنا نعُدُّ ما
تصرفتم فيه هذا التصرفَ بعينه، فإن كان هذا المعارض صحيحاً لم يكن
تناقضاً منهم، وإن لم يكن صحيحاً، لم يكن ضعيفُ قولهم في إحدى
المسألتين عندهم بمانع لهم مِن موافقتهم لهم في المسألة الأخرى، فإن
موافقةً أكابر الصحابة وفيهم مَنْ فيهم مِن الخلفاء الراشدين في معظم قولهم
خيرٌ، وأولى من مخالفتهم في قولهم جميعِه وإلغائه بحيث لا يُعتبر ألبتة .
رحمه الله منظومة ذكر فيها موافقات عمر أسماها ((قطف الثمر في موافقات عمر)»
=
أدرجها في الجزء الأول من كتابه («الحاوي)) ١/ ٣٧٧ .
(١) أخرج البخاري ١٦٤/١، ومسلم (٢٣٦١) عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله الخليل
يقول: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الرِّي يخرج في أظفاري،
ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)) قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم.
(٢) أخرج البخاري ٧/ ٤٠، ٤١، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة مرفوعاً: ((قد كان
يكون في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن من أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب
منهم)).
٥٦٧
قالوا: ثم لم نخالفهم في توقف انقضائها على الغسل، بل قلنا: لا
تنقضي حتى تغتسِلَ، أو يمضي عليها وقتُ صلاة، فوافقناهم في قولهم
بالغسل، وزدنا عليهم انقضاءَها بمضي وقت الصلاة، لأنها صارت في حكم
الطاهرات بدليل استقرار الصلاة في ذمتها، فأين المخالفةُ الصريحة للخلفاء
الراشدين رضوان الله عليهم.
الاختلاف فيما ينقضي به
أجل العدة
وقولكم: لا نجد في كتاب الله للغسل معنى. فيقال: كتابُ الله تعالى
لم يتعرض للغسل بنفي ولا إثبات، وإنما علَّق الحِلَّ والبينونة بانقضاء الأجل.
وقد اختلف السلف والخلف فيما ينقضي به الأجلُ، فقيل: بانقطاع
الحيض. وقيل: بالغسل أو مضي صلاة، أو انقطاعه لأكثره. وقيل: بالطعن
في الحيضة الثالثة، وحجة من وقفه على الغسل قضاءُ الخلفاء الراشدين، قال
الإِمام أحمد: عمر، وعلي، وابن مسعود يقولون: حتى تغتسِلَ من الحيضة
الثالثة. قالوا: وهم أعلمُ بكتاب الله، وحدودِ ما أُنزِلَ على رسوله، وقد رُوِيَ
هذا المذهب عن أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي موسى، وعُبادة،
وأبي الدرداء، حكاه صاحب ((المغني)) وغيره عنهم. ومن هاهنا قيل: إن
مذهب الصديق ومن ذُكِرَ معه، أن الأقراء: الحِيض.
قالوا: ولهذا القول له حظ وافر مِن الفقه، فإن المرأة إذا انقطع حيضها
صارت في حكم الطاهرات من وجه، وفي حكم الحُيَّضٍ من وجه، والوجوه
التي هي فيها في حكم الحيض أكثر من الوجوه التي هي فيها في حُكم
الطاهرات، فإنها في حُكم الطاهرات في صحة الصيام، ووجوب الصلاة،
وفي حُكم الحُيَّضِ في تحريم قراءة القرآن عند من حرمه على الحائض،
واللبث في المسجد، والطواف بالبيت، وتحريم الوطء، وتحريم الطلاق في
أحد القولين، فاحتاطَ الخلفاءُ الراشدون وأكابر الصحابة للنكاح، ولم
يُخرجوها منه بعد ثبوته إلا بقيد لا ريبَ فيه، وهو ثبوتُ حكم الطاهرات في
٥٦٨
حقها من كل وجه، إزالةً لليقين بيقين مثله، إذ ليس جعلها حائضاً في تلك
الأحكام أولى من جعلها حائضاً في بقاء الزوجية، وثبوت الرجعة، وهذا من
أدق الفقه وألطفه مأخذاً.
قالوا: وأما قول الأعشى:
لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائكا.
فغايته استعمال القروء في الطهر، ونحن لا ننكره.
قولكم: إن الطهر أسبق من الحيض، فكان أولى بالاسم، فترجيحٌ
طريف جداً، فمن أين يكون أولى بالاسم إذا كان سابقاً في الوجود؟ ثم ذلك
السابق لا يُسمى قرءاً ما لم يسبقه دم عند جمهور من يقول: الأقراء الأطهار،
وهل يقال في كل لفظ مشترك: إن أسبق معانيه إلى الوجود أحق به، فيكون
عَسْعَسَ من قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، أولى بكونه لإقبال
الليل لسبقه في الوجود، فإن الظلام سابق على الضياء.
الرد على من يقول
الأسبق أولى بالاسم
وأما قولكم: إن النبي ◌َّ فسر القروء بالأطهار، فلعمرُ الله لو كان الأمر
كذلك، لما سبقتمُونا إلى القول بأنها الأطهار، ولبادرنا إلى هذا القول اعتقاداً
وعملاً، وهل المعوَّل إلا على تفسيره وبيانه:
الرد على ادعاء
تفسيره # القروء
بالأطهار
تَقُولُ سُلَيْمَى لَوْ أَقَمْتُمْ بأرْضِنَا وَلَم تَدْرِ أَنِّي لِلْمُقَامِ أَطُوفُ
فقد بينا مِن صريح كلامه ومعناه ما يدل على تفسيره للقروء بالحيض، وفي
ذلك كفاية .
فصل
في الأجوبة عن اعتراضكم على أدلتنا
قولكم في الاعتراض على الاستدلال بقوله: ((ثلاثة قروء)»، فإنه يقتضي أن
تكون كواملَ، أي: بقية الطهر قرء كامل، فهذا ترجمة المذهب، والشأن في كونه
٥٦٩
قرءاً في لسان الشارع، أو في اللغة، فكيف تستدلون علينا بالمذهب، مع منازعة
غيرِكم لكم فيه ممن يقول: الأقراء: الأطهار كما تقدم؟ ولكن أوجدونا في لسان
الشارع، أو في لغة العرب، أن اللحظة من الطهر تسمى قَرءاً كاملاً، وغايةُ ما
عندكم أن بعض مَنْ قال: القروءُ الأطهار، لا كُلُّهم يقولُون: بقيةُ القرء المطلق فيه
قَرء، وكَانَ ماذا؟! كيف وهذا الجزءُ مِن الطُّهر بعضُ طهرٍ بلا ريب؟ فإذا كان
مسمى القَرء في الآية هو الطهر، وجب أن يكون هذا بعضَ قرء يقيناً، أو يكون
القرء مشتركاً بينَ الجميع والبعض، وقد تقدَّم إبطالُ ذلك، وأنه لم يقل به أحد.
قولكم: إن العرب تُوقِعُ اسم الجمع على اثنين، وبعض الثالث، جوابه من
وجوه.
الرد على قولهم إن العرب
توقع اسم الجمع على
اثنين وبعض الثالث
أحدها: أن هذا إن وقع، فإنما يقع في أسماء الجموع التي هي ظواهرُ في
الفرق بين أسماء الجموع مسماها، وأما صيغ العدد التي هي نصوص في مسماها، فكلاً ولَمَّا، ولم تَرِدْ
وصيغ العدد
صيغةُ العدد إلا مسبوقة بمسماها، كقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ
شَهْرَاً فِي كِتَابِ اللّهِ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
وازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥]. وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ
وثَمَانِيَةَ أَيَّامِ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٧]، ونظائره مما لا يُراد به في موضع واحد دون
مسماه من العدد. وقوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، اسم عدد ليس بصيغة جمع، فلا يَصِحُّ
إلحاقه بأشهر معلومات، لوجهين.
أحدهما : : أن اسم العدد نصٌّ في مسماه لا يقبَلُ التخصيصَ المنفصل،
بخلاف الاسم العام، فإنه يقبل التخصيصَ المنفصل، فلا يلزم من التوسع في
الاسم الظاهر التوسعُ في الاسم الذي هو نص فيما يتناولُه.
الثاني: أن اسم الجمع يَصِحُّ استعمالُه في اثنين فقط مجازاً عند الأكثرين،
وحقيقة عند بعضهم، فصحة استعماله في اثنين، وبعض الثالث أولى بخلافٍ
٥٧٠
الثلاثة، ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلَأَمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:
١١]، حمله الجمهورُ على أخوين، ولما قال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾.
[النور: ٦]، لم يحملها أحدٌ على ما دون الأربع.
والجواب الثاني: أنه وإن صح استعمال الجمع في اثنين، وبعض الثالث،
إلا أنه مجاز، والحقيقةُ أن يكون المعنى على وفق اللفظ، وإذا دار اللفظُ بين
حقيقته ومجازه، فالحقيقةُ أولى به .
الجواب الثالث: أنه إنما جاء استعمالُ الجمع في اثنين، وبعضٍ الثالث في
أسماء الأيام والشهور والأعوام خاصة، لأن التاريخ إنما يكون في أثناء هذه
الأزمنة، فتارةً يُدخلون السنة الناقصة في التاريخ، وتارة لا يُدخلونها. وكذلك
الأيامُ، وقد توسّعُوا في ذلك ما لم يتوسعوا في غيره، فأطلقوا الليالي، وأرادوا
الأيامَ معها تارة، وبدونها أخرى وبالعكس .
الجواب الرابع: أن هذا التجوزَ جاء في جمع القِلة، وهو قوله: ﴿الحُ
أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، جمعُ كثرة، وكان مِن
الممكن أن يُقال: ثلاثة أقراء، إذ هو الأغلبُ على الكلام، بل هو الحقيقة عند
أكثرِ النحاة، والعدولُ عن صيغة القلة إلى صيغة الكثرة لا بد له من فائدة، ونفي
التجوز في هذا الجمع يصلح أن يكون فائدة، ولا يظهر غيرها، فوجب اعتبارُها.
الجواب الخامس: أن اسم الجمع إنما يُطلق على اثنين، وبعض الثالث فيما يطلق اسم الجمع على
يقبل التبعيض، وهو اليومُ والشهر والعامُ، ونحو ذلك دونَ ما لا يقبله، والحيض
والطهر لا يتبعضان، ولهذا جُعِلَتْ عدة الأمة ذات الأقراء قرءين كاملين بالاتفاق،
ولو أمكن تنصيفُ القرء، لجعلت قَرءاً ونصفاً، هذا مع قيام المقتضي للتبعيض،
فأن لا يجوزَ التبعيض مع قيام المقتضي للتكميل أولى، وسِرُّ المسألة أن القرءَ ليس
لبعضه حكم في الشرع.
اثنين وبعض الثالث فيما
يقبل التبعيض
الجواب السادس: أنه سبحانه قال في الآيسة والصغيرة: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ
٥٧١
أَشْهُرٍ﴾، ثم اتفقت الأمة على أنها ثلاثة كوامل، وهي بدلٌ عن الحيض، فتكميلُ
المبدل أولى.
قولكم: إن أهل اللغة يُصرحون بأن له مسميين: الحيض والطهر، لا
ننازعكم فيه، ولكن حمله على الحيض أولى للوجوه التي ذكرناها، والمشترك إذا
اقترن به قرائنُ تُرجِّحُ أحدَ معانيه، وجب الحملُ على الراجح.
الرد على ادعائهم أن
الطهر الذي لم يسبقه دم
هو قرء
قولكم: إن الطهر الذي لم يسبقه دم، قَرء على الأصح، فهذا ترجيحٌ
وتفسير للفظه بالمذهب، وإلا فلا يُعرف في لغة العرب قط أن طهر بنتِ أربع سنين
يُسمى قرءاً، ولا تُسمى من ذوات الأقراء، لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً، فثبت أن
الدم داخل في مسمى القَرء، ولا يكون قرءاً إلا مع وجوده.
بيان مجيء القرء على
لسان الشارع للحيض
قولكم: إن الدم شرط للتسمية، كالكأس والقلم وغيرهما من الألفاظ
المذكورة تنظيرٌ فاسد، فإن مسمى تلك الألفاظ حقيقة واحدة مشروطة بشروط،
والقَرء مشترك بين الطهر والحيض، يقال: على كل منهما حقيقة، فالحيضُ
مسماه حقيقة لا أنه شرط في استعماله في أحد مسمييه فافترقا.
تقوية حديث: ((دعي
الصلاة أيام أقرائك)»
قولكم: لم يجىء في لسان الشارع للحيض، قلنا، قد بينا مجيئه في كلامه
للحيض، بل لم يجىء في كلامه للطهر ألبتة في موضع واحد، وقد تقدَّم أن
سفيان بن عيينة روى عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة رضي الله
عنها، عن النبي ◌ِّ في المستحاضة «تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِها)).
قولكم: إن الشافعي قال: ما حدث بهذا سفيان قط، جوابُه أن الشافعي لم
يسمع سفيان يُحدث به، فقال بموجب ما سمعَه مِن سفيان، أو عنه من قوله:
((لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر)) وقد سمعه من سفيان
من لا يُستراب بحفظه وصدقه وعدالته. وثبت في السنن، من حديث فاطمة
بنت أبي حُبيش، أنها سألت رسولَ الله ◌َّ، فشكت إليه الدَّمَ، فقال لها
رسول الله مَ﴿: ((إنَّمَا ذُلِكَ عِرْقٌ، فانْظُري، فإذا أَتَى قَرْؤُك، فَلاَ تُصَلِّي، وإِذَا مَرَّ
٥٧٢
قَرْؤُكِ، فَتَطَهَّرِي، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ القَرْءِ إلىُ القَرْءِ))(١). رواه أبو داود بإسناد
صحيح، فذكر فيه لفظ القرء أربع مرات، في كل ذلك يريد به الحيض لا الطهر،
وكذلك إسناد الذي قبله، وقد صححه جماعة من الحفاظ.
وأما حديث سفيان الذي قال فيه: ((لِتنظُرْ عَدَدَ الليالي والأيامَ التي كانت
تحيضُهن من الشهر))، فلا تعارض بينه وبين اللفظ الذي احتججنا به بوجه ما حتى
يُطلب ترجيحُ أحدهما على الآخر، بل أحدُ اللفظين يجري من الآخر مجرى
التفسير والبيان، وهذا يدل على أن القَرء اسم لتلك الليالي والأيام، فإنه إن كانا
جميعاً لفظَ رسول الله مَ ل ــ وهو الظاهر - فظاهر، وإن كان قد روي بالمعنى،
فلولا أن معنى أحدِ اللفظين معنى الآخر لغة وشرعاً، لم يَحِلَّ للراوي أن يُبدِّلَ لفظ
رسول الله بَّةٍ بما لا يقوم مقامه، ولا يسوغُ له أن يُبَدِّلَ اللفظ بما يُوافق مذهبه،
ولا يكون مرادفاً للفظ رسول الله ◌ٍَّ، لا سيما والراوي لذلك من لا يُدفع عن
الإِمامة والصدق والورع، وهو أيوب السَّختياني، وهو أجلُّ مِن نافع وأعلم.
وقد روى عثمان بن سعد الكاتب، حدثنا ابن أبي مليكة، قال: جاءت
خالتي فاطمة بنت أبي حُبيش إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: إني أخاف أن
أقع في النار، أَدَعُ الصلاةَ السنة والسنتين، قالت: انتظري حتى يجيءَ
رسولُ الله ◌ٍَّ، فجاء، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: هذه فاطمةُ تقول: كذا
وكذا، قال: ((قُولِي لَهَا فَلْتَدَعَ الصَّلاَةَ في كُلِّ شَهْرٍ أَيَّامَ قَرْئِهَا))(٢). قال الحاكم:
لهذا حديث صحيح، وعثمان بن سعد الكاتب بصري ثقة عزيز الحديث، يُجمع
حديثه، قال البيهقي: وتكلم فيه غيرُ واحد(٣). وفيه: أنه تابعه الحجاجُ بن أرطاة
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٠) في الطهارة: باب في المرأة تستحاض، والنسائي ١٨٣/١،
١٨٤ في الحيض: باب ذكر الأقراء، وفي سنده المنذر بن المغيرة لم يوثقه غير ابن
حبان، وقال أبو حاتم: مجهول، فالإسناد ضعيف خلافاً لما قاله المصنف.
(٢) أخرجه الحاكم ١٧٥/١، وأحمد ٦/ ٤٦٤.
(٣) ذكر ذلك في ((سننه)) ٣٣٢/١، وقال الحافظ في ((التقريب)): ضعيف.
٥٧٣
عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها.
وفي ((المسند)): أن رسولَ الله ◌َ﴾ قال لِفاطمة: إذَا أَقْبَلَتْ أَيَّامُ أَقْرَائِكِ
فأمْسِكِي عَلَيْكِ ... الحديثَ(١).
وفي ((سنن أبي داود)) من حديث عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه، عن
النبي ◌ََّ، في المستحاضة ((تَدَعُ الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلي)»(٢).
وفي ((سننه)) أيضاً: أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت رسول الله صل#، فشكت
إليه الدم، فقال لها رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّما ذُلكَ عِرْقٌ فَانْظُرِي، فَإِذَا أَتَى قَرْؤُكِ، فَلاَ
تُصَلِّي، فإذا مَرَّ قَرُؤُكِ فَتَطَهَّري ثُمَّ صَلِّي ما بَيْنَ القَرْءِ إلى القَرْءِ»(٣). وقد تقدم.
قال أبو داود: وروى قتادة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة رضي الله
عنها، أن أمَّ حبيبة بنت جحش رضي الله عنها استحيضت، فأمرها النبيُّ ﴿ أن تَدَعَ
الصَّلاَةَ أيَّامَ أقرائها(٤).
وتعليل هذه الأحاديث، بأن هذا مِن تغيير الرواة، رووه بالمعنى لا يُلتفت
إليه، ولا يُعرج عليه، فلو كانت من جانب مَنْ عللها، لأعاد ذِكرها وأبداه، وشنَّع
على من خالفها .
وأما قولكم: إن الله سبحانه وتعالى جعل اليأس من الحيض شرطاً في
الاعتداد بالأشهر، فمن أين يلزم أن تكون القُروء هي الحِيَض؟ قلنا: لأنه جعل
الأشهر الثلاثة بدلاً عن الأقراء الثلاثة، وقال: ﴿وَالَّلَائِي بَكِسْنَ مِنَ المحِيضِ مِنْ
نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، فنقلهن إلى الأشهر عند تعذُّر مبدلهن، وهو الحيض،
(١) أخرجه أحمد ١٢٩/٦ من حديث عائشة و٤٢٠ و٤٦٤ من حديث فاطمة بنت
حبیش.
(٢)
أخرجه أبو داود (٢٩٧).
(٣)
أخرجه أبو داود (٢٨٠).
(٤) أخرجه أبو داود (٢٨١).
٥٧٤
فدل على أن الأشهر بدل عن الحيضِ الذي يَتِسْنَ منه، لا عن الطهر، وهذا
واضح.
قولكم: حديثُ عائشة رضي الله عنها معلول بمظاهر بن أسلم، ومخالفة
عائشة له، فنحن إنما احتججنا عليكم بما استدللتُم به علينا في كون الطلاق
بالنساء لا بالرجال، فكُلُّ من صنف من أصحابكم في طريق الخلاف، أو استدلَّ
على أن طلاق العبد طلقتان، احتج علينا بهذا الحديث. وقال: جعل النبيُّ ◌ِل*
طلاقَ العبد تطليقتين، فاعتبر الطلاقَ بالرجال لا بالنساء، واعتبر العِدة بالنساء،
فقال: وعدة الأَمَةِ حَيْضَتَانِ. فيا سُبحان الله، يكونُ الحديث سليماً من العِلل إذا
كان حجة لكم، فإذا احتجَّ به منازعوكم عليكم اعتورته العِلل المختلفة، فما أشبهه
بقول القائل:
الجواب عن تضعيف
حديث: «عدة الأمة
حيضتان»
يَكُونُ أُجَاجاً دُونَكُمْ فَإِذَا انْتَهِى إِلَيْكُمْ تَلَقَّى نَشْرَكُمْ فَيَطِيبُ
فنحن إنما كلنا لكم بالصاع الذي كلتم لنا به بخساً ببخس، وإيفاءً بإيفاء،
ولا ريبَ أن مُظاهراً ممن لا يُحتج به، لكن لا يمتنع أن يُعْتَضَدَ بحديثه، ويقوى
به، والدليلُ غیرُه.
وأما تعليلُه بخلاف عائشة رضي الله عنها له، فأين ذلك من تقريرِكم، أن
مخالفة الراوي لا تُوجب ردَّ حديثه، وأن الاعتبار بما رواه لا بما رآه، وتكثركم مِن
الأمثلة التي أخذ الناسُ فيها بالرواية دونَ مخالفة راويها لها، كما أخذوا برواية ابن
عباس المتضمنة لبقاء النكاح مع بيع الزوجة، وتركوا رأيه بأن بيع الأمة طلاقُها،
وغير ذلك.
وأما ردكم لحديث ابن عمر رضي الله عنه: («طلاق الأمة طلقتان، وقَرؤها
حيضتان)). بعطية العوفي، فهو وإن ضعفه أكثرُ أهل الحديث، فقد احتمل الناسُ
حديثه، وخرجوه في السنن، وقال يحيى بن معين في رواية عباس الدوري عنه:
صالح الحديث، وقال أبو أحمد بن عدي رحمه الله: روى عنه جماعة من
٥٧٥
الثقات، وهو مع ضعفه یُکتب حديثه، فيُعتضد به وإن لم يُعتمد عليه وحده.
وأما ردكم الحديث بأن ابن عمر مذهبه: أن القُروء الأطهار، فلا ريب أن
هذا يُورث شبهة في الحديث، ولكن ليس هذا بأوّلِ حديث خالفه راويه، فكان
الاعتبارُ بما رواه لا بما ذهب إليه، وهذا هو الجوابُ عن ردكم لحديث عائشة
رضي الله عنها بمذهبها، ولا يُعترض على الأحاديث بمخالفة الرواة لها .
الجواب عن عدة
المختلعة بحيضة
وأما ردُّكم لحديث المختلعة، وأمرها أن تعتد بحيضة، فإنا لا نقول به،
فللناس في هذه المسألة قولان، وهما روايتان عن أحمد أحدهما: أن عدتها ثلاثُ
حيض، كقول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة. والثاني: أن عدتها حيضة، وهو
قولُ أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وهو
مذهب أبان بن عثمان، وبه يقول إسحاق بن راهويه، وابن المنذر، وهذا هو
الصحيحُ في الدليل، والأحاديث الواردة فيه لا معارضَ لها، والقياس يقتضيه
حكماً، وسنبين هذه المسألة عند ذكر حكم رسول الله بّ في عِدة المختلعة.
قالُوا: ومخالفتنا لحديث اعتداد المختلعة بحيضة في بعض ما اقتضاه من
جواز الاعتداد بحيضة لا يكونُ عذراً لكم في مخالفة ما اقتضاه من أن القُروء
الحيض، فنحن وإن خالفناه في حكم، فقد وافقناه في الحكم الآخر، وهو أن
القَرء الحيض، وأنتم خالفتموه في الأمرين جميعاً، هذا مع أن من يقول: الأقراء
الحِيض، ويقول: المختلعة تعتد بحيضة، قد سَلِمَ مِن هذه المطالبة، فماذا تردون
به قولَه؟
الرد على الفرق بين
الاستبراء والعدة
وأما قولُكم في الفرق بين الاستبراء والعِدة: إن العِدة وجبت قضاءً لحق
الزوج، فاختصت بزمان حقه، كلامٌ لا تحقيق وراءه، فإن حقَّه في جنس
الاستمتاع في زمن الحيض والطهر، وليس حقه مختصاً بزمن الطهر، ولا العِدة
مختصة بزمن الطهر دون الحيض، وكلا الوقتين محسوب من العدة، وعدم تكرر
٥٧٦
الاستبراء لا يمنع أن يكون طهراً محتوشاً بدمين، كقُرء المطلقة، فتبين أن الفرق
غير طائل.
قولكم: إن انضمام قرءين إلى الطهر الذي جامع فيه يجعلُه علماً، جوابُه أن
هذا يُفضي إلى أن تكون العِدة قرءين حسب، فإن ذلك الذي جامع فيه لا دلالة له
على البراءة ألبتة، وإنما الدالُّ القَرآنِ بعده، وهذا خلافُ موجب النص، وهذا لا
يلزمُ مِن جعل الأقراء الحيض، فإن الحيضة وحدها علم، ولهذا اكتفي بها في
استبراء الإماء.
قولكم: إن القرء هو الجمع، والحيض يجتمع في زمان الطهر، فقد تقدم
جوابُه، وأن ذلك في المعتل لا في المهموز.
قولكم: دخولُ التاء في ثلاثة، يدل على أن واحدها مذكر، وهو الطهر،
جوابُه أن واحد القروء قَرء، وهو مذكر، فأتى بالتاء مراعاةً للفظه، وإن كان مسماه
حيضة، وهذا كما يُقال: جاءني ثلاثة أنفس، وهُنَّ نساء باعتبار اللفظ. والله
أعلم.
فصل
وقد احتج بعُموم آيات العِدد الثلاث مَنْ يرى أن عِدة الحرة والأمة سواء، قول من سوى بين عدة
قال أبو محمد ابن حزم: وعدة الأمة المتزوجة من الطلاق والوفاة، كعدة الحرة
الحرة والأمة
سواء بسواء، ولا فرق، لأن الله تعالى علَّمنا العِدَدَ في الكِتاب، فقال:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقر: ٢٢٨] وقال: ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة:
٢٣٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّلَائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُم، إن ارْتَبْتُم
فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلَائِي لَم يحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقد علم الله تعالى إذ أباح لنا زواج الإِماء، أنه يكون
٥٧٧
زاد المعاد ج ٥-م١٩
عليهن العِدَدُ المذكورات. وما فرَّق عز وجل بين حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ في ذلك، وما كان
ربك نسياً.
قول من قال: إن عدة الأمة
نصف عدة الحرة
وثبت عمن سلف مثل قولنا: قال محمد بن سيرين رحمه الله. ما أرى عِدَّة
الأَمَةِ إلا كَعِدَّة الحُرَّة، إلا أن يكون مضت في ذلك سُنَّةٌ، فالسُّنَّةُ أحقُّ أن تُنَبَعَ.
قال: وقد ذكر أحمد بن حنبل، أن قول مكحول: إنَّ عِدَّة الأمة في كل شيء،
كَعِدَّة الحُرَّة، وهو قول أبي سليمان، وجميع أصحابنا، هذا كلامه، وقد خالفهم
في ذلك جمهور الأُمَّةِ، فقالوا: عِدَّتُها نصف عِدَّة الحرة، هذا قول فقهاء المدينة:
سعيدِ بنِ المسيب، والقاسِم، وسالِم، وزيد بن أسلم، وعبدِ الله بن عتبة،
والزهريِّ، ومالك، وفقهاءِ أهل مكة: كعطاءِ بنِ أبي رباح، ومسلم بنِ خالد
وغيرهما، وفقهاءِ البصرة: كقتادة، وفقهاءِ الكوفة، كالثوريِّ وأبي حنيفةً
وأصحابه رحمهم الله. وفقهاءِ الحديثِ كأحَمدَ وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور
رحمهم الله وغيرهم، وسلفُهم في ذلك الخليفتان الراشدان: عمرُ بنُ الخطاب،
وعليُّ بنُ أبي طالب، رضي الله عنهما، صح ذلك عنهما، وهو قولُ عبدِ الله بنِ
عمر رضي الله عنه، كما رواه مالك، عن نافع، عنه: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان، وعِدَّةُ
الحرة ثلاث حِيضَ، وهو قول زيد بن ثابت، كما رواه الزهري، عن قَبيصة، بن
ذُؤَيب، عن زيد بن ثابت: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان، وعِدَّة الحرة ثلاثُ حِیَضٍ. وروى
حماد بن زيد، عن عمرو بن أوس الثقفي، أن عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه
قال: لو استطعتُ أن أجعلَ عِدَّةَ الأَمَةِ حیضةً ونصفاً لفعلت، فقال له رجل: يا
أمير المؤمنين! فاجعلها شهراً ونصفاً.
وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن
عبد الله يقول: جعل لها عمرُ رضي الله عنه حيضتين، يعني: الأَمَةَ المطَلَّقة (١).
وروى عبد الرزاق أيضاً: عن ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٥) وإسناده صحيح.
٥٧٨
سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عمر رضي الله عنه: ينكح
العبد اثنتين، ويطلِّق تطليقتين، وتعتدُّ الأَمَةُ حيضتين، فإن لم تحض، فَشَهْرين أو
قال: فشهراً ونصفاً(١).
وذكر عبد الرزاق أيضاً: عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي، عن
ابن مسعود قال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة (٢).
وقال ابن وهب: أخبرني رجال من أهل العلم: أن نافعاً، وابنَ قُسَيْطٍ،
ويحيى بن سعيد، وربيعة، وغير واحد من أصحابٍ رسولِ اللهِ مَّر، والتابعين،
قالوا: عِدَّةُ الأَمَةِ حيضتان. قالوا: ولم يزل هذا عمل المسلمين.
قال ابن وهب: أخبرني هشام بن سَعْد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصِّدِّيق رضي الله عنهم، قال: عِدَّة الأَّمَةِ حيضتان.
قال القاسم: مع أن هذا ليس في كتاب الله عز وجل، ولا نعلمه سُنَّةً عَنْ
رسول الله وَّة، ولكن قد مضى أمرُ النَّاسِ على هذا، وقد تقدَّم هذا الحديث
بعينه، وقولُ القاسم وسالم فيه لرسول الأمير، قل له: إن هذا ليس في کِتاب الله،
ولا سُنَّةِ رسول الله بيّ، ولكن عمل به المسلمون. قالوا: ولو لم يكن في المسألة
إلا قولُ عمر، وابنٍ مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، لکفی به.
وفي قول ابن مسعود رضي الله عنه: تجعلون عليها نصف العذاب،
ولا تجعلون لها نصف الرخصة، دليل على اعتبار الصحابة للأَقْيسة والمعاني،
وإلحاق النظير بالنظير.
ولما كان هذا الأثر مخالفاً لقول الظاهرية في الأصل والفرع، طعن ابنُ حزم
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٢) والبيهقي ٤٢٥/٧، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٢٨٧٩) ورجاله ثقات إلا أنه منقطع، إبراهيم لم يسمع من ابن
مسعود.
٥٧٩
فيه وقال: لا يصح عن ابن مسعود: قال: وهذا بعيد على رجل من عُرْضٍ الناس،
فكيف عن مثل ابن مسعود؟ وإنما جَرَّأَه على الطعن فيه، أنه من رواية إبراهيم
النخعي عنه، رواه عبد الرزاق عن معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، وإبراهيم لم
يسمع من عبد الله، ولكن الواسطة بينه وبينه أصحاب عبد الله كعلقمة ونحوه، وقد
قال إبراهيم: إذا قلتُ: قال عبد الله، فقد حدثني به غير واحد عنه، وإذا قلت:
قال فلان عنه، فهو عمن سَمَّيْتُ، أو كما قال. ومن المعلوم: أن بين إبراهيم،
وعبد الله أئمة ثقات، لم يسمِّ قَطُّ مُنَّهماً، ولا مجروحاً، ولا مجهولاً، فشيوخه
الذين أخذ عنهم عن عبد الله أئمة أجلاء نبلاء، وكانوا كما قيل: سُرُجَ الكوفة،
وكل من له ذَوْق في الحديث إذا قال إبراهيم: قال عبد الله، لم يتوقف في ثبوته
عنه، وإن كان غيره ممن في طبقته، لو قال: قال عبد الله، لا يحصل لنا الثبت
بقوله، فإبراهيم عن عبد الله نظيرُ ابنِ المسيِّب عن عمر، ونظير مالك عن ابن
عمر، فإن الوسائط بين هؤلاء وبين الصحابة رضي الله عنهم إذا سَمَّوْهم وُجِدُوا
من أَجَلِّ الناس، وأوثقهم، وأصدقِهم، ولا يُسَمُّون سواهم ألبتَة، وَدَعِ ابنَ مسعود
في هذه المسألة، فكيف يخالف عمرَ، وزيداً، وابن عمر، وهم أعلم بكتاب الله
وسُنَّةِ رسوله، ويخالف عمل المسلمين، لا إلى قول صاحبٍ ألبتة، ولا إلى
حديث صحيح، ولا حسن، بل إلى عمومٍ أمره ظاهر عند جميع الأُمَّةِ، ليس هو
مما تخفى دلالته، ولا موضعه، حتى يظفر به الواحد والاثنان دون سائر الناس،
هذا من أبين المحال.
ولو ذهبنا نذكر الآثار عن التابعين بتنصيف عِدَّة الأمة، لطالت جداً، ثم إذا تأملتَ
سياق الآيات التي فيها ذِكر العِدَد، وجدتَها لا تتناول الإِماء، وإنما تتناول
الحرائر، فإنه سبحانه قال: ﴿وَالمطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُّوءٍ وَلاَ يَحِلُّ
لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتِهُنَّ
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوفِ﴾
[البقرة: ٢٢٨] إلى أن قال: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاَّ أَنْ
٥٨٠