Indexed OCR Text
Pages 261-280
حنيفة. والثانية: لا يحلف. فإن قلنا: لا يحلف، فلا إشكال. وإن قلنا: يحلف، فنكل عن اليمين، فهل يقضى عليه بطلاق زوجته بالنكول؟ فيه روايتان عن مالك، إحداهما: أنها تطلُقُ عليه بالشاهد والنكول عملاً بهذا الحديث، وهذا اختيارُ أشهب، هذا فيه غايةُ القوة، لأن الشاهد والنكول سببان مِن جهتين مختلفتين، فقوي جانبُ المدعي بهما، فحكم له، فهذا مقتضى الأثر والقياس. والرواية الثانية عنه: أن الزوج إذا نَكلَ عن اليمين، حُبِسَ، فإن طال حبسُه، تُرِكَ. واختلفت الرواية عن الإِمام أحمد، هل يقضى بالنكول في دعوى المرأة الطلاق؟ على روايتين. ولا أثر عنده لإقامة الشاهدِ الواحد، بل إذا ادعت عليه الطلاقَ، ففيه روايتان في استحلافه، فإن قلنا: لا يُستحلف، لم يكن لدعواها أثر، وإن قلنا: يستحلف، فأَبى فهل يُحكم عليه بالطلاق؟ فيه روايتان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلامُ في القضاء بالنكول، وهل هو إقرار أو بدل، أو قائم مقام البينة في موضعه من هذا الكتاب؟. حكم رسول الله ◌ِ﴾ في تخيير أزواجه بين المُقام معه وبین مفارقتهن له ثبت في «الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أُمِرَ رسولُ اللهِ وَّ بتخيير أزواجه، بدأ بي، فقال: ((إنِّي ذَاكرٌ لَكِ أَمْراً فَلاَ عَلَيْكِ أَلاَّ تَعْجَلي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)). قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيا وزينَتَها فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والذَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨]، فقلتُ: في هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريدُ الله ورسوله والدارَ الآخرةَ. قالت عائشة: ثم فَعَل أزواجُ النبي ◌َّ مِثْلَ ما فعلتُ فلم يكن ذلك طلاقاً (١). (١) أخرجه البخاري ٣٩٩/٨ في تفسير سورة الأحزاب: باب قوله: ﴿يا أيها ٢٦١ قال ربيعةُ وابنُ شهاب: فاختارت واحدةٌ منهمن نفسَها، فذهبت وكانت البتة. قال ابن شهاب: وكانت بدوية. قال عمرو بن شعيب: وهي ابنة الضحاك العامرية رجعت إلى أهلها، وقال ابنُ حبيب: قد كان دخل بها. انتهى. وقيل: لم يدخل بها، وكانت تلتقِطُ بعد ذلك البعر، وتقول: أنا الشقيَّةُ. واختلف الناسُ في هذا التخيير، في موضعين. أحدهما: في أي شيء كان؟ والثاني: في حكمه، فأما الأول: فالذي عليه الجمهور أنه كان بين المقام معه والفراق، وذكر عبد الرزاق في ((مصنفه))، عن الحسن، أن الله تعالى إنما خَيَّرَهُنَّ بين الدنيا والآخرة، ولم يُخيِّرْهُنَّ في الطلاق(١)، وسياقُ القرآن، وقولُ عائشة رضي الله عنها يَرُدُّ قوله، ولا ريب أنه سبحانه خيَّرهن بينَ الله ورسوله والدار الآخرة، وبينَ الحياة الدنيا وزينتها، وجعل مُوجبَ اختيارهن اللَّهَ ورسولَه والدارَ الآخرة المقامَ مع رسوله، وموجبَ اختيارهن الدنيا وزينتها أن يُمتِّعَهنَّ ويُسرِّحَهن سَراحاً جميلاً، وهو الطلاقُ بلا شك ولا نزاع. كان التخيير بين المقام معه والفراق وأما اختلافُهم في حكمه، ففي موضعين. أحدهما: في حكم اختيار الزوج، والثاني: في حكم اختيارِ النفس، فأما الأول: فالذي عليه معظمُ أصحاب النبي ونساؤه كُلُّهُنَّ ومعظم الأمة أن من اختارت زوجها لم تطلق، ولا يكون التخييرُ بمجرده طلاقاً،، صحَّ ذلك عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة. قالت عائشة: خيَّرنا رسولُ الله ﴿ فاخترناه، فلم نعدَّه طلاقاً، وعن أمّ سلمة، وقريبة أختها، وعبد الرحمن بن أبي بكر . وصح عن علي، وزيد بن ثابت، وجماعة من الصحابة: أنها إن اختارت زوجَها، فهي طلقة رجعية، وهو قولُ الحسن، ورواية عن أحمد رواها عنه النبي قل لأزواجك ... ﴾، ومسلم (١٤٧٥) في الطلاق: باب بيان أن تخيير امرأته لا 11 يكون طلاقا إلا بالنية. (١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٨٤). ٢٦٢ إسحاق بن منصور، قال: إن اختارت زوجَها، فواحدة يملِكُ الرجعة، وإن اختارت نفسها، فثلاثٌ، قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصورٍ، والعملُ على ما رواه الجماعة. قال صاحب ((المغني)): ووجه هذه الرواية أن التخيير كناية نوى بها الطلاق، فوقع بمجرَّدها كسائر كنایاته، وهذا هو الذي صرَّحت به عائشة رضي الله عنها، والحق معها بإنكاره وردِّه، فإن رسولَ الله ◌َّ لما اختاره أزواجُه لم يَقُل: وقع بكن طلقة، ولم يُراجعهن، وهي أعلم الأمة بشأن التخيير، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يكن ذلك طلاقاً، وفي لفظ: ((لم نعده طلاقاً». وفي لفظ: ((خيَّرنا رسول الله بََّ، أفكان طلاقاً؟))(١). والذي لحظه من قال: إنها طلقة رجعية أن التخيير تمليك، ولا تملك المرأةُ نفسها إلا وقد طلقت، فالتمليكُ مستلزم لوقوع الطلاق، وهذا مبني على مقدمتين. إحداهما: أن التخييرَ تمليك. والثانية: أن التمليك يستلزِمُ وقوعَ الطلاق، وكِلا المقدمتين ممنوعة، فليس التخييرُ بتمليك، ولو كان تمليكاً لم يستلزم وقوع الطلاق قبل إيقاع من ملكه، فإن غاية أمره أن تملكه الزوجةُ كما كان الزوج يملِكُه، فلا يقع بدون إيقاع من ملكه، ولو صحَّ ما ذكروه، لكان بائناً، لأن الرجعية لا تملِكُ نفسها . وقد اختلف الفقهاءُ في التخيير: هل هو تمليك أو توكيلٌ، أو بعضُه تمليك، وبعضُه توكيل، أو هو تطليق منجَّز، أو لغوٌ لا أثر له البتة؟ على مذاهب خمسة. التفريقُ هو مذهب أحمد ومالك. قال أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل)): هو تمليكٌ يقفُ على القبول، وقال صاحب ((المغني)) فيه: إذا قال: أمرُكِ بيدكِ، أو اختاري، فقالت: قبلتُ، لم يقع شيء، لأن ((أمرك بيدك)) توكيل، فقولُها في جوابه: قبلتُ ينصرِف إلى قبول الوكالة، فلم يقع شيء، كما لو قال لأجنبية: أمرُ امرأتي بيدكِ، فقالت: قبلت، وقوله: اختاري: في معناه، وكذلك هل التخيير يستلزم الطلاق؟ (١) الروايات الثلاث عند مسلم (١٤٧٧) (٢٤) و(٢٥) و(٢٦). ٢٦٣ إن قالت: أخذت أمري، دخل عليهما أحمد في رواية إبراهيم بن هانىء إذا قال لامرأته: أمرُكِ بيدكِ، فقالت: قبلت، ليس بشيء حتى يتبيَّن، وقال: إذا قالت: أخذتُ أمري، ليس بشيء، قال: وإذا قال لامرأته: اختاري، فقالت: قبلتُ نفسي، أو اخترت نفسي، كان أبين. انتهى. وفرق مالك بين ((اختاري))، وبين (أمرُكِ بيدكِ))، فجعل ((أمرُكِ بيدكِ)) تمليكاً، و((اختاري)) تخييراً لا تمليكاً. قال أصحابُه: وهو توکیلٌ. وللشافعي قولان. أحدهما: أنه تمليك، وهو الصحيح عند أصحابه، والثاني: أنه توكيل وهو القديم، وقالت الحنفية: تمليك. وقال الحسنُ وجماعةٌ من الصحابة: هو تطليق تقع به واحدة منجَّزة، وله رجعتُها، وهي رواية ابنِ منصور عن أحمد. وقال أهلُ الظاهر وجماعةٌ من الصحابة: لا يقع به طلاق، سواءٌ اختارت نفسَها، أو اختارت زوجها، ولا أثر للتخيير في وقوع الطلاق. ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال على وجه الإشارة إليها . قال أصحابُ التمليك: لما كان البُضع يعود إليها بعد ما كان للزوج، كان هذا حقيقةً التمليك. حجج من قال بان التخيير تمليك قالوا: وأيضاً فالتوكيل يستلزِمُ أهليةَ الوكيل لمباشرة ما وُكِّلَ فيه، والمرأةُ ليست بأهل لإيقاع الطلاق، ولهذا لو وكَّل امرأةً في طلاق زوجته، لم يصحّ في أحد القولين، لأنها لا تُباشر الطلاق، والذين صححوه قالوا: كما يصحَّ أن يُوكَّلَ رجلاً في طلاق امرأته، يَصِحُ أن يوكِّل امرأة في طلاقها. قالُوا: وأيضاً فالتوكيل لا يُعقل معناه ها هنا، فإنَّ الوكيلَ هو الذي يتصرف لموكله لا لنفسه، والمرأة ها هنا إنما تتصرَّف لنفسها ولحظها، وهذا يُنافي تصرفَ حجج من قال بأنه توكيل الوكيل. قال أصحابُ التوكيل، واللفظُ لصاحب ((المغني)): وقولهم: إنه توكيل لا يَصِحُّ، فإن الطلاقَ لا يصح تمليكه، ولا ينتِقِلُ عن الزوج، وإنما ينوبُ فيه غيرُه ٢٦٤ عنه، فإذا استناب غيره فيه، كان توكيلاً لا غير. قالوا: ولو كان تمليكاً لكان مقتضاه انتقالَ الملك إليها في بُضعها، وهو محال، فإنه لم يخرج عنها، ولهذا لو وُطئت بشبهة كان المهر لها لا للزوج، ولو مَلَكَ الْبُضعِ، لَمَلَكَ عِوضه، كمن ملك منفعة عينٍ كان عِوَضُ تلك المنفعة له. قالوا: وأيضاً فلو كان تمليكاً، لكانت المرأةُ مالكة للطلاق، وحينئذ يجب أن لا يبقى الزوجُ مالكاً لاستحالة كون الشيء الواحد بجميع أجزائه ملكاً لمالكين في زمن واحد، والزوجُ مالك للطلاق بعد التخيير، فلا تكونُ هي مالكة له، بخلاف ما إذا قلنا: هو توكيل واستنابة، كان الزوجُ مالكاً، وهي نائبة ووكيلة عنه. قالوا: وأيضاً فلو قال لها: طلِّقي نفسَك، ثم حلف أن لا يُطلِّق، فطلقت نفسَها، حَنِثَ، فدل على أنها نائبة عنه، وأنه هو المطلِّق. قالوا: وأيضاً فقولُكم: إنه تمليك، إما أن تُريدوا به أنه ملَّكها نفسَها، أو أنه ملَّكها أن تُطلِّق، فإن أردتم الأول، لزمكم أن يقع الطلاقُ بمجرد قولها: قبلت، لأنه أتى بما يقتضي خروجَ بُضعها عن ملكه، واتصل به القبولُ، وإن أردتم الثاني، فهو معنى التوكيل. وإن غُيِّرتِ العبارة. قال المفرِّقون بين بعض صوره وبعض، - وهُمْ أصحابُ مالك -: إذا قال لها: أمرُكِ بيدكِ، أو جعلت أمرَك إليك، أو ملَّكتُك أمرك، فذاك تمليك. وإذا قال: اختاري فهو تخيير، قالُوا: والفرقُ بينهما حقيقةً وحكماً. أما الحقيقةُ، فلأن ((اختاري)) لم يتضمن أكثرَ من تخييرها، لم يُملكها نفسها، وإنما خيَّرها بين أمرين، بخلاف قوله: أمرُك بيدك، فإنه لا يكون بيدها إلا وهي مالكته، وأما الحكم، فلأنه إذا قال لها: أمرُك بيدك، وقال: أردتُ به واحدة، فالقولُ قولُه مع يمينه، وإذا قال: اختاري، فطلقت نفسَها ثلاثاً، وقعت، ولو قال: أردتُ واحدة إلا أن تكونَ غيرَ مدخول بها، فالقول قوله في إرادته الواحدة. قالوا: لأن التخيير يقتضي أن لها أن تختار نفسها، ولا يحصل لها ذلك إلا بالبينونة، فإن كانت مدخولاً بها، لم تَبِنْ إلا حجج المفرقين بين بعض صور التخيير وبعض ٢٦٥ ٠ ۔۔ بالثلاث، وإن لم تكن مدخولاً بها، بانت بالواحدة، وهذا بخلافِ: أمرُك بيدك، فإنه لا يقتضي تخييرها بين نفسها وبين زوجها، بل تمليكها أمرها، وهو أعمُّ مِن تمليكها الإبانة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها، فإن أراد بها أحدَ محتملیه، قُبِلَ قولُه، وهذا بعينه يَرِد عليهم في ((اختاري))، فإنه أعم من أن تختار البينونة بثلاث أو بواحدة تنقضي بها عدتها، بل: ((أمرك بيدك)) أصرحُ في تمليك الثلاث من ((اختاري))، لأنه مضاف ومضاف إليه، فيعم جميعَ أمرها. بخلاف ((اختاري)) فإنه مطلق لا عموم له، فمن أين يُستفاد منه الثلاث؟ وهذا منصوصُ الإِمام أحمد، فإنه قال في اختاري: إنه لا تملِكُ به المرأة أكثرَ مِن طلقة واحدة إلا بنيةِ الزوج، ونص في ((أمرك بيدك، وطلاقك بيدك، ووكلتك في الطلاق)): على أنها تملك به الثلاث. وعنه رواية أخرى: أنها لا تملكُها إلا بنيته. وأما من جعله تطليقاً منجّزاً، فقد تقدَّم وجهُ قوله وضعفه. حجة من جعله تطليقاً منجزاً حجج من جعله لغواً وأما من جعله لغواً، فلهم مأخذان، أحدهما: أن الطلاقَ لم يجعله الله بيد النساء، إنما جعله بيد الرِّجال، ولا يتغيَّرُ شرع الله باختيار العبد، فليس له أن يختار نقلَ الطلاق إلى من لم يجعل الله إليه الطلاق البتة . قال أبو عُبيد القاسم بن سلام: حدثنا أبو بكر بن عياش، حدثنا حبيبُ بن أبي ثابت، أن رجلاً قال لامرأة له: إن أدخلتِ هذا العِدْلَ إلى هذا البيت، فأمرُ صاحبتك بيدك، فأدخلتْه، ثم قالت: هي طالق، فَرُفِعَ ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأبانها منه، فمرُّوا بعبد الله بن مسعود، فأخبروه، فذهب بهم إلى عمر، فقال: يا أميرَ المؤمنين: إن الله تبارك وتعالى جعل الرِّجال قوامِينَ على النساء، ولم يجعل النساء قواماتٍ على الرجال، فقال له عمر: فما ترى؟ قال: أراها امرأته. قال: وأنا أرى ذلك، فجعلها واحدة . قلت: يحتمل أنه جعلها واحدة بقول الزوج: فأمر صاحبتك بيدك، ويكون كنايةً في الطلاق، ويحتمل أنه جعلها واحدة بقول ضرتها: هي طالق، ولم يجعل ٢٦٦ للضرة إبانتها، لئلا تكون هي القوامة على الزوج، فليس في هذا دليل لما ذهبت إليه هذه الفرقة، بل هو حجة عليها . وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الغفار بن داود، عن ابنٍ لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن رُمَيْئَة الفارسية كانت تحتَ محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فملكها أمرها، فقالت: أنتَ طالق ثلاث مرات، فقال عثمان بن عفان: أخطأتَ، لا طلاق لها، لأن المرأة لا تُطَلِّقُ. وهذا أيضاً لا يدل لهذه الفرقة، لأنه إنما لم يوقع الطلاق لأنها أضافته إلى غير محله وهو الزوج، وهو لم يقل: أنا منك طالق، وهذا نظيرُ ما رواه عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أن مجاهداً أخبره، أن رجلاً جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: ملَّكتُ امرأتي أمرها، فطلَّقْني ثلاثاً، فقال ابنُ عباس: ((خَطَّأَ اللَّهُ نوءها، إنما الطلاق لك عليها، وليس لها عليك))(١) . قال الأثرم: سألتُ أبا عبد الله، عن الرجل يقول لا مرأته: أمرُكِ بيدك؟ فقال: قال عثمانُ، وعليٍّ رضي الله عنهما: القضاء ما قضت، قلت: فإن قالت: قد طلقتُ نفسي ثلاثاً قال: القضاءُ ما قضت. قلت: فإن قالت: طلقتُك ثلاثاً، قال: المرأة لا تطلّق، واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((خَطَّأَ الله نوعها)). ورواه عن وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس رضي الله عنه، في رجل جعل أمر امرأتِه في يدها، فقالت: قد طلقتُك ثلاثاً، قال ابنُ عباس: خَطَّأَ الله نوءها، أفلا طلقت نفسها(٢). قال أحمد: صحَّف أبو مطر، فقال: ((خطأ الله فوها)) ولكن روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سألتُ عبد الله بن طاووس، كيف كان أبوك يقول في رجل ملَّك امرأته أمرَها، أتمِلكُ أن تُطلِّق (١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٨) وسنده صحيح، وهو في ((المحلى)) ١٢٠/١٠ وقوله: خطأ الله نوعها: معناه لو طلقت نفسها، لوقع، فحيث طلقت زوجها، لم يقع، فكانت كمن يخطئه النوء، فلا يمطر عليه. (٢) وأخرجه البيهقي في ((سننه)) ٣٤٩/٧. ٢٦٧ نفسها، أم لا؟ قال: كان يقولُ: ليس إلى النساء طلاقٌ، فقلت له: فكيف كان أبوك يقول في رجل ملَّك رجلاً أمرَ امرأتِهِ، أَيَمْلِكُ الرجلُ أن يُطلِّقَها؟ قال: لا(١). فهذا صريح من مذهب طاووس أنه لا يُطلق إلا الزوج، وأن تمليكَ الزوجة أمرها لغو، وكذلك توكيلُه غيره في الطلاق. قال أبو محمد بن حزم: وهذا قول أبي سلیمان، وجميع أصحابنا. الحجة الثانية لهؤلاء: أن الله سبحانه إنما جعل أمرَ الطلاق إلى الزوج دونَ النساء، لأنهن ناقصات عقل ودين، والغالبُ عليهن السفه، وتذهب بهن الشهوة والميل إلى الرجال كُلَّ مذهب، فلو جُعِلَ أمرُ الطلاق إليهن، لم يستقِمْ للرجال معهن أمر، وكان في ذلك ضرر عظيم بأزواجهن، فاقتضت حِكمتُه ورحمتُه أَنه لم يجعل بأيديهن شيئاً مِن أمر الفراق، وجعله إلى الأزواج. فلو جاز للأزواج نقلُ ذلك إليهن، لناقض حكمةَ الله ورحمته، ونظره للأزواج. قالوا: والحديث إنما دَلَّ على التخيير فقط، فإن اخترن الله ورسوله والدارَ الآخرَة كما وقع كُنَّ أزواجه بحالهن، وإن اخترنَ أنْفُسَهُنَّ، متعهن، وطلقهن هو بنفسه، وهو السَّراحُ الجميل، لا أن اختيارَهن لأنفسهن يكونُ هو نفسَ الطلاق، وهذا في غاية الظهور کما تری. قال هؤلاء: والآثارُ عن الصحابة في ذلك مختلفة اختلافاً شديداً، فصح عن عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت في رجل جعل أمرَ امرأته بيدها فطلقت نفسها ثلاثاً، أنها طلقةٌ واحدة رجعية، وصح عن عثمان رضي الله عنه. أن القضاء ما قضت، ورواه سعيد بن منصور، عن ابن عمر، وغيره عن ابن الزبير. وصح عن علي، وزيد، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم: أنها إن اختارت نفسها، فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية. وصح عن بعض الصحابة: أنها إن اختارت نفسها، فثلاث بكل حال: وروي عن ابن مسعود فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها، فليس بشيء. (١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٣) و(١١٩٤٩) وهو في ((المحلى)) ١٢٠/١٠. ٢٦٨ قال أبو محمد بن حزم: وقد تقصَّينا مَن روينا عنه مِن الصحابة أنه يقع به الطلاقُ، فلم يكونوا بين من صحَّ عنه، ومن لم يَصِحَّ عنه إلا سبعة، ثم اختلفوا، وليس قولُ بعضهم أولى مِن قول بعض، ولا أثر في شيء منها، إلا ما رويناه من طريق النسائي، أخبرنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا سليمانُ بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب السختياني: هل علمتَ أحداً قال في ((أمرك بيدك)»: إنها ثلاثٌ غير الحسن؟ قال: لا، اللهم غُفراً إلا ما حدثني به قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة،، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ثلاث. قال أيوب: فلقيت كثيراً مولى ابن سمرة، فسألتُه، فلم يعرفه، فرجعتُ إلى قتادة، فأخبرتُه، فقال: نسي. قال أبو محمد: كثير مولى ابن سمرة مجهول، ولو كان مشهوراً بالثقة والحفظ، لما خالفنا هذا الخبرَ، وقد أوقفه بعضُ رواته على أبي هريرة. انتهى(١). وقال المروذي: سألت أبا عبد الله، ما تقول في امرأة خُيِّرت، فاختارت نفسَها؟ قال: قال فيها خمسةٌ من أصحاب رسول الله وَله: إنها واحدة ولها الرجعة: عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة. وذكر آخر، قال غير المروذي: هو زيد بن ثابت. قال أبو محمد، ومن خيَّر امرأته، فاختارت نفسَها، أو اختارت الطلاقَ، أو اختارت زوجَها، أو لم تختر شيئاً، فكل ذلك لا شيء وكُلُّ ذلك سواء، ولا تطلق بذلك، ولا تحرُم عليه، ولا لشيءٍ مِن ذلك حكم، ولو كرَّر التخييرَ، وكررت هي اختيارَ نفسها، أو اختيارَ الطلاق ألف مرة، وكذلك إن ملَّكها نفسها، أو جعل أمرها بيدها. ولا فرق(٢) . ولا حُجة في أحد دونَ رسولِ اللهِ يَّة، وإذا لم يأتِ في القرآن، ولا عن (١) ((المحلى)) ١١٨/١٠، ١١٩. (٢) ((المحلى)) ١١٧/١٠. ٢٦٩ رسولِ اللهِ بَّهَ، أن قولَ الرجل لامرأته: أمرُك بيدك، أو قد مَلَّكتكِ أمركِ، أو اختاري، يُوجب أن يكون طلاقاً، أو أن لها أن تطلِّق نفسها، أو تختارَ طلاقاً، فلا يجوزُ أن يُحَرَّمَ على الرجل فرجٌ أباحه اللَّهُ تعالى له ورسولُهُ وَّه بأقوالٍ لم يُوجبها الله، ولا رسولُهُ مََّ، وهذا في غاية البيان. انتهى كلامه(١). قالوا: واضطرابُ أقوال الموقعين، وتناقُضها، ومعارضةُ بعضها لبعض يدل على فساد أصلها، ولو كان الأصل صحيحاً لاطردت فروعُه، ولم تتناقض، ولم تختلف، ونحن نُشير إلى طرف من اختلافهم. فاختلفوا: هل يقع الطلاقُ بمجرد التخيير، أو لا يقعُ حتى تختار نفسها؟ على قولين: تقدم حكايتُهما، ثم اختلف الذين لا يُوقعونه بمجردٍ قوله: أمرك بيدك: هل يختص اختيارُها بالمجلس، أو يكون في يدها ما لم يفسخ، أو يطأ؟ على قولين. أحدهما، أنه يتقيَّد بالمجلس، وهذا قولُ أبي حنيفة، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنه. الثاني: أنه في يدها أبداً حتى يفسخَ أو يطأ، وهذا قولُ أحمد، وابن المنذر، وأبي ثور. والرواية الثانية عن مالك. ثم قال بعضُ أصحابه: وذلك ما لم تَطُلْ حتى يتبين أنها تركته، وذلك بأن يتعدَّى شهرين، ثم اختلفوا هل عليها يمين: أنها تركت، أم لا؟ على قولين. ثم اختلفوا إذا رجع الزوج فيما جعل إليها، فقال أحمد وإسحاق والأوزاعي، والشعبي، ومجاهد، وعطاء: له ذلك، ويبطلُ خيارها. وقال مالك، وأبو حنيفة والثوري، والزهري: ليس له الرجوعُ، والشافعية خلافٌ مبني على أنه توكيل، فيملِكُ الموكل الرجوع، أو تمليك، فلا يملِكُه، قال بعضُ أصحاب التمليك: ولا يمتِنعُ الرجوعُ. وإن قلنا إنه تمليك، لأنه لم يتصل به القبول، فجاز الرجوعُ فيه كالهبة والبيع. واختلفوا: فيما يلزَم من اختيارها نفسها. فقال أحمد والشافعي واحدة (١) ((المحلى)) ١٢٤/١٠. ٢٧٠ رجعية وهو قولُ ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، واختاره أبو عبيد، وإسحاق. وعن علي: واحدة بائنة، وهو قول أبي حنيفة وعن زيد بن ثابت، ثلاث، وهو قول الليث، وقال مالك: إن كانت مدخولاً بها، فثلاث، وإن كانت غير مدخول بها، قُبِل منه دعوى الواحدة. واختلفوا: هل يفتِقِرُ قوله: أمرك بيدك إلى نية أم لا؟ فقال أحمد والشافعي وأبو حنيفة: يفتقِرُ إلى نية، وقال مالك، لا يفتقِرُ إلى نية، واختلفوا: هل يفتقِرُ وقوعُ الطلاق إلى نية المرأة إذا قالت: اخترت نفسي، أو فسخت نِكاحَك؟ فقال أبو حنيفة: لا يفتقِرُ وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج. وقال أحمد والشافعي: لا بد من نيتها إذا اختارت بالكناية، ثم قال أصحابُ مالك: إن قالت: اخترتُ نفسي، أو قبلتُ نفسي، لزم الطلاقُ، ولو قالت: لم أُرده، وإن قالت. قبلت أمري، سئلت عما أرادت؟ فإن أرادت الطلاق كان طلاقاً، وإن لم تُرِدْهُ لم يكن طلاقاً. ثم قال مالك: إذا قال لها: أمرُك بيدك، وقال: قصدتُ طلقة واحدة، فالقولُ قوله مع يمينه، وإن لم تكن له نية، فله أن يُوقع ما شاء. وإذا قال: اختاري، وقال: أردت واحدة، فاختارت نفسها، طلقت ثلاثاً، ولا يقبل قوله. ثم ها هنا فروعٌ كثيرة مضطربة غايةَ الاضطرابِ لا دليل عليها من كتابٍ ولا سنة، ولا إجماع، والزوجة زوجته حتى يقومَ دليل على زوال عصمته عنها . قالوا: ولم يجعل اللَّهُ إلى النساء شيئاً من النكاح، ولا من الطلاق، وإنما جعل ذلك إلى الرجال، وقد جعل اللَّهُ سبحانه الرجال قوَّامين على النساء، إن شاؤوا أمسكوا، وإن شاؤوا طلقوا، فلا يجوز للرجل أن يجعل المرأة قوَّامة عليه، إن شاءت أمسكت، وإن شاءت طلقت. قالوا: ولو أجمع أصحابُ رسول الله بَّ على شيء لم نتعد إجماعَهم، ولكن اختلفوا، فطلبنا الحُجة لأقوالهم مِن غيرها، فلم نجد الحجةَ تقومُ إلا على هذا القول. وإن ٢٧١ كان من روي عنه قد روي عنه خلافه أيضاً، وقد أبطل من ادعى الإِجماع في ذلك، فالنزاع ثابت بين الصحابة والتابعين، كما حكيناه، والحجةُ لا تقوم بالخلاف، فهذا ابنُ عباس، وعثمان بن عفان، قد قالا: إن تمليك الرجل لامرأته أمرها ليس بشيءٍ، وابنُ مسعود يقول فيمن جعل أمر امرأته بيد آخر فطلقها: ليس بشيء، وطاووس يقول فيمن ملك امرأته أمرها: ليس إلى النساء طلاق، ويقول فيمن ملك رجلاً أمر امرأته، أيملك الرجل أن يطلقها؟ قال: لا . قلت: أما المنقولُ عن طاووس، فصحيح صريح لا مطعن فيه سنداً وصراحة. وأما المنقول عن ابن مسعود، فمختلفٌ، فنقل عنه موافقة علي وزيد في الوقوع، كما رواه ابن أبي ليلى عن الشعبي: أن أمرك بيدك، واختاري سواء في قول علي وابن مسعود وزيد، ونقل عنه فيمن قال لامرأته: أمرُ فلانة بيدك إن أدخلت هذا العدل البيت، ففعلت، أنها امرأته، ولم يطلقها عليه . وأما المنقول عن ابن عباس، وعثمان، فإنما هو فيما إذا أضافت المرأةُ الطلاقَ إلى الزوج، وقالت: أنت طالق. وأحمد ومالك يقولان ذلك مع قولهما بوقوع الطلاق إذا اختارت نفسها، أو طلقت نفسها، فلا يُعرف عن أحد من الصحابة إلغاء التخيير والتمليك البتة، إلا هذِهِ الرواية عن ابن مسعود، وقد رُوِيَ عنه خلافُها، والثابتُ عن الصحابة، اعتبارُ ذلك، ووقوع الطلاق به، وإن اختلفوا فيما تَمْلِكُ به المرأة كما تقدم، والقولُ بأن ذلك لا أثر له لا يُعرف عن أحد من الصحابة البتة، وإنما وهم أبو محمد في المنقول عن ابن عباس وعثمان، ولكن هذا مذهب طاووس، وقد نقل عن عطاء ما يدل على ذلك، فروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قلت لعطاء: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك بعد يوم أو يومين، قال: ليس هذا بشيء. قلت: فأرسل إليها رجلاً أن أمرها بيدها يوماً أو ساعة، قال: ما أدري ما هذا؟ ما أظن هذا ٢٧٢ شيئاً. قلت لعطاء: أملَّكت عائشة حفصة حين ملَّكها المنذر أمرها، قال عطاء: لا، إنما عرضت عليها أتطلقها أم لا، ولم تُملِّكها أمرها (١). ولولا هيبةُ أصحاب رسول الله وَّ لما عَدَلْنَا عن هذا القول، ولكن أصحابُ رسول الله وَّ هم القدوةُ وإن اختلفوا في حكم التخيير، ففي ضمن اختلافهم اتفاقُهم على اعتبار التخيير، وعدم إلغائه، ولا مفسدة في ذلك، والمفسدةُ التي ذكرتمُوها في كون الطلاق بيد المرأة إنما تكونُ لو كان ذلك بيدها استقلالاً، فأما إذا كان الزوج هو المستقل بها، فقد تكونُ المصلحة له في تفويضها إلى المرأة ليصير حاله معها على بينة إن أحبته، أقامت معه، وإن كرهته، فارقتهُ، فهذا مصلحة له ولها، وليس في هذا ما يقتضي تغيير شرع الله وحكمته، ولا فرق بين توكيل المرأة في طلاق نفسها وتوكيل الأجنبي، ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق، كما يَصِحُّ توكيله في النكاح والخلع. وقد جعل الله سبحانَه للحكمين النظرَ في حال الزوجين عند الشقاق إن رأيا التفريقَ فرَّقا، وإن رأيا الجمع، جمعا، وهو طلاق أو فسخ من غير الزوج، إما برضاه إن قيل: هما وكيلانِ، أو بغير رضاه إن قيل: هما حكمان، وقد جُعلَ للحاكم أن يطلّق على الزوج في مواضع بطريق النيابة عنه، فإذا وكَّلَ الزوجُ من يُطلِّق عنه، أو يُخالع، لم يكن في هذا تغيير لحكم الله، ولا مخالفةٌ لدينه، فإن الزوجَ هو الذي يُطلِّق إما بنفسه، أو بوكيله، وقد يكون أتمَّ نظراً للرجل من نفسه، وأعلم بمصلحته، فيفوض إليه ما هو أعلمُ بوجه المصلحة فيه منه، وإذا جاز التوكيلُ في العتقِ والنكاح، والخلع والإِبراء، وسائر الحقوق من المطالبة بها وإثباتها واستيفائها، والمخاصمة فيها، فما الذي حرَّم التوكيلَ في الطلاق؟ نعم الوكيلُ يقوم مقام الموكِّل فيما يملكه من الطلاق، ومالا يملِكُه، وما يَحلُّ له منه، وما يحرم عليه، ففي (١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٥٤) و(١١٩٤٨). ٢٧٣ الحقيقة لم يُطلِّق إلا الزوج إما بنفسه أو بوكيله. حُكم رسول الله ◌َ# الذي بيَّنه عن ربه تبارك وتعالى فیمن حرّم أمته أو زوجته أو متاعه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ لَمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِك واللَّهُ غَفُورٌ رحيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ [التحريم: ١]، ثبت في (الصحيحين))، أنه رَّ شَرِبَ عسلاً من بيت زينب بنت جحش(١)، فاحتالت عليه عائشةُ وحفصةُ، حتى قال: ((لَنْ أَعُودَ لَهُ». وفي لفظ: وقد حلفت (٢). وفي ((سنن النسائي)): عن أنس رضي الله عنه، أن رسولَ اللَّهِ مَ ◌ّ كانت له أمة يطؤُها، فلم تزل به عائشةُ وحفصةُ حتى حرَّمَها، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ لِمَ تُحرِّمُ مَا أَحلَّ اللَّهُ لَكَ﴾(٣). وفي (صحيح مسلم)): عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امرأته، فهي يَمينٌ يُكَفِّرُهَا، وقال: لقد كان لكم في رسولِ الله أسوة حسنة (٤). وفي ((جامع الترمذي)): عن عائشة رضي الله عنها، قالت: آلى رسولُ اللَّهِ وَ مِن نسائه وحزَّم، فَجَعَلَ الحَرَامَ حَلاَلاً، وجَعَلَ في اليمينِ (١) في الأصل: ميمونة، وهو خطأ. (٢) أخرجه البخاري ٥٠٣/٨ في التفسير: باب يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ... ، وفي الأيمان والنذور: باب من حرم طعاماً، ومسلم (١٤٧٤) في الطلاق: باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق. (٣) أخرجه النسائي ٧١/٧ في عشرة النساء: باب الغيرة، وإسناده صحيح، كما قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٢٨/٩ و ٥٠٣/٨. (٤) أخرجه مسلم (١٤٧٣) (١٩)، وهو في البخاري ٥٠٣/٨، ومسلم (١٤٧٣) (١٨) من حديثه بلفظ ((في الحرام يمين يكفرها، وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) . ٢٧٤ كفارةً(١). هكذا رواه مسلمة بن علقمة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، ورواه علي بن مُسهر، وغيره، عن الشعبي، عن النبي ◌َُّ مرسلاً وهو أصح، انتهى كلام أبي عيسى. وقولُها: جعل الحرامَ حلالاً، أي: جعل الشيء الذي حرَّمه وهو العسلُ، أو الجاریةُ، حلالاً بعد تحریمه إياه. وقال الليثُ بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن هُبيرة، عن قَبيصة بن ذُؤيب، قال: سألت زيد بن ثابت، وابن عمر رضي الله عنهم، عمن قال لامرأته، أنت عليَّ حرام، فقالا جميعاً: كفارة يمين(٢). وقال عبد الرزاق، عن ابن عُيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال في التحريم: هي يمينٌ يكفِّرها(٣) . قال ابنُ حزم: وروي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعائشة أمِّ المؤمنين. وقال الحجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم، قال: سألت نافعاً مولى ابن عمر رضي الله عنه عن الحرام، أطلاق هو؟ قال: لا أوليس قد حرَّم رسول الله تَحالية جاريته، فأمره الله عز وجل أن يُكفِّر عن يمينه، ولم يحرِّمها عليه (٤) . وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، وأيوب السختياني، كلاهما عن عكرمة أن عمر بن الخطاب قال: هي يمين، يعني التحريم (٥). وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا المُقَدَّميُّ: حدثنا حماد بن زيد، عن ٠ أخرجه الترمذي (١٢٠١) في الطلاق: باب الإيلاء. (١) (٢) رجاله ثقات. أخرجه عبد الرزاق (١١٣٦٦) وسنده صحيح. (٣) (٤) رجاله ثقات. (٥) رجاله ثقات، وهو في ((المصنف)) (١١٣٦٠) و((سنن البيهقي)) ٣٥٠/٧. ٢٧٥ صخر بن جُويرية، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: الحرام یمین(١) . وفي ((صحيح البخاري)): عن سعيد بن جبير، أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إذا حرَّم امرأته، ليس بشيء، وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة(٢) فقيل: هذا رواية أخرى عن ابن عباس. وقيل: إنما أراد أنه ليس مذاهب الناس في تحريم بطلاق وفيه كفارة يمين، ولهذا احتجَّ بفعل رسول الله ربَّه، وهذا الثاني أظهر، الرجل أمته أو زوجته أو متاعه وهذه المسألة فيها عشرون مذهباً للناس، ونحن نذكرها، ونذكر وجوهها ومآخذها، والراجح منها بعون الله تعالى وتوفيقه. من قال بأن التحريم لغو لا شيء فيه أحدها: أن التحريمَ لغو لا شيء فيه، لا في الزوجة، ولا في غيرها، لا طلاقَ ولا إيلاءَ، ولا يمينَ ولا ظهار، روى وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق: ما أبالي حرَّمتُ امرأتي أو قصعةً من ثريد. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن صالح بن مسلم، عن الشعبي، أنه قال في تحريم المرأة: لهي أهونُ علي من نعلي(٣). وذُكِرَ عن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه قال: ما أبالي حرَّمتُها يعني امرأته، أو حرَّمتُ ماء النهر. وقال قتادة: سأل رجلٌ حميدَ بن عبد الرحمن الحميري، عن ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وإلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [ألم نشرح: ٧] وأنت رجل تلعب، فاذهب فالعب، هذا قول أهلِ الظاهر كلِّهم. المذهب الثاني: أن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث. قال ابن حزم: قاله علي بن أبي طالب، وزيدُ بن ثَابت، وابنُ عمر، وهو قول الحسن، ومحمد بن من قال بأن التحريم في الزوجة طلاق ثلاث (١) رجاله ثقات. (٢) أخرجه البخاري ٣٢٨/٩ في الطلاق: باب لم تحرم ما أحل الله لك. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٨). ٢٧٦ عبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن الحكم بن عتيبة. قلت: الثابت عن زيد بن ثابت، وابن عمر، ما رواه هو من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي هُبيرة، عن قَبيصة، أنه سأل زيد بن ثابت وابنَ عمر عمن قال لامرأته. أنت عليّ حرام، فقالا جميعاً: كفارة يمين، ولم يصح عنهما خلاف ذلك، وأما علي، فقد روى أبو محمد ابن حزم، من طريق يحيى القطان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: يقول رجال في الحرام: هي حرام حتى تنكح زوجاً غيره، ولا واللَّهِ ما قال ذلك علي، وإنما قال علي: ما أنا بمحلّها ولا بمحرِّمها عليك، إن شئت فتقدَّم، وإن شئت فتأخر. وأما الحسن، فقد روى أبو محمد من طريق قتادة عنه، أنه قال: كُلُّ حلال علي حرام، فهو يمين. ولعل أبا محمد غلط على علي وزيد وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة، فإن أحمد حكى عنهم أنها ثلاث. وقال، هو عن علي وابن عمر صحيح، فوهم أبو محمد، وحكاه في: أنت علي حرام، وهو وهم ظاهر، فإنهم فرَّقوا بين التحريم، فأفتوا فيه بأنه يمين، وبين الخلية فأفتوا فيها بالثلاث، ولا أعلم أحداً قال: إنه ثلاث بكل حال. المذهب الثالث: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يُقبل منه غيرُ ذلك، وإن كانت غيرَ مدخول بها، وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث، فإن أطلق، فواحدة، وإن قال: لم أرد طلاقاً، فإن كان قد تقدّم کلام يجوز صرفه إليه قبل منه، وإن كان ابتداءً لم يقبل، وإن حرَّم أمته أو طعامه أو متاعه، فليس بشيء، وهذا مذهب مالك. المذهب الثالث المذهب الرابع: أنه إن نوى الطلاق كان طلاقاً، ثم إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوی دونها فواحدة بائنة، وإن نوی يميناً فهو يمين فيها كفارة، وإن لم ينو شيئاً، فهو إيلاء فيه حكمُ الإِلاء. فإن نوى الكذبَ، صُدِّق في الفتيا ولم يكن شيئاً، ويكون في القضاء إيلاء، وإن صادف غير الزوجة الأمةِ والطعام وغيره، فهو يمين فيه كفارتها، وهذا مذهب أبي حنيفة . المذهب الرابع المذهب الخامس: أنه إن نوى به الطلاقَ، كان طلاقاً، ويقعُ ما نواه، فإن المذهب الخامس ٢٧٧ أطلق، وقعت واحدةً، وإن نوى الظهارَ، كان ظهاراً، وإن نَوَى اليمينَ، كان يميناً، وإن نوى تحريمَ عينها مِن غير طلاق ولا ظهار، فعليه كفارةُ يمين، وإن لم ينو شيئاً، ففيه قولان. أحدهما: لا يلزمُه شيء. والثاني: يلزمه كفارة يمين. وإن صادف جارية، فنوى عتقها وقع العتق، وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفارةٌ يمين، وإن نوى الظهارَ منها، لم يصح، ولم يلزمه شيء، وقيل: بل يلزمه كفارةٌ يمين، وإن لم ينو شيئاً، ففيه قولان، أحدهما: لا يلزمُه شيء. والثاني: عليه كفارةُ يمين. وإن صادفَ غيرَ الزوجة والأمة لم يحرم، ولم يلزمه به شيء، وهذا مذهب الشافعي. المذهب السادس المذهب السادس: أنه ظهار بإطلاقه، نواه أو لم ينوِهِ، إلا أن يَصرِفَه بالنية إلى الطلاق، أو اليمين، فينصرِف إلى ما نواه، هذا ظاهر مذهبٍ أحمد. وعنه رواية ثانية: أنه بإطلاقه يمين إلا أن يَصْرِفَه بالنية إلى الظهار أو الطَّلاق، فينصَرِفُ إلى ما نواهُ، وعنه رواية أخرى ثالثة: أنه ظهار بكل حال ولو نوى غيرَه، وفيه رواية رابعة حكاها أبو الحسین في ((فروعه))، أنه طلاق بائن . ولو وصله بقوله: أعنى به الطلاق فعنه فيه روايتان. إحداهما: أنه طلاق، فعلى هذا هل تلزمُه الثلاث، أو واحدة؟ على روايتين، والثانية: أنه ظهار أيضاً كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي: أعني به الطلاق، هذا تلخيصُ مذهبه. المذهب السابع المذهب السابع: أنه إن نوی به ثلاثاً، فهي ثلاثٌ، وإن نوی به واحدة، فهي واحدة بائنة، وإن نوى به يميناً، فهي يمين، وإن لم ينوِ شيئاً، فهي كذبة لا شيءَ فیھا، وهذا مذهبُ سفيان الثوري، حکاه عنه أبو محمد ابن حزم. المذهب الثامن المذهب الثامن: أنه طلقةٌ واحدة بائنة بكل حال، وهذا مذهبُ حماد بن أبي سليمان. المذهب التاسع المذهب التاسع: أنه إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى واحدة، أو لم ينوِ شيئاً، فواحدة بائنة، وهذا مذهبُ إبراهيم النخعي، حكاه عنه أبو محمد ابن حزم. ٢٧٨ المذهب العاشر: أنه طلقة رجعية، حكاه ابن الصباغ وصاحبُه أبو بكر الشاشي عن الزهري، عن عمر بن الخطاب. المذهب العاشر المذهب الحادي عشر: أنها حرمت عليه بذلك فقط، ولم يذكر هؤلاء المذهب الحادي عشر ظهاراً ولا طلاقاً ولا يميناً، بل ألزموه موجب تحريمه. قال ابن حزم: صح هذا عن علي بن أبي طالب، ورجالٍ من الصحابة لم يُسمَّوْا، وعن أبي هريرة. وصح عن الحسن، وخِلاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة، أنهم أمروه باجتنابها فقط . المذهب الثاني عشر: التوقفُ في ذلك لا يُحرِّمها المفتي على الزوج، ولا يحلِّلها له، كما رواه الشعبي عن علي أنه قال: ما أنا بمحلها ولا محرِّمها عليك، إن شئتَ فتقدَّم، وإن شئت فتأخر. المذهب الثاني عشر المذهب الثالث عشر: الفرقُ بين أن يُوقع التحريم منجزاً أو معلقاً تعليقاً مقصوداً، وبین أن يُخرجه مخرج الیمین، فالأول: ظهار بكل حال ولو نوى به الطلاقَ، ولو وصله بقوله: أعني به الطلاقَ. والثاني: يمين يلزمه به كفارةُ يمين، فإذا قال: أنت عليَّ حرام، أو إذا دخل رمضان، فأنتِ عليَّ حرام، فظهار، وإذا قال: إن سافرتُ، أو إن أكلتُ هذا الطعامَ أو كلمتُ فلاناً، فامرأتي عليَّ حرام، فيمين مكفرة، وهذا اختيارُ شيخ الإِسلام ابن تيمية، فهذه أصولُ المذاهب في هذه المسألة، وتتفرَُّ إلى أكثر من عشرين مذهباً. المذهب الثالث عشر فصل فأما من قال: التحریمُ كلُّه لغو لا شيء فیه، فاحتجُّوا بأن الله سبحانه لم يجعل للعبد تحريماً ولا تحليلاً، وإنما جعل له تعاطي الأسباب التي تَحِلُّ بها العينُ وتحرم، كالطلاق والنكاحِ، والبيعِ والعتقٍ، وأما مجردُ قوله: حرَّمت كذا وهو عليَّ حرام، فليس إليه. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِتَتِكُم الكَذِبَ هذَا حَلَالٌ وهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقال تعالى: حجج من قال بأن التحريم لغو ٢٧٩ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لَمَ تُحَرَّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] فَإِذا كَانَ سبحانه لم يجعلْ لرسوله أن يُحرِّمَ ما أحل الله له، فكيف يجعلُ لِغيره التحريمَ؟ . قالوا: وقد قال النبيُّ ◌َّه: ((كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُو رَدِّ)(١) وهذا التحریمُ كذلك، فيكون رداً باطلاً. قالوا: ولأنه لا فرق بين تحريم الحلال، وتحليلِ الحرام، وكما أن هذا الثاني لغو لا أثر له، فكذلك الأولُ. قالوا: ولا فرق بين قوله لامرأته: أنت عليَّ حرام، وبين قولهِ لطعامه: هو عليَّ حرام. قالوا: وقوله: أنتِ عليَّ حرام، إما أن يُريد به إنشاء تحريمها، أو الإخبارَ عنها بأنها حرام، وإنشاء تحريم محال، فإنه ليس إليه، إنما هو إلى من أحلَّ الحلال، وحرَّمَ الحرامَ، وشرع الأحكام، وإن أراد الإِخبار، فهو كذب، فهو إما خبرٌ كاذب، أو إنشاءٌ باطل، وكلاهما لغو من القول. قالوا: ونظرنا فيهما سوى هذا القولِ، فرأيناها أقوالاً مضطربة متعارضة يرُ بعضها بعضاً، فلم يحرم الزوجة بشيء منها بغير برهان من الله ورسوله، فنكون قد ارتكبنا أمرين: تحريمَها على الأول، وإحلالها لغيره، والأصلُ بقاءُ النكاح حتى تُجمع الأمة، أو يأتيَ برهان من اللَّهِ ورسوله على زواله، فيتعيَّن القولُ به، فهذا حجة هذا الفريق. فصل وأما من قال: إنه ثلاث بكل حال، إن ثبت هذا عنه، فيحتجُّ له بأن التحريم جُعِلَ كناية في الطلاق، وأعلى أنواعه تحريمُ الثلاث، فيُحمل على أعلى أنواعه احتياطاً للأبضاع. جج من قال بأنها ثلاث (١) صحيح وقد تقدم ص٢٠٥. ٢٨٠