Indexed OCR Text
Pages 501-520
وصح عن إبراهيم بن ميسرة، أن رجلاً من بني سواءة يقال له: عُبيد الله بن معبد، أثنى عليه خيراً، أخبره أنَّ أباه أو جَدَّه كان قد نكح امرأةً ذاتَ ولدٍ من غيرهِ، ثم أصطحبا ما شاء الله، ثم نكح امرأة شابة، فقال: أحدُ بني الأُولى قد نَكَحْتَ على أمِّنَا وكَبرت واستغنيتَ عنها بامرأةٍ شابة، فطلِّفْهَا، قال: لا واللّهِ إلا أن تُنْكَني ابنتك، قال: فطلَّقها وأنكحه ابنته، ولم تكن في حجره هي ولا أبوها. قال: فجئت سفيانَ بنَ عبد الله، فقلت: استفتِ لي عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه. قال: لتَحُجَّنَّ معي، فأدخلني على عمرَ رضي الله عنه بمنى، فقصصتُ عليه الخَبَرِ، فقال عمرُ: لا بأس بذلك، فاذهب فسل فلاناً، ثم تعالَ فأخبرني. قال: ولا أراهُ إلا علياً قال: فسألتُه، فقال: لا بأس بذلك(١)، وهذا مذهب أهل الظاهر. فإذا كان عمر وعلي رضي الله عنهما ومن يقول بقولهما قد أباحا الربيبة إذا لم تكن في حَجْر الزوج، مع أنها ابنةُ امرأته من النسب، فكيف يُحرمان عليه ابنتها من الرضاع، وهذه ثلاثة قيود ذكرها الله سبحانه وتعالى في تحريمها. أن تكون في حَجْرِهِ، وأن تكون من امرأتِهِ، وأن يكون قد دخل بأمِّها. فكيف يحرم عليه مجرد ابنتها من الرَّضاعة، وليست في حَجْرِهِ، ولا هي ربيبته لغة، فإن الربيبةً بنتُ الزوجة، والربيبُ ابنُها باتفاق الناس، وسُمِّيَا ربيباً وربيبةً لأن زوج أمِّهما يَرُبُّهما في العادة، وأمَّا مَنْ أرضعتهما امرأتُه بغير لبنه، ولم يَرُبَّهَا قَطُّ، ولا كانت في حَجْرِهِ، فدخولها في هذا النص في غاية البعد لفظاً ومعنىً، وقد أشار النبيُّ صلَّة بتحريم الربيبة بكونها في الحَجْر. ففي ((صحيح البخاري)) من حديث الزهري، عن عروة، أن زينبَ بنتَ أم سلمةَ أخبرتُه أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت: يا رسول الله! أُخبِرْتُ أنك تخطُب بنتَ أبي سلمة، فقال: بنتَ أمِّ سلمة؟ قالت: نعم، فقال: ((إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيَتِي فِي حَجْرِي لَمَا حَلَّتْ لي))(٢). وهذا يدل على (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٨٣٥). (٢) أخرجه البخاري ١٢١/٩، ١٢٤ في النكاح: باب (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) و١٣٦/٩: باب (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) وباب = ٥٠١ اعتباره مَّ القيدَ الذي قيَّده الله في التحريم، وهو أن تكون في حَجْر الزوج. ونظير هذا سواء، أن يقال في زوجة ابنِ الصُّلب إذا كانت مُحرَّمة برضاع: لو لم تكن حليلة ابني الذي لصلبي، لما حلَّت لي سواء، ولا فرق بينهما، وبالله التوفيق. فصل التحريم بلبن الفحل الحكم الثاني: المستفاد من هذه السُّنَّة، أَنَّ لبن الفحل يُحَرِّم، وأن التحريمَ ينتشِرُ مِنه كما ينتشِر من المرأة، وهذا هو الحقُّ الذي لا يجوز أن يُقال بغيره، وإن خالف فيه مَنْ خالفَ من الصحابة ومَنْ بَعْدَهُم، فَسُنَّهُ رسولِ اللّهِ بَ﴿ أَحَقُّ أن تُتَّبَعَ، ويتركَ ما خالفها لأجلها، ولا تُتْرَكُ هي لأجل قولِ أحد كائناً مَنْ كان. ولو تُركت السُّنَنُ لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غيرِ ذلك، لَتْرِكَ سُنَنٌ كثيرة جداً، وتُركت الحجَّةُ إلى غيرها، وقولُ من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتِّباعه، وقولُ المعصوم إلى قولِ غيرِ المعصوم، وهذه بلية، نسأل الله العافية منها، وأن لا نلقاه بها يوم القيامة. قال الأعمش: كان عِمارة، وإبراهيم، وأصحابنا لا يَرَوْنَ بلبن الفحل بأساً حتى أتاهم الحكم بنُ عُتَيْبَة بخبر أبي القُعَيس، يعني: فتركوا قولَهم، ورجعوا عنه، وهكذا يَصْنَعُ أهلُ العلم إذا أتَتْهُم السُّنَّةُ عن رسول الله ◌ِّهِ، رجعوا إليها، وترکوا قولهم بغيرها. حجة من قال بعدم التحريم قال الذين لا يحرِّمون بلبن الفحل: إنما ذكر اللّهُ سبحانه في كتابه التحريم بالرضاعة مِنَ جهة الأم، فقال: ﴿وأمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنِكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، واللام: للعهد ترجع إلى الرَّضاعة المذكورة، وهي رَضاعة الأم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، = (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف). ٥٠٢ فلو أثبتنا التحريمَ بالحديث لَكُنَّا قد نسخنا القرآن بالسُّنَّة، وهذا - على أصل من يقول: الزيادة على النص نسخ - ألزمُ، قالوا: وهؤلاء أصحابُ رسول الله ◌ُثّ هم أعلمُ الأُمَّ بِسُنَّتِهِ، وكانوا لا يرون التحريمَ به، فصح عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن زَمْعَةَ أن أمَّهُ زينبَ بنتَ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين أرضعتها أسماءُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه امرأةٌ الزبير بن العوام، قالت زينب: وكان الزبيرُ يدخل عليَّ وأنا أَمْتَشِطُ فيأخذ بقَرْنٍ من قرون رأسي، ويقول: أقبلي عليَّ فحدِّثيني أرى أنه أبي، وما ولَدَ منه: فهم إخوتي، ثم إن عبدَ اللّهِ بنَ الزبير أرسل إليَّ يخطُبُ أمّ كلثوم ابنتي على حمزةَ بن الزبير، وكان حمزةُ للكلبية، فقالت لرسوله: وهَل تَحِلُّ له؟ وإنما هي ابنةُ أخته، فقال عبد الله: إنما أردتِ بهذا المنعَ من قِبَلِكِ. أمَّا ما ولدتْ أسماءُ، فهم إخوتك، وما كان من غير أسماءَ فليسوا لك بإخوةٍ، فأرسلي فاسألي عن هذا، فأرسلتْ فسألتْ، وأصحابُ رسول الله لََّ متوافِرون، فقالوا لها، إن الرضاعة من قبلِ الرَّجُل لا تحرِّم شيئاً، فأنكحيها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك (١) عنها(١). قالوا: ولم ينكر ذلك الصحابةُ رضي الله عنهم، قالوا: ومن المعلوم أن الرضاعة من جهة المرأة لا من الرجل. قال الجمهور: ليس فيما ذكرتم ما يُعارِضُ السُّنَّة الصحيحة الصريحة، فلا يجوزُ العدولُ عنها. أمَّا القرآن، فإنه بينَ أمرين: إما أن يتناولَ الأخت من الأب من الرضاعة فيكون دالاً على تحريمها، وإما أن لا يتناولَها فيكون ساكتاً عنها، فيكون تحريمُ السُّنَّة لها تحريماً مبتدءاً ومخصصاً لعموم قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذُلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] والظاهرُ يتناولُ لفظ الأختِ لها، فإنه سبحانه عمم لفظ الأخوات من الرَّضاعة، فدخل فيه كُلُّ مَنْ أطلق عليها أخته، ولا يجوزُ أن يُقال: إن أخته من أبيه من الرّضاعة ليست أختاً له، فإن النبيَّ نَّه قال لعائشة رد من قال بالتحريم (١) أخرجه الشافعي. ٥٠٣ رضي الله عنها: ائذني لأفلح، فإنه عَمُّك، فأثْبتَ العمومةَ بينها وبينه بلبنِ الفحل وحده، فإذا ثبتت العُمُومة بين المرتضعة، وبين أخي صاحب اللبن، فثبوتُ الأُخوة بينها وبين ابنه بطريق الأولى أو مثله. فالسُّنَّة بينتْ مرادَ الكتاب، لا أنها خالفته، وغايتُها أن تكونَ أثبتتْ تحريمَ ما سکت عنه، أو تخصیص ما لم يرد عمومه. وأما قولكم: إن أصحاب رسول الله مَ ﴿ لا يرون التحريمَ بذلك، فدعوى باطلة على جميع الصحابة، فقد صح عن علي رضي الله عنه إثبات التحریم به، وذكر البخاري في ((صحيحه)) أن ابن عباس سئل عن رجل كانت له امرأتانِ أرضعت إحداهما جاريةً، والأخرى غلاماً، أيحِلُّ أن يَنْكَحَهَا؟ فقال ابنُ عباس: لا ، اللقاحُ واحد (١)، وهذا الأثر الذي استدللتم به صريح عن الزبير أنه كان يعتقدُ أن زينبَ ابنته بتلك الرضاعة، وهذه عائشةُ أُمُ المؤمنين رضي الله عنها كانت تُفتي: أن لبن الفحل ينشُرُ الحرمة، فلم يَبْقَ بأيديكم إلا عبدُ الله بنُ الزبير، وأين يَقعُ من هؤلاء. وأما الذين سَألتُهُم فأفتوها بالحل، فمجهولون غيرُ مَسَمَّين، ولم يقلِ الراوي: فسألت أصحابَ رسول الله ◌َّل وهم متوافرون، بل لعلها أرسلتْ فسألت من لم تَبْلُغْهُ السُّنَّةُ الصحيحة منهم، فأفتاها بما أفتاها به عبد الله بن الزبير، ولم يكن الصحابة إذ ذاك متوافرين بالمدينة، بل كان معظمهم وأكابرُهم بالشام والعراق ومصر . وأما قولكم: إن الرَّضاعة إنما هي من جهة الأم، فالجواب أن يقال: إنما اللبنُ للأب الذي ثار بوطئه، والأم وعاء له، وبالله التوفيق. فإن قيل: فهل تَثْبت أبُوَّةُ صاحبِ اللبن وإن لم تثبت أمومة المرضعة، أو (١) صحيح وقد تقدم تخريجه قريباً. ٥٠٤ ثبوتُ أُبُوَّتِهِ فرع على ثبوت أمومة المرضعة؟ قيل: هذا الأصلُ فيه قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي، وعليه مسألة من له أربعُ زوجات، فأرضعنَ طفلةً كُلُّ واحدةٍ منهن رَضْعتين، فإنهن لا يَصِرْنَ أماً لها، لأن كل واحدة منهن لم تُرضِعُها خمس رَضَعَات. وهل يصير الزوج أباً للطفلة؟ فيه وجهان. أحدهما: لا يصير أباً، كما لم تَصِر المرضعاتُ أُمُّهاتٍ، والثاني وهو الأصح: يصير أباً، لكون الولد ارتضع من لبنه خمس رَضَعَات، ولبنُ الفَحْل أصلٌ بنفسه، غير متفرِّع على أمومة المرضعة، فإن الأبوةَ إنما تثبت بحصول الارتضاع من لبنه، لا لِكون المرضعة أمه، ولا يجيءُ هذا على أَصْلَيْ أبي حنيفة ومالك، فإن عندهما قليل الرضاع وكثيره محرِّم، فالزوجاتُ الأربع أمهات للمرتضِع، فإذا قلنا بثبوت الأُبُوَّةِ وهو الصحيح، حَرُمَتِ المرضعاتُ على الطفل، لأنه ربيبُهنَّ، وهُنَّ موطوءات أبيه، فهو ابنُ بَعْلِهِنَّ. وإن قلنا: لا تثبت الأُبُوَّةُ لم يَحْرُمْنَ عليه بهذا الرضاع. وعلى هذه المسألة: ما لو كان لِرجل خمسُ بناتٍ، فأرضعنَ طفْلاً، كلُّ واحدة رَضْعَة، لم يَصِرْنَ أمهاتٍ له. وهل يصير الرجل جداً له، وأولاده الذين هم إخوةُ المرضِعات أخوالاً له وخالات؟ على وجهين، أحدهما: يصير جداً، وأخوهن خالاً، لأنه قد كَملَ المرتضِع خمسَ رَضَعَاتٍ من لبن بناته، فصار جَدّاً، كما لو كان المرتضِع بنتاً واحدة. وإذا صار جَدّاً كان أولادُه الذين هُم إخوةُ البنات أخوالاً وخالات، لأنهن إخوةٌ من كمل له منهن خمسُ رَضَعَات، فنزلوا بالنسبة إليه منزلةً أم واحدة، والآخر لا يصيرُ جَداً، ولا أخواتُهن خالاتٍ، لأن كونَه جداً فرعٌ على كونِ ابنته أمَّاً، وكونُ أخيها خالاً فرع على كون أُخته أمّاً، ولم يثبتِ الأصل، فلا يثبُت فرعُه، وهذا الوجه أصحُّ في هذه المسألة، بخلاف التي قبلَها، فإن ثبوت الأُبُوَّةِ فيها لا يستلزم ثبوت الأمومة على الصحيح. والفرقُ بينهما: أن الفرعية متحققة في هذه المسألة بين المرضعات وأبيهن، فإنهنَّ بناتُه، واللبن ليس له، فالتحريم هنا بين المرضعة وابنها، فإذا لم تكن أُمّاً، لم يكن أبوها جَدّاً، ٥٠٥ بخلافٍ تلك، فإن التحريم بينَ المرتضِع وبينَ صاحب اللبن، فسواءٌ ثبتت أمومةٌ المرضعة أولا، فعلى هذا إذا قلنا: يصير أَخُوهنَّ خالاً، فهل تكون كل واحدة منهن خالةً له؟ فيه وجهان. أحدهما: لا تكون خالةً، لأنه لم يرتضِعْ من لبن أخواتِهَا خمس رضعات، فلا تثبت الخؤولة. والثاني: تثبت، لأنه قد اجتمع من اللبن المحرِّم خمس رضعات، وكان ما ارتضع منها ومن أخواتها مثبتاً للخؤولة، ولا تثبت أمومة واحدة منهن إذ لم يرتضع منها خمس رضعات، ولا يستبعدُ ثبوت خؤولة بلا أمومة، كما ثبت في لبن الفحل أبوة بلا أمومة، وهذا ضعيف. والفرق بينهما. أن الخؤولة فرع محض على الأمومة، فإذا لم يثبت الأصل، فكيف يثبُتُ فرعُه؟ بخلاف الأبوة والأُمومة، فإنهما أصلان لا يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر. وعلى هذا مسألة، ما لو كان لرجل أُم، وأخت، وابنة، وزوجةُ ابن، فأرضعن طِفْلَةً كُلُّ واحدة منهن رَضْعَة، لم تَصِرْ واحدةٌ منهن أمها، وهل تحرم على الرجل؟ على وجهين. أوجههما: ما تقدم. والتحريمُ هاهنا بعيد، فإن هذا اللبن الذي كمل للطفل لا يجعل الرجل أباً له، ولا جداً، ولا أخاً، ولا خالاً، والله أعلم. تحريم المخلوقة من ماء الزاني فصل وقد دلّ التحريم بلبن الفحل على تحريم المخلوقة مِن ماء الزاني دلالةَ الأولى والأحْرى، لأنه إذا حرم عليه أن ينكِحَ من قد تغذَّت بلبن ثار بوطئه، فكيف يَحِلُّ له أن ينكِحَ من قد خُلِقَ مِن نفس مائه بوطئه؟ وكيف يحرِّم الشارعُ بنتَهُ من الرضاع لما فيها من لبن كان وطء الرجل سبباً فيه، ثم يُبيح له نكاحَ مَنْ خُلِقَتْ بنفس وطئه ومائه؟ هذا من المستحيل، فإن البَعْضِيَّةَ التي بينه وبينَ المخلوقة مِن مائه اكملُ وأتُّ مِن الْبَعْضِيَّة التي بينَه وبين من تغذَّت بلبنه، فإن بنت الرضاع فيها جزء ما من البعضية، والمخلوقة من مائه كاسمها مخلوقة مِن مائه، فنصفُها أو أكثرها بعضُه قطعاً، والشطرُ الآخر للأم، وهذا قولُ جمهورِ المسلمين، ولا يُعرف ٥٠٦ في الصحابة من أباحها، ونص الإِمام أحمد رحمه الله، على أن من تزوَّجها، قُتِلَ بالسيف محصناً كان أو غيره. وإذا كانت بنتُه من الرضاعة بنتاً في حكمين فقط: الحرمة، والمحرمية، وتخلف سائر أحكام البنت عنها لم تُخرجها عن التحريم، وتُوجب حِلها، فكذا بنتُه مِن الزنى تكون بنتاً في التحريم، وتخلُّفُ أحكامِ البنت عنها لا يُوجب حلها، والله سبحانه خاطب العرب بما تعقِلُه في لغاتِها، ولفظ البنت لفظ لغوي لم ينقلْه الشارع عن موضعه الأصلي، كلفظ الصلاة والإِيمان ونحوهما، فيُحملُ على موضوعه اللغوي حتی یثبت نقل الشارع له عنه إلى غيره، فلفظُ البنتِ كلفظِ الأخ والعم والخال ألفاظٌ باقية على موضوعاتها اللغوية. وقد ثبت في ((الصحيح)) أن الله تعالى أنطق ابنَ الراعي الزاني بقوله: ((أبي فُلانٌ الرَّاعي))(١)، وهذا الإِنطاقُ لا يحتمِلُ الكذب، وأجمعت الأمةُ على تحريم أمّه عليه. وخلقُه من مائها، وماء الزاني خلقٌ واحد، وإثمهُما فيه سواء، وكونه بعضاً له مثلُ كونه بعضاً لها، وانقطاع الإِرث بین الزاني والبنت لا يُوجب جوازَ نكاحها، ثم مِن العجب كيف يُحَرِّمُ صاحبُ هذا القول أن يستمنيَ الإِنسان بيده، ويقول: هو نكاحٌ لِيده، ويُجوِّزُ للإِنسان أن ينكحَ بعضَه، ثم يُجوِّزُ له أن يستفرِشَ بعضه الذي خَلَقَهُ الله مِن مائه، وأخرجَهُ مِن صُلبه، كما يستفرش الأجنبية. فصل والحكم الثالث: أنه لا تُحرَّم المصةُ والمصَّتَانِ، كما نص عليه رسول الله وَّةٍ، ولا يُحرِّمُ إلا خمسُ رضعات، وهذا موضع اختلف فيه العلماء. فأثبتت طائفة من السلف والخلف التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهذا يروى عن علي وابن عباس، وهو قولُ سعيد بن المسيب، والحسن والزهري، وقتادة، والحكم، وحماد، والأوزاعي، والثوري، وهو مذهبُ مالك، وأبي حنيفة، وزعم الليثُ بنُ سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيرة يُحرِّم في لا تحرم المصة والمصتان من الرضاع (١) أخرجه مسلم (٢٥٥٠) في البر: باب تقديم بر الوالدين على التطوع في الصلاة وغيرها. ٥٠٧ المهد ما يُفْطِرُ به الصائم، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله. وقالت طائفة أخرى: لا يثبت التحريمُ بأقلَّ مِن ثلاث رضعات، وهذا قولُ أبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، وداود بن علي، وهو روايةٌ ثانية عن أحمد. وقالت طائفة أخرى: لا يثبت بأقلَّ مِن خمس رضعات، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاووس، وهو إحدى الروايات الثلاث عن عائشة رضي الله عنها، والرواية الثانية عنها: أنه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة: لا يحرم أقل من عشر. والقول بالخمس مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قولُ ابن حزم، وخالف داود في هذه المسألة. فحجةُ الأولين أنه سبحانه علَّقَ التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمُها وُجِدَ حكمُها، والنبيُّ ◌ٍَّ قال: ((يحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ)) وهذا موافق لاطلاق القران. ءِ حجة من علق التحريم بقليل الرضاع وكثيره وثبت في «الصحيحين))، عن عقبة بن الحارث، أنه تزوج أمّ يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتُكما، فذكر ذلك للنبيِّ لَه فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: ((وكيف وقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُما فنهاهُ عنها))(١)، ولم يسأل عن عدد الرضاع، قالوا: ولأنه فعل يتعلق به التحريم، فاستوى قليلهُ وكثيره، كالوطء الموجب له، قالوا: ولأن إنشاز العظم، وإنباتَ اللحم يحصُل بقليله وكثيره. قالُوا: ولأن أصحابَ العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة وحقيقتها، واضطربت أشدَّ الاضطراب، وما كان هكذا لم (١) أخرجه البخاري ١٨٤/٥ في الشهادات: باب إذا شهد شاهد أو شهود بشيءٍ، وقال الآخرون: ما علمنا بذلك يحكم بقول من شهد، وباب شهادة الإماء والعبيد، وباب شهادة المرضعة، وفي النكاح: باب شهادة المرضعة، وفي العلم: باب الرحلة في المسألة النازلة وفي البيوع: باب تفسير الشبهات. وقد وهم المصنف في نسبته إلى مسلم، فإنه لم يخرجه، وهو في ((سنن أبي داود)) (٣٦٠٣) و(٣٦٠٤) والترمذي (١١٥١) والنسائي ٦/ ١٩٠. ٥٠٨ یجعله الشارعُ نصاباً لِعدم ضبطه والعلم به . قال أصحابُ الثلاث: قد ثبت عن النبيِّي ◌َ ◌ّ أنه قال: ((لا تُحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتان))، وعن أم الفضل بنتِ الحارث قالت: قال رسول الله ◌َالَ: ((لا تُحَرِّمُ الإِمْلاجَةُ والإِمْلاَجَتَانِ)). وفي حديث آخر: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله! هل تُحَرِّمُ الرضعةُ الواحِدة؟ قال: ((لا)». وهذه أحاديث صحيحة صريحة، رواها مسلم في ((صحيحه))(١)، فلا يجوز العدولُ عنها فأثبتنا التحريمَ بالثلاث لِعموم الآية، ونفينا التحريمَ بما دونها بصريح السنة قالُوا: ولأن ما يُعتبر فيه العدد والتكرارُ يُعتبر فيه الثلاث. قالوا: ولأنها أولُ مراتب الجمع، وقد اعتبرها الشارعُ في مواضع كثيرة جداً. حجة من علق التحريم بثلاث رضعات قال أصحابُ الخمس: الحجةُ لنا ما تقدَّم في أول الفصل من الأحاديث حجة من علق التحريم الصحيحة الصريحة، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله مخ لل توفي بخمس رضعات والأمرُ على ذلك، قالُوا: ويكفي في هذا قولُ النبي ◌ِّ لِسهلة بنت سهيل: ((أَرْضِعِي سَالِماً خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْهِ)). قالُوا: وعائشة أعلمُ الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساءُ النبي ◌ٍَّ، وكانت عائشةُ رضي الله عنها إذا أرادت أن يذْخُلَ عليها أحد أمرت إحدى بَنَاتِ إخوتِها أو أخواتِها فأرضعتهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. قالوا: ونفيُ التحريم بالرضعة والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثةُ أحاديث صحيحة صريحة بعضُها خرج جواباً للسائل، وبعضُها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالُوا: وإذا علقنا التحريمَ بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئاً من النصوص التي استدللتُم بها، وإنما نكونُ قد قيدنا مطلقها بالخمس، وتقييدُ المطلقِ بيانٌ لا نسخ ولا تخصيصٌ . وأما من علَّق التحريمَ بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديثَ نفي التحريم (١) (١٤٥٠) و(١٤٥١). ٥٠٩ ... . بالرضعة والرضعتين، وأما صاحبُ الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالفٌ لأحادیث الخمس، قال من لم يُقيده بالخمس: حديثُ الخمس لم تنقله عائشةُ رضي الله عنها نقلَ الأخبار، فيحتج به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآناً، فلا يكون قرآناً، وإذا لم يكن قرآناً ولا خبراً، امتنع إثباتُ الحکم به . قال أصحابُ الخمس: الكلامُ فيما نقل مِن القرآن آحاداً في فصلين، أحدهما: كونُه من القرآن، والثاني: وجوبُ العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يُوجب انعقادَ الصلاة به، وتحريمَ مسه على المحدث، وقراءتهِ على الجنبِ، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكامُ لعدم التواتر، لم يلزم انتفاءُ العمل به، فإنه يكفي فيه الظَّنُّ، وقد احتجَّ كُلُّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتج به الشافعي وأحمد في هذا الموضع، واحتج به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفارة بقراءة ابن مسعود «فصيامُ ثلاثة أيام متتابعات)). واحتج به مالك والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأم أنه السدس بقراءة أبي، ((وإن كان رجل يُورث كلالة، أو امرأة وله أخ، أو أخت من أم، فلكل واحد منهما السدس))، فالناسُ كلهم احتجُّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها. قالوا: وأما قولُكم إما أن يكون نقله قرآناً أو خبراً، قلنا: بل قرآناً صريحاً. قولُكم: فكان يجب نقله متواتراً، قلنا: حتى إذا نسخ لفظُه أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني، مسلَّم، وغايةُ ما في الأمر أنه قرآن نُسِخَ لفظُه، وبقي حكمه، فيكونُ له حكمُ قوله: ((الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجمُوهما)) مما اكتفيَ بنقله آحاداً، وحكمُه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان . ٥١٠ أحدهما: أن التحريم لا يثبت بأقلَّ مِن سبع، كما سئل طاووس عن قول من من حرم بسبع رضعات يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة تُحرِّمُ، وهذا المذهب لا دليل عليه. الثاني: التحريمُ إنما يثبتُ بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة وعائشة من حرم بعشر وضعات رضي الله عنهما. وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي # وغيرهن قال طاووس: كان لأزواج النبي مَ رضعات محرمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرِكَ ذلك بعد، وقد تبين الصحيحُ من هذه الأقوال، وبالله التوفيق. فصل حد الرضعة فإن قيل: ما هي الرضعةُ التي تنفصلُ من أختها، وما حدُّها؟ قيل: الرضعةُ فعلة مِن الرضاع، فهي مرة منه بلا شك، كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم الثديَ، فامتصَّ منه ثم تركه باختياره مِن غير عارض كان ذلك رضعة، لأن الشرع ورد بذلك مطلقاً، فحُمِلَ على العُرف، والعُرف هذا، والقطعُ العارضُ لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعودُ عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك، ثم عاد عن قريب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة، هذا مذهب الشافعي، ولهم فيما إذا قطعت المرضعةُ عليه، ثم أعادته وجهان. أحدهما: أنها رضعة واحدة ولو قطعته مراراً حتى يقطع باختياره. قالُوا: لأن الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة، ولهذا لو ارْتَضَع منها وهي نائمة حُسِبَت رضعة، فإذا قطعت عليه، لم يُعتد به، كما لو شرع في أكلة واحدة أمره بها الطبيبُ، فجاء شخص فقطعها عليه، ثم عاد، فإنها أكلة واحدة. والوجه الثاني: أنها رضعة أخرى، لأن الرضاع يَصِحُّ من المرتضع، ومن المرضعة، ولهذا لو أَوْجَرَتْهُ وهو نائم احتسِبَ رضعة. ولهم فيما إذا انتقل من ثدي المرأة إلى ثدي غيرها وجهان. أحدهما: لا ٥١١ يعتد بواحد منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة، فلم تتم الرضعة من إحداهما. ولهذا لو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعةً واحدةٌ. والثاني: أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنه ارتضع، وقطعه باختياره من شخصین. وأما مذهبُ الإِمام أحمد رحمه الله، فقال صاحب ((المغني)): إذا قطع قطعاً بيناً باختيارهِ، كان ذلك رضعة، فإن عاد كان رضعةً أخرى، فأما إن قطع لِضيق نفس، أو للانتقال من ثدي إلى ثدي، أو لشيء يُلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظرنا، فإن لم يَعُدْ قريباً، فهي رضعة، وإن عاد في الحال، ففيه وجهان، أحدهما: أن الأولى رضعة، فإذا عاد، فهي رضعة أخرى، قال: وهذا اختيار أبي بكر، وظاهر كلام أحمد في رواية حنبل، فإنه قال: أما ترى الصبي يرتضع من الثدي، فإذا أدركه النَّفسُ، أمسكَ عن الثدي ليتنفس، أو ليستريح، فإذا فعل ذلك، فهي رضعة، قال الشيخ: وذلك أن الأولى رضعةٌ لو لم يعد، فكانت رضعة، وإن عاد، كما لو قطع باختياره. والوجه الآخر أن جميع ذلك رضعة، وهو مذهب الشافعي إلا فيما إذا قطعت عليه المرضعة، ففيه وجهان، لأنه لو حلف: لا أكلتُ اليومَ إلا أكلةً واحدةً، فاستدام الأكلُ زمناً، أو انقطع لشرب ماء، أو انتقال من لون إلى لون، أو انتظارٍ لما يُحمل إليه من الطعام لم يُعدّ إلا أكلة واحدة فكذا هاهنا، والأول أصح، لأن اليسير من السعوط والوَجُور رضعة، فكذا هذا (١). قلتُ، وكلامُ أحمد يحتملُ أمرين، أحدهما: ما ذكره الشيخ، ويكون قوله: ((فهي رضعة))، عائداً إلى الرضعة الثانية. الثاني: أن يكون المجموعُ رضعة، فيكون قوله: ((فهي رضعة)) عائداً إلى الأول، والثاني، وهذا أظهر (١) المغني ٧ / ٥٣٧ . ٥١٢ محتمليه، لأنه استدل بقطعه للتنفس، أو الاستراحة على كونها رضعة واحدة. ومعلوم أن هذا الاستدلال أليقُ بكون الثانية مع الأولى واحدة من كون الثانية رضعةً مستقلة، فتأمله. وأما قياسُ الشيخ له على يسير السَّعوط والوَجور، فالفرقُ بينهما أن ذلك مستقل ليس تابعاً لرضعة قبله، ولا هو مِن تمامها، فيقال: رضعة بخلاف مسألتنا، فإن الثانية تابعة للأولى، وهي من تمامها فافترقا. فصل زمن الرضاع المحرم والحكم الرابع: أن الرضاع الذي يتعلَّق به التحريمُ ما كان قبل الفطام في زمن الارتضاع المعتاد، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد: هو ما كان في الحولين، ولا يُحَرَّمُ ما كان بعدهما، وصح ذلك عن عمر، وابنٍ مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابنِ عمر، ورُوي عن سعيد بن المسيِّب، والشعبي وابن شُبْرُمَةَ، وهو قولُ سفيان. وإسحاق وأبي عُبيد، وابنٍ حزم، وابن المنذر، وداود، وجمهور أصحابه. وقالت طائفة: الرضاعُ المحرم ما كان قبل الفطام، ولم يحدوه بزمن، صحَّ ذلك عن أم سلمة، وابن عباس ورُوي عن علي، ولم يصح عنه، وهو قولُ الزهري، والحسن، وقتادة، وعِكرمة، والأوزاعي. قال الأوزاعي: إن فُطمَ وله عام واحد واستمر فِطامُه، ثم رضع في الحولين، لم يُحَرِّم هذا الرضاعُ شيئاً، فإن تمادى رضاعُه ولم يُقطم، فما كان في الحولين فإنه يُحرِّمُ. وما كان بعدهما، فإنه لا يُحرِّمُ، وإن تمادى الرضاعُ. وقالت طائفة: الرضاعُ المحرِّمُ ما كان في الصغر، ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ابن عمر، وابن المسيِّب، وأزواج رسول الله بَّة خلا عائشة رضي الله عنها. وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهراً، وعن أبي حنيفة رواية أخرى، كقول أبي يوسف ومحمد. وقال مالك في المشهور من مذهبه: يُحرِّمُ في الحولین، وما قاربهما، ولا حُرمة له بعد ذلك. ثم روي عنه ٥١٣ زاد المعاد ج ٥-م١٧ اعتبارُ أیام یسیرة، وروي عنه شهران. وروي شهر، ونحوه. وروى عنه الوليدُ بن مسلم وغيره: أن ما كان بعدَ الحولين مِن رضاعٍ بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، فإنه عندي من الحولين، وهذا هو المشهورُ عند كثير من أصحابه. والذي رواهُ عنه أصحابُ الموطأ وكان يُقرأ عليه إلى أن مات قوله فيه: وما كان مِن الرضاع بعد الحولين كان قليله وكثيرُه لا يُحرِّمُ شيئاً، إنما هو بمنزلة الطعام، هذا لفظه(١). وقال: إذا فُصلَ الصبي قبلَ الحولين، واستغنى بالطعام عن الرَّضاع، فما ارتضع بعد ذُلك لم يكن للرضاع حرمة. وقال الحسنُ بن صالح، وابن أبي ذِئب وجماعةٌ من أهل الكوفة: مدةُ الرضاع المُحرِّم ثلاثُ سنين، فما زاد عليها لم يُحرم، وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين، وكان يزيد بن هارون يحكيه عنه کالمتعجّبِ من قوله. وروي عنه خلاف هذا، وحَگی عنه ربيعة، أن مدته حولان، واثنا عشر يوماً. من قال بتحريم وضاع الكبير وقالت طائفة من السلف والخلف: يحرمُ رضاع الكبير، ولو أنه شيخ، فروى مالك، عن ابن شهاب، أنه سئل عن رضاع الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير، بحديثٍ أمر رسول الله مَّ سهلة بنت سهيل برضاع سالم، ففعلت، وكانت تراه ابناً لها. قال عروةُ: فأخذت بذلك عائشة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها فيمن كانت تُحِبُّ أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أختَها أمّ كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبَّت أن يدخل عليها من الرجال(٢). وقال عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح وسأله رجلٌ فقال: سقتني امرأةٌ من لبنها بعد ما كنت رجلاً كبيراً، أفأنكِحُها؟ قال (١) الموطأ ٦٠٤/٢. (٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١٧٧/٢ وهو ظاهر الإرسال، لأن عروة لم يدرك أبا حذيفة، إلا أنه رأى عائشة وسائر أزواج النبي ◌ّليّة، وسهلة بنت سهيل، وروى عن معظمهم، وقد وصله أبو داود (٢٠٦١) في النكاح: باب فيمن حرم به من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة وأم سلمة .. ٥١٤ عطاء: لا تَنكِحْهَا، فقلت له: وذلك رأيُك؟ قال: نعم، كانت عائشة رضي الله عنها تأمر بذلك بنات أخيها(١). وهذا قولٌ ثابت عن عائشة رضي الله عنها. ويروى عن علي، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وهو قولُ الليث بن سعد(٢)، وأبي محمد ابن حزم، قال: ورضاعُ الكبير ولو أنه شيخ يُحرِّمُ كما يحرِّم رضاع الصغير. ولا فرق(٣)، فهذه مذاهب الناس في هذه المسألة. ولنذكر مناظرةَ أصحاب الحولين، والقائلين برضاع الكبير، فإنهما طرفان، وسائر الأقوال متقاربة. قال أصحابُ الحولين: قال الله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قالوا: فجعل تمامَ الرضاعة حولين، فدلَّ على أنه لا حكم لما بعدهما، فلا يتعلَّق به التحريم. قالوا: وهذه المدة هي مدة المجاعة التي ذكرها رسولُ الله ﴿ ﴿، وقصرَ الرضاعةَ المحرمة عليها. قالوا: وهذه مدة الثدي الذي قال فيها: ((لا رضاع إلا ما كان في الثدي))، أي في زمن الثدي، وهذه لغة معروفة عند العرب، فإن العرب يقولون: فلان ماتَ في الثَّدي، أي: في زمن الرضاع قبل الفطام، ومنه الحديث المشهور: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ مَاتَ في الثَّدْي وإنَّ لَهُ مُرْضِعاً في الجَنَّةِ تُتِمُّ رَضَاعَهُ))(٤). يعني إبراهيم ابنَه صلواتُ الله وسلامه عليه. قالوا: وأكَّد ذلك بقوله: ((لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء)) وكان في الثدي قبل الفطام، فهذه ثلاثةُ أوصاف للرضاع المُحرِّم، ومعلوم أن رضَاعَ الشيخ الكبير عارٍ من الثلاثة. حجة من قال بعدم التحريم برضاع الكبير (١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٣). (٢) انظر ((سنن البيهقي)) ٤٥٩/٧، ٤٦١، و((المصنف)) ٤٥٨/٧، ٤٦٣. (٣) ((المحلى)) ١٠/ ١٧. (٤) أخرجه مسلم (٢٣١٦) في الفضائل: باب رحمته مل* بالصبيان والعيال، وأحمد : ١١٢/٣ من حديث أنس بن مالك. ٥١٥ قالوا: وأصرحُ مِن هذا حديثُ ابن عباس: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)) . قالوا: وأكدَهُ أيضاً حديث ابن مسعود: ((لا يُحرِّمُ مِنَ الرَّضاعةِ إلا ما أَنْبَتَ اللَّحْمَ وأَنْشَزَ العَظْمَ))، ورضاعُ الكبير لا ينبت لحماً، ولا يُنشز عظماً. قالوا: ولو كان رضاحُ الكبير محرَّماً لما قال النبيُّ ◌َلَّه لعائشة - وقد تغيَّر وجهَه، وكَرِهِ دخولَ أخيها من الرضاعة عليها لما رآهُ كبيراً: ـــ ((انظُرنَ مَنْ إخوانكن)) فلو حرَّم رَضَاع الكبير، لم يكن فرق بينه وبين الصغير، ولما كره ذلك وقال: ((انظرن مَن إخوانُكن)) ثم قال: ((فإنَّما الرضَاعَةُ مِنَ المجَاعَة)) وتحتَ هذا من المعنى خشيةَ أن يكونَ قد ارتضع في غير زمن الرضاع وهو زمن المجاعة، فلا ينشر الحرمة، فلا يكون أخا. قالوا: وأما حديثُ سهلة في رضاع سالم، فهذا كان في أوَّل الهجرة لأن قصته كانت عقيبَ نزول قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُم ◌ِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهي نزلت في أول الهجرة. وأما أحاديث اشتراط الصغر، وأن يكون في الثدي قبل الفطام، فهي من رواية ابن عباس، وأبي هريرة، وابنُ عباس إنما قدم المدينة قبل الفتح، وأبو هريرة إنما أسلم عامَ فتح خيبر بلا شك، كِلاهُما قدم المدينة بعد قصة سالم في رضاعه من امرأة أبي حذيفة . حجة من حرم برضاع الكبير قال المثبتون للتحريم برضاع الشيوخ: قد صحَّ عن النبيِّي ◌َّ صحة لا يمتري فيها أحد أنه أمر سهلة بنتَ سُهيل أن تُرْضِع سالماً مولى أبي حذيفة، وكان كبيراً ذا لحية، وقال: ((أَرْضِعِيهِ تَحْرُمي عَليه)»، ثم ساقوا الحديث، وطرقَه وألفاظَه وهي صحيحةٌ صريحة بلا شك. ثم قالوا: فهذه الأخبارُ ترفع الإِشكال، وتُبين مراد الله عز وجل في الآيات المذكوراتِ أن الرضاعة التي تَتِمُّ بتمام الحولين، أو بتراضي الأبوين قبل الحولين إذا رأيا في ذلك صلاحاً للرضيع، إنما هي الموجبة ٥١٦ للنفقة على المرأة المرضعة، والتي يُجبر عليها الأبوان أحبا أم كرها. ولقد كان في الآية كفاية من هذا لأنه تعالى قال: ﴿والوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وعلى المُؤْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأمر الله تعالى الوالدات بإرضاع المولود عامين، وليس في هذا تحريمٌ للرضاعة بعد ذلك، ولا أن التحريم ينقطعُ بتمام الحولين، وكان قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣٣]، ولم يقل في حولين، ولا في وقت دونَ وقت زائداً على الآيات الأخر، وعمومها لا يجوزُ تخصيصُه إلا بنص يُبين أنه تخصيص له، لا بظن، ولا محتمل لا بيانَ فيه، وكانت هُذِهِ الآثارُ يعني التي فيها التحريمُ برضاع الكبير قد جاءت مجيء التواتُرِ، رواها نساء النبي ◌َُّ، وسهلةُ بنت سهيل، وهي من المهاجرات، وزينبُ بنت أم سلمة وهي ربيبةُ النبيِّ ◌ََّ، ورواها من التابعين: القاسمُ بن محمد، وعروةُ بن الزبير، وحُميد بن نافع، ورواها عن هؤلاء: الزهري، وابنُ أبي مليكة، وعبدُ الرحمن بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ثم رواها عن هؤلاء: أيوب السَّخْتياني، وسفيانُ الثوري، وسفيانُ بن عيينة، وشعبةُ، ومالك، وابنُ جريج، وشعيب، ويونس، وجعفر بن ربيعة، ومعمر، وسليمان بن بلال، وغيرهم، ثم رواها عن هؤلاء الجُّ الغفيرُ، والعددُ الكثير، فهي نقلُ كافة لا يختلفُ مُؤالف ولا مخالف في صحتها، فلم يبق مِن الاعتراض إلا قولُ القائل: كان ذلك خاصاً بسالم، كما قال بعضُ أزواج رسول الله وَُّ ومَنْ تبعهن في ذلك، فليعلمْ من تعلَّق بهذا أنه ظنٌّ ممن ظن ذلك منهن رضي الله عنهن. هكذا في الحديث أنهن قُلن: ما نرى هذا إلا خاصاً بسالم، وما ندري لعلها كانت رخصة لسالم. فإذا هو ظن بلا شك فإن الظن لا يُعارض به السنن الثابتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شَيْئاً﴾ [يونس: ٣٦] وشتانَ بين احتجاجٍ أمِّ سلمة رضي الله عنها بظنها، وبين احتجاج عائشة رضي الله عنها بالسنة الثابتة، ولهذا لما قالت لها عائشة: أما لكِ في رسول الله ◌َّ أسوة حسنة، سكتت أم سلمة، ولم تنطق بحرف، وهذا إما ٥١٧ رجوٌ إلى مذهب عائشة، وإما انقطاع في يدها. قالُوا: وقولُ سهلة لرسول الله وَّ: كيف أرضِعهُ وهو رجل كبير؟ بيان جلي أنه بعد نزول الآيات المذكورات. قالُوا: ونعلم يقيناً أنه لو كان ذلك خاصاً بسالم، لقطع النبيُّ مَ﴾ الإلحاق، ونص على أنه ليس لأحد بعده، كما بيَّن لأبي بردة بن نيار، أن جذعته تُجزىء عنه، ولا تجزىء عن أحد بعده(١) . . وأين يقعُ ذبح جَذعةٍ أضحية من هذا الحكم العظيم المتعلق به حلُّ الفرج وتحريمه، وثبوت المحرمية والخلوة بالمرأة والسفر بها؟ فمعلوم قطعاً، أن هذا أولى ببيان التخصيص لو كان خاصاً. قالوا: وقول النبيِ وَله: ((إنَّما الرّضاعةُ من المَجَاعَةِ)) حجة لنا، لأن شُرب الكبير للبن يُؤثر في دفع مجاعته قطعاً، كما يُؤثر في الصغير أو قريباً منه. فإن قلتم: فما فائدة ذكره إذا كان الكبيرُ والصغيرُ فيه سواء؟ قلنا: فائدتُه إيطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن، أو المصَّة الواحدة التي لا تُغني من جوع، ولا تُنبت لحماً، ولا تُنشز عظماً. قالوا: وقولُه ◌ِ ل ◌ٍ: «لا رضاع إلا ما كان في الحولين، وكان في الثدي قبلَ الفطام)) ليس بأبلغَ مِن قوله ◌ِ : ((لا ربا إلاّ في النسيئة))، ((وإنما الربا في النسيئة)(٢)، ولم يمنع ذلك ثبوتُ ربا الفضل بالأدلة الدالة عليه، فكذا هذا. فأحاديثُ رسول اللهِ وَّةَ، وسننُه الثابتة كُلُّهَا حق يجب اتباعُها، ولا يضرب بعضها ببعض، بل تستعمل كلاً منها على وجهه. قالوا: ومما يدلُّ على ذلك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأفقه نساء الأمة هي التي روت هذا وهذا، (١) أخرجه البخاري ٣/١٠ في أول الأضاحي، ومسلم (١٩٦١) في الأضاحي: باب وقتها، من حديث البراء. (٢) أخرجه البخاري ٣١٨/٤ في البيوع: باب بيع الدينار بالدينار نساءً، ومسلم (١٥٩٦) (١٠٢) في المساقاة: باب بيع الطعام مثلاً بمثل من حديث أسامة بن زيد. ٥١٨ فهي التي روت: ((إنَّما الرَضَاعَةُ مِنَ المَجَاعِةِ)) وروت حديث سهلة، وأخذت به فلو كان عندها حديث ((إنما الرضاعة من المجاعة)) مخالفاً لحديث سهلة، لما ذهبت إليه وتركت حديثاً واجهها به رسولُ الله ◌َّه، وتغيَّرَ وجهه، وكره الرجل الذي رآه عندها، وقالت: هو أخي. قالوا: وقد صحَّ عنها أنها كانت تُدْخِلُ عليها الكبير إذا أرضعته في حال كبره أختٌ مِن أخواتها الرضاع المُحَرم، ونحن نشهدُ بشهادة الله، ونقطع قطعاً نلقاه به يوم القيامة، أن أمّ المؤمنين لم تكن لِتبيحَ سِتَر رسول الله ◌َّ بحيث ينتهِكُه من لا يَحِلُّ له انتهاكُه، ولم يكن الله عز وجل ليبيح ذلك على يدِ الصِّديقة بنت الصديق المبرأةِ من فوق سبع سَمَاوات، وقد عصم الله سبحانه ذلك الجنابَ الكريم، والحمى المنيع، والشرفَ الرفيع أتمَّ عِصمة، وصانه أعظمَ صيانة، وتولَّى صيانته وحمايتَه، والذبَّ عنه بنفسه ووحيه وكلامه، قالوا: فنحن نُوقِنُ ونقطعُ، ونَبِتُ الشهادة لله، بأن فعلَ عائشة رضي الله عنها هو الحقُّ، وأن رضاعَ الكبير يقع به من التحريم والمحرميةِ ما يقع برضاع الصغير، ويكفينا أمُّنَا أفقه نساء الأمة على الإطلاق، وقد كانت تُناظر في ذلك نساءه بَّهَ، ولا يُجِبْنَها بغيرِ قولهن: ما أحدٌ داخلٌ علينا بتلك الرضاعة، ويكفينا في ذلك أنه مذهبُ ابن عم نبينا، وأعلم أهل الأرض على الإطلاق حين كان خليفة، ومذهبُ الليث بن سعد الذي شهد له الشافعي بأنه كان أفقه من مالك، إلا أنه ضيَّعه أصحابُه، ومذهبُ عطاء بن أبي رياح ذكره عبدُ الرزاق عن ابن جريج عنه. وذكر مالك عن الزهري، أنه سُئلَ عن رضاع الكبير، فاحتج بحديثٍ سهلة بنت سهيل في قصة سالم مولى أبي حذيفة، وقال عبد الرزاق: وأخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، أن سالم بن أبي جعد المولى الأشجعي أخبره أن أباه أخبره، أنه سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: أردت أن أتزوَّج امرأة قد سقتني من لبنها وأنا كبير تداويتُ به، فقال له علي: لا تَنْكِحْهَا، ونهاه عنها(١). (١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٨٨٨) ورجاله ثقات. ٥١٩ فهؤلاء سلفنا في هذه المسألة، وتلك نصوصنا كالشمس صحة وصراحة. قالوا: وأصرحُ أحاديثكم حديثُ أم سلمة ترفعه: ((لا يُحَرِّمُ مِن الرّضَاعِ إلا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ في الثَّذِي وكَانَ قَبْلَ الفِطَام)) فما أصرحه لو كان سليماً من العلة، لكن هذا حديثٌ منقطع (١)، لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئاً، لأنها كانت أسنَّ مِن زوجها هشام باثني عشر عاماً، فكان مولده في سنة ستين، ومولد فاطمة في سنة ثمان وأربعين، وماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، وفاطمة صغيرة لم تبلغها، فكيف تحفظُ عنها، ولم تسمعْ مِن خالة أبيها شيئاً وهي في حَجْرها، كما حصل سماعُها من جدتها أسماء بنت أبي بكر؟ قالوا: وإذا نظر العالمُ المنصف في هذا القول، ووازن بينه وبينَ قول من يَحُدُّ مدة الرضاع المُحرِّم بخمسة وعشرين شهراً، أو ستة وعشرين شهراً أو سبعة وعشرين شهراً، أو ثلاثين شهراً من تلك الأقوال التي لا دليل عليها مِن كتاب الله، أو سُنة رسوله، ولا قولِ أحد من الصحابة، تبيَّن له فضلُ ما بين القولين، فهذا (١) هذه دعوى مردودة على قائلها، فالحديث متصل الإسناد، صحيح على شرط الشيخين، صححه غير واحد من الأئمة، فإن فاطمة بنت المنذر كان سنها أربعة عشر عاماً حين توفيت أم سلمة، فقد ثبت في ((صحيح مسلم)) (٢٨١٢) أن الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا عليها في خلافة يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، ... وكان ذلك في حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة وكانت وَقعة الحرة سنة ثلاث وستين، وهذا يرد قول هذا القائل إنها ماتت سنة تسع وخمسين اعتماداً على رواية الواقدي المؤوفة التي انفرد بها، على أنَّا لو سلمنا بصحتها، فإن سماع من يكون في سن الحادية عشرة صحيح لا خلاف فيه، بل قد سوغ السماع بأقل من هذا السن، فقد صححوا غير ما حديث الحسن بن علي ومنها حديث قنوت الوتر مع أنه رضي الله عنه كان له من العمر سبع سنوات حين توفي رسول الله صل. على أن للحديث شاهداً عن عبد الله بن الزبير مرفوعاً بلفظ ((لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء)) أخرجه ابن ماجه (١٩٤٦) وسنده صحيح، فإن روايه عن ابن لهيعة عبد الله بن وهب، وقد أفتى بذلك غير واحد من الصحابة، وسيذكر المؤلف ذلك قريباً. ٥٢٠