Indexed OCR Text
Pages 401-420
بعد الأم، ثم أمهاته، والأولى هي المشهورة عند أصحابنا، فإن المقدَّم الأم، ثم أمهاتها، ثم الأب، ثم أمهاتُه، ثم الجدُّ، ثم أمهاتُه، ثم جدُّ الأب، ثم أمهاتُه، وإن كن غيرَ وارثات لأنهن يُدلين بعصبةٍ مِن أهل الحضانة، بخلاف أمّ أب الأم. وحُكي عن أحمد رواية أخرى: أن الأختَ من الأم والخالة أحقُّ من الأب، فتكون الأختُ من الأبوين أحقَّ منه، ومنهما، ومن جميع العصبات، والأولى هي المشهورة من المذهب، فإذا انقرض الآباء والأمهات، انتقلت الحضانةُ إلى الأخوات وتُقَدّمُ الأختُ من الأبوين، ثم الأختُ من الأب، ثم الأختُ من الأم، وتُقَدَّمُ الأخت على الأخ لأنها امرأة من أهل الحضانة، فَقُدِّمَتْ على مَنْ في درجتها من الرجال، كالأم تُقَدَّمُ على الأب، وأمّ الأب على أب الأب، وكُلُّ جدة في درجة جد تُقدَّمُ عليه لأنها تلي الحَضانة بنفسها، والرجلُ لا يليها بنفسه. وفيه وجه آخر: أنه يقدم عليها لأنه عصبة بنفسه، والأول أولى، وفي تقديم الأخت من الأبوين، أو من الأب على الجد وجهان، وإذا لم تكن أخت فالأخ للأبوين أولى، ثم الأخُ للأب، ثم ابناهما، ولا حَضانة للأخ من الأمِّ لما ذكرنا. فإذا عدموا، صارت الحضانةُ للخالات على الصحيح، وترتيبُهن فيها كترتيبِ الأخوات، ولا حضانةَ للأخوال، فإذا عدموا، صارت للعمات ويقدَّ من على الأعمام كتقديم الأخوات على الإِخوة، ثم للعم للأبوين، ثم للعم للأب، ولا حضانة للعم من الأم، ثم ابناهما، ثم إلى خالاتِ الأب على قول الخرقي، وعلى القول الآخر: إلى خالات الأم، ثم إلى عمات الأب، ولا حَضانة لعمات الأم، لأنهن يُدلين بأب الأم، ولا حضانة له. وإن اجتمع شخصانٍ أو أكثر مِن أهل الحضانة في درجة قدِّمَ المستحق منهم بالقرعة، انتهى كلامه. وهذا خيرٌ مما قبله من الضوابط، ولكن فيه تقديمُ أم الأم وإن علت على الأب وأمهاته، فإن طَرَّدَ تقديم من في جهة الأم على من في جهة الأب جاءت تلك اللوازمُ الباطلة، وهو لم يُطرده، وإن قَدَّمَ بعضَ من في جهة الأب على بعض من في جهة الأم كما فعل، طولِبَ بالفرق، وبمَنَاط التقديم. المؤاخذات على ضابط ابن قدامة ٤٠١ وفيه إثباتُ الحضانة للأخت من الأم دون الأخ مِن الأم، وهو في درجتها ومساوٍ لها من كل وجه، فإن كان ذلك لأنوثتها وهو ذكر، انتقض برجال العصبة كلهم، وإن كان ذلك لكونه ليس مِن العصبة، والحضانة لا تكون لرجل إلا أن يكون مِن العصبةِ. قيل: فكيف جعلتمُوها لِنساء ذوي الأرحام مع مساواتِ قرابتهن لقرابة مَنْ في درجتهن من الذكورِ من كل وجه؟ فإما أن تعتبِرُوا الأنوثة فلا تجعلُوها للذكر، أو الميراثَ فلا تجعلُوها لغير وارث، أو القرابة فلا تمنعوا منها الأخَ من الأم والخال وأبا الأم، أو التعصيبَ، فلا تعطوها لغير عصبة . فإن قلتم: بقي قسم آخر وهو قولنا، وهو اعتبار التعصيب في الذكور والقرابة في النساء. قيل: هذا مخالف لباب الولايات، وباب الميراث، والحضانة ولاية على الطفل، فإن سلکتم بها مسلكَ الولایات، فخصُّوها بالأب والجد، وإن سلکتم بها مسلكَ الميراث، فلا تُعطوها لغير وارث، وكلاهما خلاف قولكم وقولِ الناس أجمعين . وفي كلامه أيضاً: تقديمُ ابن الأخ وإن نزلت درجتُه على الخالة التي هي أم، وهو في غاية البعد، وجمهورُ الأصحاب إنما جعلوا أولاد الإخوة بعد أب الأب والعمات وهو الصحيح، فإن الخالة أختُ الأم، وبها تُدلي، والأم مقدّمة على الأب، وابنُ الأخ إنما يُدلي بالأخ الذي يُدلي بالأب، فكيف يُقدَّمُ على الخالة، وكذا العمةُ أختُ الأب وشقيقتُه، فكيف يقدمُ ابنُ ابنه عليها . وقد ضبط هذا البابَ شيخُنا شيخُ الإسلام ابن تيمية بضابط آخر. فقال: أقربُ ما يُضبط به بابُ الحضانة أن يقال: لما كانت الحضانة ولايةً تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومَهم بهذه الصفات وهم أقاربُه يقدَّم منهم أقربهم إليه وأقومُهم بصفات الحضانة. فإن اجتمع منهم اثنان فصاعداً، فإن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذكر، فتُقدَّم الأمُّ على الأب، والجدة على ضابط الحضانة عند ابن تيمية وبيان صحته واطراده ٤٠٢ الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ. فإن كانا ذكرين أو الْثَبَيْن، قُدِّمَ أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت درجتُهُما من الطفل، فإن كانوا من جهة واحدة، قُدمَ الأقربُ إليه، فتقدَّمُ الأخت على ابنتها، والخالةُ على خالة الأبوين، وخالةُ الأبوين على خالة الجد والجدة، والجد أبو الأم على الأخ للأم، هذا هو الصحيحُ لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها. وقيل: يقدم الأخ للأم لأنه أقوى من أب الأم في الميراث. والوجهان في مذهب أحمد. وفيه وجه ثالث: أنه لا حضانة للأخ من الأم بحال، لأنه ليس من العصبات، ولا مِن نساء الحضانة، وكذلك الخالُ أيضاً، فإن صاحب هذا الوجه يقولُ: لا حضانة له، ولا نِزاع أن أبا الأم وأمهاته أولى مِن الخال وإن كانوا من جهتين، كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة، والأخت للأب، والأخت للأم، وأم الأب، وأم الأم، وخالة الأب، وخالة الأم قُدِّم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه. هذا كلُّه إذا استوت درجتهم، أو كانت جهة الأب أقربَ إلى الطفل، وأما إذا كانت جهةُ الأم أقرب، وقرابة الأب أبعد، كأم الأم، وأم أب الأب، وكخالة الطفل، وعمة أبيه، فقد تقابل الترجيحان، ولكن يُقدّمُ الأقربُ إلى الطفل لقوة شفقته وحنِّوه على شفقة الأبعد، ومن قَدَّم قرابةً الأب، فإنما يُقدِّمها مع مساواةٍ قرابة الأم لها، فأما إذا كانت أبعدَ منها، قُدِّمت قرابةُ الأم القريبة، وإلا لزم مِن تقديم القرابة البعيدة لوازم باطلة لا يقولُ بها أحد، فبهذا الضابِطِ يُمكن حصرُ جميع مسائل هذا الباب وجريها على القياس الشرعي، واطرادها وموافقتها لأصول الشرع، فأي مسألة وردت عليك أمكن أخذُها من هذا الضابط مع كونه مقتضى الدليل، ومع سلامتِهِ من التناقض ومناقضة قياس الأصول، وبالله التوفيق. فصل الحضانة حق للأم وهل تحق لها الأجرة؟ وقوله وَّرَ: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي))، فيه دليل على أن الحَضانة حقٌّ ٤٠٣ للأم، وقد اختلف الفقهاءُ، هل هي للحاضن أم عليه؟ على قولين في مذهب أحمد ومالك، وينبني عليهما: هل لمن له الحَضانة أن يُسقِطَها فينزل عنها؟ على قولين. وأنه لا يجب عليه خدمةُ الولد أيامَ حَضانته إلا بالأجرة إن قلنا: الحق له، وإن قلنا: الحق عليه، وجب خدمته مجاناً. وإن كان الحاضن فقيراً، فله الأجرةُ على القولين. وإذا وهبت الحضانة للأب، وقلنا: الحق لها، لزمت الهبة ولم ترجع فيها، وإن قلنا: الحق عليها، فلها العود إلى طلبها . والفرق بين هذه المسألة وبين ما لم يثبت بعد كهبة الشفعة قبل البيع حيث لا تلزم في أحد القولين: أن الهبة في الحضانة قد وُجِدَ سببُها، فصار بمنزلة ما قد وجد، وكذلك إذا وهبت المرأةُ نفقتها لزوجها شهراً ألزمت الهبة، ولم ترجع فيها. هذا كلُّهُ كلام أصحابِ مالك وتفريعهم، والصحيحُ أن الحضانة حق لها، وعليها إذا احتاج الطفل إليها، ولم يُوجد غيرُها، وإن اتفقت هي، وولي الطفل على نقلها إليه جاز، والمقصودُ أن في قوله :َ لّ: ((أنت أحق به))، دليلاً على أن الحضانة حقٌّ لها. فصل وقوله: ((ما لم تنكحي))، اختلف فيه: هل هو تعليل أو توقيت، على قولين ينبني عليهما: ما لو تزوَّجت وسقطت حضانتها، ثم طُلِّقت، فهل تعودُ الحضانة؟ فإن قيل: اللفظُ تعليل، عادت الحضانة بالطلاق، لأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها، وعلة سقوط الحضانة التزويج، فإن طلقت، زالت العلة، فزال حكمها، وهذا قولُ الأكثرين، منهم: الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة. ثم اختلفوا فيما إذا كان الطلاق رجعياً، هل يعودُ حقٌّها بمجرده، أو يتوقف عودُها على انقضاء العدة؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد والشافعي، أحدهما: تعود بمجرده، وهو ظاهر مذهب الشافعي. والثاني: لا تعود حتى هل سقوط الحضانة بالنكاح للتعليل أو للتوقيت؟ ٤٠٤ تنقضيَ العدةِ، وهو قول أبي حنيفة والمزني، وهذا كله تفريع على أن قوله: ((ما لم تنكحي)) تعليل، وهو قولُ الأكثرين. وقال مالك في المشهور من مذهبه: إذا تزوجت ودخل بها، لم يَعُدْ حقها من الحضانة، وإن طلقت، قال بعضُ أصحابه: وهذا بناء على أن قوله: ((ما لم تنكحي))، للتوقيت أي: حقك من الحضانة مُوقّت إلى حين نكاحك، فإذا نكحت، انقضى وقت الحضانة، فلا تعودُ بعد انقضاء وقتها، كما لو انقضى وقتُها ببلوغ الطفل واستغنائه عنها. وقال بعض أصحابه: يعودُ حقها إذا فارقها زوجُها، كقول الجمهور، وهو قولُ المغيرة، وابن أبي حازم. قالُوا: لأن المقتضي لحقها من الحضانة هو قرابتُها الخاصة، وإنما عارضها مانعُ النكاح لما يُوجبه من إضاعة الطفل، واشتغالها بحقوقِ الزوج الأجنبي منه عن مصالحه، ولما فيه من تغذيته وتربيته في نعمة غير أقاربه، وعليهم في ذلك مِنَّةٌ وغَضَاضَة، فإذا انقطع النكاحُ بموتٍ، أو فُرقةٍ، زال المانع، والمقتضي قائم، فترتب عليه أثره، وهكذا كُلُّ من قام به من أهل الحضانة مانع منها، ككفر، أورِق، أو فسق، أو بدو، فإنه لا حضانة له، فإن زالت الموانعُ، عاد حقُّهم من الحضانة، فهكذا النكاح والفرقة . وأما النزاعُ في عود الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي، أو بوقفه على انقضاء العدة، فمأخذُه كون الرجعية زوجة في عامة الأحكام، فإنه يثبت بينهما التوارثُ والنفقة، ويَصِحُّ منها الظهارُ والإِيلاء: ويحرم أن يَنْكحَ عليها أختها، أو عمتها، أو خالتها، أو أربعاً سواها، وهي زوجة، فمن راعى ذلك، لم تعد إليها الحضانة بمجرد الطلاق الرجعي حتى تنقضي العدة، فتبينُ حينئذ، ومن أعاد الحضانة بمجرد الطلاق، قال: قد عزلها عن فِراشه، ولم يبق لها عليه قَسْمٌ، ولا لها به شغل، والعِلة التي سقطت الحضانة لأجلها قد زالت بالطلاق، وهذا هو الذي رجحه الشيخ في ((المغني)) وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: وإذا أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت، رجعت على حقها من كفالته. ٤٠٥ فصل هل مجرد عقد النكاح يسقط الحضانة؟ وقوله: ((ما لم تنكحي))، اختُلِفَ فيه: هل المراد به مجرد العقد، أو العقد مع الدخول؟ وفي ذلك وجهان. أحدهما: أن بمجرد العقد تزول حضانتها، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، لأنه بالعقد يَملِكُ الزوج منافع الاستمتاع بها، ويَملِكُ نفعها من حضانة الولد. والثاني: أنها لا تزولُ إلا بالدخول، وهو قولُ مالك، فإن بالدخول يتحقق اشتغالها عن الحضانة، والحديث يحتمل الأمرين، والأشبهُ سقوطُ حضانتها بالعقد، لأنها حينئذ صارت في مظنة الاشتغال عن الولد والتهيؤ للدخول، وأخذها حينئذ في أسبابه، وهذا قولُ الجمهور. فصل واختلف الناسُ في سقوط الحضانة بالنكاح، على أربعة أقوال. اختلاف الفقهاء فى سقوط الحضانة بالنكاح أحدُها: سقوطها به مطلقاً، سواء كان المحضون ذكراً، أو أنثى، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه. قال ابنُ المنذر: أجمع على هذا كُلُّ من أحفظ عنه من أهل العلم، وقضى به شريح. والقولُ الثاني: أنها لا تسقُطُ بالتزويج بحال، ولا فرق في الحضانة بين الايِّم وذوات البعل، وحُكي هذا المذهبُ عن الحسن البصري، وهو قولُ أبي محمد ابن حزم. القول الثالث: أن الطفل إن كان بنتاً لم تسقط الحضانة بنكاح أمها، وإن كان ذكراً سقطت، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي، فقال: إذا تزوجت، الأمُّ وابنُها صغير، أخذَ منها. قيل له: والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجاريةُ تكون مع أمها إلى سبع سنين. وعلى هذه الرواية: فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ؟ على روايتين. قال ابنُ أبي موسى: وعن أحمد، أن الأم أحقُّ بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ . ٤٠٦ والقول الرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها، ثم اختلف أصحاب هذا القول، على ثلاثة أقوال. أحدها: أن المشترط أن يكون الزوج نسيباً للطفل فقط، وهذا ظاهرُ قولِ أصحاب أحمد. الثاني: أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة. الثالث: أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد، بأن يكون جداً لللطفل، وهذا قولُ مالك، وبعض أصحاب أحمد، فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة. فأما حُجةُ مَنْ أسقط الحضانة بالتزويج مطلقاً، فثلاثُ حجج: إحداها: حجة من أسقط الحضانة حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره. الثانية: اتفاق الصحابة على ذلك، وقد بالتزويج مطلقاً تقدَّم قولُ الصدِّيق لعمر: هي أحق به ما لم تتزوج، وموافقة عمر له على ذلك، ولا مخالف لهما من الصحابة ألبتة، وقضى به شريح، والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار. الثالثة: ما رواه عبد الرزاق: حدثنا ابن جريج، حدثنا أبو الزبير، عن رجل صالح من أهل المدينة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كانت امرأةٌ من الأنصار تحتَ رجل من الأنصار، فقُتِلَ عنها يومَ أحد وله منها ولد، فخطبها عمُّ ولدها وَرَجُلٌ آخر إلى أبيها، فأنكح الآخرَ، فجاءت إلى النبيِّ ◌َّ، فقالت: أنكحني أبي رجلاً لا أريدُه، وترك عمَّ ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا رسولُ الله ◌َّ أباها، فقال: أنكحت فلاناً فلانة؟ قال: نعم، قال: ((أَنْتَ الَّذي لا نِكَاحَ لَكَ، اذْهَبِي فَانْكِحِي عمَّ وَلَدِكٍ))(١)، فلم ينكر أخذَ الولد منها لما تزوجت، بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة، ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل. واعترض أبو محمد بن حزم على هذا الاستدلال، بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، وحديث أبي سلمة هذا مرسل، وفيه مجهول. وهذان الاعتراضان ضعيفان، فقد بينا احتجاجَ الأئمة بعمرو في اعتراض ابن حزم على الأدلة السابقة ورد المصنف عليه (١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٣٠٤). ٤٠٧ تصحيحهم حديثه، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قولُ ابن حزم، وقولُ البخاري، وأحمد، وابن المديني، والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، لم يُلتفت إلى سواهم. وأما حديث أبي سلمة هذا، فإن أبا سلمة مِن كبار التابعين، وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا يُنكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإِرسال، ولو تحقق، فمرسل جيد، له شواهدُ مرفوعة وموقوفة، وليس الاعتمادُ عليه وحده، وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح، ولا رَيبَ أن هذه الشهادة لا تُعرِّفُ به، ولكن المجهول إذا عدَّله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته وإن كان واحداً على أصح القولين، فإن التعديلَ من باب الإِخِبار والحكم لا من باب الشهادة، ولا سيما التعديل في الرواية، فإنهُ يكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية، هذا مع أن أحد القولين: إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته لا سيَّما إذا لم يكن معروفاً بالرواية عن الضعفاء والمتهمين، وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفاً بالتدليس عن المتهمين والضعفاء، بل تدليسُه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يُدلِّسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوعُ من التدليس في المتأخرين . واحتج أبو محمد على قوله، بما رواه من طريق البخاري، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس قال: قَدِمَ رسولُ الله ◌َّ المدینة وليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، وانطلق بي إلى رسولِ اللهِ وَّ فقال: يا رسول الله! إن أنساً غلامٌ كَيٌِّ، فَلْيَخْدُمْك. قال: فخدمتُه في السفر والحضر))(١). وذكر الخبر. حجة ابن حزم على عدم سقوط الحضانة بالتزويج (١) أخرجه البخاري ٢٩٥/٥ في الوصايا: باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحاً له، ومسلم (٢٣٠٩) في الفضائل: باب كان رسول الله ﴾ أحسن الناس خلقاً. ٤٠٨ قال أبو محمد: فهذا أنس في حضانة أمه، ولها زوج، وهو أبو طلحة بعلم رسول اللّه ◌َ﴾، وهذا الاحتجاجُ في غاية السقوط، والخبرُ في غاية الصحة، فإن أحداً من أقارب أنس لم يُنَازِعْ أمه فيه إلى النبيِ ◌ّ وهو طفل صغير لم يَثَّغِرْ، ولم يأكل وحده، ولم يشرب وحدَه، ولم يميز، وأمه مزوجة، فحكم به لأمه، وإنما يَتَمُّ الاستدلالُ بهذه المقدمات كلها، والنبيُّ ◌َـٌّ لما قَدِمَ المدينة كان لأنس من العمر عشرُ سنين، فكان عند أمه، فلما تزوَّجت أبا طلحة لم يأت أحدٌ من أقارب أنس يُنازعها في ولدها ويقول: قد تزوجتِ فلا حضانةَ لكِ، وأنا أطلبُ انتزاعَه مِنْكِ، ولا ريبَ أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانةُ ابنها إذا اتفقت هي والزوجُ وأقاربُ الطفل على ذلك، ولا ريبَ أنه لا يجب، بل لا يجوزُ أن يُفرّق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يُخاصمها مَنْ له الحضانةُ، ويَطْلُب انتزاع الولد، فالاحتجاجُ بهذه القصة من أبعدِ الاحتجاج وأبردِهِ. ونظيرُ هذا أيضاً، احتجاجُهم بأن أمَّ سلمة لما تزوجت برسول الله شئّ لم تسقط كفالتها لابنها، بل استمرت على حضانتها، فيا عجباً من الذي نازع أمّ سلمة في ولدها، ورغب عن أن يكون في حجر النبيِّ ◌َّه . واحتج لهذا القول أيضاً بأن رسولَ اللّهِ بَل قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوَّجة بجعفر، فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاثَ مآخذ. أحدُها: أن النكاحَ لا يُسقط الحضانة. الثاني: أن المحضونةَ إذا كانت بنتاً، فنكاحُ أمهَا لا يُسقِطُ حضانتها، ويسقِطُها إذا كان ذكراً. الثالث: أن الزوج إذا كان نسيباً من الطفل، لم تسقط حضانتها، وإلا سقطت، فالاحتجاجُ بالقصة على أن النكاحَ لا يُسقط الحضانَة مطلقاً لا يَتِّمُّ إلا بعدَ إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين. فصل وقضاؤه ◌َ ﴿ بالولد لأمه، وقوله: ((أنْتِ أحَقُّ بِهِ ما لَم تَنْكِحي))، لا يُستفادُ منه عمومُ القضاء لكل أمّ حتّى يقضِي به للأم. وإن كانت كافرة، أو رقيقة، أو ٤٠٩ فاسقة، أو مسافِرة، فلا يَصِحُّ الاحتجاجُ به على ذلك، ولا نفيُه، فإذا دلّ دليلٌ منفصِلٌ على اعتبار الإِسلام والحرية والديانة والإقامة، لم يكن ذلك تخصيصاً ولا مخالفةً لِظاهر الحديث. شروط الحاضن الاتفاق في الدين وقد اشترط في الحاضن ستة شروط : اتفاقهما في الدِّين، فلا حضانة لكافر على مسلم لوجهين. أحدهما: أن الحاضن حريصٌ على تربيةِ الطفل على دينه، وأن ينشأَ عليه، ويتربَّى عليه، فيصعبُ بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يُغيره عن فطرة الله التي فطر عليها عبادَه، فلا يُراجعها أبداً، كما قال النبيُّ نَّهِ: ((كُلُّ مَوْلُود يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يَهَوَّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ))(١). فلا يُؤْمن تهويدُ الحاضن وتنصيرُه للطفل المسلم . فإن قيل : الحديثُ إنما جاء في الأبوين خاصة. قيلَ: الحديثُ خرجَ مخرج الغالِب إذ الغالبُ المعتادُ نشوء الطفل بين أبويه، فإن فُقِدَ الأبوانِ أو أحدُهما قامَ ولي الطفل مِن أقاربه مقامهما . الوجه الثاني: أن اللّهَ سبحانه قطعَ الموالاة بين المسلمين والكفار، وجعلَ المسلمين بعضهم أولياءَ بعض، والكفارَ بعضَهم مِن بعض، والحضانةُ مِن أقوى أسباب الموالاة التي قطعها الله بين الفريقين. وقال أهلُ الرأي، وابنُ القاسم، وأبو ثور: تثبتُ الحضانة لها مع كُفرها وإسلام الولد، واحتجُّوا بما روى النسائي في سننه، من حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، عن جدِّه رافع بن سنان، أنه أسلم وأبت امرأتُه أن تُسلم، فأتت النبيَّ ◌َ﴿، فقالت: ابنتي وهي فطيمٌ أو يشبهُه، وقال رافع: ابنتي، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((اقْعُدْ ناحِيَةً))، وقال لها: ((اقْعُدِي نَاحِيَةً))، حجة من أثبت الحضانة الكافرة على الولد المسلم (١) أخرجه البخاري ١٩٧/٤، ١٩٩ في الجنائز: باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (٢٦٥٨) في القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة. ٤١٠ وقال لهما: ((ادْعُواها))، فمالت الصبيةُ إلى أمها، فقال النبيُّ وَّل: ((اللَّهُمَّ اهْدِهَا))، فمالت إلى أبيها فأخذها(١) . قالوا: ولأن الحضانة لأمرين: الرضاع، وخدمةِ الطفل، وكلاهما يجوزُ من الكافرة . قال الآخرون: هذا الحديثُ مِن رواية عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي، وقد ضعفه إمامُ العلل يحيى بن سعيد القطان، وكان سفيان الثوري يَحمِلُ عليه (٢)، وضعف ابنُ المنذر الحديث، وضعفه غيرُه، وقد اضطرب في القصة، فروَى أن المخيّر كان بنتاً، وروَى أنه كان ابناً. وقال الشيخ في ((المغني)): وأما الحديث، فقد روي على غير هذا الوجه، ولا يثبته أهل النقل. وفي إسناده مقال، قاله ابن المنذر. رد المسقطين لحق الحضانة للكافرة على المثبتين ثم إن الحديث قد يحتج به على صحة مذهب من اشترط الإِسلام، فإن الصبيّة لما مالت إلى أمها دعا النبي ◌َ ◌ّلٍ لها بالهداية، فمالت إلى أبيها، وهذا يدل على أن كونَها مع الكافر خلافُ هُدى الله الذي أرادهُ مِن عبادِه، ولو استقر جعلها مع أمها، لكان فيه حجة، بل أبطله الله سبحانه بدعوة رسوله. ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانةَ للفاسقِ، فأيُّ فِسق أكبرُ مِن اشتراط الخلو من الفسق في الحضانة الكفر؟ وأينَ الضَّررُ المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقَّع من الكافر، مع أن الصوابَ أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعاً، وإن شرطها أصحابُ أحمد والشافعي وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد. (١) أخرجه أبو داود (٢٢٤٤) بهذا السند كما تقدم، وأما رواية النسائي ١٨٥/٦، فمن طريق عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده. (٢) تضعيف الثوري له من أجل مذهبه، ويحيى بن سعيد مرة وثقه، ومرة ضعفه، وقد وثقه ابن معين وأحمد، وأبو حاتم والنسائي، وابن عدي، وابن سعد، والساجي، فحديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، ولذا قال الحافظ في (( التقريب)): صدوق ربما وهم. فالحديث حسن كما تقدم. ٤١١ ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتد العنتُ، ولم يزل من حين قام الإِسلام إلى أن تقومَ الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحدٌ في الدنيا، مع كونهم الأكثرين. ومتى وقع في الإِسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعسر - واستمرارُ العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه - بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائمُ الوقوع في الأمصار والأعصار، والقرى والبوادي، مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك، فساق، ولم يزل الفسقُ في الناس، ولم يمنع النبي لة، ولا أحدٌ من الصحابة فاسقاً من تربية ابنه وحضانته له، ولا مِن تزويجه مولِّته، والعادةُ شاهدة بأن الرجل ولو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته، ولا يُضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قُدِّرَ خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي، ولو كان الفاسق مسلوبَ الحضانة، وولاية النكاح، لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله، وتوارث العملِ به مقدّماً على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعُهُ واتصالُ العمل بخلافه. ولو كان الفِسقُ يُنافي الحضانة، لكان من زنى أو شرب خمراً، أو أتى كبيرةً، فرق بينه وبين أولاده الصغار، والتُمِسَ لهم غيره والله أعلم. اشتراط العقل في الحاضن نعم، العقل مشترط في الحضانة، فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل، لأن هؤلاء يحتاجون إلى من يحضنُهم ويكفُلُهم، فكيف يكونون كافلين لغیرِهم. الحرية وأما اشتراطُ الحرية، فلا ينتهِضُ عليه دليلٌ يَرْكَنُ القلب إليه، وقد اشترطه أصحابُ الأئمة الثلاثة. وقال مالك في حُرٍّ له ولد مِن أمة: إن الأم أحقُّ به إلا أن تباع، فتنتقل، فيكون الأب أحق بها، وهذا هو الصحيح، لأن ٤١٢ النبي ◌َّ قال: ((لا تُوَلَّهُ والدَةٌ عن وَلِدِهَا))(١). وقال: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوالدة وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ))(٢). وقد قالوا: لا يجوزُ التفريقُ في البيع بين الأمّ وولدها الصغير فكيف يُفرِّقون بينهما في الحضانة؟ وعمومُ الأحاديث تمنعُ مِن التفريق مطلقاً في الحضانة والبيع، واستدلالُهم بكون منافِعها مملوكةً للسيد، فهي مستغرِقَةٌ في خدمته، فلا تَفْرُّغُ لِحَضَانِةِ الولد ممنوع، بل حَقُّ الحَضانةِ لها، تُقُدَّم به في أوقات حاجة الولد على حقِّ السيد، كما في البيع سواء. وأما اشتراطُ خلوها من النكاح، فقد تقدم .. الخلو من النكاح وهاهنا مسألة ينبغي التنبيهُ عليها وهي أنا إذا أسقطنا حقَّها مِن الحضانة بالنكاح، ونقلناها إلى غيرها فاتُّفِقِ أنه لم يكن له سِواها، لم يَسقُطْ حقُّها من الحضانة، وهي أحقُّ به من الأجنبي الذي يدفعه القاضي إليه، وتربيته في حجر أمه ورأيه أصلحُ مِن تربيته في بيتِ أجنبي محض لا قرابة بينهما تُوجِبُ شفقته ورحمته وحنُوّه، ومنَ المحالِ أن تأتيَ الشريعة بدفع مفسدة بمفسدة أعظمَ منها بكثير، والنبيُّ ◌َ ﴿ لم يحكم حكماً عاماً كلياً: أن كل امرأة تزوجت سقطت حضانتُها في جميع الأحوال حتى يكونَ إثباتُ الحضانة للأم في هذه الحالة مخالفة للنص. وأما اتحاد الدار، فإن كان سفرُ أحدهما لحاجة، ثم يعود والآخر مقيم، فهو أحقُّ به، لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعاً إضرارٌ به وتضييعٌ له، هكذا أطلقوه، ولم يستثنوا سفرَ الحج من غيره، وإن كان اتحاد الدار شرط من شروط الحاضن (١) أخرجه البيهقي ٥/٨ من حديث أبي بكر، وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، وشيخه عمر بن عبد الله مولى غفرة وهو ضعيف أيضاً. (٢) أخرجه أحمد ٤١٢/٥، ٤١٣ والترمذي (١٢٨٣) في البيوع: باب ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها في البيع من حديث أبي أيوب الأنصاري، والدارمي ٢٢٧/٢، ٢٢٨ وسنده حسن، وصححه الحاكم ٥٥/٢، وأقره الذهبي. ٤١٣ قول من اشترط لسقوط الحضانة مع عقد النكاح والدخول حكم الحاكم أحدهما منتقلاً عن بلد الآخر للإقامة، والبلدُ وطريقُه مخوفان، أو أحدهما، فالمقيمُ أحقُّ، وإن كان هو وطريقُه آمنين، ففيه قولانٍ، وهما روايتان عن أحمد، إحداهما: أن الحضانةَ للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمِه، وهو قولُ مالك والشافعي، وقضى به شريح. والثانية: أن الأم أحقُّ. وفيها قول ثالث: أن المنتقل إن كان هو الأب، فالأمُّ أحقُّ به، وإن كان الأم، فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصلُ النكاح فهي أحقُّ به، وإن انتقلت إلى غيره، فالأبُ أحق، وهو قول الحنفية. وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى: أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية، فالأبُ أحق، وإن كان من بلدٍ إلى بلد، فهي أحق، وهذه أقوالٌ كُلُّها كما ترى لا يقومُ عليها دليلٌ يسكن القلبُ إليه، فالصوابُ النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع مِن الإقامة أو النقلة، فأيُّهما كان أنفعَ له وأصونَ وأحفظَ، روعي، ولا تأثيرَ لإقامة ولا نقلة، هذا كُلُّهُ ما لم يُرِدْ أحدُهما بالنقلة مضارةَ الآخر، وانتزاعَ الولد منه. فإن أراد ذلك، لم يُجب إليه، والله الموفق. فصل وقوله: ((أنتِ أحق به ما لم تَنكحي))، قيل: فيه إضمارٌ تقديره: ما لم تنكحي، ويدخلْ بك الزوج، ويحكم الحاكم بسقوط الحضانة. وهذا تعشُّف بعيد لا يُشعرُ به اللفظ، ولا يدل عليه بوجه، ولا هو من دلالة الاقتضاء التي تتوقف صحةُ المعنى عليها، والدخولُ داخل في قوله: ((تنكحي))، عند من اعتبره، فهو كقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾، ومن لم يعتبره، فالمراد بالنكاح عنده العقد . وأما حكمُ الحاكم بسقوط الحضانة، فذاك إنما يحتاجُ إليه عند التنازع والخصومة بين المتنازعين، فيكون منفذاً لِحكم رسول الله بح ، لا أن رسولَ الله ◌َجل أوقفَ سقوطَ الحضانة على حكمه، بل قد حكم هو بسقوطها، حَكَمَ به الحُكَّامُ بعده أو لم يحكمُوا. والذي دل عليه هذا الحكمُ النبوي، أن الأمّ أحقُّ بالطفل ما لم يُوجد منها النكاحُ، فإذا نكحت، زال ذلك الاستحقاقُ، وانتقل ٤١٤ الحقُّ إلى غيرها. فأما إذا طلبه من له الحق، وجب على خصمه أن يبذله له، فإن امتنع، أجبره الحاكمُ عليه، وإن أسقط حقَّه، أو لم يطالب به، بقي على ما كان عليه أولاً، فهذه قاعدة عامة مستفادة من غير هذا الحديث. فصل وقد احتج من لا يرى التخييرَ بين الأبوين بظاهر هذا الحديثِ، ووجهُ الاستدلال أنه قال: ((أنت أحق به))، ولو خُيِّرَ الطفل لم تكن هي أحقَّ به إلا إذا اختارها، كما أن الأبَ لا يكون أحقَّ به إلا إذا اختاره، فإن قدر: أنت أحقُّ به إن اختارك،. قُدِّرَ ذلكَ في جانب الأب، والنبيُّ ◌َّ جعلها أحقَّ به مطلقاً عند المنازعة، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك. ونحن نذكر هذه المسألة: ومذاهب الناس فيها، والاحتجاج لأقوالهم، ونرجح ما وافق حكم رسول الله تٍَّ منها. اختلاف الفقهاء في التخيير بين الأبوين ذكر قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمرأته، فذكر الأثرَ المتقدم، وقال فيه: ريحُها وفراشُها خير له منك حتى يَشِبَّ ويختار لنفسه، فحکم به لأمِّه حين لم يكن له تمييزٌ إلى أن يَشبَ ويُميز ويخير حينئذ. ذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال الشافعي: حدثنا ابن عيينة، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عُبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. خَيَّرَ غلاماً بين أبيه وأمه(١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: خيرَ عمر رضي الله عنه غلاماً ما بينَ أبيه وأمه، فاختار أمّه، فانطلقت به . (١) رجاله ثقات. ٤١٥ وذكر عبد الرزاق أيضاً: عن معمر، عن أيوب، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن عبد الرحمن بن غنم، قال: اختُصمَ إلى عمرَ بنِ الخطاب في غلام، فقال: هو مع أمه حتى يُعْرِبَ عنه لِسانُه ليختار(١) . وذكر سعيد بن منصور عن هشيم، عن خالد، عن الوليد بن مسلم، قال: اختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يتيم فخيَّره، فاختار أمه على عمه، فقال عمر: إنَّ لُطْفَ أمك خيرٌ مِن خِصْب عمِّكَ. ذكر قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال الشافعي رحمه الله تعالى: أنبأنا ابن عيينة، عن يونس بن عبد الله الجَرُمي، عن عمارة الجرمي، قال: خيرني علي بين أمي وعَمّي، ثم قال لأخ لي أصغر مني: وهذا أيضاً لو بلغ مبلغ هذا لخيرتُه(٢). قال الشافعي رحمه الله: قال إبراهيم: عن يونس عن عمارة عن علي مثله(٣) قال في الحديث: وكنتُ ابن سبع سنين، أو ثمانٍ سنين. قال يحيى القطان: حدثنا يونسُ بنُ عبدِ الله الجرمي، حدثني عُمارة ابن رويبة، أنه تخاصمَتْ فيه أُّه وعقُّه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: فخيرني علي ثلاثاً، كُلَّهُنَّ أختارُ أمي، ومعي أخٌ لي صغير، فقال علي: هذا إذا بلغ مبلغ هذا خُيِّر . ذكر قول أبي هريرة رضي الله عنه قال أبو خيثمة زهير بن حرب: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن زياد بن سعد، (١) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (١٢٦٠٦). (٢) وهو في ((المصنف)) (١٢٦٠٩)، و((سنن البيهقي)) ٤/٨، وعمارة الجرمي ذكره ابن أبي حاتم، فلم يذكر فيه جرحاً. (٣) إبراهيم هو ابن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك. ٤١٦ عن هِلال بن أبي ميمونة قال: شهدت أبا هريرة خيَّ غلاماً بين أبيه وأمه، وقال: إِنَّ رسولَ اللّهِ ◌َّه خَيَّرَ غُلاماً بينَ أبيه وأمه(١). فهذا ما ظفرتُ به عن الصحابة. وأما الأئمة، فقال حرب بن إسماعيل: سألت إسحاق بن راهويه، إلى متى يكون الصبيُّ والصبيةُ مع الأم إذا طُلِّقت؟ قال: أحَبُّ إليَّ أن يكونَ مع الأم إلى سبع سنين، ثم يُخيّر. قلت له: أترى التخيير؟ قال: شديداً. قلت: فأقلّ مِن سبع سنين لا يُخير؟ قال: قد قال بعضُهم: إلى خمس، وأنا أحَبُّ إليَّ سبع. مذهب ابن راهويه في التخيير وأما مذهب الإمام أحمد، فإما أن يكونَ الطفلُ ذكراً أو أنثى، فإن كان ذكراً، فإما أن يكونَ ابنَ سبع أو دونَها، فإن كان له دون السبع، فأمُّه أحقُ بحضانته من غیر تخییر، وإن کان له سبعٌ، ففيه ثلاث روايات. مذهب أحمد إحداها - وهي الصحيحة المشهورة من مذهبه - : أنه يخير، وهي اختيارُ أصحابِه، فإن لم يختر واحداً منهما، أقرع بينهما، وكانَ لمن قرع، وإذا اختار أحدَهما، ثم عاد فاختار الآخر، نقل إليه، وهكذا أبداً. والثانية: أن الأبَ أحقُ بهِ مِن غير تخيير. والثالثة: أن الأم أحق به كما قبل السبع . وأما إذا كان أنثى، فإن كان لها دونَ سبع سنين، فأمّها أحقُّ بها من غير تخير، وإن بلغت سبعاً، فالمشهورُ من مذهبه، أن الأمّ أحقُّ بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت تسعاً، فالأبُ أحقُّ بها من غير تخيير. وعنه رواية رابعة: أن الأمّ أحقٌ بها حتى تبلغ، ولو تزوجت الأم. وعنه رواية خامسة: أنها تخير بعد السبع كالغلام، نصَّ عليها، وأكثر - (١) رجاله ثقات، وقد تقدم تخريجه. ٤١٧ زاد المعاد ج ٥-م١٤ أصحابه إنما حكوا ذلك وجهاً في المذهب، هذا تلخيصُ مذهبه وتحریرُه. مذهب الشافعي وقال الشافعي: الأمُّ أحقُّ بالطفل ذكراً كان أو أنثى إلى أن يبلُغا سبع سنين، فإذا بلغا سبعاً وهما يعقِلان عقل مثلهما، خيِّرَ كُلٌّ منهما بينَ أبيه وأمه، وكان مع من اختار. مذهب مالك وأبي حنيفة وقال مالك وأبو حنيفة لا تخيير بحال، ثم اختلفا فقال أبو حنيفة، الأمُّ أحق بالجارية حتى تبلغ، وبالغلام حتى يأكل وحده، ويشربَ وحدَه، ويلبسَ وحده، ثم يكونان عند الأب، ومن سوى الأبوين أحقُّ بهما حتى يستغنيا، ولا يُعتبر البلوغ، وقال مالك: الأمُّ أحقُّ بالولد ذكراً كان أو أنثى حتى يثَغِر، هذه رواية ابن وهب، وروى ابنُ القاسم: حتى يَبْلُغَ، ولا يُخيَّرُ بحال. وقال الليثُ بن سعد: الأمُّ أحقُّ بالابن حتى يَبْلُغَ ثمانَ سنين، وبالبنت حتى تبلغ، ثم الأبُ أحقُ بهما بعد ذلك. مذهب الليث وقال الحسنُ بن حَي: الأمُّ أولى بالبنت حتى يَكْعُبَ ثدياها، وبالغلامِ حَتَّى يَبْفَعَ، فيُخيران بعدَ ذلك بين أبويهما، الذكر والأنثى سواء. مذهب الحسن ابن حي مذهب من قال بالتخيير في الغلام دون الجارية قال المخيِّرون في الغلام دون الجارية: قد ثبت التخييرُ عن النبيِّ لَّ في الغلام، من حديث أبي هريرة: وثبت عن الخلفاء الراشدين، وأبي هريرة، ولا يُعرف لهم مخالفٌ في الصحابة ألبتة، ولا أنكره منكر. قالوا: وهذا غايةٌ في العدل الممكن، فإن الأمّ إنما قُدِّمتْ في حال الصغر لحاجة الولد إلى التربية والحمل والرضاع والمداراة التي لا تتهيأ لِغير النساء، وإلا فالأمُّ أحد الأبوين، فكيف تُقَدَّم عليه؟ فإذا بلغ الغلام حداً يُعْرِبُ فيه عن نفسه، ويستغني عن الحمل والوضع وما تُعانيه النساء، تساوى الأبوانِ، وزال السببُ الموجبُ لتقديم الأم، والأبوانِ متساويانٍ فيه، فلا يُقَدَّمُ أحدُهما إلا بمرجِّح، والمرجِّحُ إما من خارج، وهو القرعةُ، وإما من جهة الولد، وهو اختيارُه، وقد جاءت السنةُ بهذا وهذا، وقد جمعهما حديثُ أبي هريرة، فاعتبرناهما جميعاً، ولم ندفع أحدهما بالآخر. ٤١٨ وقدمنا ما قدمه النبيُّ ◌َّله، وأخّرنا ما أخره، فقدم التخييرُ، لأن القُرعة إنما يُصار إليها إذا تساوت الحقوقُ مِن كل وجه، ولم يبق مرجِّحٌ سواها، وهكذا فعلنا هاهنا قدمنا أحدَهما بالاختيار، فإن لم يختر، أو اختارهما جميعاً، عدلنا إلى القُرعة، فهذا لو لم يكن فيه موافقة السنة، لكان مِن أحسن الأحكام، وأعدلها، وأقطعها للنزاع بتراضي المتنازعين. وفيه وجه آخر في مذهب أحمد والشافعي: أنه إذا لم يختر واحداً منهما كان عند الأم بلا قُرعة، لأن الحضانة كانت لها، وإنما ننقلُه عنها باختياره، فإذا لم يختر، بقي عندها على ما كان. فإن قيل: فقد قدمتُمُ التخييرَ على القُرعة، والحديث فيه تقديمُ القُرعة أولاً، ثم التخيير، وهذا أولى، لأن القرعة طريق شرعي للتقديم عند تساوي المستحقين، وقد تساوى الأبوانِ، فالقياسُ تقديمُ أحدهما بالقُرعة، فإن أبيا القُرعة، لم يبق إلا اختيارُ الصبي، فيُرجح به، فما بالُ أصحابِ أحمد والشافعي قدَّموا التخييرَ على القرعة . قيل: إنما قُدّمَ التخيير، لاتفاق ألفاظِ الحديث عليه، وعملِ الخلفاء الراشدين به، وأما القُرعة، فبعضُ الرواة ذكرها في الحديث، وبعضُهم لم يذكرها، وإنما كانت في بعضٍ طُرق أبي هريرة رضي الله عنه وحده، فَقُدِّمَ التخييرُ عليها، فإذا تعذر القضاء بالتخيير، تعينت القُرعة طريقاً للترجيح إذ لم يبق سواها. ثمَّ قال المخيرون للغلام والجارية: روى النسائي في ((سننه))، والإِمام أحمد في ((مسنده)) من حديث رافع بن سنان رضي الله عنه أنه تنازع هو وأٌّ في ابنتهما، وأن النبيَّ ◌َّ أقعَده ناحية، وأقعد المرأة ناحية، وأقعد الصبيةَ بينهما، وقال: ((ادْعُوَاها))، فمالَت إلى أُمِّها فقال النبيُّ ◌ََّ: ((اللَّهُمَّ اهْدِهَا)) فمَالَت إلى أَبِيِهَا فَأَخَذَهَا (١). قالُوا: ولو لم يَرِدْ هذا الحديثُ لكان حديثُ أبي هريرة رضي الله رد المخيرين على من اقتصر بالتخيير على الغلام (١) تقدم تخريجه ص ٤٦٠ وهو حسن، وعزوه إلى أحمد وهم من المصنف رحمه الله، = ٤١٩ عنه، والآثار المتقدمة حجةً في تخيير الأنثى، لأن كونَ الطفل ذكراً لا تأثير له في الحكم، بل هي كالذكر في قوله ◌َّه: ((مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُل قَدْ أَفْلَسَ))(١). وفي قوله ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ))(٢)، بل حديثُ الحَضَانة أولى بعدم اشتراط الذكورية فيه، لأن لَفظ الصَبي ليس مِن كلام الشارع، إنما الصحابيُّ حكى القصة، وأنها كانت في صبي، فإذا نُقِّحَ المناطُ تبيَّنَ أنه لا تأثير، لكونه ذكراً. قالت الحنابلة: الكلامُ معكم في مقامين، أحدهما: استدلالُكم بحديثٍ رافع، والثاني: إلغاؤكم وصفَ الذكورية في أحاديث التخيير. رد الحنابلة على من أجاز التخيير للذكر والأنثى فأما الأول، فالحدیثُ قد ضعّفه ابنُ المنذر وغیرُه، وضعف يحيى بن سعيدٍ والثوري عبدَ الحميد بن جعفر، وأيضاً فقد اختلف فيه على قولين. أحدهما: أن المخيّر كان بنتاً، وروي: أنه كان ابناً. فقال عبد الرزاق: أخبرنا سفيان، عن عثمان البتي، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، عن جده، أن أبويه اختصما إلى النبيِّ ◌َ﴿، أحدهُما مسلم، والآخرُ كافر، فتوجه إلى الكافر، فقال النبيُّ چيّ: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ»، فتوجه إلى المسلم، فقضی له به(٣). قال أبو الفرج ابن الجوزي: ورواية من روى أنه كان غلاماً أصحُ. قالوا: ولو سلم لكم أنه كان أنثى، فأنتم لا تقولون به، فإن فيه أن أحدهما كان مسلماً، = فإنه لم يخرجه. (١) أخرجه البخاري ٤٧/٥، وأحمد ٤٧٤/٢، وأبو داود (٣٥١٩) في البيوع: باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه من حديث أبي هريرة. (٢) أخرجه البخاري ١٠٩/٥ في العتق: باب إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركاء، ومسلم (١٥٠١) في الأيمان: باب من أعتق شركاً له في عبد من حديث ابن عمر. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٦١٦)، ولفظه ((أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم، فجاء بابن له صغير لم يبلغ، قال: فأجلس النبي ◌َ ل الأب ها هنا والأم ها هنا، ثم خيره وقال: اللهم اهده، فذهب إلى أبيه)) واللفظ الذي ساقه المصنف هو لابن ماجه (٢٣٥٢). ٤٢٠