Indexed OCR Text
Pages 281-300
وأيضاً فإنَّا تيقَّنَّا التحريمَ بذلك، وشككنا: هل هو تحريمٌ تُزيله الكفارة
كالظهار، أو يُزيله تجديدُ العقد كالخُلع، أو لا يُزيله إلا زوجٌ وإصابة كتحريمِ
الثلاث؟ وهذا متيقَّن، وما دونه مشكوٌ فيه، فلا يَحلُّ بالشك.
قالوا: ولأن الصحابة أَفْتَوْا في الخلية والبرية بأنها ثلاث. قال أحمد: هو
عن علي وابنٍ عمر صحيح، ومعلوم أن غاية الخلية والبرية أن تصير إلى التحريم،
فإذا صرَّحَ بالغاية، فهي أولى أن تكونَ ثلاثاً، ولأن المحرم لا يسبِقُ إلى وهمه
تحريمُ امرأته بدون الثلاث، فكأنَّ هذا اللفظَ صارَ حقيقةً عُرفية في إيقاع الثلاث.
وأيضاً فالواحدةُ لا تحرمُ إلا بعوض، أو قبلَ الدخول، أو عندَ تقييدها
بكونها بائنة عند من يراه، فالتحريمُ بها مقيّد، فإذا أطلق التحريمُ، ولم يُقيّد،
انصرف إلى التحريم المطلق الذي يثبت قبل الدخول أو بعده، وبعوض وغيره وهو
الثلاث .
فصل
وأما من جعله ثلاثاً في حق المدخول بها، وواحدة بائنة في حقِّ غيرها، حجج المذهب الثالث
فحجتُه أن المدخولَ بها لا يُحَرِّمُها إلا الثلاث، وغيرُ المدخول بها تحرمها
الواحدة، فالزائدة عليها ليست من لوازم التحريم، فأورد على هؤلاء أن المدخول
بها يملِكُ الزوجُ إبانتها بواحدة بائنة، فأجابوا بما لا يُجدي عليهم شيئاً، وهو أن
الإبانة بالواحدة الموصوفة بأنها بائنة إبانة مقيّدة، بخلاف التحريم، فإن الإبانة به
مطلقة، ولا يكونُ ذلك إلا بالثلاثِ، وهذا القدرُ لا يُخلِّصُهم من هذا الإِلزام، فإن
إبانة التحريمِ أعظمُ تقييداً من قوله: أنتِ طالق طلقة بائنة، فإن غايةَ البائنة أن
تحرمها، وهذا قد صرَّح بالتحريم، فهو أولى بالإِبانة من قوله: أنت طالق طلقةً
بائنة .
فصل
وأما مَن جعلها واحدة بائنة في حقِّ المدخول بها وغيرها، فمأخذُ هذا القول
٢٨١
أنها لا تُفيد عدداً بوضعها، وإنما تقتضي بينونةً يحصلُ بها التحريمُ، وهو يَملِكُ
إيانتها بعد الدخول بها بواحدة بدون عوض، كما إذا قال: أنت طالق طلقة بائنة،
فإن الرجعةَ حقٌّ له، فإذا أسقطها سقطت، ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض يأخذه
منها، ملك الإبانة بدونه، فإنه محسن بتركه، ولأن العِوض مستحق له، لا علیه،
فإذا أسقطه وأبانها، فله ذلك.
فصل
حجج من قال بأنها
واحدة رجعية
وأما مَن قال: إنها واحدة رجعية، فمأخذه أن التحريمَ يُفيد مطلق انقطاع
الملك، وهو يصدُق بالمتيقّنِ منه وهو الواحدةُ، وما زاد عليها، فلا تعرُّضَ في
اللفظ له، فلا يسوغُ إِثباتُه بغير موجب، وإذا أمكن إعمالُ اللفظ في الواحدة، فقد
وفى بموجبه، فالزيادةُ عليه لا موجبَ لها. قالوا: وهذا ظاهر جداً على أصل من
يجعل الرجعية محرمة، وحينئذ فنقول: التحريمُ أعمُّ مِن تحريم رجعية، أو تحريم
بائن، فالدالُّ على الأعم لا يدُل على الأخص، وإن شئتَ قلت: الأعمُ لا يستلزِمُ
الأخصَّ، أو ليس الأخصُّ مِن لوازم الأعم، أو الأعم لا يُنتج الأخصَّ.
فصل
حجج من قال: يسأل عن
نيته
وأما من قال: يُسأل عما أراد من ظهار أو طلاق رجعي، أو محرَّم، أو
يمين، فيكون ما أراد مِن ذلك، فمأخذُه أن اللفظ لم يُوضع لإيقاع الطلاق خاصة،
بل هو محتمِلٌ للطلاق والظهار والإِيلاء، فإذا صُرِفَ إلى بعضها بالنية فقد استعمله
فيما هو صالح له، وصرفه إليه بنيته، فينصرِفُ إلى ما أراده، ولا يتجاوز به ولا
يقصُرُ عنه، وكذلك لو نوى عتق أمته بذلك، عتقت، وكذلك لو نوى الإيلاء من
الزوجة، واليمين من الأمة، لزمه ما نواه، قالوا: وأما إذا نوى تحريمَ عينها، لزمه
بنفس اللفظ كفارةُ يمين اتباعاً لظاهر القرآن، وحديث ابن عباس الذي رواه مسلم
في (صحيحه)): إذا حرّم الرجلُ امرأته فهي يمين يكفِّرها، وتلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُم
٢٨٢
في رَسولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(١)، وهذا يُشبه ما قاله مجاهد في الظَّهار: إنه يلزمُه
بمجرد التكلم به كفارةُ الظهار، وهو في الحقيقة قولُ الشافعي رحمه الله، فإنه
يُوجب الكفارة إذا لم يُطلِّق عقيبَه على الفور. قالوا: ولأن اللفظ يحتمِلُ الإِنشاء
والإخبار، فإن أراد الأخبار، فقد استعمله فيما هو صالحٌ له، فيُقبل منه. وإن أراد
الإنشاء سُئِلَ عن السبب الذي حرَّمها به. فإن قال: أردت ثلاثاً أو واحدة، أو
اثنتين، قُبِلَ منه لصلاحية اللفظ له واقترانه بنيته، وإن نوى الظهار، كان كذلك،
لأنه صرَّح بموجب الظهار، لأن قوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي موجبُه التحريم، فإذا
نوى ذلك بلفظ التحريم، كان ظهاراً، واحتمالُه للطلاق بالنية لا يزيدُ على احتماله
للظهار بها، وإن أراد تحريمَها مطلقاً، فهو يمين مكفرة، لأنه امتناع منها
بالتحریم، فهو کامتناعه منها باليمين.
فصل
وأما من قال: إنه ظهار إلا أن ينويَ به طلاقاً، فمأخذُ قوله: أن اللفظ حجج من قال: بأنه ظهار
موضوعٌ للتحريم، فهو منكر من القول وزور، فإن العبدَ ليس إليه التحریمُ
إلا أن ينوي به طلاقاً
والتحليل، وإنما إليه إنشاء الأسباب التي يرتب عليها ذلك، فإذا حرَّم ما أحل الله
له، فقد قال المُنكر والزُّورَ، فيكون كقوله: أنتِ عليَّ كظهر أمي، بل هذا أولى أن
يكون ظهاراً، لأنه إذا شبهها بمن تحرم عليه، دل على التحريم باللزوم، فإذا
صرَّح بتحريمها، فقد صرح بموجب التشبيه في لفظ الظهار، فهو أولى أن يكون
ظهاراً. قالوا: وإنما جعلناه طلاقاً بالنية، فصرفناه إليه بها، لأنه يصلُح كنايةً في
الطلاق، فينصرف إليه بالنية بخلاف إطلاقه، فإنه ينصرف إلى الظهار، فإذا نوى به
اليمينَ، كان يميناً، إذ من أصل أرباب هذا القول أن تحريم الطعام ونحوه، يمين
مكفرة، فإذا نوى بتحريم الزوجة اليمين، نوى ما يصلُح له اللفظ، فقُبِلَ منه.
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٣) وقد تقدم.
٢٨٣
حجج من قال: بأنه ظهار
فصل
وأما من قال: إنه ظهار وإن نوى به الطلاقَ، أو وصله بقوله: أعني به
الطلاقَ، فمأخذُ قوله ما ذكرنا من تقرير كونه ظهاراً، ولا يخرج عن كونه ظهاراً
بنية الطلاق، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق، أو قال: أعني به
الطلاق، فإنه لا يخرُج بذلك عن الظهار، ويصيرُ طلاقاً عِند الأكثرين: إلا على
قول شاذ لا يُلتفت إليه لموافقته ما كان الأمر عليه في الجاهلية مِن جعل الظهار
طلاقاً، ونسخ الإِسلام لذلك، وإبطاله، فإذا نوى به الطلاقَ، فقد نوى ما أبطله
اللَّهُ ورسولُه مما كان عليه أهلُ الجاهلية عند إطلاق لفظ الظهار طلاقاً، وقد نوى
ما لا يحتمِلُه شرعاً، فلا تؤثِّر نيته في تغيير ما استقرَّ عليه حكمُ الله الذي حكم به
بينَ عباده، ثم جرى أحمدُ وأصحابُه على أصله، من التسوية بين إيقاع ذلك،
والحلف به كالطلاق والعتاق، وفرَّق شيخ الإِسلام بين البابين على أصله في
التفريق بين الإيقاع والحلف، كما فرَّق الشافعي وأحمد رحمهما الله، ومَنْ
وافقهما بين البابين في النذر بينَ أن يحلف به، فيكون يميناً مكفرة، وبين أن ينجزه
أو يعلِّقه بشرط يقصد وقوعه، فيكون نذراً لازم الوفاء كما سيأتي تقريرُه في
الأيمان إن شاء الله تعالى. قال: فليزمهم على هذا أن يفرِّقوا بين إنشاء التحريم،
وبين الحلف، فيكون في الحلف به حالفاً يلزمه كفارة يمين، وفي تنجيزه أو
تعليقه بشرط مقصود مظاهراً يلزمُه كفارةُ الظهار، وهذا مقتضى المنقول عن ابن
عباس رضي الله عنهما، فإنه مرة جعله ظهاراً ومرة جعله يميناً.
فصل
وأما من قال: إنه يمينٌ مكفرة بكلِّ حال، فمأخذ قوله: أن تحريم الحلال
من الطعام والشراب واللباس يمينٌ تُكفَّر بالنصِ، والمعنى، وآثار الصحابة، فإن
الله سبحانه قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْواجِكَ
واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ و٢]، ولا بد
حجج من قال بأنه يمين
مكفرة بكل حال
٢٨٤
أن يكون تحريم الحلال داخلاً تحت هذا الفرض، لأنه سببُه، وتخصيصُ محل
السبب من جملة العام ممتنع قطعاً، إذ هو المقصودُ بالبيان أولاً، فلو خُصَّ لخلا
سببُ الحكم عن البيان، وهو ممتنع، وهذا الاستدلال في غاية القوة، فسألتُ عنه
شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فقال: نَعَم التحريمُ يمين كُبرى في الزوجة كفارتُها
كفارةُ الظهار، ويمين صغرى فيما عداها كفارتُها كفارةُ اليمين بالله. قال: وهذا
معنى قولِ ابن عباس وغيرِه من الصحابة ومَنْ بَعْدَهم، إن التحریم یمین تكفر،
فهذا تحريرُ المذاهب في هذه المسألة نقلاً، وتقريرها استدلالاً، ولا يخفى - على
من آثر العِلم والإنصاف، وجانب التعصُّب ونصرة ما بني عليه من الأقوال -
الراجحُ من المرجوح، وبالله المستعان.
فصل
وقد تبين بما ذكرنا، أن من حرَّم شيئاً غيرَ الزوجة من الطعام والشراب الاختلاف في تحريم غير
واللباس، أو أمته لم يَحْرُمْ عليه بذلك، وعليه كفارةُ يمين، وفي هذا خلاف في
الزوجة
ثلاثة مواضع.
أحدها: أنه لا يحرم، وهذا قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: يحرم تحريماً قول أبي حنيفة بأنه
مقيداً تُزيله الكفارة، كما إذا ظاهرَ من امرأته، فإنه لا يَحِلُّ له وطؤها حتى يُكفِّر،
الكفارة
ولأن الله سبحانه سمَّى الكفارة في ذلك تَحِلَّةً، وهي ما يُوجب الحِلَّ، فدل على
ثبوت التحريم قبلها، ولأنه سبحانه قال لنبيه بِّثة: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾،
ولأنه تحریمٌ لما أبیح له، فیحرم بتحریمہ کما لو حرَّم زوجته.
يحرم تحريماً مقيداً تزيله
ومنازعوه يقولون: إنما سُميت الكفارة تحِلَّة مِن الحَل الذي هو ضِدُّ العقدِ رد من قال بأنه لا يحرم
لا مِن الحِل الذي هو مقابلُ التحريم، فهي تَحُلُّ اليمين بعد عقدها، وأما قوله:
﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، فالمرادُ تحريمُ الأمةِ أو العسل، ومنعُ نفسه منه،
وذلك يُسمى تحريماً، فهو تحريم بالقول، لا إثبات للتحريم شرعاً.
وأما قياسه على تحريم الزوجة بالظهارِ، أو بقوله: أنتِ عليَّ حرام، فلو
٢٨٥
صحَّ هذا القياس، لوجب تقديمُ التكفير على الحنث قياساً على الظهار، إذ كان في
معناه، وعندهم لا يجوزُ التكفيرُ إلا بعد الحنث، فعلى قولهم: يلزم أحد أمرين،
ولا بد إما أن يفعله حراماً وقد فرض الله تحِلَّة اليمين، فيلزم كون المحرم
مفروضاً، أو من ضرورة المفروض، لأنه لا يَصِلُ إلى الشَّحِلَّةِ إلا بفعل المحلوف
عليه، أو أنه لا سبيلَ له إلى فعله حلالاً، لأنه لا يجوز تقديمُ الكفارة، فيستفيدُ بها
الحل، وإقدامه عليه وهو حرامٌ ممتنع، هذا ما قيل في المسألة من الجانبين.
وبعدُ، فلها غور، وفيها دِقة وغموض، فإن من حرَّم شيئاً، فهو بمنزلة من
حَلَفَ بالله على تركه، ولو حلف على تركه، لم يَجز له هتكُ حرمة المحلوفِ به
بفعله إلا بالتزام الكفارة، فإذا التزمها، جاز له الإِقدامُ عل فعل المحلوفِ عليه، ،
فلو عزم على تركِ الكفارة، فإن الشارع لا يُبيح له الإقدام على فعل ما حلف عليه،
ويأذن له فيه، وإنما يأذنُ له فيه ويُبيحه إذا التزم ما فرض الله من الكفارة، فيكون
إذنه له فيه، وإباحته بعد امتناعه منه بالحلف أو التحريم رُخصةً من الله له، ونعمة
منه عليه بسبب التزامه لحكمه الذي فرض له من الكفارة، فإذا لم يلتزِمْه بقي المنعُ
الذي عقدَه على نفسه إصراً عليه، فإن الله إنما رفع الآصار عمن اتقاه، والتزم
حُكمه، وقد كانت اليمينُ في شرعٍ مَن قبلنا يتحتّم الوفاءُ بها، ولا يجوز الحنثُ،
فوسَّع الله على هذه الأمة، وجوَّز لها الحنث بشرط الكفارة، فإذا لم يُكفِّرْ لا قبلُ
ولا بعدُ لم يُوسَّع له في الحنث، فهذا معنى قوله: إنه يحرم حتى يكفِّر.
وليس هذا من مفردات أبي حنيفة، بل هو أحدُ القولين في مذهب أحمد
يُوضحه: أن هذا التحريمَ والحلف قد تعلَّق به منعان: منع من نفسه لفعله، ومنع
من الشارع للحنث بدون الكفارة، فلو لم يُحرِّمه تحريمه أو يمينه، لم يكن لمنعه
نفسه، ولا لمنع الشارع له أثر، بل كان غايةُ الأمر أن الشارعَ أوجبَ في ذمته بهذا
المنع صدقةً أو عتقاً أو صوماً لا يتوقَّفُ عليه حلُّ المحلوف عليه ولا تحريمه البتة،
بل هو قبل المنع وبعده على السواء من غير فرق، فلا يكونُ للكفارة أثر البتة، لا
في المنع منه، ولا في الإِذن، وهذا لا يخفى فسادُه.
٢٨٦
وأما إلزامه بالإِقدام عليه مع تحريمه حيثُ لا يجوزُ تقديمُ الكفارة، فجوابه
أنه إنما يجوز له الإقدام عند عزمه على التكفير، فعزمُه على التكفير منع من بقاء
تحريمه عليه، وإنما يكونُ التحريمُ ثابتاً إذا لم يلتزم الكفارة، ومع التزامها لا
يستمرُّ التحریم.
فصل
الثاني: أن يلزمه كفارة بالتحريم، وهو بمنزلة اليمين، وهذا قولُ مَنْ
سميناه من الصحابة، وقولُ فقهاء الرأي والحديث إلا الشافعيَّ ومالكاً، فإنهما
قالا : لا كفارة عليه بذلك.
كفارة التحريم
والذين أوجبوا الكفارةَ أسعدُ بالنص من الذين أسقطوها، فإن الله سبحانه
ذكر تَحِلَّةَ الأيمانِ عَقبَ قوله: ﴿لِمَ نُحَرَّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وهذا صريحٌ في أن
تحريم الحلال قد فُرِضَ فيه تحلَّةُ الأيمان، إما مختصاً به، وإما شاملاً له ولغيره،
فلا يجوزُ أن يُخلى سببُ الكفارة المذكورة في السياق عن حكم الكفارة، ويُعلَّق
بغيره، وهذا ظاهرُ الامتناع.
وأيضاً فإن المنع من فعله بالتحريم كالمنع منه باليمين، بل أقوى، فإن
اليمينَ إن تضمن هتكَ حُرمة اسمه سبحانه، فالتحريمُ تضمن هتك حرمة شرعه
وأمره، فإنه إذا شرع الشيء حلالاً فحرَّمه المكلف، كان تحريمه هتكاً لحرمة ما
شرعه، ونحن نقولُ: لم يتضمن الحِنث في اليمين هتكَ حرمةِ الاسم، ولا
التحريمُ هتكَ حرمة الشرع، كما يقولُه من يقول مِن الفقهاء، وهو تعليلٌ فاسد
جداً، فإن الحِنثَ إما جائز، وإما واجب أو مستحب، وما جوَّز الله لأحد البتة، أن
يَهْتِكَ حُرمة اسمه، وقد شرع لِعباده الحِنث مع الكفارة، وأخبر النبيُّ ◌َّ: أنه إذا
حلف على يمين ورأى غيرها خيراً كفَّر عن يمينه، وأتى المحلوفَ عليه، ومعلوم
أن هتك حرمة اسمه تبارك وتعالى لم يُبح في شريعةٍ قطُّ، وإنما الكفَّارة كما سماها
الله تعالى تحلَّة وهي تفعلة من الحل، فهي تَحُلُّ ما عقد به اليمين ليس إلا، وهذا
٢٨٧
العقدُ كما يكون باليمين يكونُ بالتحريم، وظهر سِرُّ قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ
لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ عقيب قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾
فصل
الحكم في تحريم الأمة
الثالث: أنه لا فرقَ بينَ التحريم في غير الزوجة بين الأمة وغيرِها عند
الجمهور إلا الشافعيَّ وحدَه، أوجب في تحريم الأمة خاصة كفارةً يمين، إذ
التحریمُ له تأثیر في الأبضاع عنده دون غيرها.
وأيضاً فإن سببَ نزول الآية تحريمُ الجارية، فلا يخرُجُ محلُّ السبب عن
الحكم، ويتعلَّق بغيره، ومنازعوه يقولون: النص علق فرض تَحِلَّة اليمين بتحريم
الحلال، وهو أعمُّ من تحريم الأمة وغيرها، فتجب الكفارة حيث وجد سببها،
وقد تقدم تقریرهُ.
حكمُ رسولِ اللَّهِ يَّه في قوله الرَّجُلِ لامرأته: الحقي بأَهْلِكِ
ثبت في ((صحيح البخاري)): أن ابنةَ الجَوْنِ لما دخلت على رسولِ الله ◌ِّ،
ودَنَا منها قالت: أعوذُ باللّهِ منكَ، فقالَ: ((عُذْتِ بِعَظِيمِ الحَقي بِأَهْلِكِ))(١).
وثبت في «الصحيحين)): أن كعب بنَ مالك رضي الله عنه لما أتاه رسولُ
رسولِ اللهَ بََّ يأمُرُه أن يعتزِلَ امرأته، قال لها: الحقي بأهلك(٢).
(١) أخرجه البخاري ٣١١/٩ في الطلاق: باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته
بالطلاق.
(٢) أخرجه البخاري ٢٨٩/٥ في الوصايا: باب إذا تصدق ووقف بعض ماله، وفي
الجهاد: باب من أراد غزوة، فورَّى بغيرها، وفي الأنبياء: باب صفة النبي ◌ِيدِ، وفي
فضائل أصحاب النبي { ل: باب وفود الأنصار إلى النبي ◌َّ بمكة، وفي المغازي:
باب قصة غزوة بدر، وباب غزوة تبوك، وفي تفسير سورة براءة: باب يا أيها الذين
آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وفي الاستئذان: باب من لم يسلم على من
اقترف ذنباً، وأخرجه مسلم (٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب بن مالك.
٢٨٨
فاختلف الناسُ في هذا، فقالت طائفة: ليس هذا بطلاق، ولا يقعُ به الطلاقُ من قال ليس بطلاق نواه
أو لم ينوه
نواه أو لم ينوه، وهذا قولُ أهلِ الظاهر. قالوا: والنبيُّ ◌ٍَّ لم يكن عقد على ابنة
الجَوْنِ، وإنما أرسل إليها لِيَخطُبها. قالوا: وَيَدُلُّ على ذلك ما في ((صحيح
البخاري)): من حديث حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، أنه كان مع رسولِ الله وَه
وقد أُتِيَ بالجَوْنِيةِ، فأُنزلت في بيت أُميمة بنت النعمان بن شراحيل في نخل ومعها
دابتُها، فدخل عليها رسولُ الله ◌ِِّ، فقال: ((هَبِي لِي نَفْسَكِ))، فقالت: وهَلْ تَهَبُ
المَلِكَةُ نَفْسَها للسُّوقَةِ، فَأَهْوَى لِيَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ،
فقالَ: ((قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذ»، ثم خَرَجَ فقال: ((يَا أَبَا أُسَيْد: اكْسُهَا رَازِقِيَيْنِ وَأَلْحِقْهَا
بأَهْلِهَا)»(١) .
وفي (صحيح مسلم)): عن سهل بن سعد، قال: ذُكرَتْ لِرسولِ اللَّهِ عِنه
امرأةٌ مِن العرب، فأمر أَبَا أُسَيْدٍ أن يُرْسِلَ إليها، فأرسل إليها، فَقَدِمَتْ، فنزلت في
أُجُم بني سَاعِدَة، فخرج رسول الله وَ لِّ حتى جاءها دخل عليها، فإذا امرأة منكَّسة
رأسها، فلمَّا كلمها، قالت: أَعوذُ باللَّهِ منك، قال: ((قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي))، فقالوا
لها: أتدرينَ مَنْ هذا؟ قالتْ: لا، قالوا: هذا رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ جَاءَك لِيخْطُبَك،
قالت: أنا كنتُ أشقى من ذلك(٢) .
قالوا: وهذه كُلُّها أخبارٌ عن قصة واحدة، في امرأة واحدة، في مقام واحد،
وهي صريحة أن رسولَ اللَّهِ ◌ٍِّ لم يكن تزوَّجها بعدُ، وإنما دخل عليها لِيخْطُبُها.
وقال الجمهور - منهم الأئمة الأربعة وغيرهم -: بل هذا من ألفاظ الطلاق من قال يقع إن نواه
إذا نوى به الطلاقَ، وقد ثبت في ((صحيح البخاري)): أن أبانا إسماعيل بن إبراهيم
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٣١١، ٣١٣ في الطلاق: باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته
بالطلاق .
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٠٧) في الأشربة: باب إباحة النبيذ الذي لم يشتد، ولم يَصِرْ.
مسكراً.
٢٨٩
زاد المعاد ج ٥-م١٠
طلَّق به امرأَته لما قال لها إبراهيم: ((مُرِيه فلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ باِهِ))، فقال لها: أنتِ العتبةُ،
وقد أمرني أن أُفارِقَكِ، الحقي بأهلك(١) وحديث عائشة كالصريح، في أنه يكية.
كان عَقَدَ عليها، فإنها قالت: لما أُدخلت عليه، فهذا دخولُ الزوج بأهلِه، ويُؤكِّده
قولها: ودنا منها.
وأما حديث أبي أُسيد، فغايةُ ما فيه قوله: ((هِبِي لِي نَفْسَكِ))، وهذا لا يدل
للدُّخول لا
على أنه لم يتقدم نِكاحُه لها، وجاز أن يكون هذا استدعاءً منه
للعقد .
وأما حديث سهل بن سعد، فهو أصرحُها في أنه لم يكن وجُدَ عقد، فإنَّ فيه
أنه يَ لما جاء إليها قالُوا: هذا رسولُ الله جاء لِيخطُبُكِ، والظاهرُ أنها هي
الجونية، لأن سهلاً قال في حديثه: فأمر أبا أُسيد أن يُرْسِلَ إليها، فأرسل إليها.
فالقصةُ واحدة دارت على عائشة رضي الله عنها وأبي أسيد وسهل، وكُلٌّ منهم
رواها، وألفاظُهم فيها متقاربة، ويبقى التعارضُ بين قوله: جاء ليخطبك، وبين
قوله: فلما دخل عليها، ودنا منها: فإما أن يكون أحدُ اللفظين وهماً، أو الدخولُ
ليس دخول الرجل على امرأته، بل الدخول العام، وهذا محتمل.
وحديثُ ابنِ عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل صريح، ولم يزل هذا
اللفظُ من الألفاظ التي يُطلَّقُ بها في الجاهلية والإِسلام، ولم يغيره النبي ◌َّ، بل
أقرهم عليه، وقد أوقع أصحابُ رسولِ الله ◌َيَ الطلاقَ وهُمُ القدوةُ: بأنتِ حرام،
وأمُرك بيدك، واختاري. ووهبتُك لأهلك، وأنت خلية وقد خلوتِ مني، وأنت
برية وقد أبرأتك، وأنتِ مبرَّأة، وحبلُك على غاربِك، وأنتِ الحرجُ. فقال علي
وابن عمر: الخليةُ ثلاث، وقال عمر: واحدة، وهو أحقُّ بها، وفرّق معاوية بين
رجل وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية، وقال علي وابنُ عمر رضي الله
(١) أخرجه البخاري ٢٨٣/٦، ٢٨٩ في الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله
إبراهيم خليلاً﴾
٢٩٠
عنهما، وزيد في البرية: إنها ثلاث. وقال عمر رضي الله عنه: هي واحدة وهو
أحق بها، وقال علي في الحرج: هي ثلاث، وقال عمر: واحدة، وقد تقدم ذكر
أقوالهم في أمرك بيدك، وأنت حرام.
والله سبحانه ذكر الطلاقَ ولم يُعين له لفظاً، فعلم أنه ردَّ الناسَ إلى ما
يتعارفونه طلاقاً، فأيَّ لفظ جرى عرفهم به، وقع به الطلاقُ مع النيّة .
والألفاظُ لا تُراد لعينها، بل للدلالة على مقاصد لافظها، فإذا تكلّم بلفظ
دال على معنى، وقصد به ذلك المعنى، ترتّب عليه حكمه، ولهذا يقع الطلاقُ مِن
العجمي والتركي والهندي بألسنتهم، بل لو طلَّق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية
ولم يفهم معناه، لم يقع به شيء قطعاً، فإنه تكلّم بما لا يفهم معناه ولا قصده،
وقد دل حديثُ كعب بن مالك على أن الطلاقَ لا يقعُ بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية.
والصوابُ أن ذلك جارٍ في سائر الألفاظ صرِيحِها وكنابتِها، ولا فرق بين
ترجيح المصنف بأن
جميع الألفاظ صريحها
ألفاظ العتق والطلاق، فلو قال: غلامي غلامٌ حرٌ لا يأتي الفواحش، أو أَمتي أمةٌ وكنايتها لا تقع إلا بالنية
حرة لا تبغي الفجورَ، ولم يخطر بباله العتقُ ولا نواه، لم يعتق بذلك قطعاً،
وكذلك لو كانت معه امرأته في طريق فافترقا،، فقيل له: أين امرأتُكَ؟ فقال:
فارقتُها، أو سرَّح شعرها وقال: سرحتُها ولم يُرد طلاقاً، لم تطلق. كذلك إذا
ضربها الطلق، وقال لغيره إخباراً عنها بذلك: إنها طالق، لم تطلق بذلك، وكذلك
إذا كانت المرأة في وثاق فأطلقت منه، فقال لها: أنتِ طالق، وأراد من الوثاق.
هذا كله مذهبُ مالك وأحمد في بعض هذه الصور، وبعضها نظير ما نص عليه،
ولا يقعُ الطلاقُ به حتى ينويَه، ويأتيَ بلفظ دال عليه، فلو انفرد أحدُ الأمرين عن
الآخر، لم يقع الطلاق، ولا العتاق، وتقسيمُ الألفاظ إلى صريح وكناية وإن كان
تقسيماً صحيحاً في أصل الوضع، لكن يختلفُ باختلاف الأشخاص والأزمنة
والأمكنة، فليس حكماً ثابتاً للفظ لذاته، فرُبَّ لفظٍ صريح، عند قوم كناية عند
آخرين، أو صريح في زمان أو مكان كنايةٌ في غير ذلك الزمان والمكان، والواقعُ
شاهد بذلك، فهذا لفظ السَّراحِ لا يكادُ أحدٌ يستعمله في الطلاق لا صريحاً ولا
٢٩١
كناية، فلا يسوغُ أن يقال: إن من تكلم به، لزمه طلاقُ امرأته نواه أو لم ينوه،
ويدَّعي أنه ثبت له عُرف الشرع والاستعمال، فإن هذه دعوى باطلة شرعاً
واستعمالاً، أما الاستعمال، فلا يكاد أحدٌ يطلق به البتة، وأما الشرعُ، فقد
استعمله في غير الطلاق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُم المُؤْمِنَاتِ
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَالَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِذَّةٍ تَعْتَدُونَها فَمَتِّعُوهُنَّ
وسرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَميلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهذا السراح غير الطلاق قطعاً،
وكذلكَ الفراق استعمله الشرعُ في غير الطلاق، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النِّيُ إِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَّقُوهُنَّ لَعِدَتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] فالإِمساك هنا: الرجعة،
والمفارقةُ: تركُ الرجعة لا إنشاء طلقة ثانية، هذا مما لا خلاف فيه البتة، فلا يجوز
أن يُقال: إن من تكلم به طلقت زوجته، فهم معناه أو لم يفهم، وكلاهما في
البطلان سواء، وبالله التوفيق.
حُكم رسولِ الله ◌ِّر في الظهار
وبيان ما أنزل الله فيه، ومعنى العودِ الموجبٍ للكفارة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ
إِلَّ اللَّئِي وَلَذْنَهُمْ وإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً وإِنَّ اللَّهَ لَّعَفُوِّ غَفُورٌ،
وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَماسًا
ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِين عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٢ -٤].
ثبت في ((السنن)) و((المسانيد)): أن أوس بن الصامت ظاهر مِن زوجته خولة
بنت مالك بن ثعلبة، وهي التي جادلت فيه رسولَ الله ◌َ﴾ واشتكت إلى الله،
وسمع الله شكواها مِن فوقِ سبع سماوات، فقالت: يا رسولَ الله! إن أوسَ بنَ
الصامت تزوَّجني وأنا شابة مرغوب فيَّ، فلما خلا سني، ونثرت له بطني، جعلني
٢٩٢
كأمِّهِ عنده، فقا لها رسولُ الله ◌ََّ: ((مَا عِنْدِي في أمرِك شَيءٌ)) فقالت: اللهم إني
أشكو إليك (١)
.
ورُوي أنها قالت: إنَّ لي صبية صغاراً إن ضمهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم
إليَّ جاعوا، فنزل القرآن.
وقالت عائسة الحمدُ للَّهِ الذي وَسِعَ سمعُه الأصواتَ، لقد جاءت خولةُ بنتُ
ثعلبة تشكو إلى رسولِ اللَّهِ مَ ﴿ وأنا في كِسْرِ البيت يَخْفى عليَّ بعضُ كلامِها،
فأنزل الله عزَّ وجَلَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتكي إلى اللّهِ
واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاؤُرَكما إنَّ اللَّهَ سميعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١](٢). فقال النبيُّ ◌َّ:
(لِيُعْتِقْ رَقَبَةً))، قالت: لا يجد، قال: ((فَيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ))، قالت: يا
رسول الله! إنه شيخ كبير ما بِهِ مِنْ صيام، قال: ((فَلْيُطْعِمْ سِتِينَ مِسْكيناً»، قالت:
ما عنده من شيء يتصدَّقُ به، قالت: ((فأتي ساعتئذ بِعَرقٍ مِنْ تَمْرٍ))، قلت: يا
رسول الله، فإني أعينه بعَرقٍ آخرَ، قال: أَحْسَنْتِ فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِينَ مِسْكِيناً
وارْجِعِي إلى ابْنِ عَمِّكِ))(٣).
وفي ((السنن)): أن سلمة بن صخر البياضي ظاهر مِن امرأته مدةَ شهرٍ
رمضان، ثم واقعها ليلةً قبل انسلاخه، فقال له النبيُّ وَّ: ((أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلمة)»،
(١) أخرجه ابن ماجه بنحوه (٢٠٦٣) في الطلاق: باب الظهار، والحاكم ٤٨١/٢،
والبيهقي ٣٨٢/٧، ورجاله ثقات. وقولها: نثرت له بطني، أي: أكثرت له الأولاد،
تريد أنها كانت شابة تلد الأولاد عنده، يقال: امرأة نثور: كثيرة الأولاد.
(٢) علق بعضه البخاري في (صحيحه) ٣١٦/١٣ في التوحيد: باب قول الله تعالى:
﴿وكان الله سميعاً بصيراً﴾، وأخرجه بتمامه موصولاً النسائي ١٦٨/٦ في الطلاق:
باب في الظهار، وأحمد ٤٦/٦، وابن جرير ٥/٢٨، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢١٤) وابن حبان (١٣٣٤) وابن جرير ٥/٢٨، والبيهقي
٣٨٩/٧، وفي سنده معمر بن عبد الله بن حنظلة لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي
رجاله ثقات. وفي الباب عن ابن عباس عند البيهقي ٣٩٢/٧، وعن عطاء بن يسار
مرسلاً عنده أيضاً ٣٨٩/٧، ٣٩٠.
٢٩٣
قال: قلت: أنا بِذَاكَ يا رسولَ الله مرتين وأنا صابر لأمر الله، فاحكمْ فيَّ بما أراك
الله، قال: ((حَرِّرْ رَقَبَةً))، قلتُ: والذي بعثك بالحقِّ نبياً ما أملِكُ رقبة غيرَها،
وضربتُ صفحة رقبتي، قال: ((فَصُمْ شَهْرَيْنِ متتابِعَين))، قال: وهل أصبتُ الذي
أصبتُ إلا في الصيامِ، قال: فأطعم، وسْقاً مِن تمرٍ بين سِتِينَ مسكيناً)) قلت:
والَّذِي بعثك بالحقِّ لِقَد بِثْنَا وَحْشَيْنِ ما لنا طَعَام، قال: ((فانْطَلِقْ إلى صَاحِبِ صَدَقَةِ
بني زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَطْعِمْ سِتِينَ مِسْكِيناً وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ وَكُلْ أَنْتَ وعِيَالُكَ
بَقِيَّتَها)». قال: فَرُحْتُ إلى قومي، فقلتُ: وجدت عندكم الضيقَ وسوء الرأي،
ووجدتُ عندَ رسولِ الله وَ﴿َ السَّعَةَ وحُسْنَ الرأي، وقد أمر لي بصدَقَتِكم(١) .
وفي ((جامع الترمذي)) عن ابن عباس، أن رجلاً أتى النبيَّ زَّ قد ظاهَرَ مِن امرأته
فوقع عليها، فقال: يا رسولَ اللَّهِ إني ظاهرتُ مِن امرأتي، فوقعتُ عليها قَبْلَ أن أكفِّر ،
قال: ((وَمَا حَمَلَكَ عَلى ذلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ)) قال: رَأَيْتُ خَلْخَالَها فِي ضَوْءِ القَمَرِ، قال:
((فَلاَ تَقْرَبْها حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ))(٢) قال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
(١) أخرجه أحمد ٤٣٦/٥، وأبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (٣٢٩٥) وحسنه، وابن ماجه
(٢٠٦٢) والبيهقي ٧/ ٣٨٥، من حديث ابن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن
سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، وصححه الحاكم ٢/ ٢٠٣، وأقره الذهبي مع أن
فيه عنعنة ابن إسحاق، ونقل الترمذي عن البخاري أن سليمان بن يسار لم يدرك
سلمة بن صخر: لكن يقويه ما أخرجه الترمذي (١٢٠٠) بنحوه من طريق محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن صخر، ورجاله
ثقات وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ٢٠٤/٢، وابن خزيمة وابن الجارود، وقوله:
((أنت بذاك يا سلمة)) معناه: أنت الملم بذاك والمرتكب له، وقوله: ((بتنا وحشين))
معناه: بتنا مقفرين لا طعام لنا، يقال: رجل وحش، وقوم أوحاش.
(٢) أخرجه الترمذي (١١٩٩) وأبو داود (٢٢٢٣) والنسائي ١٦٧/٦ من حديث الحكم بن
أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس ورجاله ثقات، كما قال الحافظ في ((التلخيص))، لكن
أعلّه أبو حاتم والنسائي بالإرسال، قال الحافظ: وفي ((مسند البزار)) طريق أخرى شاهدة
لهذه الرواية من طريق خصيف عن عطاء، عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله
إني ظاهرت من امرأتي رأيت ساقها في القمر، فواقعتها قبل أن أكفِّر؟ قال: ((كفِّر
ولا تعد)».
٢٩٤
وفيه أيضاً: عن سلمة بن صخر، عن النبي ◌ََّ، في المظاهر يُواقِعُ قبل أن
يُكَفِّر، فقال: ((كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ))(١). وقال: حسن غريب، انتهى، وفيه انقطاع بين
سلیمان بن يسار، وسلمة بن صخر.
وفي ((مسند البزار))، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن
طاووس، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: أتى رجلٌ إلى النبي الله ◌َّة، فقال:
إني ظاهرتُ من امرأتي، ثم وقعتُ عليها قبل أن أُكفِّر، فقال رسولُ الله ◌َِّ: ألم
يقل الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَا﴾؟ فقال: أعْجَبَتْني، فقال: ((أَمْسِكْ عنها حَتَّى
تُكَفِّرَ))(٢) قال البزار: لا نعلمه يُروى بإسناد أحسن من هذا، على أن إسماعيل بن
مسلم قد تُكلِّم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم.
فتضمنت هذه الأحكامُ أموراً.
أحدُها: إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية، وفي صدرِ الإِسلام مِن كون
الظهار طلاقاً، ولو صرَّح بنيته له، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أعني به الطلاق،
لم يكن طلاقاً وكان ظهاراً، وهذا بالاتفاق إلا ما عساه مِن خلاف شاذ، وقد نصَّ
عليه أحمد والشافعي وغيرهما. قال الشافعي: ولو ظاهر يُريد طلاقاً، كان ظهاراً،
أو طلَّق يُريد ظهاراً كان طلاقاً، هذا لفظه، فلا يجوز أن يُنسب إلى مذهبه خلافُ
هذا، ونص أحمد: على أنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي أعني به الطلاقَ أنه
ظهار، ولا تطلُق به، وهذا لأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية، فنسخ، فلم يجزْ
أن يُعاد إلى الحكم المنسوخ.
إبطال ما كان عليه أهل
الجاهلية من كون الظهار
طلاقا و کذا إن نوی به
الطلاق
وأيضاً فأوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه،
وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق.
وأيضاً فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعلُه كناية في الحكم الذي
(١) أخرجه الترمذي (١١٩٨) وابن ماجه (٢٠٦٤).
(٢) انظر ((سنن البيهقي)) ٣٨٦/٧.
٢٩٥
أبطله عز وجل بشرعه، وقضاءُ الله أحقُّ، وحكم اللَّهِ أوجبُ.
حرمة الظهار
ومنها أن الظهار حرام لا يجوزُ الإِقِدامُ عليه لأنه كما أخبر الله عنه منكر
من القول وزور، وكلاهما حرام، والفرقُ بين جهة كونه منكراً وجهةٍ كونه
زوراً أن قوله: أنت عليَّ كظهر أمي يتضمنُ إخباره عنها بذلك، وإنشاءه
تحريمها، فهو يتضمن إخباراً وإنشاءً، فهو خبر زُورٌ وإنشاءٌ منكر، فإن الزور
هو الباطل خلاف الحق الثابت، والمنكر خلاف المعروف، وختم سبحانه
الآية بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور﴾. وفيه إشعار بقيام سبب الإِثم الذي
لولا عفُو الله ومغفرتُه لآخذ به.
لا تجب الكفارة إلا بالعود
ومنها: أن الكفارة لا تجب بنفس الظهار، وإنما تجبُ بالعود، وهذا
قولُ الجمهور، وروى الثوري، عن ابن أبي نَجيح، عن طاووس قال: إذا
تكلّم بالظهار، فقد لَزِمَه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عنه، وروى معمر، عن
طاووس، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، قال: جعلها عليه
كظهر أمه، ثم يُعُود، فيطؤها، فتحرير رقبة. وحكى الناس عن مجاهد: أنه
تجب الكفارةُ بنفس الظهار، وحكاه ابنُ حزم عن الثوري، وعثمان البتي،
وهؤلاء لم يخف عليهم أن العود شرط في الكفارة، ولكنِ العود عندهم هو
العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من التظاهر، كقوله تعالى في جزاء
الصيد: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي: عاد إلى الاصطياد بعد
نزول تحريمه، ولهذا قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] قالوا: ولأن
الكفارة إنما وجبت في مقابلة ما تكلم به من المنكر والزور، وهو الظهارُ دون
الوطء، أو العزم عليه، قالوا: ولأن الله سبحانه لما حرَّم الظهار، ونهى عنه
كان العود هو فعل المنهي عنه، كما قال تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُم وإِنْ
عُدْتُم عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] أي: إن عدتم إلى الذنب، عدنا إلى العقوبة،
فالعودُ هنا نفسُ فعلِ المنهي عنه .
قالوا: ولأن الظهارَ كان طلاقاً في الجاهلية، فُنْقِلَ حكمُه من الطلاق
٢٩٦
إلى الظهار، ورتب عليه التكفير، وتحريم الزوجة حتى يكفِّر، وهذا يقتضي
أن يكون حكمُه معتبراً بلفظه كالطلاق.
ونازعهم الجمهور في ذلك، وقالوا: إن العود أمرٌ وراء مجرد لفظ
الظهار، ولا يَصِحُّ حمل الآية على العود إليه في الإِسلام لثلاثة أوجه.
أحدها: أن هذه الآية بيان لحكم من يُظاهر في الإِسلام، ولهذا أتى فيها
بلفظ الفعل مستقبلاً، فقال: يُظاهرون، وإذا كان هذا بياناً لحكم ظِهار
الإِسلام، فهو عندكم نفسُ العود، فكيف يقول بعده: ثم يعودون، وأن معنى
هذا العود غير الظهار عندكم؟ .
الثاني: أنه لو كان العودُ ما ذكرتم، وكان المضارعُ بمعنى الماضي،
كان تقديرُه: والذين ظاهروا مِن نسائهم، ثم عادوا في الإِسلام، ولما وجبت
الكفارةُ إلا على من تظاهر في الجاهلية ثم عاد في الإِسلام، فمن أين
تُوجبونها على من ابتدأ الظهار في الإِسلام غيرَ عائد؟ فإن هنا أمرين: ظهار
سابق، وعود إليه، وذلك يبطلُ حكم الظهار الآن بالكلية إلا أن تجعلوا
((يظاهرون)) لفرقة ويعودون لفرقة، ولفظ المضارع نائباً عن لفظ الماضي،
وذلك مخالف للنظم، ومخرج عن الفصاحة.
الثالث: أن رسولَ اللّهِ بَّوَ أَمر أوسَ بن الصَامت، وسلمة بن صخر
بالكفارة، ولم يسألهما: هل تظاهرا في الجاهلية أم لا؟ فإن قلتُم: ولم
يسألهُما عن العود الذي تجعلونه شرطاً، ولو كان شرطاً، لسألهما عنه. قيل:
أما من يجعلُ العود نفس الإِمساك بعد الظهار زمناً يُمْكِنُ وقوع الطلاق فيه،
فهذا جارٍ على قوله، وهو نفسُ حجته، ومن جعل العودَ هو الوطء والعزم،
قال: سياق القصة بيِّن في أن المتظاهرين كان قصدُهم الوطء، وإنما أمسكوا
له، وسيأتي تقريرُ ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما كون الظهار منكراً من القول وزوراً، فنعم هو كذلك، ولكن
٢٩٧
الله عز وجل إنما أوجب الكفارة في هذا المنكر والزور بأمرين: به، وبالعود،
كما أن حكم الإِيلاء إنما يترتب عليه وعلى الوطء لا على أحدهما.
فصل
وقال الجمهور: لا تجبُ الكفارةُ إلا بالعود بعد الظهار، ثم اختلفوا في
معنى العود: هل هو إعادة لفظ الظهارِ بعينه، أو أمر وراءه؟ على قولين، فقال
أقول الظاهرية بأن معنى أهلُ الظاهر كُلُّهم: هو إعادة لفظِ الظهارِ، ولم يحكُوا هذا عن أحد من السلف
العود أي إعادة النفقط
البتة، وهو قولٌ لم يُسبقوا إليه، وإن كانت هذه الشَّكاةُ لا يكاد مذهب من
المذاهب يخلو عنها. قالوا: فلم يوجب اللَّهُ سبحانَه الكفارة إلا بالظهار المعاد لا
المبتدأ. قالوا: والاستدلال بالآية من ثلاثة وجوه .
أحدها: أن العرب لا يُعقل في لغاتها العودُ إلى الشيء إلا فعل مثله مرةً
ثانية، قالوا: وهذا كتابُ الله، وكلامُ رسوله، وكلامُ العرب بيننا وبينكم. قال
تعالى: ﴿وَلَّوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنَهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فهذا نظيرُ الآية سواء في
أنه عذَّى فعل العود باللام، وهو إتيانُهم مرة ثانية بمثل ما أتوا به أولاً، وقال
تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدنا﴾ [الإسراء: ٨] أي: إن كررتم الذنب، كررنا العقوبة،
ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾
[المجادلة: ٨] وهذا في سورة الظهار نفسها، وهو يُبين المرادَ مِن العود فيه، فإنه
نظيرُه فعلاً وإرادة، والعهد قريبٌ بذكره.
قالوا: وأيضاً، فالذي قالوه: هو لفظُ الظهار، فالعود إلى القول هو الإتيانُ
به مرة ثانية لا تعقِلُ العرب غيرَ هذا. قالوا: وأيضاً فما عدا تكرار اللفظ إما
إمساٌ، وإما عزم، وإما فعل، وليس واحدٌ منها بقول، فلا يكون الإتيان به عوداً،
لا لفظاً ولا معنى، ولأن العزم والوطءَ والإِمساكَ ليس ظهاراً، فيكون الإتيانُ بها
عوداً إلى الظهار.
قالوا: ولو أريد بالعودِ الرَجوُ في الشيء الذي منع منه نفسه كما يُقال، عاد
٢٩٨
في الهبة، لقال: ثم يعودون فيما قالوا، كما في الحديث: ((العَائِدُ في هِبتِهِ،
كَالعَائِدِ فِي قَيْتِهِ»(١).
واحتج أبو محمد بن حزم، بحديث عائشة رضي الله عنها، أن أوس بن
الصامت كان به لمم، فكان إذا اشتدَّ بِهِ لَمَمُه، ظاهَرَ من زوجته، فأنزل اللَّهُ
عز وجَلَّ فيه كفارةَ الظهار(٢). فقال: هذا يقتضي التكرارَ ولا بُدَّ، قال: ولا يصِحُ
في الظهارِ إلا هذا الخبرُ وحدَه. قال: وأما تشنيعُكم علينا بأن هذا القولَ لم يَقُلْ به
أحد من الصحابة، فأرونا مِن الصحابة من قال: إن العود هو الوطء، أو العزم، أو
الإمساك، أو هو العود إلى الظهار في الجاهلية ولو عن رجل واحدٍ من الصحابة،
فلا تكونون أسعدَ بأصحاب رسول الله منا أبداً.
1
فصل
ونازعهم الجمهورُ في ذلك، وقالوا: ليسَ معنى العود إعادة اللفظ الأول،
لأن ذلك لو كان هو العود، لقال: ثُمَّ يُعيدون ما قالوا، لأنه يُقال: أعاد كلامه
بعينه، وأما عاد، فإنما هو في الأفعال، كما يقال: عاد في فعله، وفي هبته، فهذا
استعماله بـ((في)). ويقال: عاد إلى عمله وإلى ولايته، وإلى حاله، وإلى إحسانه
وإساءتِهِ، ونحو ذلك، وعاد له أيضاً.
رد الجمهور على
الظاهرية
وأما القول: فإنما يقال: أعاده كما قال ضِماد(٣) بن ثعلبة للنبي ◌َالَ: ((أَعِدْ
عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ)) وكما قال أبو سعيد: ((أَعِدْهَا عَلَيَّ يا رسول الله، وهذا ليس بلازم،
(١) أخرجه البخاري ١٧٣/٥ في الهبة: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته، ومسلم
(١٦٢٢) في الهبات: باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة من حديث ابن عباس.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٢١٩) وقال الخطابي: معنى اللمم ها هنا: الإلمام بالنساء وشدة
الحرص عليهن والتوقان إليهن، وليس معناه ها هنا الخبل والجنون، ولو كان به
ذلك، ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء من كفارة ولا غيرها.
(٣) في الأصل: ضمام، وهو تحريف، وحديثه هذا أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٨٦٨)
في الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة .
٢٩٩
فإنه يقال: أعاد مقالته، وعاد لِمقالته، وفي الحديث: ((فعاد لمقالته))، بمعنى
أعادها سواء، وأفسدُ مِن هذا ردُّ مَنْ رَدَّ عليهم بأن إعادةَ القول محال، كإعادة
أمس. قال: لأنه لا يتهيأ اجتماعُ زمانين، وهذا في غاية الفساد، فإن إعادةَ القولِ
مِن جنس إعادة الفعل، وهي الإِتيان بمثل الأول لا بعينه، والعجبُ مِن متعصِّب
يقول: لا يُعْتَدُّ بخلاف الظاهرية، ويبحثُ معهم بمثل هذه البحوث، ويردُّ عليهم
بمثل هذا الردِّ، وكذلك ردُّ من ردَّ عليهم بمثل العائدِ في هبته، فإنه ليس نظيرَ
الآية، وإنما نظيرُها ﴿أَلَمْ تَرَ الَّذِينَ نُهُوا عَن النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾
[المجادلة: ٨]، ومع هذا فهذِهِ الآية تُبين المرادَ مِن آية الظهار، فإن عودَهم لِمَا
نُّهُوا عنه، هو رجوعُهم إلى نفس المنهي عنه، وهو النجوى، وليس المرادُ به إعادة
تلك النجوى بعينها، بل رجوعُهم إلى المنهي عنه، وكذلك قولُه تعالى في
الظهار: ﴿يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي: لقولهم. فهو مصدر بمعنى المفعول، وهو
تحريمُ الزوجة بتشبيهها بالمحرَّمة، فالعودُ إلى المحرم هو العودُ إليه، وهو فعلُه،
فهذا مأخذُ من قال: إنه الوطء.
ونكتة المسألة: أن القولَ في معنى المقول، والمقول هو التحريم، والعود
له هو العودُ إليه، وهو استباحته عائداً إليه بعد تحريمه، وهذا جار على قواعد
اللغة العربية واستعمالها، وهذا الذي عليه جمهورُ السلف والخلف، كما قال
قتادة، وطاووس، والحسن، والزهريُّ، ومالك، وغيرُهم، ولا يُعرف عن أحد
مِن السلف أنه فسر الآية بإعادة اللفظ البتة لا من الصحابة، ولا مِن التابعين، ولا
مَنْ بعدهم، وها هنا أمرٌ خفيَ على مَنْ جعله إعادةَ اللفظ، وهو أن العودَ إلى
الفعل يستلزِمُ مفارقة الحال التي هو عليها الآن، وعودَه إلى الحال التي كان عليها
أولاً، كما قال تعالى: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. ألا ترى أن عودهم
مفارقة ما هم عليه من الإِحسان، وعودُهم إلى الإِساءة، وكقول الشاعر:
وإنْ عَادَ لِلإِحْسَانِ فَالعَوْدُ أَحْمَدُ
والحَالُ التي هو عليها الآن التحريمُ بالظهار، والتي كان عليها إباحةُ الوطء
٣٠٠