Indexed OCR Text

Pages 61-80

واسترقَّ مِن أهلِ الكِتاب وغيرهم، فسبايا أوطاس، وبني المصطَلِقِ لم يكونوا
كتابيين، وإنما كانوا عبدة أوثان مِن العرب. واسترق الصحابةُ مِنْ سبي بني
حنيفة، ولم يكونوا كتابيين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: خيَّرَ رسولُ الله ◌َل
في الأسرى بينَ الفداءِ والمنِّ والقتلِ والاستعباد، يفعلُ ما شاء، وهذا هو الحق
الذي لا قول سواه (١).
فصل
وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدَهم أوَّل مقدمه المدينة، ثم حاربه بنُو
فَيْنُفَاعِ، فَظَفِرَ بهم، ومنَّ عليهم، ثم حاربه بنو النضير، فظفِرَ بهم، وأجلاهم، ثُمَّ
حارَبه بنو قريظة، فظفِرَ بهم وقتلهم، ثم حاربه أهلُ خيبر، فظَفِرَ بهم وأقرَّهم في
أرض خيبرَ ما شاء سِوى مَنْ قتل مِنهم.
حکمه @ في اليهود
ولما حكم سعدُ بن معاذ في بني قريظة بأن تُقْتَل مقاتلتُهم، وتُسبى
ذراريهم وتُغنم أموالُهم، أخبره رسولُ الله ◌َّهِ: أن هذا حُكْمُ اللّهِ عزَّ وجلَّ مِن
فوقِ سَبْعٍ سَمَاوات(٢).
وتضمَّن هذا الحكم: أن ناقضي العهدِ يسري نقضُهم إلى نسائهم
وذُرِّيَّتِهِم إذا كان نقضُهم بالحرب، ويعودون أهلَ حرب، وهذا عينُ حكمٍ
اللّهِ عزَّ وجل.
فصل
في حکمه ټ﴾ في فتح خيبر
حكمَ يومئذٍ بإقرار يهودَ فيها على شطرِ ما يخرُج منها مِن ثمر أو زرع(٣).
(١) وهو قول الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجوز
الفداء والمن.
(٢) أخرجه البخاري ١١٥/٦، ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد بنحوه وقد تقدم.
(٣) أخرجه البخاري ٣٧٩/٤ في الإجارة: باب إذا استأجر أرضا فمات أحدهما، وفي =
٦١

وحكم بقتل ابني أبي الحُقَيْقِ لما نقضُوا الصُّلح بينَهم وبينَه: على أن لا
يكتُموا ولا يُغيِّوا شيئاً من أموالهم، فكتمُوا وغيَّبوا، وحكم بعقوبة المتَّهم بتغييبِ
المال حتى أقرَّ به، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في غزوة خيبر .
وكانت لأهل الحُديبية خاصة، ولم يَغِبْ عنها إلا جابر بن عبد الله، فقسم له
رسولُ الله ◌َّ سهمَه .
فصل
في حكمه ®# في فتح مكة
حكم بأنَّ من أغلقَ بابَه، أو دخلَ دارَ أبي سفيان، أو دخلَ المسجد، أو
وضع السلاح، فهو آمن، وحكم بقتل نفرستةٍ، منهم: مِقْيس بن صُبابة، وابنُ
خطل، ومغنيتان كانتا تغنيان بهجائه، وحكم بأنه لا يُجهز على جريح، ولا يُتُبعُ
مدبر، ولا يُقتل أسير، ذكره أبو عبيد في ((الأموال))(١). وحكم لخُزاعة أن يبذلُوا
سُيوفَهم في بني بكر إلى صلاة العصر، ثم قال لهم: ((يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ إِرْفَعُوا
أَيْدِيَكُمْ عَنِ القَتْلِ)»(٢).
فصل
في حكمه مَّ في قسمة الغنائم
الفارس والراجل
حكم ◌َّ أن للفارِس ثلاثَةَ أسهم، وللرَّاحِلِ سهم، هذا حكمُه الثابتُ عنه
في مغازيه كُلِّها، وبه أخذ جمهور الفقهاء.
المزارعة: باب المزارعة بالشطر ونحوه، وباب إذا لم يشترط السنين في المزارعة،
=
وفي الشركة: باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة، وفي الشروط: باب
الشروط في معاملة النبي لة أهل خيبر، وأخرجه مسلم (١٥٥١) في أول كتاب
المساقاة من حديث ابن عمر.
(١) صفحة ١٤١.
(٢) انظر ابن هشام ٢ / ٤١٤، ٤١٥.
٦٢

وحكم أن السَّلبَ للقاتل.
وأما حُكمه بإخراج الخمس، فقال ابن إسحاق: كانت الخيلُ يومَ بني قريظة
ستةً وثلاثين فرساً، وكان أوَّلَ فيء وقعت فيه السهمان، وأخرج منه الخمس،
ومضت به السنة، ووافقه على ذلك القاضي إسماعيل بن إسحاق، فقال
إسماعيل: وأحْسِبُ أن بعضَهم قال: ترك أمرَ الخُمس بعد ذلك، ولم يأت في
ذلك من الحديث ما فيه بيانٌ شاف، وإنما جاء ذكرُ الخمس يقيناً في غنائم حُنين.
وقال الواقدي: أول خُمسٍ خُمِّس في غزوة بني قَيْتُقاع بعدَ بدرٍ بشهر وثلاثة
أيام، نزلُوا على حُكمه، فصالحهم على أن له أموالَهم، ولهم النساءُ والذرية،
وخمَّس أموالهم.
وقال عُبادة بن الصامت: خرجنا مع رسولِ اللهِ﴿ه إلى بدرٍ، فلما هَزَمَ اللّهُ
العدُوَّ، تبعتهم طائفةٌ يقتلونهم، وأحدقَتْ طائفةٌ برسول الله وَّةَ، وطائفةٌ استولت
على العسكر والغنيمة، فلما رجع الَّذِين طلبوهم، قالوا: لنا النَّفَلُ نحن طلبنا
العدُوَّ، وقال الذين أحدقوا برسول الله ◌َ له : نحن أحقُّ به، لأنا أحدقنا
برسول الله ◌َ﴿ أن لا ينال العدُؤُّ غِرَّتَه، وقال الذين استَولَوْا على العسكر: هُوَ لنا،
نحن حَوْيَنَاهُ. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفَالُ للَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. فقسمه رسولُ الله بَِّ عن بَوَاءٍ قبل أن ينزل: ﴿وَاعْلَمُوا
أنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّاللّهِ خُمُسَهُ﴾(١) [الأنفال: ٤١].
(١) أخرجه مختصراً أحمد ٣٢٢/٥ وأخرجه مطولاً أحمد ٣٢٤/٥ وإسناده حسن،
وصححه ابن حبان (١٦٩٣) والحاكم ١٣٥/٢، ١٣٦، ووافقه الذهبي، وذكره
الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦/٧، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. وقوله ((عن بواء»
أي: عن سواء يريد أنه ساوى فيها بين الذين جمعوها، وبين الذين اتبعوا العدو،
وبين الذين ثبتوا تحت الرايات، ولم يخصص بها فريقاً منهم ممن ادعى التخصيص
بها. قال الحافظ ابن كثير في السيرة ٤٦٦/٢، ٤٦٩: ولا ينفي هذا تخميسها،
وصرف الخمس في مواضعه كما يتوهمه بعض العلماء منهم أبو عبيد وغيره، بل قد =
٦٣
السلب
الخمس

العلة في قسم أموال بني
النضير في المهاجرين
وقال القاضي إسماعيل: إنما قسم رسولُ الله ◌َّ* أموالَ بني النضير بينَ
المهاجرين، وثلاثةٍ من الأنصار: سهلِ بنِ حُنيف، وأبي دُجانة، والحارث بن
الصِّمة لأن المهاجرين حين قدموا المدينة، شاطرهم الأنصارُ ثمارَهم، فقال لهم
رسول الله وَّةٍ: ((إنْ شِئْتُم قَسَمْتُ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وأَقَمْتُم عَلَى
مُوَاساتِهِم في ثِمارِكُم، وإنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْنَاها لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَكُمْ، وَقَطَعْتُمْ عَنْهُمْ مَا
كُنْتُم تُعْطُونَهُمْ مِنْ تِمَارِكُمْ))، فقالوا: بل تُعطيهم دوننا، ونُمْسِكُ ثمارنا، فأعطاها
رسولُ اللهِ وَّةِ المهاجرينَ، فاستغنوا بما أخذوا، واستغنى الأنصارُ بما رجع إليهم
من ثمارهم، وهؤلاء الثلاثة من الأنصار شَكَوْا حَاجَةٌ .
تنفل رسول الله 88* سيفه ذا الفقار من مغانم بدر، وقال ابن جرير: وكذا اصطفى
=
جملاً لأبي جهل في أنفه بُرة من فضة، وهذا قبل إخراج الخمس أيضاً ثم أورد
حديث عبادة، وحديث ابن عباس، ثم قال: ومعنى الكلام: أن الأنفال مرجعها إلى
حكم الله ورسوله يحكمان فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد، ولهذا
قال تعالى: ﴿قل الأنفال لله الرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله
إن كنتم مؤمنين﴾ ثم ذكر ما وقع في قصة بدر وما كان من الأمر حتى انتهى إلى
قوله: ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل﴾ فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الأنفال الذي جعل
مرده إليه وإلى رسوله، فبينه تعالى وحكم فيه بما أراد تعالى، وهو قول ابن زيد،
وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله أن رسول الله ريال* قسم غنائم بدر على
السواء بين الناس ولم يخمسها، ثم نزل بيان الخمس ناسخاً لما تقدم، وهكذا روى
الوالبي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وفي هذا نظر - والله
أعلم - فإن سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر، فيقتضي أن
ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضاً، ثم في
((الصحيحين)) عن علي رضي الله عنه أنه قال في قصة شارفيه اللذين اجتب أسنمتهما
حمزة أن أحدهما كان من الخمس يوم بدر ما يرد صريحاً على أبي عبيد أن غنائم
بدر لم تخمس - والله أعلم - بل خمست كما هو قول ابن جرير والبخاري وغيرهما
وهو الصحيح الراجح.
٦٤

فصل
وكان طلحةُ بنُ عبيد الله، وسعيد بن زيد رضي الله عنهما بالشام لم يشهدا من ضرب له ساع ولم
بدراً، فقسم لهما رسولُ اللهِنَّهُ سهميهما، فقالا: وأجورُنا يا رسولَ الله؟ فقال:
يحضر
((وَأُجُورَكُما».
وذكر ابن هشام، وابن حبيب أن أبا لبابة، والحارث بنَ حاطب،
وعاصِمَ بنَ عدي خرجُوا مع رسول الله ◌َّةَ، فردَّهم، وأمَّرَ أبا لبابة على المدينة،
وابن أم مكتوم على الصلاة، وأسهم لهم.
والحارث بن الصِّمة كُسِرَ بالروحاء، فضرب له رسولُ الله
3 بسهمه .
قال ابن هشام: وخوّاتُ بن جُبير ضرب له رسولُ الله ◌َّة بسهمه. ولم
يختلف أحدٌ أن عثمان بن عفان رضي الله عنه تخلف على امرأته رقية بنت
رسول الله وَلّة، فضرب له بسهمه، فقال: وأجري يا رسول الله؟ قال:
((وأَجْرُكَ)) (١)، قال ابن حبيب: وهذا خاصٌ للنبيِّ ◌َّ، وأجمع المسلمون أن لا
یُقسم لغائب.
قلتُ: وقد قال أحمدُ ومالك، وجماعةٌ من السلف والخلف: إن الإِمامَ إذا
بعث أحداً في مصالح الجيش، فله سهمُه.
قال ابن حبيب: ولم يكن النبي ◌َّل يُسْهِمُ للنساء والصبيان والعبيد، ولكن
كان يحذيهم مِن الغنيمة(٢).
(١) انظر ((سنن أبي داود)) (٢٧٢٦).
(٢) انظر ((سنن أبي داود)) (٢٧٢٧) و(٢٧٢٨) و(٢٧٣٠) ومسلم (١٨١٢) والترمذي
(١٥٥٦).
٦٥
زاد المعاد ج٥-م٣

ما يعدل البعير من الغنم
والبقر
فصل
وعدل في قسمة الإِبل والغنم كُلُّ عشرة منها ببعير(١)، فهذا في التقويم،
وقسمةِ المال المشترك. وأما في الهدي، فقد قال جابر: نحرنا مَع رسول اللّه ◌ِقَّاد
عام الحديبية البدنَة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (٢). فهذا في الحديبية. وأما في
حجة الوداع، فقال جابر أيضاً: أمرنا رسول الله ◌َّ﴾ أن نشترك في الإبل والبقر كُلُّ
سبعة منا في بدنة (٣)، وكلاهما في الصحيح.
وفي ((السنن)) من حديث ابن عباس، أن رجلاً: أتى النبيَّ ◌َّ فقال: إن
عليَّ بدنة وأنا موسِر بها ولا أجدها فأشتريها، فأمره أن يبتاعَ سبعَ شياه،
فيذبحهن(٤) .
فصل
حكم النبيُّ نَّهَ بالسَّلَبِ كله للقاتل، ولم يُخمِّسْه، ولم يجعله مِن الخُمس،
بل مِن أصل الغنيمة، وهذا حكمه وقضائه.
هل السلب من الخمس
قال البخاري في ((صحيحه)): السلبُ للقاتل إنما هو مِن غير الخُمس،
وحكم به بشهادة واحد، وحكم به بعد القتل، فهذه أربعة أحكام تضمَّنها
حكمُه ◌ٌَّ بِالسَّلَبِ لمن قتل قتيلاً.
وقال مالك وأصحابُه: السلبُ لا يكون إلا مِن الخمس، وحکمہ حُكمُ
(١) أخرجه البخاري ٩/ ٥٨٠ ومسلم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج.
(٢)
أخرجه مسلم (١٣١٨) في الحج: باب الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة
كل منهما عن سبعة، ومالك ٤٨٦/٢، وأحمد ٣٦٣/٣، وأبو داود (٢٨٠٩)
والنسائي ٧/ ٢٢٢، والدارمي ٧٨/٢.
(٣)
أخرجه مسلم (١٣١٨) (٣٥١).
أخرجه ابن ماجه (٣١٣٦) وأحمد ٣١١/١ و٣١٢، وفي سنده تدليس ابن جريج،
(٤)
وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
٦٦

النفل، قال مالك: ولم يبلُغْنَا أن النبيَّ ◌َ﴾ قال ذلك، ولا فعله في غيرِ يوم حنين،
ولا فعلَه أَبُو بكر، ولا عُمر رضي الله عنهما. قال ابن المؤَّاز: ولم يُعط غير
البراء بن مالك سلبَ قتيله، وخمَّسه.
قال أصحابه: قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيءٍ فأن للَّهِ
خُمُسَهُ﴾، فجعل أربعة أخماس الغنيمة لمن غنمها، فلا يجوز أن يُؤخذ شيء مما
جعله الله لهم بالاحتمال.
وأيضاً فلو كانت هذه الآيةُ إنما هي في غير الأسلاب، لم يُؤخر النبي
حكمها إلى حنين، وقد نزلت في قصة بدر، وأيضاً إنما قال: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ
سَلَبُه))(١)، بعد أن برد القتالُ. ولو كان أمراً متقدماً، لعلمه أبو قتادة فارسُ
رسول الله بََّ، وأحدُ أكابر أصحابه، وهو لم يطلبه حتى سَمِعَ مناديَ
رسول الله ېچ﴾ يقول ذلك.
قالوا: وأيضاً فالنبيُّ ◌َلل أعطاه إياه بشهادة واحد بلا يمين، فلو كان مِن
رأس الغنيمة، لم يخرج حقُّ مغنم إلا بما تخرج به الأملاكُ من البيّنات، أو شاهد
ويمين .
قالوا: وأيضاً فلو وجب للقاتل ولم يجد بيِّئة لكان يُوقف، كاللقطة ولا
يُقسم، وهو إذا لم تكن بينة يُقْسَم، فخرج من معنى الملك، ودل على أنه إلى
اجتهاد الإِمام يجعلُه من الخمس الذي يجعل في غيره، هذا مجموعُ ما احتُجَّ به
لهذا القول.
قال الآخرون: قد قال ذلك رسولُ الله ◌َّةٍ، وفعله قبل حنين بستة أعوام،
فذكر البخاري في «صحيحه)): أن معاذَ بن عمرو بنِ الجموح، ومُعاذَ بن عفراء
الأنصاريين، ضربا أبا جهل بن هشام يوم بدر بسيفيهما حتى قتلاه، فانصرفا إلى
(١) صحيح قد تقدم تخريجه وانظر الجزء الثالث فصل في أن السلب جميعه للقاتل.
٦٧

رسول الله ◌ٍَّ، فأخبراه، فقال: (أَيُّكُمَا قَتَلَهُ))؟ فقال كُلُّ واحد منهما: أنا قتلته،
فقال: ((هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا))؟ قالا: لا، فنظر إلى السيفين، فقال: ((كِلاَكُمَا
قَتَلَهُ))، وسَلَبُّه لمعاذ بْنِ عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ(١)، وهذا يدل على أن كونَ السلب
للقاتل أمرٌ مقرر معلومٌ مِن أول الأمر، وإنما تجدَّد يومَ حنين الإِعلامُ العام،
والمناداة به لا شرعیتُه.
وأما قول ابنِ المَّواز: إن أبا بكر وعمر لم يفعلاه، فجوابُه من وجهين،
أحدُهما: أن هذا شهادةٌ على النفي، فلا تُسمع، الثاني: أنه يجوز أن يكون تركُ
المناداة بذلك على عهدهما اكتفاءً بما تقرر، وثبت مِن حكم رسول الله وَآت
وقضائه، وحتى لو صحَّ عنهما تركُ ذلك تركاً صحيحاً لا احتمالَ فيه، لم يُقَدَّم
علی حکم رسول الله چ .
وأما قولُه: ولم يُعط غيرَ البراء بن مالك سلبَ قتيله، فقد أعطى السلبَ
لسلمة بنِ الأكوع، ولمعاذ بن عمرو، ولأبي طلحة الأنصاري، فَتَلَ عِشرين يَوْمَ
حنين، فأخذ أسلابَهم، وهذه كلها وقائع صحيحة معظمُها في الصحيح، فالشهادةُ
على النفي لا تكاد تسلمُ من النقض.
وأما قولُه: ((وخمَّسَه))، فهذا لم يُحفظ به أثر البتة، بل المحفوظُ خلافه،
ففي ((سنن أبي داود)): عن خالد، أن النبي ◌َّ، لم يُخَمِّس السَّلَبَ(٢).
وأما قولُه تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ اللّهِ خُمُسَهُ﴾، فهذا
(١) أخرجه البخاري ١٧٧/٦ في الجهاد: باب من لم يخمس الأسلاب، ومسلم
(١٧٥٢) في الجهاد: باب استحقاق القاتل سلب القتيل من حديث عبد الرحمن بن
عوف.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٢١) في الجهاد: باب في السلب لا يخمس، وأحمد ٤/ ٩٠
و٢٦/٦ من حديث عوف بن مالك الأشجعي، وخالد بن الوليد، وإسناده صحيح.
٦٨

عام، والحكم بالسلب للقاتل خاص، ويجوز تخصيصُ عموم الكتاب بالسنة،
ونظائرُه معلومة، ولا يُمكن دفعُها.
وقوله: ((لا يجعل شيء من الغنيمةِ لغير أهلها بالاحتمال))، جوابُه من
وجهين، أحدهما: أنا لم نجعل السلب لغير الغانمين. الثاني: إنما جعلناه للقاتل
بقول رسول الله ◌َّ لا بالاحتمال، ولم يؤخِّر النبي ◌َله حُكمَ الآية إلى يوم حنين
كما ذكرتم، بل قد حكم بذلك يومَ بدر، ولا يمنع كونه قاله بعد القتالِ مِن
استحقاقه بالقتل.
وأما كون أبي قتادة لم يطلبه حتى سَمِعَ منادي النبيِ بَّه يقوله، فلا يدُلُّ
على أنه لم يكن متقرراً معلوماً، وإنما سكت عنه أبو قتادة لأنه لم يكن يأخذه
بمجرد دعواه، فلما شهد له به شاهد أعطاه.
والصحيح: أنه يُكتفى في هذا بالشاهد الواحد، ولا يحتاج إلى شاهد آخر،
ولا يمين، كما جاءت به السنةُ الصحيحةُ الصريحة التي لا مُعارِضَ لها، وقد تقدم
هذا في موضعه.
وأما قولُه: ((إنه لو كان للقاتل، لوقف، ولم يُقسم كاللقطة))، فجوابُه أنه
للغانمين، وإنما للقاتل حقُّ التقديم، فإذا لم تُعلم عين القاتل اشترك فيه
الغانمون، فإنه حقهم، ولم يظهر مستحق التقدیم منهم، فاشترکوا فيه.
فصل
في حكمه ◌َيّ فيما حازه المشركون من أموال المسلمين، ثم ظهر
عليه المسلمون، أو أسلم عليه المشركون
في ((البخاري)): أن فرساً لابن عمر رضي الله عنه ذهب، وأخذه العدو،
فظهرَ عليه المسلمون، فَرُدَّ عليه في زمن رسول الله ◌َ، وأَبَقَ له عبد، فلحق
بالروم، فظهر عليه المسلمون، فردّه عليه خالد في زمن أبي بكر رضي الله
٦٩

عنه(١).
وفي ((سنن أبي داود)): أن رسولَ الله ◌َّ هو الذي رَدَّ عليه الغلام(٢). وفي
((المدونة)) و((الواضحة)) أن رجلاً من المسلمين وجد بعيراً له في المغانم، فقال له
رسول الله ◌َّ: ((إِنْ وَجدْتَه لم يُقْسَمْ، فَخُذْهُ، وإنْ وجدْتَهُ قَدْ فُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ
بِالثَّمَنِ إِن أَرَدْتَهُ».
وصح عنه: أن المهاجرين طلبوا منه دُورَهم يوم الفتح بمكة، فلم يرد على
أحد دارَه. وقيل له: أين تَنْزِلُ غداً من دارك بمكة؟، فقال: ((وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ
مَنْزِلاً))(٣)، وذلك أن الرسولَ يليه لما هاجر إلى المدينة، وثب عقيل على رباع
النبي _ 18 بمكة، فحازها كُلَّها، وحوى عليها، ثم أسلم وهي في يده، وقضى
رسولُ الله ◌َّ أن من أسلم على شيء فهو له، وكان عقيل ورث أبا طالب، ولم
يرثه علي لتقدُّم إسلامه على موت أبيه، ولم يكنْ لرسولِ الله ◌َِّ ميراثٌ مِن
عبد المطلب، فإن أباه عبدَ الله مات، وأبوه عبدُ المطلب حيٌّ، ثمَّ مات
عبدُ المطلب، فَورِثه أولاده، وهم أعمامُ النبي ◌ََّ، ومات أكثرُ أولاده، ولم
يعقبوا، فحاز أبو طالب رِباعه، ثم مات، فاستولى عليها عَقيلٌ دونَ علي لاختلاف
الدين، ثم هاجر النبيُّ ◌َّ؛ فاستولى عقيلٌ على داره، فلذلك قال رسول الله تَديّةٍ :
((وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً).
وكان المشركون يَعْمِدُونَ إلى من هاجر من المسلمين ولحق بالمدينة
فيستولُون على داره وعقاره، فمضت السنةُ أن الكفارَ المحاربين إذا أسلموا، لم
يضمنُوا ما أتلفُوه على المسلمين مِن نفس أو مال، ولم يَرُدُّوا عليهم أموالَهم التي
غَصَبُوهَا عليهم، بل من أسلم على شيء، فهو له، هذا حكمه وقضائه چّ . .
(١) تقدم تخريجه في الجهاد وهو في ((البخاري)) ١٢٦/٦، ١٢٧ و((سنن أبي داود))
(٢٦٩٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٩٨) ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه البخاري ٣٦٠/٣ و١٢٢/٦، ومسلم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد.
٧٠
٠

فصل
في حکمه پر فیما كان يُهدى إليه
كان أصحابُه رضي الله عنهم يُهدون إليه الطعامَ وغيره، فيقبلُ منهم،
ويُكافئهم أضعافَها.
وكانت الملوكُ تُهدي إليه، فيقبلُ هداياهم، ويَقْسِمُها بينَ أصحابه، ويأخُذُ
منها لنفسه ما يختارُه، فيكون كالصفيِّ الذي له من المغنم.
وفي ((صحيح البخاري)): أن النبي لّ أُهدِيَتْ إليه أَقْبِية دِيباجٍ مزرَّرَة
بالذهب، فقسمها في ناس مِن أصحابه، وعزل منها واحداً لِمِخْرَمَة بنِ نوفل،
فجاء ومعه المِسور ابنُه، فقام على الباب، فقال: ادْعُهُ لي، فسمع النبيُّ لَّه
صوتَه، فتلقاه به فاستقبلَه، وقال: يا أَبا المِسْوَرِ خَبَّأْتُ هذَا لَكَ)) (١) .
وأهدى له المُقَوْقِس ماريةَ أمَّ ولده، وسِيرين التي وهبها لحسان، وبغلةٌ
شهباء، وحماراً.
وأهدى له النجاشيُّ هديةً، فَقبلَها منه، وبعث إليه هديةً عوضها وأخبر أنَّه
مات قبلَ أن تَصِلَ إليه، وأنها تَرْجِعُ، فكان الأمر كما قال(٢) .
وأهدى له فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الجذَامِي بغلةً بيضاء ركبها يوم حنين، ذكره
مسلم (٣) .
(١) أخرجه البخاري ١٥٩/٦ في الجهاد: باب قسمة الإمام، ومسلم (١٠٥٨) في
الزكاة: باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة.
(٢) أخرجه أحمد ٤٠٤/٦، وفي سنده ضعف، ومجهول، وانظر ((مجمع الزوائد»
١٤٧/٤، ١٤٨.
(٣) (١٧٧٥) في الجهاد: باب في غزوة حنين.
٧١

وذكر البخاري: أن مَلِكَ أيلةَ أهدى له بغلةً بيضاء، فكساه رسولَ الله
بُردة، وكتب له ببخرِهِم(١).
وأهدى له أبو سفيان هدية فقبلها .
وذكر أبو عبيد: أن عامرَ بن مالك مُلاعِبَ الأسِنة، أهدى للنبي ◌َّ فرساً
فرده، وقال: ((إنَّا لا نَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ))(٢) وكذلك قال لعياض المجاشعي: إنَّا لا
نَقْبَلُ زَبَدَ المُشْرِكِين))(٣) يعني: رِفدهم.
قال أبو عبيد: وإنما قبل هدية أبي سفيان لأنها كانت في مدةِ الهُدنة بينه
وبين أهل مكة، وكذلك المقوقِسُ صاحبُ الاسكندرية إنما قبل هديتَه لأنه أكرمَ
حاطبَ بن أبي بلتعة رسوله إليه، وأقرَّ بنبوته، ولم يُؤيسه من إسلامه، ولم
يقبل بَّ هديةَ مشركٍ محاربٍ له قطُّ.
فصل
وأما حكم هدايا الأئمة بعده، فقال سُحنون من أصحاب مالك: إذا أهدى
أميرُ الروم هديةً إلى الإِمام، فلا بأس بقبولها، وتكون له خاصة، وقال الأوزاعي:
تكون للمسلمين، ويُكافئه عليها مِن بيت المال. وقال الإِمام أحمد رحمه الله
وأصحابه: ما أهداه الكفار للإِمام، أو لأمير الجيش، أو قواده، فهو غنيمة،
حكمها حكمُ الغنائم.
حكم المُهدى للأئمة
(١) أخرجه البخاري ٢٧٣/٣ في الزكاة: باب خرص التمر، ومسلم ١٧٨٥/٤، ١٧٨٦
(١٣٩٢) في الفضائل: باب في معجزات النبي ◌ِ ◌ّر. وقوله: ببحرهم، أي: ببلدهم،
أو المراد: بأهل بحرهم، لأنهم كانوا سكاناً بساحل البحر.
(٢) أخرجه موسى بن عقبة في المغازي من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال
في ((الفتح)) ١٦٨/٥، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم ولا يصح.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٠٥٧) في الخراج والإمارة: باب في الإمام يقبل هدايا
المشركين، والترمذي (١٥٧٧)، وأحمد ١٦٢/٤، وسنده حسن، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح، وزبد المشركين: عطاؤهم ورفدهم.
٧٢

فصل
في حكمه في قسمة الأموال
الأموال التي كان النبيُّ ◌َّهِ يقسِمُها ثلاثة: الزكاةُ، والغنائم، والفيء.
فأما الزكاة والغنائم، فقد تقدم حكمهما، وبيَّنا أنه لم يكن يستوعِبُ
الأصنافَ الثمانية، وأنه كان رُبما وضعها في واحد.
وأما حُكمه في الفيء، فثبت في الصحيح، أنهلنَّ قسم يومَ حنين في
المؤلفة قلوبُهم من الفيء، ولم يُعطِ الأَنصارَ شيئاً، فَعَتِبُوا عليه، فقال لهم: ((ألا
تَرْضَونَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ والْبَعِيرِ، وتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللّهِ ◌َِّ تَقُودُونَهُ إلى
رِحَالِكُمْ، فَوَ اللّهِ لما تنقلبونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ) (١) وقد تقدَّم ذكرُ القصة
وفوائدها في موضعها.
الحكم في الفيء
والقصة هنا أن الله سبحانه أباح لرسولِهِ مِن الحكم في مال الفيء ما لم يُبحه
لغيره، وفي (الصحيح)) عنه ◌ََّ: ((إني لأَّعْطِي أَقْوَاماً، وَأَدَعُ غَيْرَهُم، والَّذِي أَدَعُ
أَحَبُّ إليَّ مِنَ الَّذِي أُعْطي))(٢).
وفي ((الصحيح)) عنه: ((إِنِّي لأُعْطِي أَقْوَاماً أَخَافُ ظَلَعَهُمْ وجَزَعَهُمْ، وأَكِلُ
أَقْواماً إلى مَا جَعَلَ اللّهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنى والخَيْرِ، مِنْهم عَمْرُو بْن تَغْلِب)). قال
عمرو بن تغلب: فما أُحِبُّ أن لي بكلمةِ رسول اللّهِوَّهَ حُمَرَ النَّعَمِ(٣).
(١) أخرجه البخاري ٦/ ١٨٠ في الخمس: باب ما كان النبي لا يعطي المؤلفة قلوبهم،
ومسلم (١٠٥٩) في الزكاة: باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام من حديث
أنس بن مالك.
(٢) أخرجه البخاري ٤٢٦/٣ في التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿إن الإنسان خلق
هنوعا﴾ من حديث عمرو بن تغلب.
(٣) أخرجه البخاري ١٧٩/٦ عن عمرو بن تغلب. وقوله ((ظَلَعهم)) بفتح الظاء واللام:
اعوجاجهم.
٧٣

وفي ((الصحيح)): أن علياً بعث إليه بِذُهَيْبَةٍ من اليمن، فقَسمَها أرباعاً،
فأعطى الأقرعَ بنَ حابس، وأعطى زيدَ الخيل، وأعطى عَلْقَمَةَ بنَ عُلاثة وعُيَيْنَةَ بنَ
حِصن، فقام إليه رجلٌ غائرُ العينين، ناتيءُ الجبهة، كثُّ اللِّحية، محلوقُ الرأس،
فقال: يا رسول الله اتق الله، فقال رسول الله ◌َالَ: ((ويلك أو لست أحقَّ أهلٍ
الأرض أن يتقيَ الله؟!)) الحديث(١).
سهم ذوي القربى
وفي ((السنن)): أن رسول الله ◌َّ﴾ وضع سهم ذي القُربى في بني هاشم، وفي
بني المطلب، وتَرَكَ بني نوفل، وبني عبد شمس، فانطلق جُبير بن مُطعم،
وعثمانُ بن عفان إليه، فقالا: يا رسولَ اللّهِ! لا نُنْكِرُ فضلَ بني هاشم لموضعهم
منك، فما بالُ إخوانِنا بني المطلب، أعطيتَهم وتركتنا، وإنما نحنُ وهُم بمنزِلِةِ
واحدة، فقال النبيُّ ◌َ: ((إِنَّا وبَنُو المُطَّلِبِ لا نَفْتَرِقُ في جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إسْلاَمٍ، إنّما
نَحْنُ وَهُمْ شَيءٌ وَاحِدٌ)) وشَبَكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (٢).
وذكر بعضُ الناس أن هذا الحكمَ خاص بالنبيِّ ◌َ﴿، وأن سهمَ ذوي القُربى
يُصرف بعدَه في بني عبد شمس، وبني نوفل، كما يُصرف في بني هاشم، وبني
المطلب، قال: لأن عبد شمس، وهاشماً، والمطلب، ونوفلاً إخوة، وهُم أولادُ
عبد مناف. ويقال: إن عبدَ شمس، وهاشماً توأمان .
والصواب: استمرارُ هذا الحكم النبوي، وأنَّ سهمَ ذوي القربى لبني هاشم
وبني المطلب حيث خصَّه رسولُ اللهِّ بهم، وقولُ هذا القائل: إن هذا خاصٌ
بالنبيِّ ◌ََّ باطل، فإنه بيَّن مواضِعَ الخُمس الذي جعله الله لذوي القُربى، فلا
(١) أخرجه البخاري ٣٥٣/١٣، ٣٥٤ في التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿تعرج الملائكة
والروح﴾، ومسلم (١٠٦٤) في الزكاة: باب ذكر الخوارج وصفاتهم من حديث أبي
سعيد الخدري.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٨٠) في الإمارة: باب في بيان مواضع قسم الخمس، والنسائي
٧/ ١٣٠، ١٣١ في قسم الفيء، وأخرجه البخاري ٦/ ١٧٤ مختصراً.
٧٤

يُتُعدَّى به تلك المواضع، ولا يُقصر عنها، ولكن لم يكن يقسِمُه بينهم على السواء
بين أغنيائهم وفقرائهم، ولا كان يقسِمُه قِسمَة الميراث للذكر مثلُ حظّ الانثيين،
بل كان يَصرفُه فيهم بحسب المصلحة والحاجة، فيزوِّجُ منه عزبَهم، ويقضِي منه
عن غارِمهم، ويُعطي منه فقیرهم کفایته .
وفي ((سنن أبي داود)): عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: ((ولأَّني
رسول الله﴿ خُمْسَ الخمس، فوضعتُه مواضِعَه حياةَ رسول اللهِ له، وحياةَ أبي
بكر رضي الله عنه، وحياةَ عمر رضي الله عنه))(١) .
وقد استُدِلَّ به على أنه كان يُصْرَفُ في مصارفه الخمسةِ، ولا يقوى هذا
الاستدلال، إذ غايةٌ ما فيه أنه صرفه في مصارفه التي كان رسولُ اللهَِّ يصرِفُه
فيها، ولم يَعدُها إلى سواها، فأين تعميمُ الأصناف الخمسة به؟! والذي يدل عليه
هديُ رسولِ الله ◌َّس وأحكامُه أنه كان يجعل مصارِفَ الخمس كمصارِفِ الزكاة،
ولا يخرجُ بها عن الأصناف المذكورة لا أنه يقسِمُه بينهم كقِسمة الميراث، ومن
تأمل سيرتَه وهديه حقَّ التأمل لم يشك في ذلك.
وفي ((الصحيحين)): عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: كانَتْ أموالُ
بني النضير مما أفاء اللّهُ على رسوله مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه بخيل ولا
رِكاب، فكانت لِرسول الله بَّ خاصة يُنفِقُ منها على أهله نفقةَ سنة، وفي لفظ:
(يحبِسُ لأهله قوت سنتهم، ويجعلُ ما بقي في الكراع والسلاح عُدة في سبيل
الله))(٢) .
وفي ((السنن)): عن عوف بن مالك رضى الله عنه، قال: كان رسولُ الله
إذا أتاه الفيء، قسمه مِن يومه، فأعطى الآهِل حَظَّيْنِ، وأعطى العَزَب
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٨٣) وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف لسوء حفظه.
(٢) أخرجه البخاري ٤٨٣/٨ في تفسير سورة الحشر، ومسلم (١٧٥٧) في الجهاد: باب
حكم الفيء.
٧٥

حظاً(١).
فهذا تفضيل منه للاهِلِ بحسب المصلحة والحاجة، وإن لم تكن زوجُه من
ذوي القربى.
هل كان الفيء ملكاً
له ﴾﴾؟
وقد اختلف الفقهاءُ في الفيء، هل كان مِلكاً لرسول الله ◌َله يتصرف فيه
كيف يشاء، أو لم يكن ملكاً له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره.
والذي تدل عليه سنتُه وهديه، أنه كان يتصرّف فيه بالأمر، فيضعه حيثُ
أمره الله، ويقسِمُه على من أُمِرَ بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرَّف فيه تصرُّف
المالك بشهوته وإرادته، يُعطي من أحبَ، ويمنعُ من أحبَّ، وإنما كان
يتصرَّف فيه تصرُّفَ العبدِ المأمور يُنفِّذُ ما أمره به سيده ومولاه، فيعطي من
أمر بإعطائه، ويمنع من أُمِرَ بمنعه. وقد صرح رسول اللهِنَّمَ بهذا فقال: واللّهِ
إنِّي لا أُعطِي أحداً ولا أمنعُه، إنما أنا قاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ))(٢)، فكان
عطاؤه ومنعُه وقسمُه بمجرد الأمر، فإن الله سبحانه خيَّره بين أن يكون عبداً
رسولاً، وبين أن يكون ملكاً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً.
الفرق بين العبد الرسول
وبين الملك الرسول
والفرقُ بينهما أن العبدَ الرسولَ لا يتصرَّفُ إلا بأمر سيِّده ومُرْسِله،
والمَلِكُ الرسولُ له أن يعُطِيَ مَن يشاء، ويمنعُ من يشاء كما قال تعالى للملك
الرسول سليمان: ﴿هذا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩].
أي: أعطِ من شئتَ، وامنع من شئت، لا نحاسِبُك، وهذه المرتبة هي التي
عُرِضَتْ على نبينا ◌ََّ، فَرغِبَ عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبةُ العبودية
المحضة التي تَصرُّفُ صاحِبها فيها مقصورٌ على أمرِ السيد في كُلِّ دقيق
وجلیل.
والمقصود: أن تصرفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يُخالف حكم
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٥٣) وأحمد ٢٥/٦ و٢٦، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٦/ ١٥٢، ١٥٣ من حديث أبي هريرة.
٧٦

غيره من المالكين، ولهذا كان ينفق مما أفاء الله عليه مما لم يُوجِفِ
المسلمون عليه بخيل ولا ركاب على نفسه وأهله نفقةً سنتهم، ويجعل الباقي
في الكُراع والسِّلاح عدة في سبيل الله عز وجل، وهذا النوعُ مِن الأموال هو
السهمُ الذي وقع بعده فيه مِن النزاع ما وقع إلى اليوم.
فأما الزكاوات والغنائم، وقسمة المواريث، فإنها معينة لأهلها لا
يشرُّكُهم غيرهُم فيها، فلم يُشكل على ولاة الأمر بعدَه مِن أمرها ما أشكل
عليهم مِن الفيء، ولم يقع فيها مِن النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكالُ أمره
عليهم، لما طلبت فاطمةُ بنتُ رسول الله وَّة ميراثها مِن تركته، وظنت أنه
يُورث عنه ما كان ملكاً له كسائر المالكين، وخفي عليها رضي الله عنها حقيقةُ
الملك الذي ليس مما يُورث عنه، بل هو صدقة بعده، ولما علمَ ذلك خليفتُه
الراشدُ البار الصِّدِّيق، ومَن بعده من الخلفاء الراشدين لم يجعلوا ما خلفه من
الفيء ميراثاً يُقسم بين ورثته، بل دفعوه إلى علي والعباس يعملان فيه عملَ
رسول الله ◌َّة، حتى تنازعا فيه، وترافعا إلى أبي بكر الصديق، وعمر، ولم
يقسم أحد منهما ذلك ميراثاً، ولا مكَّنا منه عباساً وعليًّا، وقد قال الله
تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَللّهِ ولِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبى
وَالْيَتَامَى والمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْلَا يَكُوَنَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتُهُوا واتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقَابِ. لِلْفُقَراءِ
المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ
ورِضْوَاناً، ويَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولِئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّوْا الدَّارَ
والإِمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية [الحشر: ٧ - ١٠]. فأخبر سبحانه أن ما أفاء على
رسوله بجملته لِمَن ذُكِرَ في هذِهِ الآيات، ولم يَخُصَّ منه خمسه بالمذکورین،
بل عمَّمَ وأطلق واستوعب. ويُصرف على المصارف الخاصة، وهم أهلُ
الخمس، ثم على المصارف العامة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى
طلب فاطمة ميراثها
مصارف القي :
٧٧

يوم الدين. فالذي عمل به هو وخلفاؤه الراشدون هو المرادُ مِن هذه الآيات،
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه أحمد رحمه الله وغيره
عنه: ما أحدٌ أحقَّ بهذا المالِ مِن أحد، وما أنا أحقَّ به من أحد، والله ما مِن
المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبد مملوك، ولكنا على
مَنازِلنا مِن كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ◌َّ فالرجلُ وبلاؤُه في الإِسلام،
والرجل وقِدَمُه في الإِسلام، والرجل وغَناؤه في الإِسلام، والرجل وحاجتُه،
ووالله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حُّه مِن هذا المال، وهو
يَرعى مكانه(١). فهؤلاء المسمَّوْن في آية الفيء هم المسمَّون في آية الخمس،
ولم يدخُلِ المهاجرون والأنصارُ وأتباعُهم في آية الخمس، لأنهم المستحقون
الجملة الفيء، وأهلُ الخمس لهم استحقاقان: استحقاقٌ خاص مِن الخمس،
واستحقاقٌ عام من جملة الفيء، فإنهم داخلون في النَّصِيبَيْنِ.
وكما أن قِسمته من جملة الفيء بين مَن جعل له ليس قسمة الأملاك
التي يشترك فيها المالكون، كقِسمة المواريث والوصايا والأملاك المطلقة، بل
بحسب الحاجة والنفع والغَناء في الإِسلام والبلاء فيه، فكذلك قِسمة الخمس
في أهله، فإن مخرجَهما واحد في كتاب الله، والتنصيصُ على الأصناف
الخمسة يُفيد تحقيق إدخالهم، وأنهم لا يُخرجون من أهل الفيء بحال، وأن
الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما
أن الفيء العام في آية الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، ولهذا
أفتى أئمة الإِسلام، كمالك، والإِمام أحمد وغيرهما، أن الرافضة لا حقَّ لهم
في الفيء لأنهم ليسوا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاؤوا
من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإِيمان، وهذا
مذهبُ أهل المدينة، واختيارُ شيخ الإِسلام ابن تيمية، وعليه يدل القرآن،
وفعل رسول الله صل﴾، وخلفائه الراشدين.
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٩٢) وفي سنده محمد بن مُيَسَّر، وهو ضعيف.
٧٨

هل تقسم الزكاة والفيء
على الأصناف كلها
وقد اختلف الناسُ في آية الزكاةِ وآيةِ الخمس، فقال الشافعي: تجب
قسمةُ الزكاة والخمس على الأصناف كلِّها، ويُعطي مِن كل صنف مَن يطلق
عليه اسم الجمع .
وقال مالك رحمه الله وأهلُ المدينة: بل يُعطي في الأصناف المذكورة
فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمةُ الزكاة ولا الفيء في
جمیعهم.
وقال الإِمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك رحمهم الله في آية الزكاة،
وبقول الشافعي رحمه الله في آية الخمس.
ومن تأمل النصوصَ، وعَمَلَ رسول الله بَّس وخلفائه، وجده يدل على
قول أهل المدينة، فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعيَّنهم
اهتماماً بشأنهم، وتقديماً لهم، ولما كانت الغنائمُ خاصة بأهلها لا يشركهم
فيها سواهم، نصَّ على خمسها لأهل الخمس، ولماكان الفيء لا يختصُّ بأحد
دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوَّى بينَ
الخمس وبين الفيء في المصرِف، وكان رسولُ اللهَِّ يصرِفُ سهم الله
وسهمَه في مصالح الإِسلام، وأربعةَ أخماس الخمس في أهلها مقدماً لِلأَهم
فالأهم، والأحوج فالأحوج، فيزوج منه عزابَهم، ويقضي منه ديونهم، ويُعين
ذا الحاجة منهم، ويُعطي عزبهم حظاً، ومتزوجَهم حظّين، ولم يكن هو ولا
أحدٌ من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوي القربى،
ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية، ولا على التفضيل، كما لم
يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديُه وسيرتُه، وهو فصلُ الخطاب،
ومحضُ الصواب.
٧٩

فصل
في حكمه ﴾ في الوفاء بالعهد لعدوّه وفي رسلهم، أن لا يُقتلوا ولا
يُحبسوا، وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خافَ منه نقضَ العهد
ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول: إنه رسولُ اللّهِ:
(لَوْلاَ أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَقَتَذْكُمَا)(١) .
وثبت عنه أنه قال لأبي رافع وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقامَ عنده، وأنه
لا يرجع إليهم، فقال: ((إني لاَ أَخِيسُ بِالعَهْدِ، ولا أَخْبِسُ البُرُدَ، وَلكِنِ ارْجِعْ إلى
قَوْمِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فيها الآن فارْجِعْ(٢) .
وثبت عنه أنه ردَّ إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يَرُدَّ إليهم من
جاءه منهم مسلماً. ولم يرد النساء، وجَاءت سُبَيْعَةُ الأسلميةُ مسلمةً، فخرج
زوجُها في طلبها، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُم المُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ
إلى الكُفَّارِ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فاستحلفها رسولُ الله ◌ِّمِ أنه لم يُخرجها إلا
الرغبة في الإِسلام، وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها، ولا بغضاً لزوجها،
فحلفت، فأعطى رسول الله يََّ زوجَها مهرَها، ولم يردها عليه(٣). فهذا حكمه
الموافق لحكم الله، ولم يجىء شيء ينسخه البتة. ومن زعم أنه منسوخ، فليس
أخرجه أبو داود (٢٧٦١) في الجهاد: باب في الرسل، وأحمد ٤٨٧/٣، ٤٨٨، من
(١)
حدیث نعيم بن مسعود الأشجعي، وسنده قوي.
(٢)
أخرجه أحمد ٨/٦، وأبو داود (٢٧٥٨) وإسناده صحيح، وقوله: ((لا أخيس العهد)»
معناه: لا أنقض العهد ولا أفسده من قولك: خاس الشيء في الوعاء: إذا فسد،
وقوله: ((لا أحبس البرد» يشبه أن يكون المعنى فيه أن الرسالة تقتضي جواباً،
والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد
له العهد مدة مجیئه ورجوعه.
(٣) انظر ((الإصابة)) ٣١٨/٤.
٨٠