Indexed OCR Text

Pages 21-40

وقضى أن لا يُقتل الوالدُ بالولَدِ. ذكره النسائي وأحمد (١).
لا يقتل الوالد بالولد
وقضى أن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، ولا يُقْتَل مؤمِنٌ بكافر (٢).
زنت، لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تُكفِّلَ ولدها)) وفي سنده
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي، وهو ضعيف، لكن ثبت في حديث المرأة
الغامدية عند مسلم (١٦٩٥) التي اعترفت بالزنى أن النبي 8* قال لها: لا نرجمك
حتى تضعي ما في بطنك، وكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، فأتى النبي مَثّ،
فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من
يرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه يا نبي الله فرجمها، وفي رواية
المسلم أنه بَّ قال لها: ((اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته، أتته بالصبي في
يده كسرة خبز .. .
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد ٤٩/١، والترمذي (١٤٠٠) في الديات: باب ما جاء
في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا، وابن ماجه (٢٦٦٢) من حديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب، وصححه ابن الجارود، والبيهقي،
وأخرجه أحمد ١٦/١ من حديث جعفر الأحمر عن مطرف عن الحكم عن مجاهد،
عن عمر، ورجاله تقات إلا أنه منقطع. ويشهد له حديث ابن عباس عند الترمذي
(١٤٠١) وابن ماجه (٢٦٦١) والحاكم ٣٤٠/٤، والدار قطني ص ٣٤٨، والبيهقي
٣٩/٨٠.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٤٥٣٠) والنسائي ٢٤/٨ في القسامة: باب سقوط
القود من المسلم للكافر من حديث علي رضي الله عنه، قال في ((التنقيح)): سنده
صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) ١٣٢/١٢، وله شاهد من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص عند أبي داود (٤٥٣١) وابن ماجه (٢٦٨٥) وقوله ((لا يقتل مؤمن
بكافر)) أخرجه البخاري ٢١٧/١٢ أيضاً من حديث علي. ومعنى قوله ((تتكافأ
دماؤهم)): أن دماء المسلمين متساوية في القصاص والقود، يقاد الشريف منهم
بالوضيع، والكبير بالصغير، والعالم بالجاهل، والرجل بالمرأة، وإذا كان المقتول
شريفاً أو عالماً، والقاتل وضيع جاهل لا يقتل به غير قاتله على خلاف ما كان يفعله
أهل الجاهلية، كانوا لا يرضون في دم الشريف بالاستفادة من قاتله الوضيع حتى
يقتلوا عدة من قبيلة القاتل.
٢١

وقضى أن من قُتِلَ له قتيل، فأهله بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، إما أن يقتلُوا أو يأخذوا
(١)
العقل (١).
وقضى أن في دية الأصابع مِن اليدينِ والرِّجلين في كل واحدة عشراً مِن
الإبل. وقضى في الأسنان في كل ◌ِن بخمسٍ من الإبل، وأنها كلها سواء، وقضى
في المواضح بخمسٍ خمسٍ (٢).
وقضى في العين السَّادة لمكانها إذا طُمِسَتْ بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا
قُطِعَتْ بثلث ديتها، وفي السِّنِّ السوداء إذا نُزْعَتْ بثلث ديتها(٣).
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٠٤) والترمذي (١٤٠٦) والشافعي من حديث أبي شريح
الكعبي، وإسناده صحيح، وأخرجه البخاري ١٨٢/١٢، ومسلم (١٣٥٥) وأبو داود
(٤٥٠٥) والنسائي ٣٨/٨ من حديث أبي هريرة بلفظ ((ومن قُتِلَ له قتيل، فهو بخير
النظرين إما أن يودى، وإما أن يُقاد)).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٥٦) و(٤٥٥٧) في الديات: باب دية الأعضاء، والنسائي ٥٦/٨
في القسامة: باب عقل الأصابع، وابن ماجه (٢٦٥٤) في الديات: باب دية الأصابع
من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ◌َّة ((الأصابع سواء عشر من الإبل))
وسنده حسن، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي
قال: ((وفي المواضح خمس خمس، وفي الأسنان خمس خمس، وفي الأصابع عشر
عشر)) أخرجه أبو داود (٤٥٦٢) و(٤٥٦٣) و(٤٥٦٦)، وابن ماجه (٢٦٥٣)، وسنده
حسن، وآخر من حديث ابن عباس عند الترمذي (١٣٩١) بلفظ ((في دية الأصابع
اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكن أصبع)) وقال: حديث حسن صحيح،
وصححه ابن حبان (١٥٢٨)، والمواضح: جمع موضحة، وهي التي تبدي وضح
العظم، أي: بياضه.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٦٧) في الديات: باب دية الأعضاء، والنسائي ٥٥/٨ في
القسامة: باب العين العوراء السادة لمكانها، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، وسنده حسن، وقوله: السادة لمكانها، أي: الباقية الثابتة في مكانها، أي: لم
تخرج من الحدقة، فبقيت في الظاهر على ما كانت، ولم يذهب جمال الوجه، لكن
ذهب إبصارها .
٢٢

وقضى في الأنف إذا جُدِعَ كُلُّه بالدية كاملة، وإذا جُدِعَتْ أرنبتُه بنصف
الدية(١).
وقضى في المأمومة بثُلُث الدية، وفي الجائفة بثلثها، وفي المُنَقِّلَةِ بخمسةً
عشرَ من الإبل. وقضى في اللسان بالدية، وفي الشفتين بالدية، وفي البَيْضَتَيْنِ
بالدية، وفي الذَّكَرِ بالدية، وفي الصُّلْب بالدية، وفي العينين بالدية، وفي إحداهما
بنصفها، وفي الرجل الواحدة بنصف الدية، وفي اليد بنصف الدية، وقضى أن
الرجل يُقتل بالمرأة (٢) .
٠
وقضى أن دية الخطأ على العاقلة مائة من الإبل، واختلفت الرواية عنه في
أسنانها، ففي السنن الأربعة عنه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
(ثَلاَثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلاَثُونَ بِنْتَ لَبُون، وثَلاثُونَ حِقَّةً، وعَشَرةُ بني لَبُونٍ
ذَكَرٍ))(٣).
دية الخطأ
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٦٤)، وأحمد ٢١٧/٢ و٢٢٤، من حديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الحاكم ٣٩٧/١، والنسائي ٥٧/٨، ٥٨، والدار قطني ص ٣٧٦، وابن حبان
(٧٩٣) والبيهقي ٨٩/٤، والدارمي ٩٣/٢ من حديث أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده ... وأخرج القسم الأول منه إلى قوله: من الإبل
أحمد ٢١٧/٢ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والمأمومة: هي التي
تصل إلى خريطة الدماغ، وتسمى آمة، لأنها بلغت أم الرأس، والجائفة: هي أن
يضرب في ظهر أو بطن أو صدر، فتنفذ إلى جوفه، والمنقلة: هي التي تخرج منها
صغار العظام، وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقل العظم، أي: تكسره.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٧/٢ و٢٢٤، وأبو داود (٤٥٤١) في الديات: باب الدية كم هي،
والنسائي ٤٢/٨، ٤٣، وابن ماجه (٢٦٣٠)، والبيهقي ٧٤/٨، وسنده حسن. وبنت
المخاض: هي التي أتى عليها الحول، وطعنت في السنة الثانية، وسميت بنت
مخاض، لأن أمها تمخض بولد آخر، وبنت اللبون: هي التي أتى عليها حولان،
وطعنت في السنة الثالثة، لأن أمها تصير لبوناً بوضع الحمل، والحقة: هي التي أتت
عليها ثلاث سنين، وطعنت في الرابعة سميت بها، لأنها تستحق الحمل والضراب، =
٢٣

قال الخطابي: ولا أعلم أحداً مِن الفقهاء قال بهذا.
وفيها أيضاً من حديث ابن مسعود: أنها أخماسٌ: عِشرون بنتَ مَخَاضٍ،
وعشرون بنت لَبون، وعشرون ابن مخاص، وعشرون حِقَّة، وعِشرونَ جَذَعَةٍ (١).
وقضى في العمد إذا رضُوا بالدِّية ثلاثين حِقّة، وثلاثين جَذَعة، وأربعين
خَلِفَة، وما صُولحوا عليه، فهو لهم (٢).
دية العمد إذا رضيها
أهله
فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى القول بحديث ابن مسعودٍ رضي الله عنهما،
وجعل الشافعي ومالك بدل ابن مخاض ابن لبون، وليس في واحد من الحديثين.
وفرضها النبيُّ ◌َّ على أهل الإِبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي
بقرة، وعلى أهلِ الشاءِ ألفي شاة، وعلى أهل الحُلَلِ مائتي حُلة(٣).
وقال عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه أنه مي جعلها
ثمانمائة دينار، أو ثمانمائة آلاف درهم(٤) ذكر أهل السنن الأربعة من حديث
عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً قُتِلَ، فجعلَ النبيِ مَّ ديتَه اثني
والجذعة: التي تم لها أربع سنين، وطعنت في الخامسة، لأنها تجذع السن فيها.
=
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٥) والترمذي (١٣٨٦) والنسائي ٤٣/٨، ٤٤، وابن ماجه
(٢٦٣١) والبيهقي ٧٥/٨، والدار قطني ص ٣٦٠ من حديث الحجاج بن أرطاة عن
زيد بن جبير، عن خِشف بن مالك الطائي، عن ابن مسعود ... وخشف بن مالك
وثقه النسائي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، والحجاج بن أرطاة قد صرح
بالتحديث عنه ابن ماجه، فانتفت شبهة تدليسه، وللحديث طرق أخرى فيها انقطاع،
راجعها في ((سنن البيهقي)) ٧٤/٨، ٧٥.
(٢) أخرجه أحمد ١٨٣/٢ و٢١٧، والترمذي (١٣٨٧) وابن ماجه (٢٦٢٦) من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وسنده حسن.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٤٣) من طريق ابن إسحاق عن عطاء بن أبي رباح مرسلاً.
(٤) أخرجه أبو داود (٤٥٤٢) وإسناده ضعيف.
٢٤

عِشَرَ أَلْفاً(١).
وثبت عن عمر أنه خطب فقال: إن الإِبل قد غلت، ففرضها على أهلٍ
الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الوَرق إثني عشر ألفاً، وعلى أهلِ البقر مائتي بقرة،
وعلى أهل الشاءِ ألفي شاة، وعلى أهل الحُلل مائتي حلة، وترك دِية أهل الذمة،
فلم يرفعها فيما رَفَعَ مِن الدية(٢) .
وقد روى أهلُ السنن الأربعة عنه ◌َِّ: ((دِيَةُ المَعَاهَدِ نِصْفُ دِيَّةِ الحُرَِّ(٣).
دية المعاهد
ولفظ ابن ماجه: قضى أن عقلَ أَهْلِ الكِتَابِينِ نِصْفُ عَقْلِ المسلمين، وهم
اليهود والنصارى»(٤) .
واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصفُ دية المسلمين في
الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثُها في الخطأ والعمد. وقال أبو حنيفة: بل كَدِية
المسلم في الخطأ والعمد. وقال الإِمام أحمد: مثلُ دية المسلم في العمد. وعنه
في الخطأ روايتان، إحداهما: نصفُ الدية، وهي ظاهر مذهبه. والثانية: ثلثها،
(١) أخرجه الترمذي (١٣٨٨) في الديات: باب ما جاء في الدية كم هي من الدراهم،
وأبو داود (٤٥٥٦) في الديات: باب الدية كم هي؟ والنسائي ٤٤/٨ في القسامة،
وابن ماجه (٢٦٣٢) وسنده حسن.
(٢) هذه الخطبة أخرجها أبو داود بعد حديث (٤٥٤٢)، وفي ((المصنف)) (١٧٢٧٢)
أخبرنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عمر أن في كتاب لعمر بن عبد العزيز أن
عمر بن الخطاب شاور السلف حين جند الأجناد، فكتب: أن على أهل الإِبل مئة
من الإِبل، وعلى أهل البقر مئتا بقرة، وعلى أهل الشاة ألفا شاة، وعلى من نسج
البز من أهل اليمن بقيمة خمسمائة حلة أو قيمة ذلك مما سوى الحلل.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٥٨٣) في الديات: باب دية الذمي، والترمذي (١٤١٣) في
الديات: باب ما جاء في دية الكفار، والنسائي ٤٥/٨ في القسامة: باب كم دية
الكافر، وأحمد ١٨٠/٢ و٢١٥ وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٦٤٤) وأحمد ١٨٣/٢ و١٢٤، وسنده حسن.
٢٥

فأخذ مالك بظاهر حديث عمرو بن شعيب، وأخذ الشافعيُّ بأن عُمَرَ جعل ديته
أربعة آلاف، وهي ثلثُ دية المسلم، وأخذ أحمدُ بحديث عمرو إلا أنه في العمدِ
ضَعَّفَ الدية عقوبة لأجل سقوط القصاص، وهكذا عنده مَنْ سقط عنه القصاص،
ضُعِّفت عليه الدية عقوبة، نص عليه توقيفاً، وأخذ أبو حنيفة بما هو أصلُه من
جريان القصاص بينهما، فتتساوى ديتُهما .
عقل المرأة
وقضى ◌َ ﴾ أن عقلَ المرأة مِثْلُ عقل الرجل إلى الثلث من ديتها ذكره
النسائي (١). فتصير على النصف من ديته، وقَضى بالدية على العاقلة، وبرأ منها
الزوج، وولد المرأة القاتلة (٢).
الدية على من قتل
المكاتب
وقضى في المكاتب أنه إذا قُتِلَ يُودى بقدر ما أَدَّى من كتابته دية الحر، وما
بقي فدية المملوك، قلت: يعني قيمته. وقضى بهذا القضاء عليُّ بن أبي طالب،
وإبراهيم النَّخعي، ويُذكر رواية عن أحمد، وقال عمر: إذا أَدَّى شطرَ كتابته كان
غريماً، ولا يرجع رقيقاً، وبه قضى عبد الملك بن مروان. وقال ابن مسعود: إذا
أدَّى الثلث، وقال عطاء: إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة، فهو غريم، والمقصود: أن
هذا القضاء النبويَّ لم تُجمع الأمةُ على تركه، ولم يُعلم نسخه .
وأما حديث ((المكاتبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَم)) (٣) فلا معارضة بينه وبين هذا
القضاء، فإنه في الرق بعد، ولا تحصل حريته التامة إلا بالأداء.
فصل
في قضائه ◌ّة على من أقر بالزنى
ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رجلاً مِن أسلم جاء إلى النبيِّ ◌َ،
(١) أخرجه النسائي ٤٥/٨، وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٧٥) من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري ٢٠/١٢،
ومسلم (١٦٨١) من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦) من حديث عبد الله بن عمرو، وسنده حسن.
٢٦

فاعترف بالزنى، فأعرض عنه النبيُّونَ﴿، حتى شَهِدَ على نفسه أربعَ مرَّاتٍ، فقال
النبيُّ ◌َةِ: ((أَبِكَ جُنونٌ؟)) قال: لا. قال: ((أَحْصَنْتَ))؟ قَالَ: نعم، فأمَرَ بِهِ، فَرُجمَ
في المصلَّى، فلمَّا أذلقَتْهُ الحجارةُ، فرَّ فَأُدْرِكَ، فرُجِم حتى مات، فقال له
النبي ◌َّ خيراً، وصلىَّ عليه.
وفي لفظ لهما: أنه قال له: ((أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ))، قال: وما بلغك عني،
قال: (بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَّةِ بني فُلاَنٍ)) فقال: نعم، قال: فَشَهِدَ على نفسه
أربعَ شهاداتٍ، ثم دعاه النبيُّ ◌َّ فقال: ((أبِكَ جُنُونٌ))، قال: لا، قَالَ:
((أحْصَنْتَ))، قال: نعم، ثم أمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
وفي لفظ لهما: فلما شهد على نفسه أربَعَ شهادات، دعاه النبيُّ ◌َيِّ فقال:
((أبكَ جُنُونٌ))، قال: لا. قال: «أَحْصَنْتَ))؟ قال: نعم. قال: ((اذْهَبُوا به،
فَارْجُمُوهِ)) .
وفي لفظ للبخاري: أن النبيِيّ قال: ((لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أو غَمَزْتَ، أو
نَظَرْتَ))! قال: لا يا رسول الله. قال: ((أَنِكْتَهَا)» لا يَكْني، قال: نعم، فَعِنْدَ ذلك أمر
برجمه .
وفي لفظ لأبي داود: أنه شهدَ على نفسه أربعَ مرات، كُلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه،
فَأَقَبل في الخامسة، قال: ((أَنِكْتَهَا؟)) قال: نعم. قال: ((حَتَّى غَاب ذلِكَ مِنْكَ في
ذلِكَ مِنْهَا؟)) قال: نعم. قال: ((كَمَا يغِيبُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ والرِّشاء في البئرِ؟»
قال: نعم. قال: ((فَهَلْ تَذْري مَا الزِّنَى؟)) قال: نعم أتيتُ منها حراماً ما يأتي الرجلُ
من امرأته حلالاً. قال: ((فَمَا تُريدُ بِهذا القَوْلِ؟)) قال: أريدُ أن تطهِّرني قال: فَأَمَرَ
به فَرُجِمٌ(١) .
أخرجه البخاري ١٢٠/١٢ في المحاربين: باب سؤال الإمام المقر: هل أحصنت،
(١)
وباب لا يرجم المجنون والمجنونة، وفي الطلاق: باب الطلاق في الإغلاق والكره
والسكران، وفي الأحكام: باب من حكم في المسجد حتى أتى على حد أمر أن=
٢٧

وفي ((السنن)): أنه لما وجدَ مسَّ الحِجارة، قال: يا قومُ رُدُّوني إلى
رسول الله ◌ِّ، فإن قومي قتلوني، وغرُّوني من نفسي، وأخبروني أن
رسولَ اللّهِ ◌ََّ غيرُ قاتلي(١).
وفي ((صحيح مسلم)): فجاءت الغامدية فقالت: يا رسولَ اللّهِ إني قد زنيتُ
فطهِّرني، وأنه ردَّها، فلما كان مِن الغد، قالت: يا رسولَ اللّهِ لم تَرُدُّني، لعلك أن
تَرُدَّني كما رددتَ ماعزاً؟ فوالله إني لحبلى، قال: ((إمَّا لاَ، فاذْهبي حَتَّى تَلِدي»،
فلما ولدت، أتته بالصبيِّ في خِرقة، قالت: هذا قد ولدتُه، قال: ((اذْهبي فَأَرْضِعِيهِ
حَتَّى تَفْطِمِيهِ))، فلما فطمته، أتته بالصبيِّ في يده كِسرة خبز، فقالت: هذا يا
نبيَّ الله قد فطمتُه، وقد أكل الطعامَ، فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين، ثم أَمَرَ
بها، فَحُفِرَ لها إلى صدرها، وأمر الناسَ فرجموها، فأقبل خالد بن الوليدِ بحجرٍ ،
فرمى رأسها، فانتضحَ الدمُ على وجههِ، فسبَّها، فقال رسول الله صَبيّ: ((مَهْلاً يا
خَالِدُ فَوَالَّذِي نَفْسي بَيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَّةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ)) ثم أمر
بها، فصلى عليها، ودُفنت(٢).
وفي ((صحيح البخاري)): أن رسول اللّهِ مِ﴾ قضى فيمن زنى، ولم يُحْصِنْ
يخرج من المسجد فيقام، ومسلم (١٦٩١) في الحدود: باب من اعترف على نفسه
بالزنى، والترمذي (١٤٢٨) وأبو داود (٤٤٢٨) من حديث أبي هريرة، وأخرجه
البخاري ٣٤٦/٩ من حديث جابر بن عبد الله والترمذي (١٤٢٩) وأبو داود (٤٤٣٠)
وأخرجه مسلم (١٦٩٢) وأبو داود (٤٤٢٢) و٤٤٢٣) من حديث جابر بن سمرة،
وأخرجه مسلم (١٦٩٤) وأبو داود (٤٤٣١) من حديث أبي سعيد الخدري. وقوله:
((أذلقته الحجارة)) يقال: أذلقه الأمر: إذا بلغ منه الجهد والمشقة حتى قلق، وأخرجه
البخاري ١١٩/١٢، ١٢٠، والترمذي (١٤٢٧)، وأبو داود (٤٤٢١) و(٤٤٢٦)
و(٤٤٢٧) من حديث ابن عباس.
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٢٠) في الحدود: باب رجم ماعز بن مالك، وإسناده قوي.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩٥) وأبو داود (٤٤٣٤) و(٤٤٤٢) من حديث بريدة.
٢٨

بنفي عامٍ، وإقامةِ الحدِّ عليه(١).
وفي «الصحيحين)): أن رجلاً قال له: أنشُدُكَ باللّهِ إلا قضيتَ بيننا بكتابِ اللّهِ،
فقام خصمه، وكان أفقَه مِنه، فقال: صَدَقَ اقْضٍ بيننا بكتابِ اللّهِ، وائذن لي، فقال:
((قل)) قال: إن ابني كانَ عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمائة شاةٍ وخادِمِ،
وإني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أن على ابني جَلْدَ مائةٍ وتغريبَ عام، وأن على امرأةٍ
هذا الرجم، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللّهِ، المائَةُ والخَادِمُ رَةٌّ
عَلَيْكَ، وعلى ابْنِكَ جَلْدُ مائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يا أُنْيسُ عَلَى امْرَأَةِ هذَا، فَاسْأَلْهَا،
فإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْها)»، فاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَها(٢) .
وفي ((صحيح مسلم)) عنه ◌ِّ: ((الثِّيبُ بالثِّيب جلدُ مائَةٍ والرجْمُ، والِكْرُ
بالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وتغريب عام))(٣).
(١) أخرجه البخاري ١٤٠/١٢ في الحدود: باب البكران يجلدان وينفيان.
(٢) أخرجه البخاري ١٢١/١٢ في المحاربين: باب الاعتراف بالزنى، وباب البكران
يجلدان وينفيان، وباب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائباً، وباب إذا رمى امرأته
أو امرأة غيره بالزنى عند الحاكم، وباب هل يأمر الإمام رجلاً، فيضرب الحد غائباً
عنه، وفي الوكالة: باب الوكالة في الحدود، وفي الشهادات: باب شهادة القاذف
والسارق والزاني، وفي الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود،
وفي الشروط: باب الشروط التي لا تعمل في الحدود، وفي الأيمان والنذور: باب
كيف كانت يمين النبي ◌ّ، وفي الأحكام: باب هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلاً
وحده للنظر في الأمور، وفي خبر الواحد: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، وفي
الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله ◌َلية، وأخرجه مسلم (١٦٩٧) و(١٦٩٨)،
ومالك في ((الموطأ)) ٨٢٢/٢، والترمذي (١٤٣٣) وأبو داود (٤٤٤٥) والنسائي
٢٤٠/٨، ٢٤١، وابن ماجه (٢٥٤٩) والدارمي ١٧٧/٢ كلهم من حديث أبي هريرة
وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما. والعسيف: الأجير.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٠) والترمذي (١٤٣٤) وأبو داود (٤٤١٥) و(٤٤١٦) من حديث
عبادة بن الصامت.
٢٩

فتضمنت هذه الأقضية رجمَ الثيب، وأنه لا يُرجم حتى يُقِرَّ أربع مراتٍ، وأنه
إذا أقر دون الأربع، لم يلزم بتكميل نصاب الإِقرار، بل للإِمام أن يُعْرِضَ عنه،
ويعرض له بعدم تكميل الإقرار.
وأن إقرارَ زائل العقل بجنون، أو سكر ملغى لا عِبرة به، وكذلك طلاقُه
وعِتقُه، وأيمانُه ووصيتُه.
وجوازُ إقامة الحد في المصلَّى، وهذا لا يُناقض نهيَه أن تُقام الحدود في
المساجد .
وأن الحر المحصَن إذا زنى بجارية، فحده الرجم، كما لو زنى بحرة. وأن
الإِمام يُستحب له أن يُعرِّض للمقر بأن لا يُقِرّ، وأنه يجب استفسارُ المقرِّ في محل
الإِجمال، لأن اليدَ والفمَ والعين لما كان استمتاعُها زنى استفسر عنه دفعاً
لاحتماله .
وأن الإِمام له أن يصرح باسم الوطء الخاص به عند الحاجة إليه، كالسؤال
عن الفعل .
وأن الحد لا يجب على جاهل بالتحريم، لأنه چي سأله عن حكم الزنى،
فقال: أتيتُ منها حراماً ما يأتي الرجل مِن أهله حلالاً .
وأن الحد لا يُقام على الحامل، وأنها إذا ولدت الصبيَّ أمهِلَتْ حتى تُرضِعَه
وتَفْطِمَه، وأن المرأةَ يُحفَر لها دون الرجل، وأن الإِمام لا يجِبُ عليه أن يبدأ
بالرجم .
وأنه لا يجوز سبُ أهلِ المعاصي إذا تابوا، وأنه يُصلَّى على من قُتِلَ في حدٍّ
الزنى، وأن المُقِرَّ إذا استقال في أثناء الحد، وفرَّ، ترك ولم يتمم عليه الحد،
٣٠

فقيل: لأنه رجوع. وقيل: لأنه توبة قبل تكميل الحد، فلا يقام عليه كما لو تاب
قبل الشروع فيه. وهذا اختيار شيخنا.
وأن الرجل إذا أقرَّ أنه زنى بفلانة، لم يُقم عليه حَدُّ القذف مع حد الزنى.
وأن ما قُبِضَ مِن المال بالصلح الباطلِ باطل يجبُ ردُّه.
وأن الإِمام له أن يُوكِّل في استيفاء الحد.
وأن الثيب لا يُجمع عليه بين الجلدِ والرجم، لأنه لو لم يجلد ماعزاً ولا لا يجمع على النيب الجلد
الغامدية، ولم يأمر أُنْيسَاً أن يَجْلِدَ المرأة التي أرسله إليها، وهذا قول الجمهور،
والرجم
وحديث عبادة: ((خذُوا عني قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً: الثَّيِّبُ بِالشَّيْبِ جَلْدُ مِائَةٍ
والرجم)) منسوخ. فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزاني، ثم رجم ماعزاً
والغامدية، ولم یجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك، وأما حديث جابر
في ((السنن)): أن رجلاً زنى، فأمرَ به النبيُّ ◌َهَ فَجُلِدَ الحَدَّ، ثم أقرَّ أنه محصَن،
فأمر به فرجم. فقد قال جابر في الحديث نفسه: إنه لم يعلم بإحصانه، فجلد، ثم
علم بإحصانه، فرجم. رواه أبو داود (١).
وفيه: أن الجهل بالعقوبة لا يسقط الحد إذا كان عالماً بالتحريم، فإن ماعزاً لا يسقط الجهل بالعقوبة
لم يعلم أن عقوبتَه القتل، ولم يُسقط هذا الجهلُ الحدَّ عنه.
الحدّ
وفيه: أنه يجوز للحاكم أن يحكم بالإِقرار في مجلسه، وإن لم يسمعه معه
شاهدان، نص عليه أحمد، فإن النبيَّ بِّ لم يقل لأنيس: فإن اعْتَرَفَتْ بحضرة
شاهدین فارجمها .
للحاكم أن يحكم
بالإقرار في مجلسه دون
شاهدين
وأن الحكم إذا كان حقاً محضاً لله لم يشترط الدعوى به عند الحاكم. وأن
الحدَّ إذا وجب على امرأة، جاز للإِمام أن يبعث إليها من يُقيمه عليها، ولا
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٣٨) و(٤٤٣٩) وفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وأوقفه
بعضهم على جابر.
٣١

يحضرها، وترجم النسائي على ذلك: صوناً للنساء عن مجلس الحكم. وأن
الإِمام والحاكم والمفتيَ يجوزُ له الحَلِفُ على أن هذا حكمُ الله عز وجل إذا تحقق
ذلك، وتيقنه بلا ريب، وأنه يجوز التوكيلُ في إقامة الحدود، وفيه نظر، فإن هذا
استنابةٌ من النبي ، وتضمن تغريب المرأة كما يغرب الرجل، لكن يغرب معها
محرمُها إن أمكن، وإلا فلا، وقال مالك: لا تغريب على النساء. لأنهن عورة.
فصل
في حُكمه ◌ٍِّ على أهلِ الكتاب في الحدود بحُكم الإِسلام
ثبت في «الصحيحين)) و((المسانيد)): أن اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله ◌َل ،
فذكروا له أن رجلاً مِنهم وامرأةً زنيا، فقال رسولُ اللهِصَلّهِ : ((مَا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ
في شَأْن الرَّجْم))؟ قالوا: نفضحُهم ويُجْلَدُون، فقال عبدُ الله بن سلام: كذبتُم إن
فيها الرَّجمَ، فَتَوْا بالتوراة، فنشرُوها فوضَعَ أحدُهم يدَه على آيةِ الرجم، فقرأ ما
قبلَها وما بعدَها، فقال له عبدُ الله ابنُ سلام: ارفَعْ يدَك، فرفع يدَه، فإذا فيها آيةٌ
الرجم، فقالوا: صَدَقَ يا محمد، إن فيها الرجم، فأَمَرَ بهما رسولُ الله ◌ِّ
فَرُجِمَا (١).
فتضمنت هذه الحكومةُ أن الإِسلام ليس بشرط في الإِحصان، وأن الذِّمي
يُحصِّن الذميةَ، وإلى هذا ذهب أحمدُ والشافعيُّ، ومن لم يَقُلْ بذلك اختلفوا في
(١) أخرجه البخاري ١٤٨/١٢، ١٤٩ في المحاربين: باب أحكام أهل الذمة .. وباب
الرجم في البلاط، وفي الجنائز: باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد، وفي
الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ وفي تفسير سورة آل
عمران: باب ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾، وفي الاعتصام: باب من
ذكر النبي ◌َ ◌ّه وحضَّ على اتفاق أهل العلم، وفي التوحيد: باب ما يجوز من تفسير
التوراة وغيره من كتب الله تعالى بالعربية وغيرها، وأخرجه مسلم (١٦٩٩) في
الحدود: باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، ومالك في ((الموطأ)) ٨١٩/٢،
والترمذي (١٤٣٦) وأبو داود (٢٤٤٦) و(٤٤٤٩) كلهم من حديث عبد الله بن عمر
رضي الله عنه.
٣٢

وجه هذا الحديث، فقال مالك في غير ((الموطأ)): لم يكن اليهودُ بأهل ذمة.
والذي في ((صحيح البخاري)): أنهم أهلُ ذمة، ولا شكَّ أن هذا كان بعدَ العهد
الذي وقع بين النبيِّ ◌َّه وبينهم، ولم يكونوا إذ ذاك حرباً، كيف وقد تحاكمُوا
إليه، ورضُوا بحكمه؟ وفي بعضٍ طُرق الحديث: أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا
النبيِّ، فإنه بعث بالتخفيف (١)، وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت
مِذْرَاسِهِم (٢)، فأتاهم وحكم بينهم، فهم كانوا أهل عهد وصُلح بلا شك.
وقالت طائفة أخرى: إنما رجمهما بحُكم التوراة. قالوا: وسياقُ القِصة
صريحٌ في ذلك، وهذا مما لا يُجدي عليهم شيئاً البتة، فإنه حكم بينهم بالحقِّ
المحضٍ، فيجبُ اتباعُه بكلِّ حال، فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال.
وقالت طائفة: رجمهما سياسةً، وهذا مِن أقبح الأقوال، بل رجمهما بحُكم
الله الذي لا حُکم سِواه.
وتضمنت هذه الحكومةُ أن أهل الذِّمة إذا تحاكَمُوا إلينا لا نحكُم بينهم إلا قبول شهادة الذميين على
بعضهم
بحُكم الإِسلام.
وتضمنت قبولَ شهادة أهلِ الذمة بعضهم على بعض لأن الزانيينِ لم يُقِرَّا،
ولم يشهد عليهما المسلمون، فإنهم لم يحضُروا زِناهما، كيف وفي ((السنن)) في
هذه القصة، فدعا رسولُ اللهِ وَّله بالشُّهودِ، فجاؤوا أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره
في فرجها مِثل المِيل في المُكحلة(٣).
(١) أخرجها أبو داود (٤٤٥٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجها أبو داود (٤٤٤٩) من حديث ابن عمر، والمدراس: موضع الدراسة
والقراءة.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٤٥٢) من حديث جابر بن عبد الله، وفي سنده مجالد بن سعيد بن
عمير الهمداني، وهو ضعيف، وأخرجه أبو داود (٤٤٥٣) و(٤٤٥٤) بنحوه عن
الشعبي مرسلاً ورجاله ثقات.
٣٣
زاد المعاد ج٥-م٢

وفي بعض طرق هذا الحديثِ: فجاء أربعةٌ منهم، وفي بعضها: فقال
لليهود: ((ائْتُونِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُم)) .
لا يجمع بين الرجم
والجلد
وتضمنت الاكتفاءَ بالرجم، وأن لا يُجمع بينَه وبين الجلد، قال ابنُ
عباس: الرجمُ في كتاب الله لا يغوصُ عليه إلا غوَّاصٌ، وهو قوله تعالى: ﴿يَا
أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ﴾
[المائدة: ١٥]، واستنبطه غيرُه مِن قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنا الثَّوْرةَ فيها هُدىٍّ وَنُورٌ
يَحْكُم بِهَا الَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينِ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
قال الزهري في حديثه: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىٍّ ونُورٌ يحْكُم بِهَا النَِّيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، كان النبيُّ
(١) .
منهم
فصل
في قضائه له في الرجل يزني بجارية امرأته
في ((المسند)) و((السنن)) الأربعة: من حديث قتادة، عن حبيب بن سالم، أن
رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن حُنين، وقع على جارية امرأته، فَرُفِعَ إلى
النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضينَّ فيكَ بقضيةٍ
رسول الله بَّلة، إن كانت أحلَّتها لك، جلدتُك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها،
رجمتُك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له، فجلده مائة (٢). قال الترمذي: في إسنادٍ
هذا الحديثِ اضطرابٌ، سمعتُ محمداً يعني البخاريَّ يقول: لم يسمع قتادةُ مِن
حبيب بنِ سالم هذا الحديثَ، إنما رواه عن خالد بن عُرفُطة، وأبو بشر لم يسمعه
(١) انظر ((سنن أبي داود)) (٤٤٥٠) و(٤٤٥١).
(٢)
أخرجه أحمد ٢٧٢/٤، والترمذي (١٤٥١)، وأبو داود (٤٤٥٨) و(٤٤٥٩) والنسائي
١٢٤/٦، وابن ماجه (٢٥٥١) والدارمي ١٨١/٢، ١٨٢، وهو ضعيف كما سيذكر
المصنف .
٣٤

أيضاً من حبيب بن سالم، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وسألت محمداً عنه؟
فقال: أنا أنفي هذا الحديثَ. وقال النسائي: هو مضطرب، وقال أبو حاتم
الرازي: خالد بن عرفطة مجهول.
وفي «المسند)) و((السنن)) عن قَبِيصَة بن حُرِيثٍ، عن سَلَمَةَ بن المُحَبِّقِ، أن
رسولَ اللّهِ فَ لّ قضى في رجل وقَع على جارية امرأته، إن كان استكرهها، فهي
حرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإن كانت طاوعته، فهي له، وعليه لسيدتِها
مثلُها (١).
فاختلف الناسُ في القول بهذا الحكم، فأخذ به أحمد في ظاهر مذهبه، فإن
الحديثَ حسن، وخالد بن عُرفطة قد روى عنه ثقتان: قتادة(٢)، وأبو بشر، ولم
يُعرف فيه قدح، والجهالة ترتفعُ عنه برواية ثقتين، والقياسُ وقواعدُ الشريعة
يقتضي القولَ بموجب هذه الحكومة، فإن إحلال الزوجة شبهةٌ تُوجب سقوطَ
الحد، ولا تُسقِط التعزيرَ، فكانت المائةُ تعزيراً، فإذا لم تكن أحلتها، كان زنىّ لا
شبهة فيه، ففيه الرجمُ، فأي شيء في هذه الحكومة مما يُخالف القياس.
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٤١٧)، وأبو داود (٤٤٦٠) و(٤٤٦١)
والنسائي ١٢٤/٦، ١٢٥ في النكاح: باب إحلال الفرج، وابن ماجه (٢٥٥٢)
والبيهقي ٢٤٠/٨، وقبيصة بن حريث، قال البخاري فيه: في حديثه نظر، وجهله
ابن القطان، وقال النسائي: لا يصح حديثه، وقال البيهقي: حصول الإِجماع من
فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت صار منسوخاً
بما ثبت من الأخبار في الحدود.
(٢) في الأصل: حبيب بن سالم، وهو وهم من المؤلف رحمه الله، لأن حبيب بن سالم
شيخ خالد في هذا الحديث، وليس تلميذه، وأبو بشر - واسمه جعفر بن إياس -
ثقة إلا أنه لم يسمع من حبيب بن سالم كما قال شعبة، ونقله المؤلف عن البخاري،
فتكون روايته منقطعة ثم إن قوله: والجهالة ترتفع عن الراوي برواية ثقتين. لا يخفى
ما فيه. فإنه - وإن ارتفعت عنه جهالة الحال - تبقى جهالة الوصف، ولا ترتفع إلا
بالتنصيص على التوثيق كما هو مقرر في المصطلح.
٣٥

وأما حديث سَلَمة بن المحبَّق: فإن صحَّ، تعيَّن القولُ به ولم يُعدَل عنه،
ولكن قال النسائي: لا يَصِحُ هذا الحديثُ. قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن حنبل
يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخٌ لا يُعرف، ولا يُحدث عنه غيرُ
الحسن يعني قبيصة بن حريث. وقال البخاري في ((التاريخ)): قبيصة بن حُريث
سمع سلمة بن المحبق، في حديثه نظر، وقال ابن المنذر: لا يثبُتُ خبرُ سلمة بن
المحبق، وقال البيهقي: وقبيصة بن حُريث غير معروف، وقال الخطابي: هذا
حديث منكر، وقبيصة غير معروف، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن
لا يُیالي أن يرويَ الحدیثَ ممن سمع.
وطائفة أخرى قبلت الحديثَ، ثم اختلفوا فيه، فقالت طائفة: هو منسوخ،
وكان هذا قبل نزول الحدود.
وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها، فقد أفسدها على سيدتها، ولم
تبق ممن تصلُح لها، ولَحِقَ بها العارُ، وهذا مُثْلَةٌ معنوية، فهي كالمُثْلَةِ الحِسية، أو
أبلغُ منها، وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها، والمثلة المعنوية بها،
فيلزمه غرامتُها لسيدتها، وتُعتق عليه، وأما إن طاوعته، فقد أفسدها على سيدتها،
فتلزمه قيمتُها لها، ويمِلكُها لأن القيمة قد استحقت عليه، وبمطاوعتِها وإرادتها
خرجت عن شُبهة المثلة. قالوا: ولا بُعْد في تنزيل الإِتلاف المعنوي منزلَة الإِتِلافِ
الحِسي، إذ كلاهما يحولُ بينَ المالك وبين الانتفاع بمُلكه، ولا ريبَ أن جاريةَ
الزوجة إذا صارت موطوءة لزوجها، فإنها لا تبقى لسيدتها كما كانت قبلَ الوطء،
فهذا الحكمُ مِن أحسن الأحكام، وهو موافق للقياس الأصولي.
وبالجملة: فالقول به مبني على قبولِ الحديث، ولا تضُرُّ كثرةُ المخالفين
له، ولو كانوا أضعافَ أضعافهم.
فصل
ولم يثبت عنه ◌َ﴿ أنه قضى في اللواط بشيءٍ، لأن هذا لم تكن تعرِفُه
الحكم في اللواط
٣٦

ز
العربُ، ولم يُرفع إليه وَّه، ولكن ثبتَ عنه أنه قال: ((اقْتُلُوا الفَاعِلَ والمَفْعُولَ
بِهِ)). رواه أهل السنن الأربعة، وإسناده صحيح، وقال الترمذي: حديث
حسن(١).
وحكم به أبو بكر الصِّديق، وكتب به إلى خالد بعد مشاورةِ الصحابة، وكان
عليٌّ أشدّهم في ذلك.
وقال ابنُ القصار، وشيخنا: أجمعتِ الصحابةُ على قتله، وإنما اختلفُوا في
كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق: يُرمى من شاهق، وقال عليٍّ رضي الله عنه:
يُهدم عليه حائط. وقال ابنُ عباس: يُقتلان بالحجارة(٢). فهذا اتفاقٌ منهم على
قتله، وإن اختلفوا في كيفيته، وهذا موافق لحُكمه مّ﴾ فيمن وطىء ذات محرم،
لأن الوطء في الموضعين لا يُباح للواطىء بحال، ولهذا جمع بينهما في حديث
ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه روى عنه ◌َّ أنه قال: مَنْ وَجَدْتُّموه يَعْمَلُ عَمَلَ
قومٍ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ))، وروى أيضاً عنه: ((مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ، فَاقْتُلُوه))، وفي
حديثه أيضاً بالإِسناد: ((مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ) (٣).
(١) أخرجه أحمد (٢٧٣٢) و(٢٧٢٧) والترمذي (١٤٥٦) وأبو داود (٤٤٦٢) وابن ماجه
(٢٥٦١) والبيهقي ٢٣٢/٨ من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلير: ((من
وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) وإسناده حسن،
وصححه الحاكم ٤/ ٣٥٥، وأقره الذهبي، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن
ماجه (٢٥٦٢) والحاكم ٤/ ٣٥٥، وسنده ضعيف، لكن لا بأس به في الشواهد.
(٢) انظر ((الترغيب والترهيب)) ١٩٩/٣، ٢٠٠ الحافظ المنذري.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٢٠) وأبو داود (٤٤٦٤) والترمذي (١٤٥٤) والحاكم ٣٥٥/٤،
والبيهقي ٢٣٣/٨، ٢٣٤ عن ابن عباس بلفظ ((من أتى بهيمة فاقتلوها واقتلوه معها))
وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه (٢٥٦٤) عن ابن عباس أيضاً بلفظ ((من وقع على
ذات محرم فاقتلوه ومن وقع على بهيمة، فاقتلوه واقتلوا البهيمة» وفي سنده ضعف،
لكن السند المتقدم يشهد له، وقد تقدم حديث البراء بن عازب - وهو صحيح - أن
الرسول ◌َ بعث أبا بردة بن نيار إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عنقه.
٣٧

وهذا الحكمُ على وِفق حكم الشارع، فإن المحرماتِ كلَّما تغلَّظت، تغلَّظت
عقوباتُها، ووطءُ من لا يُباحِ بحال أعظمُ جرماً مِن وطء من يُباح في بعض
الأحوال، فيكون حدُّه أغلظَ، وقد نصَّ أحمدُ في إحدى الروايتين عنه، أن حُكم
من أتى بهيمةً حكمُ اللواط سواء، فيُقتل بكل حال، أو يكون حدُّه حدَّ الزاني.
واختلف السلفُ في ذلك، فقال الحسن: حدُّه حدٌّ الزاني. وقال أبو سلمة
عنه: يقتل بكل حال، وقال الشعبي والنخعي: يُعزَّر، وبه أخذ الشافعي ومالك
وأبو حنيفة وأحمد في رواية فإن ابن عباس رضي الله عنه أفتى بذلك، وهو راوي
الحديث .
فصل
وحكم ◌َّ على من أقرَّ بالزِّنى بامرأة معينة بحدِّ الزنى دون حد القذف، ففي
(السنن)): من حديث سهل بن سعد، أن رجلاً أتى النبيَّ ◌َ ﴾ِ، فأقرَّ عنده أنه زنى
بامرأةٍ سمَّاها، فبعثَ رسول اللهِ وَّةِ إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرَتْ أَنْ تكونَ
زنت، فجلده الحدَّ وتر کها(١).
الحكم فيمن أقر بالزنى
بامرأة معينة
فتضمَّنت هذه الحكومةُ أمرین :
أحدهما: وجوبُ الحدِّ على الرجل، وإن كذَّبته المرأة خلافاً لأبي حنيفة
وأبي يوسف أنه لا يُخَّد.
الثاني: أنه لا يجب عليه حدُّ القذف للمرأة.
وأما ما رواه أبو داود في ((سننه)): من حديث ابن عباس رضي الله عنه، أن
رجلاً أتى النبي ◌َّةِ، فأقر أنه زنى بامرأةٍ أربعَ مرات، فجلده مائةَ جلدة وكان
بكراً، ثم سأله البينةَ على المرأة فقالت: كذب والله يا رسول الله، فجلد حد الفرية
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٦) في الحدود: باب إذا أقر الرجل الزنى، ولم تقر المرأة من
حديث سهل بن سعد، وسنده صحيح.
٣٨

ثمانين (١)، فقال النسائيُّ: هذا حديث منكر. انتهى وفي إسناده القاسم بن فياض
الأنباري الصنعاني، تكلم فيه غير واحد، وقال ابن حبان: بطل الاحتجاجُ به.
فصل
وحَكَم في الأمة إذا زنت ولم تُحصِنْ بالجلد(٢). وأما قوله تعالى في الحكم في الأمة الزانية
الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلى المُحْصَنَاتِ مِنَ
العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فهو نص في أن حدَّها بعد التزويج نصفُ حدِّ الحرة من
الجلد، وأما قبل التزويج، فأمرَ بجلدها.
وفي هذا الجلد قولان :
أحدهما: أنه الحد، ولكن يختِلفُ الحال قبل التزويج وبعده، فإن للسيد
إقامتَه قبله، وأما بعده، فلا يُقيمه إلا الإِمام.
والقول الثاني: أن جلدها قبل الإِحصان تعزير لا حد، ولا يُبطل هذا ما رواه
مسلم في ((صحيحه)): من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعُه: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ
أَحَدِكُمْ، فَلْيَجْلِدْهَا وَلاَ يُعَيِّرِهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَإِنْ عَادَتْ فِي الرَّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا
وَلْبَيِعْها وَلَوْ بِضَغِير))، وفي لفظ ((فَلْيَضْرِبْها كتاب اللّهِ)(٣) .
١
(١) أخرجه أبو داود (٤٤٦٧).
(٢) أخرجه البخاري ١٤٣/١٢، ١٤٤، ومسلم (١٧٠٣) ومالك في ((الموطأ)) ٨٢٦/٢،
والترمذي (١٤٤٠)، وأبو داود (٤٤٦٩) من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد
الجهني قالا: سئل النبي ﴾ عن الأمة إذا زنت لم تُحصن؟ قال: ((إن زنت
فاجلِدُوها، ثم إن زنت، فاجلِدُوها، ثم إن زنت، فاجلِدُوها، ثم بيعوها ولو
بضفير)). والضفير: الحبل.
(٣) الروايتان بهذا اللفظ أخرجهما أبو داود (٤٤٧٠) و(٤٤٧١) وليستا في مسلم كما قال
المصنف رحمه الله، ولفظ مسلم: ((إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها
الحد، ولا يُثُربْ عليها، ثم إن زنت، فليجلدها الحد ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زنت
الثالثة، فتبين زناها، فليبعها ولو بحبل من شعر)) وفي رواية له: ((ثم ليبعها في
الرابعة)).
٣٩

وفي ((صحيحه)) أيضاً: من حديث علي رضي الله عنه أنه قال: أيُّها الناسُ
أقيمُوا على أرقائكم الحدَّ، مَنْ أحصنَ مِنهن، ومن لم يُحصنْ، فإن أمةً
لِرَسُولِ اللهِ يََّزَنَتْ، فأمرني أن أجلِدَهَا، فإذا هي حديثُةُ عهدٍ بِنِفاس، فخشيتُ
إن أنا جلدتُها أن أقتُلَها، فذكرت ذلك للنبي بَّه فقال: ((أحسنتَ)) (١).
فإن التعزير يدخلُ تحته لفظُ الحد في لسان الشارع، كما في قوله ◌ِّ: ((لا
يُضرَبُ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ مِن حدود الله تعالى)) (٢).
وقد ثبت التعزيرُ بالزيادة على العشرة جنساً وقدراً في مواضِع عديدة لم
يَثْبتْ نسخُها، ولم تُجْمِع الأمةُ على خِلافها.
وعلى كل حال، فلا بد أن يُخالِفَ حالُها بعد الإِحصان حالها قبله، وإلا لم
يكن للتقييد فائدة، فإما أن يُقال قبل الإِحصان: لا حدَّ عليها، والسنة الصحيحةُ
تبطِلُ ذلك، وإما أن يقال: حدُّها قبل الإِحصان حدٌّ الحرة، وبعده نصفه، وهذا
باطل قطعاً مخالف لقواعد الشرع وأصوله، وإما أن يُقال: جلدُها قبل الإِحصان
تعزير، وبعده حد، وهذا أقوى، وإما أن يُقال: الافتراقُ بين الحالتين في إقامة
الحدِّ لا في قدرِه، وأنه في إحدى الحالتين للسيد، وفي الأخرى للإِمام، وهذا
أقربُ ما يُقال.
وقد يقال: إن تنصيصه على التنصيفِ بعد الإِحصان لئلا يتوهّم متوهم أن
بالإِحصان يزولُ التنصيفٌ، ويصيرُ حدها حذَّ الحرة، كما أن الجلدَ زال عن البِكر
بالإِحصان، وانتقل إلى الرجم، فبقي على التنصيف في أكمل حالتيها، وهي
(١) أخرجه مسلم (١٧٠٥) وأبو داود (٤٤٧٣) والترمذي (١٤٤١).
(٢) أخرجه البخاري ١٥٧/٢، ومسلم (١٧٠٨) وأبو داود (٤٤٩١) من حديث أبي بردة
قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يُجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود
الله)).
٤٠