Indexed OCR Text

Pages 421-440

والآخر كافراً، فكيف تحتجون بما لا تقولون به.
قالوا: وأيضاً فلو كانا مسلمين، ففي الحديث أن الطفل كان فطيماً، وهذا
قطعاً دون السبع، والظاهر أنّه دون الخمس، وأنتم لا تُخيرون من له دون السبع،
فظهر أنه لا يُمكنكم الاستدلالُ بحدیث رافع هذا على كل تقدير .
فبقي المقام الثاني، وهو إلغاء وصف الذكورة في أحاديث التخيير وغيرها،
فنقول: لاريب أن مِن الأحكام ما يكفي فيها وصفُ الذكورة، أو وصفُ الأنوثة
قطعاً، ومنها ما لا يكفي فيه، بل يُعتبر فيه إمّا هذا وإمّا هذا، فيُلغى الوصف في
كل حكم تعلَّق بالنوع الإنساني المشترك بين الأفراد، ويُعتبر وصفُ الذكورة في
كل موضع كان له تأثير فيه، كالشهادة والميراث، والولاية في النكاح، ويعتبر
وصفُ الأنوثة في كلِّ موضع يختصُّ بالإناث، أو يُقدمن فيه على الذكور،
كالحضانة، إذا استوى في الدرجة الذكر والأنثى، قُدِّمت الأنثى.
بقي النظر فيما نحن فيه من شأن التخيير، هل لِوصف الذكورة تأثيرٌ في ذلك
فيُلحق بالقسم الذي تعتبر فيه، أو لا تأثير له فيلحق بالقسم الذي يلغى فيه؟ ولا
سبيل إلى جعلها من القسم الملغى فيه وصفُ الذكورة، لأن التخيير هاهنا تخيير
شهوة، لا تخيير رأي ومصلحة، ولهذا إذا اختار غيرَ مَن اختاره أولاً، نقل إليه،
فلو خيرت البنت، أفضى ذلك إلى أن تكونَ عند الأب تارة، وعند الأم أخرى،
فإنها كلما شاءت الانتقال، أجيبت إليه، وذلك عكسُ ما شرع للإِناث مِن لزوم
البيوت، وعدم البروز، ولزوم الخدور وراء الأستار، فلا يليقُ بها أن تمكن مِن
خلاف ذلك. وإذا كان هذا الوصفُ معتبراً قد شهد له الشرعُ بالاعتبار لم يمكن
إلغاؤه .
قالوا: وأيضاً فإن ذلك يُفضي إلى ألا يبقى الأبُ موكّلاً بحفظها، ولا الأم
لتنقُّلِها بينهما، وقد عُرِفَ بالعادة أن ما يتناوبُ الناسُ على حفظه، ويتواكلون فيه،
فهو آيل إلى ضياع، ومن الأمثال السائرة: ((لا يصلُحُ القِدْرُ بَيْنَ طَبَّا خَيْنِ)).
٤٢١

قالوا: وأيضاً فالعادة شاهدة بأن اختيار أحدهما يُضعف رغبة الآخر فيه
بالإِحسان إليه وصيانته، فإذا اختار أحدَهما، ثم انتقل إلى الآخر لم يبق أحدُهما
تامَ الرغبة في حفظه والإِحسان إليه .
فإن قلتم: فهذا بعينه موجودٌ في الصبي، ولم يمنع ذلك تخييره. قلنا:
صدقتُم لكن عارضَه كونُ القلوب مجبولةً على حُبِّ البنين، واختيارِهم على
البناتِ، فإذا اجتمع نقصُ الرغبة، ونقصُ الأنوثة، وكراهةُ البنات في الغالب،
ضاعت الطِّفْلَةُ، وصارت إلى فسَاد يَعْسُرُ تلافِيه، والواقعُ شاهِدٌ بهذا، والفقه
تنزيل المشروع على الواقع، وسِرُّ الفرق أن البنتَ تحتاجُ مِن الحفظ والصيانةِ فوقَ
ما يحتاجُ إليه الصبيُّ، ولهذا شُرِعَ في حق الإِناثِ مِنَ الستر والخَفَرِ ما لم يُشرع
مثلُه للذكور في اللباس وإرخاء الذيل شِبراً أو أكثر، وجمع نفسِها في الركوع
والسجود دونَ التجافي، ولا ترفعُ صوتَها بقراءة القرآن، ولا تَرْمُلُ في الطواف،
ولا تتجرَّدُ في الإِحرام عن المخيط، ولا تَكشِفُ رأسها، ولا تُسافِرُ وحدَها، هذا
كلّهُ مع كبرها ومعرفتها، فكيف إذا كانت في سنِّ الصغر. وضعفِ العقل الذي
يقبل فيه الانخداع؟ ولا ريب أن تردّدَها بين الأبوينِ مما يعودُ على المقصود
بالإِبِطال، أو يُخِلُّ به، أو يَنْقُصُه لأنها لا تستقِرُّ في مكان معيّن، فكان الأصلحُ لها
أن تجعل عند أحد الأبوين من غير تخيير، كما قاله الجمهور: مالك، وأبو
حنيفة، وأحمد، وإسحاق، فتخييرُها ليس منصوصاً عليه، ولا هو في معناه
فیلحق به .
اختلاف الفقهاء في تعيين
أحد الأبوين لمقام البنت
عنده
ثم هاهنا حصل الاجتهادُ في تعيينِ أحدِ الأبوين لمقامها عنده، وأيهما
أصلحُ لها، فمالك، وأبو حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين عنه: عيَّنوا الأم،
وهو الصحيحُ دليلاً، وأحمد رحمه الله في المشهور عنه، واختيارُ عامة أصحابه
عيَّنوا الأبَ .
قال مَن رجَّح الأم: قد جرت العادةُ بأن الأبَ يتصرَّف في المعاش،
٤٢٢

والخروج، ولقاءِ الناس، والأمُّ في خدرها مقصورة في بيتها، فالبنت عندها
أصونُ وأحفظ بلا شك، وعينُها عليها دائماً بخلاف الأبِ، فإنه في غالب الأوقات
غائبٌ عن البنت، أو في مَظِنَّةِ ذلك، فجعلُها عند أمها أصونُ لها وأحفظ .
قالوا: وكل مفسدة يعرِضُ وجودُها عند الأم، فإنها تَعرِضُ أو أكثرُ منها عند
الأب، فإنه إذا تركها في البيت وحدَها لم يأمن عليها، وإن ترك عندها امرأته أو
غيرها، فالأم أشفَقُ عليها وأصونُ لها من الأجنبية .
قالوا: وأيضاً فهي محتاجة إلى تعلُّم ما يصلُح للنساء من الغزل والقيام
بمصالح البيت، وهذا إنما تقوم به النساءُ لا الرجال، فهي أحوجُ إلى أمها لتعلمها
ما يصلح للمرأة، وفي دفعها إلى أبيها تعطيلُ هذه المصلحة، وإسلامها إلى امرأة
أجنبية تُعلِّمها ذلك، وترديدها بين الأم وبينه، وفي ذلك تمرين لها على البروز
والخروج، فمصلحةُ البنت والأم والأبِ أن تكونَ عند أمها، وهذا القولُ هو الذي
لا نختار سواه.
قال من رجح الأب: الرجالُ أغيرُ على البنات مِن النِساء، فلا تستوي غيرةٌ
الرجل على ابنته، وغيرةُ الأم أبداً، وكم مِن أمّ تُساعِدُ ابنتها على ما تهواه،
ويحملُها على ذُلك ضعفُ عقلها، وسُرعةُ انخداعها، وضعفُ داعي الغيرةِ في
طبعها، بخلافِ الأب، ولهذا المعنى وغيرِهِ جعل الشارعُ تزويجَها إلى أبيها دونَ
أمها، ولم يجعل لأمها ولاية على بُضعها البتة، ولا على مالها، فكان مِن محاسن
الشريعة أن تكون عند أمِّها ما دامت محتاجةً إلى الحضانة والتربية، فإذا بلغت حداً
تُشتهى فيه، وتصلحُ للرجالِ، فَمِنْ محاسِن الشريعة أن تكونَ عند من هو أغيرُ
عليها، وأحرصُ على مصلحتها، وأصونُ لها من الأم.
قالوا: ونحن نرى في طبيعة الأب وغيره من الرجال من الغَيْرَةِ، ولو مع
فسقه وفجوره ما يحمله على قتل ابنته وأخته وموليته إذا رأى منها ما يُريبه لِشدة
الغيرة، ونرى في طبيعة النساء من الانحلال والانخداع ضِدَّ ذلك، قالوا: فهذا هو
٤٢٣

الغالبُ على النوعين، ولا عبرة بما خرج عن الغالب، على أنا إذا قدمنا أحد
الأبوين فلا بد أن نُراعي صيانته وحفظَه للطفل، ولهذا قال مالك والليث: إذا لم
تكن الأم في موضع حرزٍ وتحصين، أو كانَتْ غيرَ مرضية، فللأب أخذُ البنت
منها، وكذلك الإِمامُ أحمد رحمه الله في الرواية المشهورة عنه، فإنه يعتبر قدرتَه
على الحفظ والصيانة. فإن كان مهملاً لذلك، أو عاجزاً عنه، أو غيرَ مرضي، أو
ذا دِيائة والأم بخلافه، فهي أحقُّ بالبنتِ بلا ريب، فمن قدمناه بتخيير أو قُرعة أو
بنفسه، فإنما نُقدِّمه إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصون مِن الأب
وأغيرَ منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه الحالة،
فإنه ضعيفُ العقل يؤثِرُ البطالة واللعب، فإذا اختار من يُساعِدُهُ على ذلك، لم
يُلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفعُ له وأخيرُ، ولا تحتمِلُ الشريعة غيرَ
هذا، والنبي ◌َّمَ قد قال: ((مُرُوهُم بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ واضْرِبُوهُم عَلَى تَرْكِها لِعَشْرِ
وفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ)) (١). والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. وقال الحسن: علّموهُم
وأدبوهم وفقهوهم، فإذا كانت الأم تتركُه في المكتب، وتعلمه القرآن والصبيُّ
يؤثر اللعب ومعاشرةَ أقرانه، وأبوهُ يُمكنه مِن ذلك، فإنه أحق به بلا تخيير، ولا
قرعة، وكذلك العكسُ، ومتى أخل أحدُ الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي
وعطَّله، والآخر مُراعٍ له، فهو أحق وأولی به .
· وسمعت شيخنا رحمه الله يقول: تنازع أبوان صبياً عند بعض الحكام،
فخيَّرَهُ بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: سَلْهُ لأي شيء يختار أباه، فسأله،
فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع
الصبيان، فقضى به للأم. قال: أنتِ أحق به.
قال شيخنا: وإذا ترك أحدُ الأبوين تعليم الصبي، وأمره الذي أوجبه الله
(١) حديث حسن أخرجه أحمد وأبو داود وقد تقدم تخريجه.
٤٢٤

عليه، فهو عاصٍ، ولا ولاية له عليه، بل كُلُّ من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا
ولاية له، بل إما أن تُرفع يدُه عن الولاية ويُقام من يفعل الواجب، وإما أن يُضم إليه
مَنْ يقومُ معه بالواجب، إذ المقصودُ طاعةُ الله ورسوله بحسب الإِمكان. قال
شيخنا: وليس هذا الحقُّ من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم، والنكاح،
والولاء، سواء كان الوارث فاسقاً أو صالحاً، بل هذا مِن جنس الولاية التي لا بُدَّ
فيها من القدرة على الواجب والعلم به، وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قدر أن
الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، ولا تقوم بها وأمها أقوم بمصلحتها من
تلك الضرة، فالحضانة هنا للأم قطعاً، قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس
عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقاً،
والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً، بل لا يقدم ذو العُدوان والتفريط
على البَرِّ العادل المحسن، والله أعلم.
قالت الحنفية والمالكية: الكلامُ معكم في مقامين، أحدهما: بيان الدليل
الدال على بطلان التخيير، والثاني: بيانُ عدم الدلالة في الأحاديث التي استدللتُم
بها على التخيير، فأما الأول: فيدُل عليه قوله {َّه: ((أنت أحق به))، ولم يُخيره.
وأما المقامُ الثاني: فما رويتُم مِن أحاديث التخيير مطلقة لا تقييد فيها، وأنتم لا
تقولون بها على إطلاقها، بل قيدتم التخيير بالسبع، فما فوقها، وليس في شيء
من الأحاديث مَا يدُلُّ على ذلك، ونحن نقول: إذا صار للغلام اختيار معتبر، خُيَِّ
بين أبويه، وإنما يعتبر اختيارُه إذا اعتبر قوله، وذلك بعد البلوغ، وليس تقييدُكم
وقتَ التخيير بالسبع أولى مِن تقييدنا بالبلوغ، بل الترجيحُ مِن جانبنا، لأنه حينئذ
يُعتَبرُ قولُه ويدل عليه قولها: ((وقد سقاني من بئر أبي عنبة))، وهي على أميال من
المدينة، وغيرُ البالغ لا يتأتى منه عادةً أن يَحْمِلَ الماءَ مِن هذهِ المسافة ويستقي من
البئر، سلمنا أنه ليس في الحديث ما يدل على البلوغ، فليس فيه ما ينفيه، والواقعةُ
واقعة عين، وليس عن الشارع نص عام في تخيير من هو دونَ البلوغ حتى يجبَ
مذهب من قال ببطلان
التخيير
٤٢٥

المصيرُ إليه، سلمنا أنه فيه ما ينفي البلوغ، فمن أين فيه ما يقتضي التقييدَ بسبع
کما قلتم؟
رد المثبتين للتخيير
على مبطليه
قالت الشافعية والحنابلة ومن قال بالتخيير: لا يتأتَّى لكم الاحتجاجُ
بقوله ◌ََّ: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي))، بوجه من الوجوه، فإن منكم من يقول:
إذا استغنى بنفسه، وأكل بنفسه، وشرب بنفسه، فالأبُ أحقُّ به بغير تخییر،
ومنكم من يقول: إذا اثَّغَرَ، فالأبُ أحق به.
فنقول: النبي ◌َّ قد حكم لها به ما لم تنكح، ولم يفرق بين أن تَنْكِحَ قبلَ
بلوغ الصبيِّ السِّنَّ الذي يكون عنده أو بعده، وحينئذ فالجوابُ يكون مشتركاً بيننا
وبينكم، ونحن فيه على سواء، فما أجبتُم به، أجاب به منازعوكم سواء، فإن
أضمرتُم أضمرُوا، وإن قيَّدتُم قيَّدوا، وإن خَصَّصْتُمْ خصَّصُوا. وإذا تبين هذا،
فنقول: الحديث اقتضى أمرين.
أحدهما: أنها لا حقَّ لها في الولد بعد النكاح.
والثاني: أنها أحق به ما لم تنكح، وكونها أحق به له حالتان، إحداهما: أن
يكون الولدُ صغيراً لم يميز، فهي أحق به مطلقاً مِن غير تخيير. الثاني: أن يبلغ
سِنَّ التمييز، فهي أحقُّ به أيضاً، ولكن هذه الأولوية مشروطة بشرط، والحكم إذا
عُلقَ بشرطِ صدق إطلاقُه اعتماداً على تقدير الشرط، وحينئذ فهي أحقُّ به بشرط
اختياره لها، وغايةُ هذا أنه تقييد للمطلق بالأدلة الدالةِ على تخييره. ولو حمل
على إطلاقه، وليس بممكن ألبتة، لاستلزم ذلك إبطالَ أحاديث التخيير، وأيضاً
فإذا كنتم قيد تموه بأنها أحق به إذا كانت مقيمة وكانت حرة ورشيدة وغير ذلك من
القيود التي لا ذكر لشيء منها في الأحاديث ألبتة، فتقييدُه بالاختيار الذي دلت
عليه السنة، واتفق عليه الصحابةُ أولى.
وأما حملكم أحاديث التخيير على ما بعد البلوغ، فلا يصح لخمسة أوجه.
أحدها: أن لفظ الحديث أنه خيَّر غلاماً بين أبويه، وحقيقةُ الغلام من لم
الرد على من قال: إن
التخيير يحصل بعد
البلوغ
٤٢٦

يبلُغ، فحمله على البالغ إخراج له عن حقيقته إلى مجازه بغير موجب، ولا قرينة
صارفة .
الثاني: أن البالغَ لا حضانة عليه، فكيف يَصِحُّ أن يخير ابنُ أربعين سنة بين
أبوين؟ هذا مِن الممتنع شرعاً وعادة، فلا يجوز حملُ الحديث عليه.
الثالث: أنه لم يفهم أحدٌ من السامعين أنهم تنازعُوا في رجل كبير بالغ
عاقل، وأنه خُيِّر بين أبويه، ولا يسبق إلى هذا فهمُ أحد ألبتة، ولو فرض تخييرُه،
لكان بين ثلاثة أشياء: الأبوين، والانفراد بنفسه.
الرابع: أنه لا يُعقل في العادة ولا العرف ولا الشرع أن تنازع الأبوان في
رجل كبير بالغ عاقل، كما لا يعقلُ في الشرع تخييرُ من هذه حاله بين أبويه .
الخامس: أن في بعض ألفاظ الحديث أن الولد كان صغيراً لم يبلغ ذكره
النسائي، وهو حديثُ رافع بن سنان، وفيه: فجاء ابن لها صغير لم يبلغ، فأجلس
النبيُّ ◌َّ الأب هاهنا، والأم هاهنا ثم خيَّره.
وأما قولكم: إن بئر أبي عنبة على أميال من المدينة، فجوابُه مطالبتكم
أولاً: بصحة هذا الحديث ومَن ذكره، وثانياً: بأن مسكن هذه المرأة كان بعيداً مِن
لهذه البئر، وثالثاً، بأن من له نحو العشر سنين لا يمكنه أن يستقي من البئر المذكور
عادة، وكُلُّ هذا مما لا سبيل إليه، فإن العرب وأهلَ البوادي يستقي أولادُهم
الصغار مِن آبار هي أبعدُ من ذلك.
وأما تقييدنا له بالسبع، فلا ريب أن الحديث لا يقتضي ذلك، ولا هو أمرٌ
مجمع عليه، فإن للمخيِّرين قولين، أحدهما: أنه يخيَُّ لخمس، حكاه إسحاق بن
راهويه، ذكره عنه حرب في ((مسائله))، ويحتج لهؤلاء بأن الخمس هي السن التي
يَصِحُّ فيها سماعُ الصبي، ويمكن أن يعقل فيها، وقد قال محمود بن الربيع:
٤٢٧

عقلتُ عن النبي ◌َّةُ مجة مجَّها في فيَّ وأنا ابن خمس سنين(١). والقول الثاني:
أنه إنما يُخيَّر لسبع، وهو قول الشافعي، وأحمد وإسحاق رحمهم الله، واحتج
لهذا القول بأن التخييرَ يستدعي التمييزَ والفهم، ولا ضابطَ له في الأطفال، فضبط
بِمَظِنَّته وهي السبعُ، فإنها أول سن التمييز، ولهذا جعلها النبي ◌َّه حداً للوقت
الذي يُؤمر فيه الصَّبِيُّ بالصلاة.
وقولكم: إن الأحاديثَ وقائعُ أعيان، فنعم هي كذلك، ولكن يمتنع حملُها
على تخيير الرجال البالغين، كما تقدم. وفي بعضها لفظ: غلام، وفي بعضها
لفظ : صغير لم يبلغ، وبالله التوفيق.
فصل
الاختلاف في قصة بنت
حمزة
وأما قصة بنت حمزة، واختصام علي، وزيد، وجعفر رضي الله عنهم فيها،
وحكم رسول الله وَّة بها لجعفر، فإنّ هذه الحكومة كانت عَقِيبَ فراغهم من عُمرة
القضاء، فإنهم لما خرجُوا مِن مكة تبعتهم ابنةُ حمزة تنادي يا عم يا عم، فأخذ
علي بيدها، ثم تنازع فيها هو وجعفرٌ وزيدٌ، وذكر كُلُّ واحد من الثلاثة ترجيحاً،
فذكر زيد أنها ابنة أخيه للمؤاخاة التي عقدها رسولُ الله ◌َّمَ بينَه وبينَ حمزة، وذكر
علي كونها ابنةَ عمّه، وذكر جعفر مرجِّحين: القرابة، وكونَ خالتها عنده، فتكون
عند خالتها، فاعتبر النبيُّ څ مرجِّحَ جعفر دون مرجِّح الآخرین، فحکم له، وجبر
كلَّ وَاحد منهم وطيَّب قلبَه بما هو أحبُّ إليه من أخذ البنت.
فأما مرجح المؤاخاة، فليس بمقتض للحضانة، ولكنَّ زيداً كان وصي
حمزة، وكان الإِخاء حينئذ يثبُتُ به التوارثُ، فظن زيدٌ أنه أحقُّ بها لذلك.
وأمَّا مرجِّحُ القرابة هاهنا وهي بنوة العم، فهل يُستحق بها الحضانة؟ على
قولين. أحدهما: يُستحق بها وهو منصوص الشافعي، وقول مالك، وأحمد،
وغيرهم، لأنه عصبة، وله ولاية بالقرابة، فقدم على الأجانب، كما يُقدَّمُ عليهم
هل تستحق ببنوة العم
الحضانة
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) ١٥٧/١، ١٥٨، وكان في الأصل ((محمود بن لبيد))
وهو خطأ.
٤٢٨

في الميراث، وولاية النكاح، وولاية الموت، ورسولُ الله ◌َّة لم يُنكر على جعفر
وعلي ادِّعاءَهما حضانتها، ولو لم يكن لهما ذلك، لأنكر عليهما الدعوى الباطلة،
فإنها دعوى ما ليس لهما، وهو لا يُقِرُّ على باطل.
والقول الثاني: أنه لا حضانة لأحدٍ من الرجال سوى الآباء والأجداد، هذا
قولُ بعضِ أصحابِ الشافعي، وهو مخالف لنصه، وللدليل. فعلى قول
الجمهور - وهو الصواب - إذا كان الطفل أنثى، وكان ابنُ العم محرماً لها
برضاع أو نحوه، كان له حضانتُها وإن جاوزت السبعَ، وإن لم يكن محرماً، فله
حضانتُها صغيرةً حتى تبلُغ سبعاً، فلا يبقى له حضانتُها، بل تُسَلَّم إلى محرمها، أو
امرأة ثقة. وقال أبو البركات في ((محرره)): لا حضانة له ما لم يكن محرماً برضاع
أو نحوه.
فإن قيل: فالحكمُ بالحضانة مِن النبي ◌َّ في هذه القصة، هل وقع للخالة، هل وقع الحكم للخالة أو
لجعفر؟
أو لجعفر؟
قيل: هذا مما اختُلِفَ فيهِ على قولين، منشؤهما اختلافُ ألفاظ الحديث في
ذلك، ففي ((صحيح البخاري))، من حديث البراء: فقضى بها النبيُّ لَّ
(١)
لخالتها(١).
وعن أبي داود: من حديث رافع بن عجير، عن أبيه، عن علي في هذه
القصة. ((وأما الجاريةُ، فأقضي بها لجعفر، تكونُ مع خالتها، وإنما الخالةُ أم)) ثم
ساقه من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى وقال: قضى بها لجعفر، لأن خالتها
عنده، ثم ساقه من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانىء بن هانىء،
وهبيرة بن يَريم، وقال: ((فقضى بها النبيُّ ◌ََّ لخالتها، وقال: ((الخَالَةُ بِمَنْزِلَةٍ
الأُم)(٢).
تقدم تخريجه .
(١)
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢٧٨) و(٢٢٧٩) و(٢٢٨٠) في الطلاق: باب من أحق بالولد.
٤٢٩

واستشكل كثير من الفقهاء هذا وهذا، فإن القضاءَ إن كان لجعفر، فليس
استشكال الفقهاء هذا
الحكم
محرماً لها، وهو وعلي في القرابة منها سواء، وإن كان للخالة، فهي مزوَّجة،
والحاضنة إذا تزوَّجت، سقطت حضانتُها، ولما ضاق هذا على ابن حزم، طعن
طعن ابن حزم في القصة في القصة بجميع طرقها، وقال: أما حديثُ البخاري، فمن رواية إسرائيل، وهو
ضعيف، وأما حديث هانىءٍ وهبيرة، فمجهولان، وأما حديث ابن أبي ليلى،
فمرسل، وأبو فروة الراوي عنه هو مسلم بن سالم الجهني ليس بالمعروف، وأما
حديث نافع ابن عجير، فهو وأبوه مجهولان، ولا حُجة في مجهول، قال: إلا أن
هذا الخبرَ بكل وجه حجة على الحنفية والمالكية والشافعية، لأن خالتها كانت
مزوَّجة بجعفر، وهو أجملُ شاب في قريش، وليس هو ذا رحم محرم مِن بنت
حمزة. قال: ونحن لا نُنكرُ قضاءَه بها لجعفر مِن أجل خالتها، لأن ذلك أحفظُ
لها .
رد المصنف على ابن حزم
قلتُ: وهذا من تهؤُّرِهِ رحمه الله، وإقدامه على تضعيف ما اتفقت الناس
على صحته، فخالفهم وحده، فإن هذِه القصةَ شهرتُها في الصحاح، والسنن،
والمسانيد، والسير، والتواريخ تغني عن إسنادها، فكيف وقد اتفق عليها صاحب
الصحيح، ولم يحفظ عن أحد قبله الطعنُ فيها ألبتة، وقوله: إسرائيل ضعيف،
فالذي غره في ذلك تضعيفُ علي بن المديني له، ولكن أبى ذلك سائرُ أهلِ
الحديث، واحتجُّوا به، ووثَّقوه وثبتوه. قال أحمد: ثقة وتعجَّب مِن حفظه، وقال
أبو حاتم. وهو من أتقن أصحاب أبي إسحاق ولا سيما وقد روى هذا الحديثَ عن
أبي إسحاق، وكان يحفظ حديثه كما يحفظ السورة من القرآن. وروى له الجماعة
کلهم محتجین به .
وأما قوله: إن هانئاً وهبيرة مجهولان، فنعم مجهولان عنده، معروفان عند
أهل السنن، وثَّقهما الحفاظ، فقال النسائي. هانىء بن هانىء ليس به بأس،
وهُبيرة روى له أهل السنن الأربعة، وقد وثق.
٤٣٠

وأما قوله: حديث ابن أبي ليلى، وأبو فروة الراوي عنه مسلم بن مسلم
الجهني ليس بالمعروف، فالتعليلان باطلان، فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى روى
عن علي غير حديث، وعن عمر، ومعاذ رضي الله عنهما. والذي غر أبا محمد أن
أبا داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا سفيان عن أبي فروة، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى بهذا الخبر، وظن أبو محمد، أن عبد الرحمن لم يذكر
علياً في الرواية، فرماه بالإِرسال، وذلك من وهمه، فإن ابن أبي ليلى روى القصة
عن علي، فاختصرها أبو داود، وذكر مكان الاحتجاج، وأحال على العلم
المشهور برواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، وهذه القصة قد رواها علي،
وسمعها منه أصحابه: هانیء بن هانیء، وهُبیرة بن یَرِیم، وعجیر بن عبد یزید،
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكر أبو داود حديثَ الثلاثة الأولين لسياقهم لها
بتمامها، وأشار إلى حديثٍ ابن أبي ليلى، لأنه لم يتمه، وذكر السند منه إليه،
فبطل الإِرسال، ثم رأيتُ أبا بكر الإسماعيلي قد روى هذا الحديث في مسند علي
مصرحاً فيه بالاتصال، فقال: أخبرنا الهيثم بن خلف، حدثنا عثمانُ بنُ سعيد
المقري، حدثنا يوسفُ بن عدي، حدثنا سفيانُ، عن أبي فروة، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي، أنه اختصم هو وجعفر وزيد، وذكر
الحدیث.
وأما قوله: إن أبا فروة ليس بالمعروف، فقد عرفه سفيان بن عيينة وغيره،
وخرجا له في ((الصحيحين)).
وأما رميه نافع بن عجير وأباه بالجهالة: فنعم، ولا يُعرف حالهما، وليسا
مِن المشهورين بنقل العلم، وإن كان نافع أشهرَ مِن أبيه لرواية ثقتين عنه:
محمد بن إبراهيم التميمي، وعبد الله بن علي، فليس الاعتمادُ على روايتهما،
وبالله التوفيق، فثبتت صحة الحديث.
وأما الجواب عن استشكال من استشكله، فنقول وبالله التوفيق: لا إشكال،
رد المصنف على
الاستشكال السابق
٤٣١

سواء كان القضاء لجعفر أو للخالة، فإن ابنة العم إذا لم يكن لها قرابة سوى ابن
عمها، جاز أن تجعل مع امرأته في بيته، بل يتعيّن ذلك وهو أولى من الأجنبي لا
سيما إن كان ابنُ العم مبرزاً في الديانة، والعِفة، والصِّيانة، فإنه في هذه الحال
أولی من الأجانب بلا ريب.
فإن قيل: فالنبيُّ ◌َ﴾ كان ابنَ عمها، وكان محرماً لها، لأن حمزة كان أخاه
مِن الرضاعة، فهلا أَخَذَهَا هو ؟
علة عدم أخذه بنت
حمزة
قيل: رسولُ الله ◌ََّ كان في شُغل شاغل بأعباء الرسالة، وتبليغ الوحي،
والدعوة إلى الله، وجهادِ أعداء الله عن فراغه للحضانة، فلو أخذها، لدفعها
إلى بعض نسائه، فخالتُها أمسُّ بها رحماً وأقربُ.
وأيضاً فإن المرأة من نسائه لم تكن تجيُها النوبةُ إلا بعد تسع ليال، فإن
دارت الصبيةُ معه حيث دار، كان مشقةً عليها، وكان فيه مِن بروزها وظهورِها
كُلَّ وقت ما لا يخفى، وإن جلست في بيت إحداهن كانت لها الحضانة وهي
أجنبيةٌ. هذا إن كان القضاءُ لجعفر، وإن كان للخالة - وهو الصحيح وعليه
يدل الحديث الصحيح الصريح - فلا إشكال لوجوه.
ترجيح المصنف أن
الحكم كان للخالة وبه رد
للاشكال
أحدها: أن نكاح الحاضنة لا يُشْقِطُ حضانة البنت كما هو إحدى
الروايتين عن أحمد وأحدُ قولي العلماء، وحجةُ هذا القول الحديثُ، وقد
تقدم سِرُّ الفرقٍ بين الذكر والأنثى.
الثاني: أن نكاحَها قريباً من الطفل لا يُسْقِطُ حضانتها، وجعفر ابن
عمها .
الثالث: أن الزوج إذا رضي بالحَضانة، وآثر كونَ الطفل عنده في
حجره، لم تسقط الحضانة، هذا هو الصحيحُ، وهو مبني على أصل، وهو أن
سقوطَ الحضانة بالنكاح هو مراعاةٌ لحقِّ الزوج، فإنه يتنغص عليه الاستمتاعُ
المطلوبُ من المرأة لحضانتها لولد غيره، ويتنكَّدُ عليه عيشُه مع المرأة، لا
٤٣٢

يُؤمن أن يَحصُلَ بينهما خلاف المودة والرحمة، ولهذا كان للزوج أن يمنعها
مِن هذا مع اشتغالها هي بحقوقِ الزوج، فتضيعُ مصلحةُ الطفل، فإذا آثر
الزوجُ ذلك وطلبه، وحَرَص عليه، زالت المفسدةُ التي لأجلها سقطت
الحضانة، والمقتضي قائم، فيترتب عليه أثُره، يوضّحه أن سقوطَ الحضانة
بالنكاح ليست حقاً لله، وإنما هي حقٍّ للزوج وللطفل وأقاربه، فإذا رضيَ من
له الحق جاز، فزال الإشكال على كل تقدير، وظهر أن هذا الحكمَ مِن
رسولِ اللّهِ وَ﴿ من أحسن الأحكام وأوضحِها وأشدِّها موافقة للمصلحة،
والحكمة، والرحمة، والعدل، وبالله التوفيق.
الاختلاف في إسقاط
الحضانة بالتزويج
فهذه ثلاثة مدارك في الحديث للفقهاء. أحدها: أن نكاح الحاضنة لا
يُنْقطُ حضانتها، كما قاله الحسن البصري، وقضى به يحيى بن حمزة، وهو
مذهبُ أبي محمد ابن حزمٍ.
والثاني: أن نكاحَها لا يُسْقِطُ حضانة البنت، ويسقط حضانة الابن، كما
قاله أحمد في إحدى روایتیه.
والثالث: أن نِكاحَها لقريب الطفل لا يُسقط حضانتها، ونكاحها
للأجنبي يسقطها، كما هو المشهور من مذهب أحمد.
وفيه مدرك رابع لمحمد بن جرير الطبري، وهو أن الحاضنة إن كانت
أمّاً والمنازِعُ لها الأب، سقطت حضانتها بالتزويج، وإن كانت خالةً أو غيرَها
مِن نساء الحضانة، لم تسقط حضانتُها بالتزويج، وكذلك إن كانت أمّاً،
والمنازُ لها غيرُ الأب من أقارب الطفل لم تسقط حضانتُها.
مذهب الطبري في
الحضانة وسقوطها
بالتزويج
ونحن نذكر كلامه، وما له وعليه فيه، قال في ((تهذيب الآثار)) بعد ذكر
حديث ابنة حمزة: فيه الدلالةُ الواضحة على أن قيِّمَ الصبية الصغيرة، والطفل
الصغير من قرابتهما من قبل أمهاتهما من النساء أحقُّ بحضانتهما مِن عصباتهما
من قبل الأب، وإن كُنَّ ذواتِ أزواج غير الأب الذي هما منه، وذلك أن
٤٣٣

رسولَ اللّهِ وَّل قضى بابنة حمزةَ لخالتها في الحضانة، وقد تنازع فيها ابنا
عمها عليٌّ وجعفر ومولاها وأخو أبيها الذي كان رسولُ اللّهِ وَّل آخى بينَه
وبينَه، وخالتها يومئذ لها زوج غير أبيها وذلك بعد مقتل حمزة، وكان معلوماً
بذلك صحةُ قول من قال: لا حق لعصبة الصغير والصغيرة من قبل الأب في
حضانته ما لم تبلغ حد الاختيار، بل قرابتُهُما من النساء مِن قبل أمهما أحقُّ،
وإن کن ذوات أزواج.
فإن قال قائل: فإن كان الأمر في ذلك عندك على ما وصفت من أن أمّ
الصغير والصغيرة وقرابتهما من النساء من قبل أمهاتهما أحقُّ بحضانتهما، وإن
كُنَّ ذوات أزواج من قرابتهما من قبل الأب من الرجال الذين هم عصبتهما،
فهلاً كانت الأمُّ ذات الزوج كذلك مع والدهما الأدنى والأبعد، كما كانت
الخالة أحقَّ بهما؟ وإن كان لها زوج غير أبيهما، وإلا فما الفرق؟
قيل: الفرقُ بينهما واضح، وذلك لقيام الحجة بالنقل المستفيض روايته
عن النبيِّ لَّه أن الأم أحقُّ بحضانة الأطفال إذا كانت بانت من والدهم ما لَمْ
تَنكِحْ زوجاً غيره، ولم يُخالف في ذلك من يجوز الاعتراضُ به على الحجة
فيما نعلمه. وقد روي في ذلك خبر، وإن كان في إسناده نظر، فإن النقل
الذي وصفتُ أمره دال على صحته، وإن كان واهيَ السند. ثم ساق حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((أَنْتِ أَحَقُّ به مَا لَم تَنْكِحِي)) من طريق
المثنى بن الصباح عنه .
ثم قال: وأما إذا نازعها فيه عصبةُ أبيه، فصحة الخبر عن النبي ◌َّ
الذي ذكرناه أنه جعل الخالة ذات الزوج غير أبي الصبية أحقَّ بها من بني عمها
وهم عصبتُها، فكانت الأمُّ أحقَّ بأن تكون أولى منهم وإن كان لها زوج غير
أبيها، لأن النبي ◌َّ إنما جعل الخالة أولى منهم لقرابتها من الأم، وإذا كان
ذلك كالذي وصفنا، تبيَّن أن القول الذي قُلناه في المسألتين أصلُ إحداهما
من جهة النقل المستفيض، والأخرى من جهة نقل الآحاد العدول، فإذا كان
٤٣٤

كذلك، فغيرُ جائز رَدُّ حكم إحداهما إلى حكم الأخرى، إذ القياسُ إنما يجوز
استعمالُه فيما لا نص فيه من الأحكام، فأما ما فيه نص من كتاب الله، أو خبر
عن رسول الله وَّة، فلا حظّ فيه للقياس.
فإن قال قائل: زعمتَ أنك إنما أبطلت حق الأم من الحضانة إذا نكحت
زوجاً غير أبي الطفل، وجعلت الأب أولى بحضانتها منها بالنقل المستفيض،
فكيف يكونُ ذلك كما قلت؟ وقد علمتَ أن الحسن البصري كان يقول:
المرأةُ أحقُّ بولدها، وإن تزوجت، وقضى بذلك يحيى بن حمزة.
قيل: إن النقل المستفيض الذي تلزمُ به الحجةُ في الدين عندنا ليس
صفته ألا يكونَ له مخالف، ولكن صفته أن ينقلَه قولاً وعملاً من علماء الأمة
مَنْ يَنْتَفي عنه أسبابُ الكذب والخطأ، وقد نَقَلَ مَنْ صِفَتُه ذلِك من علماء
الأمة، أن المرأة إذا نكحت بعد بينونتها من زوجها زوجاً غيره، أن الأبَ
أولى بحضانة ابنتها منها، فكان ذلك حجَّة لازمة غيرَ جائز الاعتراضُ عليها
بالرأي، وهو قول من يجوز عليه الغلط في قوله، انتهى كلامه.
ذكر ما في هذا الكلام من مقبول ومردود
فأما قوله: إن فيه الدلالة على أن قرابة الطفلِ من قبل أمهاته من النساء أحقُّ
بحضانته مِن عصباته من قبل الأب وإن كن ذواتِ أزواج، فلا دلالة فيه على ذلك
ألبتة، بل أحدُ ألفاظِ الحديثِ صريحٌ في خلافه، وهو قولُهُ مَّه: وأما الابنة فإني
أقضي بها لجعفر، وأما اللفظ الآخر، ((فقضى بها لخالتها، وقال: هي أم)) وهو
اللفظ الذي احتج به أبو جعفر، فلا دليل على أن قرابة الأم مطلقاً أَحَقُّ من قرابة
الأب، بل إقرارُ النبي ◌َّ علياً وجعفراً على دعوى الحضانة يدل على أن لِقرابة
الأب مدخلاً فيها، وإنما قدَّم الخالة لكونها أنثى من أهل الحضانة، فتقديمُها على
قرابة الأب كتقديم الأم على الأب، والحديث ليس فيه لفظ عام يدل على ما
ادّعاه، لا من أن من كان من قرابة الأم أحقُ بالحضانة من العصبةِ مِن قِبَلِ الأب،
التعقيب على كلام
الطبري
٤٣٥

حتى تكونَ بنتُ الأخت للأم أحقَّ من العم، وبنت الخالة أحقَّ من العم، والعمة،
فأين في الحديث دلالة على هذا فضلاً عن أن تكونَ واضحة .
قوله: وكان معلوماً بذلك صحة قول من قال: لا حق لعصبة الصغير
والصغيرة مِن قبل الأبِ في حضانته ما لم يبلغ حد الاختيار، يعني: فيخيَّر بين
قرابة أبيه وأمه، فيقال: ليس ذلك معلوماً من الحديث، ولا مظنوناً، وإنما دل
الحديثُ على أن ابن العم المزوَّج بالخالة أولى من ابن العم الذي ليس تحته خالة
الطفل، ويبقى تحقيقُ المناط: هل كانت جهةُ التعصيب مقتضيةً للحضانة فاستوت
في شخصين؟ فرجح أحدهما بكون خالة الطفل عنده وهي من أهل الحضانة، كما
فهمه طائفةٌ من أهل الحديث، أو أن قرابةَ الأم وهي الخالة أولى بحضانة الطفل
مِن عصبة الأب، ولم تسقط حضانتُها بالتزويج إما لكون الزوج لا يُسقِطُ الحضانة
مطلقاً، كقول الحسن ومن وافقه، وإما لكون المحضونة بنتاً كما قاله أحمد في
رواية، وإما لكون الزوج قرابةَ الطفل كالمشهورِ من مذهب أحمد، وإما لكون
الحاضِنةِ غير أمِّ نازعها الأبُ، كما قاله أبو جعفر، فهذه أربعة مدارك، ولكن
المدرك الذي اختاره أبو جعفر ضعيف جداً، فإن المعنى الذي أسقط حضانة الأم
بتزويجها هو بعينه موجود في سائر نساء الحضانة، والخالة غايتُها أن تقومَ مقام
الأم، وتُشبّه بها، فلا تكون أقوى منها، وكذلك سائرُ قرابة الأم، والنبي ◌َّة لم
يحكم حكماً عاماً أن سائر أقارب الأم من كن لا تسقط حضانتهن بالتزويج، وإنما
حكم حكماً معيناً لخالة ابنةٍ حمزة بالحضانة مع كونها مزوجةً بقريب من الطفل،
والطفل ابنة .
وأما الفرق الذي فرق بين الأم وغيرها بالنقل المستفيض إلى آخره، فیرید به
الإِجماعَ الذي لاَ ينقضه عنده مخالفة الواحد والاثنين، وهذا أصل تفرد به،
ونازعه فيه الناسُ.
وأما حكمه على حديث عمرو بن شعيب بأنه واهٍ، فمبني على ما وصل إليه
مِن طريقه، فإن فيه المثنى بن الصبّاح، وهو ضعيف أو متروك، ولكن الحديث قد
٤٣٦

رواه الأوزاعي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رواه أبو داود في «سننه».
فصل
المسلك الخامس فى قصة
بنت حمزة.
قضی بها لخالتها وإن كانت
وشيـ
وفي الحديث مسلك خامس، وهو أن النبي
ذاتَ زوج، لأن البنتَ تحرُم على الزوج تحريمَ الجمع بين المرأة وخالتها، وقد نبه
النبيُّ ◌َّ على هذا بعينه في حديث داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن
عباس، فذكر الحديث بطوله، وقال فيه: ((وَأَنْتَ يَا جَعْفَرُ أَوْلَى بِهَا: تَحْتَكَ
خَالَتُهَا، وَلاَ تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا))، وليس عن النبي ◌َّةُ نصٌ
يقتضي أن يكون الحاضن ذا رحم تحرم عليه البنتُ على التأبيد حتى يُعترض به
على هذا المسلك، بل هذا مما لا تأباه قواعدُ الفقه وأصول الشريعة، فإن الخالة ما
دامت في عصمة الحاضن، فبنتُ أختها محرمة عليه، فإذا فارقها، فهي مع
خالتها، فلا محذورَ في ذلك أصلاً، ولا ريبَ أن القولَ بهذا أخيرُ وأصلحُ للبنتِ
مِن رفعها إلى الحاكم يدفعُها إلى أجنبي تكون عنده، إذ الحاكمُ غيرُ متصد
للحضانة بنفسه، فهل يشكُّ أحد أن ما حكم به النبي ◌َّه في هذه الواقعة هو عينُ
المصلحة والحكمة والعدل، وغايةُ الاحتياط للبنت والنظر لها، وأن كُلَّ حكم
خالفه لا ينفك عن جَوْرٍ أو فسادٍ لا تأتي به الشريعةُ، فلا إشكالَ في حكمه ◌َّة ،
والإِشكالُ كُلُّ الإِشكالِ فيما خالفه، والله المستعان، وعليه التكلان.
ذكر حكمه مر في النفقة على الزوجات
وأنه لم يُقدِّرها، ولا ورد عنه ما يَدُلَّ على تقديرها، وإنما ردَّ الأزواج فيها
إلى العرف .
ثبت عنه في ((صحيح مسلم)): ((أنه قال في خطبة حجة الوداع بمحضر
الجمع العظيم قبل وفاته ببضعة وثمانين يوماً: ((واتَّقُوا اللّهَ في النِّسَاءِ فَأَنَّكُم
أَخَذْتُمُوهُنَّ بَأَمَانَة الله، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلمَةِ الله. ولَهُنَّ عَلَيْكُم رِزْفُهُنَّ
٤٣٧

وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))(١).
وثبت عنه بَّ في ((الصحيحين)): أن هنداً امرأة أبي سفيان قالت له: إن أبا
سُفيان رجلٌ شحيحٌ ليس يُعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما أخذتُ منه
وهو لا يعلم، فقال: ((خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ))(٢).
وفي ((سنن أبي داود)): من حديث حكيم بن معاوية، عن أبيه رضي الله
عنه، قال: أتيت رسول الله ◌ََّ فقلتُ: يا رسول الله! ما تقولُ في نسائنا؟ قال:
((أَطْعِمُوهُنَّ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُنَّ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلاَ تَضْرِبُوهُنَّ وَلاَ
تُقَبِّحُوهُنَّ))(٣).
وهذا الحكمُ من رسولِ اللهِ نَّه مطابق لكتاب الله عز وجل حيث يقول
تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ
وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والنبي ◌َّ جعل
نفقَةَ المَرأة مثل نفقة الخَادم، وسؤَّى بينهما في عدم التقدير، وردّهما إلى
المعروف، فقال: ((لِلْمَمْلوكِ طَعَامُهُ وكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ)) (٤). فجعل نفقتهما
بالمعروفِ، ولا ريب أن نفقة الخادم غيرُ مقدَّرة، ولم يقل أحد بتقديرها.
وصح عنه في الرقيق أنه قال: ((أَطْعِمُوهُم مِمَّا تَأْكُلُونَ، وأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا
تَلْبَسُونَ)). رواه مسلم، (٥) كما قال في الزوجة سواء.
(١) أخرجه مسلم (١٢١٨) في الحج: باب حجة النبي نَله من حديث جابر ..
(٢) أخرجه البخاري ٣٣٨/٤، ٣٣٩ في البيوع: باب من أجرى أمر الأمصار على ما
يتعارفون بينهم، ومسلم (١٧١٤) في الأقضية: باب قضية هند من حديث عائشة.
(٣) أخرجه أبو داود (٢١٤٤) في النكاح: باب حق المرأة على زوجها، وسنده قابل
للتحسین .
(٤) أخرجه مسلم (١٦٦٢) في الأيمان: باب إطعام المملوك مما يأكل من حديث أبي
هريرة.
(٥) رقم (١٦٦١) من حديث أبي ذر.
٤٣٨

وصح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: امرأتُك تقولُ: إما أن تُطْعِمَني،
وإما أن تُطَلِّقَني، ويقول العبد: أَطْعمني واستعملني. ويقول الابن أطعمني إلى
مَنْ تَدَعُني(١). فجعل نفقة الزوجة والرقيق والولد كلَّها الإطعام لا التمليك.
وروى النسائي هذا مرفوعاً إلى النبي لل كما سيأتي.
وقال تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]،
وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الخبز والزيت(٢)، وصح عن ابن
عمر رضي الله عنه: الخبز والسمن، والخبز والتمر، ومِن أفضل ما تطعمون الخبز
واللحم(٣).
ففسر الصحابة إطعامَ الأهلِ بالخبز مع غيره من الأدم، والله ورسولُه ذكرا
الإنفاق مطلقاً من غير تحديد، ولا تقدير، ولا تقييد، فوجب رَدُّه إلى العُرفِ لو لم
يرده إليه النبيُّ نَّه، فكيف وهو الذي رد ذلك إلى العرف، وأرشد أمته إليه؟ ومن
المعلوم أن أهلَ العُرف إنما يتعارفون بينهم في الإنفاق على أهليهم حتى من
يُوجب التقدير: الخبز والإِدام دون الحَبِّ، والنبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه إنما كانوا يُنفقون
على أزواجهم، كذلك دون تمليك الحب وتقديره، ولأنها نفقة واجبة بالشرع،
فلم تقدر بالحب كنفقة الرقيق، ولو كانت مقدرة، لأمر النبي # هنداً أن تأخذ
المقدَّرَ لها شرعاً، ولما أمرها أن تأخذ ما يكفيها مِن غير تقدير، ورَدَّ الاجتهادَ في
ذلك إليها، ومن المعلوم أن قدر كفايتها لا ينحصر في مُدَّين، ولا في رطلين
بحيث لا يزيد عليهما ولا يَنْقُص، ولفظه لم يدل على ذلك بوجه، ولا إيماء، ولا
إشارة، وإيجاب مدَّين أو رطلين خبزاً قد يكون أقلّ من الكفاية، فيكون تركاً
(١) أخرجه البخاري ٤٣٩/٩، ٤٤٠ في النفقات: باب وجوب النفقة على الأهل
والعيال.
(٢) ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) ٨٩/٢ عن ابن أبي حاتم، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) ٧/ ١٧، وسنده صحيح.
٤٣٩

للمعروف، وإيجابُ قدر الكفاية مما يأكل الرجل وولده ورقيقه وإن كان أقلَّ من
مد أو من رطلى خبز، إنفاق بالمعروف، فيكون هذا هو الواجبَ بالكتاب والسنة،
ولأن الحب يحتاجُ إلى طحنه وخبزه وتوابع ذلك، فإن أخرجت ذلك من مالها،
لم تحصل الكفاية بنفقة الزوج، وإن فرض عليه ذلك لها من ماله كان الواجب حباً
ودراهم، ولو طلبت مكان الخبز دراهم أو حباً أو دقيقاً أو غيرَه، لم يلزمه بذلُه،
ولو عرض عليها ذلك أيضاً، لم يلزمها قبولُه لأن ذلك معاوضة، فلا يُجبر أحدُهما
على قبولها، ويجوز تراضيهما على ما اتفقا عليه .
الاختلاف في مقدار النفقة
عند من قدرها
والذين قدّروا النفقة اختلفوا، فمنهم من قدَّرها بالحب وهو الشافعي،
فقال: نفقة الفقير مُدٌّ بمُد النبي ◌ِّ، لأن أقل ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مُدٌّ،
والله سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل، فقال: ﴿فَكَفَّارتُه إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُم﴾ [المائدة: ٨٩]، قال: وعلى
المُوسِرِ مُدَّانٍ، لأن أكثر ما أوجب الله سبحانه للواحد مُدَّانٍ في كفارة الأذى،
وعلى المتوسط مُدٌّ ونِصفٌ، نصف نَفَقَة الموسِر، ونصف نفقة الفقير.
وقال القاضي أبو يعلى: مقدرة بمقدارٍ لا يختلِفُ في القِلة والكثرة،
والواجب رِطلانٍ من الخبز في كل يوم في حق المُوسِرِ والمُعْسِرِ اعتباراً
بالكفارات، وإنما يختلفان في صفته وجودته، لأن المُوسِرَ والمُعْسِرَ سواء في قدر
المأكول، وما تقُومُ به البنيةُ، وإنما يختلفان في جودته، فكذلك النفقة الواجبة.
والجمهور قالوا: لا يُحفظ عن أحد من الصحابة قطُّ تقديرُ النفقة، لا بمُّدِّ،
ولا برطل، والمحفوظ عنهم، بل الذي اتصل به العملُ في كل عصر ومصر ما
ذكرناه .
حجج الجمهور على عدم
التقدير
قالوا: ومن الذي سلَّم لكم التقدير بالمُد والرطل في الكفارة، والذي دلَّ
عليه القرآن والسنة أن الواجبَ في الكفارة الإِطعامُ فقط لا التمليك، قال تعالى في
كفارة اليمين: ﴿فكفَّارتُهُ إطعامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾
٤٤٠