Indexed OCR Text

Pages 361-380

جابر رضي الله عنه، عن نبيِّك ◌َّ أنه قال: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ»، وَإِنِّي أشربُه
لظما يوم القيامة، وابن أبي الموالي ثقة، فالحديث إذاً حسن، وقد صححه
بعضُهم، وجعله بعضُهم موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة.
وقد جربتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفیتُ به
مِن عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدتُ من يتغذّى به الأيامَ ذواتِ العدد قريباً
من نصف الشهر، أو أكثر، ولا يجِدُ جوعاً، ويطوفُ مع الناس كأحدهم،
وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع بها أهله، ويصوم
ويطوف مراراً.
تجريب المصنف له في
الاستشفاء
ماء النيل: أحدُ أنهارِ الجنة، أصلُه مِن وراء جبال القمر في أقصى بلاد
الحبشة مِن أمطار تجتمعُ هناك، وسيول يمدُّ بعضها بعضاً، فيسوقُه الله تعالى إلى
الأرض الجُرُزِ التي لا نبات لها، فيُخرج به زرعاً، تأكل منه الأنعام والأنام، ولما
كانت الأرضُ التي يسوقه إليها إبليزاً (١) صلبة، إن أُمطرت مطر العادة، لم ترو،
ولم تتهيأ للنبات، وإن أُمطرت فوق العادة ضرَّت المساكنَ والسّاكِن، وعطَّلت
المعايشَ والمصالح، فأمطرَ البلادَ البعيدة، ثم ساق تلك الأمطارَ إلى هذهِ الأرض
في نهر عظيم، وجعل سبحانه زيادتَه في أوقات معلومة على قدرِ رِيِّ البلادِ
وكِفايتها، فإذا أروى البلادَ وعمَّها، أذن سبحانَه بتناقُصِهِ وهبُوطه لتتم المصلحةُ
بالتمكن مِن الزرع، واجتمع في هذا الماء الأمورُ العشرة التي تقدم ذكرها، وكان
من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها.
ماء البحر: ثبت عن النبيِّ يَّ أنه قال في البحر: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ
مَيْنَتُه))(٢). وقد جعله الله سبحانه مِلْحَاً أُجَاجاً مراً زعاقاً لتمام مصالح مَنْ هو على
وجه الأرض مِن الآدميين والبهائم، فإنه دائمٌ راكدٌ كثيرُ الحيوان، وهو يموتُ فيه
(١) طين الإبليز: طين مصر الذي يتركه نيل مصر بعد انحساره عن الأرض.
(٢) تقدم تخريجه، وهو صحيح.
٣٦١

كثيراً ولا يُقبر، فلو كان حلواً لأنتن من إقامته وموت حيواناته فيه وأجافَ، وكان
الهواءُ المحيطُ بالعالم يكتسِبُ منه ذلك، وينتُن ويجيف، فيفسُد العالم، فاقتضت
حكمةُ الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملأَّحة التي لو ألقي فيه جِيقُ العالم كلُّها
وأنتانُه وأمواتُه لم تُغيره شيئاً، ولا يتغير على مُكثِهِ مِن حين خُلق، وإلى أن يَطْوِيَ
الله العالم، فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته، وأما الفاعلي، فكونُ أرضه
سَبِخَةً مالحةً.
فوائد الاغتسال به
وبعد فالاغتسال به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد، وشربُه مُضِرٌّ
بداخله وخارجه، فإنه يُطلق البطن، ويهزل، ويُحدث حِكَّة وجرباً، ونفخاً
وعطشاً، ومن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفعُ بها مضرته.
ما يدفع به مضرة الشرب
منه
منها: أن يُجعل في قدر، ويُجعل فوق القدر قصبات وعليها صوفٌ جديد
منفوش، ويُوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارُها إلى الصوف، فإذا كثُر عصره، ولا
يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد، فيحصل في الصوف من البُخار ما عَذُبَ،
ویبقی في القِدْرِ الزُّعاق.
ومنها: أن يحفر على شاطئه حُفرة واسعة يرشُح ماؤه إليها، ثم إلى جانبها
قريباً منها أُخرى ترشح هي إليها، ثم ثالثة إلى أن يعذُبَ الماءُ. وإذا ألجأته
الضرورةُ إلى شُرب الماء الكَدِرِ، فعلاجُه أن يلقي فيه نوَى المشمش، أو قطعة مِن
خشب الساج، أو جمراً ملتهباً يطفأ فيه، أو طيناً أرمنياً، أو سويق حنطة، فإنَّ
گُدرته ترسبُ إلى أسفل.
مسك: ثبت في ((صحيح مسلم))، عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه،
عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال: ((أَطْيَبُ الطِّيبِ المِسْكُ))(١).
وفي ((الصحيحين)): عن عائشة رضي الله عنها: كنتُ أَطيِّبُ النبيَّ وَّ قبل
(١) أخرجه مسلم (٢٢٥٢) في الألفاظ: باب استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب.
٣٦٢

أن يُحْرِمَ ويَوْمَ النَّحْرِ قبلَ أن يطوفَ بالبيت بطيبٍ فيه مِسْكٌ (١).
المِسك: مَلِكُ أنواعِ الطيب، وأشرفُهَا وأطيبُهَا، وهو الذي تُضرب به
الأمثال، ويُشبه به غيرُه، وَلا يُشبه بغيره، وهو كُثيان الجنة، وهو حارٌ يابس في
الثانيةِ، يَسُرُّ النفس ويُقويها، ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شرباً وشمّاً،
والظاهرة إذا وُضِعَ عليها. نافع للمشايخ، والمبرودين، لا سيما زمن الشتاء، جيد
للغشي والخفقان، وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية، ويجلو بياضَ العين،
ويُنشف رطوبتها، ويَقُثُّ الرياح منها ومن جميع الأعضاء، ويُبطل عملَ السموم،
وينفعُ مِن نهش الأفاعي، ومنافِعُه كثيرة جداً، وهو من أقوى المفرِّحات.
مَرْزَنْجُوش(٢): ورد فيه حديث لا نعلم صحته: ((عَلَيْكُم بالمَرْزَنْجُوش،
فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلخُشَامِ»(٣). والخُشام: الزكام.
وهو حار في الثالثة يابس في الثانية، ينفع شُّه من الصُّداع البارد،
والكائن عن البلغم، والسوداء، والزُّكام، والرياح الغليظة، ويفتح السُّدد
الحادثة في الرأس والمنخرين، ويُحلل أكثرَ الأورام الباردة، فينفعُ مِن أكثر
الأورام والأوجاع الباردة الرطبة، وإذا احتُمِلَ، أدرَّ الطمث، وأعان على
الحبل، وإذا دُقَّ ورقُه اليابس، وكُمِدَ به، أذهب آثار الدم العارض تحت
العين، وإذا ضُمِّد به مع الخل، نفع لسعة العقرب.
ودُهنه نافع لوجع الظهر والركبتين، ويذهب بالإعياء، ومن أدمن شمَّه
لم ينزِل في عينيه الماء، وإذا استُعِطَ بمائه مع دُهن اللوز المر، فتح سُدد
المنخرين، ونفع مِن الريح العارضة فيها، وفي الرأس.
(١) أخرجه البخاري ٣١٥/٣و٣١٦ في الحج: باب الطيب عند الإحرام.
(٢) المرزنجوش: هو نبات كثير الأغصان ينبسط على الأرض في نباته، وله ورق مستدير
عليه زغب، وهو طيب الرائحة جداً.
(٣) ذكره السيوطي في ((الجامع الصغير)) ونسبه لابن السني وأبي نعيم في الطب من
حديث أنس، ورمز له بالضعف.
٣٦٣

ملح: روى ابن ماجه في ((سننه)): من حديث أنس يرفعه: ((سَيِّدُ إدامِكُم
المِلْح))(١). وسيد الشيء: هو الذي يُصلحه، ويقومُ عليه، وغالب الإدام إنما
يصلح بالملح، وفي ((مسند البزار)) مرفوعاً: ((سَيُوشِكُ أَنْ تَكُونُوا فِي النَّاسِ
مِثْلَ المِلْحِ في الطَّعَامِ، وَلا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلاَّ بالمِلْحِ))(٢).
وذكر البغوي في ((تفسيره)): عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
مرفوعاً: ((إنَّ الله أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ: الحَدِيد، والنَّارَ،
والماءَ، والمِلْحَ)). والموقوف أشبه.
الملح يُصْلِحِ أجسامَ الناس وأطعمتهم، ويُصلح كُلَّ شيءٍ يُخالطه حتى
الذهب والفضة، وذلك أن فيهِ قوةً تزيدُ الذهب صُفرة، والفضة بياضاً، وفيه
جِلاء وتحليل، وإذهابٌ للرطوبات الغليظة، وتنشيفٌ لها، وتقويةٌ للأبدان،
ومنعٌ من عفونتها وفسادها، ونفعٌ من الجرب المتقرِّح.
وإذا اكتُحِلَ به، قلع اللحم الزائد من العين، ومحق الظَّفَرَةِ(٣).
والأندراني (٤) أبلغُ في ذلك، ويمنعُ القروح الخبيثة من الانتشار ويُحدِرُ
البراز، وإذا دُلِكَ به بطونُ أصحابِ الاستسقاء، نفعهم، ويُنقي الأسنانَ،
ويدفعُ عنها العفُونة، ويشُدُّ اللّئة ويُقويها، ومنافعه كثيرة جداً.
حرف النون
نخل: مذكور في القرآن في غير موضع، وفي ((الصحيحين)): عن ابن عمر
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٣١٥) في الأطعمة: باب الملح، وفي سنده عيسى بن أبي عيسى
الحناط، وهو متروك، كما في ((تقريب التهذيب)).
(٢) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٨/١٠، وقال: رواه البزار والطبراني من حديث
سمرة وإسناد الطبراني حسن.
(٣) الظفرة: جليدة تغشى العين.
(٤) قال في ((القاموس)): غلط صوابه ذرآني: وهو الملح الشديد البياض.
٣٦٤

١
رضي الله عنهما، قال: بينا نحن عند رسول الله وَ﴿، إذ أتي بِجُمَّارِ نخلة، فقال
النبيُّ ◌ََّ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَر شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا،
أَخْبِرُوني مَا هي؟ فوقع الناسُ في شجر البوادي، فوقع في نفسي أنها النخلة،
فأردتُ أن أقول: هي النخلة، ثم نظرتُ فإذا أنا أصغرُ القومِ سِنّاً، فسكتُّ. فقال
رسول الله ◌َّةَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ))، فذكرتُ ذلك لعمر، فقال: لأن تكون قُلْتَهَا أحبُ
إليَّ مِن كذَا وكَذَا(١).
فوائد حديث الذخلة
ففي هذا الحديث إلقاءُ العالم المسائل على أصحابه، وتمرينهُم، واختبارُ
ما عندهم.
وفيه ضرب الأمثال والتشبيه.
وفيه ما كان عليه الصحابة مِن الحياء من أكابرهم وإجلالهم وإمساكهم عن
الكلام بین أیدیھم.
وفيه فرحُ الرجل بإصابة ولده، وتوفيقه للصواب.
وفيه أنه لا يُكره للولد أن يُجيبَ بما يَعْرِفُ بحضرة أبيه، وإن لم يعرفه
الأب، وليس في ذلك إساءةُ أدب عليه.
وفيه ما تضمنه تشبيهُ المسلم بالنخلة من كثرة خيرها، ودوامٍ ظلها، وطيبٍ
ثمرها، ووجوده على الدوام.
وثمرُها يؤكل رطباً ويابساً، وبلحاً ويانعاً، وهو غذاء ودواء وقوت
وحلوى، وشرابٌ وفاكهة، وجذُوعها للبناء والآلات والأواني، ويُتخذ مِن
خُوصها الحُصُر والمكاتِل والأواني والمراوح، وغير ذلك، ومِن ليفها الحبالُ
(١) أخرجه البخاري ٤٩٥/٩ في الأطعمة: باب بركة النخلة، ومسلم (٢٨١١) في
صفات المنافقين.
٣٦٥

والحشايا وغيرها، ثم آخر شيء نواها علفٌ للإبل، ويدخل في الأدوية
والأكحال، ثم جمال ثمرتها ونباتها وحسنُ هيئتها، وبهجةُ منظرها، وحسن نضد
ثمرها، وصنعته وبهجته، ومسرة النفوس عند رؤيته، فرؤيتها مذكِّرة لفاطرها
وخالقها، وبديع صنعته، وكمالِ قدرته، وتمامٍ حكمته، ولا شيء أشبهُ بها من
الرجل المؤمن، إذ هو خيرٌ كُلُّهُ، ونفع ظاهر وباطن.
وهي الشجرة التي حنَّ ◌ِذعُهَا إلى رسول الله بح ◌ّ ◌ٍ لما فارقه شوقاً إلى قربه،
وسماع كلامه، وهي التي نزلت تحتها مريم لما ولدت عيسى عليه السلام. وقد
ورد في حديث في إسناده نظر: ((أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمْ النَّخْلَةَ، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الطِّينِ
الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ))(١) .
وقد اختلف الناسُ في تفضيلها على الحَبَلَةِ أو بالعكس على قولين، وقد
قرن اللهُ بينهما في كتابه في غير موضع، وما أَقربَ أحدَهما مِن صاحبه، وإن كان
كُلُّ واحد منهما في محل سلطانه ومنبته، والأرض التي توافقه أفضلَ وأنفعَ.
اختلاف الناس في
تفضيلها على الحبلة
نرجس: فيه حديث لا يصح: ((عَلَيْكُم بِشَمِّ النَّرْجِسِ فَإِنَّ في القَلْبِ حَبَّةَ
الجنونِ والجذام والبَرَصِ، لا يقطعها إلا شُّ النَّرْجِسِ))(٢).
وهو حار يابس في الثانية، وأصلُه يُدمل القروحَ الغائرة إلى العَصَب، وله
قوة غَسَّالة جَالِيَةٌ جَابِذَةٌ، وإذا طُبِخَ وشُرِبَ ماؤه، أو أكل مسلوقاً، هيج القيء،
وجذبَ الرطوبة من قعر المعدة، وإذا طُبِخَ مع الكِرْسِنَّة والعسل، نقى أوساخَ
القُروح، وفجر الدُّبيلات العَسِرَةِ النضج.
(١) خبر لا يصح، أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) ونسبة لأبي يعلى وابن أبي حاتم
والعقيلي في ((الضعفاء)) وابن عدي في ((الكامل)) وابن السني وأبي نعيم في الطب من
حديث علي، وفي سنده مسرور بن سعيد، وهو ضعيف.
(٢) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
٣٦٦

وزهرُه معتدل الحرارة، لطيفٌ ينفع الزُّكام البارد، وفيه تحليل قوي، ويفتحُ
سدد الدماغ والمنخرين، وينفعُ مِن الصُّداع الرطب والسَّوداوي، ويصدَعُ الرؤوس
الحارة، والمحرق منه إذا شُقَّ بصلُه صليباً، وغُرِسَ، صار مضاعفاً، ومن أدمن
شمَّه في الشتاء أمِن من البِرسام في الصيف، وينفعُ مِن أوجاع الرأس الكائنة من
البلغم والمِرة السوداء، وفيه من العِطرية ما يقوي القلبَ والدماغ، وينفعُ من كثير
من أمراضها. وقال صاحب التيسير: شُّه يذهب بصرع الصبيان.
نورَة: روى ابن ماجه: مِن حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها، أن النبيَّ ◌َّة،
كان إذا اطَّلى بدأ بعورته، فطلاها بالثُّورة، وسائِرَ جسده أهلُهُ(١)، وقد ورد فيها
عدة أحاديث هذا أمثلُها .
قيل: إنَّ أول من دخل الحمام، وصُنِعَت له النورةُ، سليمان بن داود،
وأصلها: كلسٌ جُزآن، وزرنيخ جزء، يُخلطان بالماء، ويُتركان في الشمس أو
الحمام بقدر ما تَنْضَجُ، وتشتد زُرقته، ثم يُطلى به، ويجلِس ساعة ريثما يعمل،
ولا يمس بماء، ثم يغسل، ويُطلى مكانها بالحناء لإذهاب ناريتها .
نَبَق: ذكر أبو نعيم في كتابه ((الطب النبوي)) مرفوعاً: ((إن آدَمَ لَمَّا أُهْبِطَ إِلى
الأَرْضِ كَانَ أَوَلَ شَيءٍ أَكَلَ مِنْ ثِمَارِهَا النَّبِقُِ). وقد ذكر النبي ◌َُّ النَِّقَ في الحديث
المتفق على صحته: أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أُسري به، وإذا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلاَل
هَجَر(٢).
والنبق: ثمر شجر السدر يعقِل الطبيعة، وينفع من الإسهال، ويدبُغ
المعدة، ويُسكن الصفراء، ويغذو البدنَ، ويشهي الطعام، ويُولد بلغماً، وينفع
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥١) في الأدب: باب الإطلاء بالنورة. وفي سنده انقطاع، لأن
حبيب بن أبي ثابت روايته عن أم سلمة مرسلة.
(٢) أخرجه البخاري ٢١٨/٦ و٢٢٠ في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة، من حديث
مالك بن صعصعة رضي الله عنه.
٣٦٧

الذَّرَب الصفراوي، وهو بطيء الهضم، وسويقُه يُقوي الحشا، وهو يُصْلِحُ
الأمزجة الصفراوية، وتدفع مضرته بالشهد.
واختُلفَ فيه، هل هو رطب أو يابس؟ على قولين. والصحيح: أن رطبه
بارد رطب، ویابسه بارد یابس.
حرف الهاء
هِنْدبَا: ورد فيها ثلاثةُ أحاديث لا تَصِحُ عن رسول اللهِ يَّةَ، ولا يثبت مثلها،
بل هي موضوعة، أحدها: ((كُلُوا الْهِندَبَاءَ وَلاَ تَنْفُضُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ إِلاَّ
وَقَطَرَاتٌ مِنَ الجَنَّةِ تَفْطُرُ عَلَيْهِ». الثاني: ((مَنْ أَكَلَ الهِندبَاءِ، ثُمَّ نَامَ عليهَا لَمْ يَحِلَّ
فيهِ سَمٌّ ولا سِحْرٌ)). الثالث: ((مَا مِنْ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِ الهِنْدِبَاء إِلاَّ وعَلَيْهَا قَطْرَةٌ منَ
الجَنَّةِ))(١).
وبعد فهي مستحيلة المزاج، منقلبةٌ بانقلاب فصول السنة، فهي في الشتاء
باردة رطبة، وفي الصيف حارة يابسة، وفي الرَّبيع والخريفِ معتدلة، وفي غالب
أحوالِها تميلُ إلى البرودة والييس، وهي قابضة مبردةٌ جيدةٌ للمعدة، وإذا طُبِخَت
وأُكلت بخل، عقلَتِ البطن وخاصةً البريَّ منها، فهي أجود للمعدة، وأشد قبضاً،
وتنفع مِن ضعفها.
وإذا تضمّد بها، سلبت الالتهاب العارض في المعدة، وتنفع مِن النِّقرس،
ومن أورام العين الحارة، وإذا تُضمِّد بَورَقِهَا وأصولِها، نفعت مِن لسع العقرب،
وهي تُقوي المعدة، وتفتح الشُّدد العارضة في الكبد، وتنفع من أوجاعها حارِّها
وباردِها، وتفتح سُدد الطحال والعروق والأحشاء وتُنَقِّي مجاري الكُلى.
(١) انظر ((المنار المنيف)) للمؤلف ص ٥٤ و((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) ص
٧٤ لملا علي القاري. ((والفوائد المجموعة)) للشوكاني ص: ١٦٥ و١٦٦ و١٦٧،
والآداب الشرعية ٦٥/٣ لابن مفلح.
٣٦٨

وأنفعُهَا للكبدِ أمرَّها، وماؤها المعتَصَر ينفع من اليرقان السددي، ولا سيما
إذا خُلط به ماء الرازيانج الرطب، وإذا دُقَّ ورقُها، ووضع على الأورام الحارة
برَّدها وحلَّلها، ويجلو ما في المعدة، ويُطفىء حرارة الدم والصفراء، وأصلحُ ما
أكلت غير مغسولة ولا منفوضة، لأنها متى غُسلت أو نُفِضَت، فارقتها قوَّتُها،
وفيها مع ذلك قوة ترباقية تنفعُ مِن جميع السموم.
وإذا اكتُحِلَ بمائها، نفع مِن العَشَا(١)، ويدخل ورقُها في الترياق، وينفعُ مِن
لدغ العقرب، ويُقاوم أكثرَ السموم، وإذا اعتُصِرَ ماؤها، وصُبَّ عليه الزيتُ،
خلّص من الأدوية القتالة، وإذا اعتُصرَ أصلُهَا، وشُرِبَ ماؤه، نفع من لسع
الأفاعي، ولسع العقرب، ولسع الزنبور، ولبن أصلها يجلو بياضَ العين.
حرف الواو
ورس(٢): ذكر الترمذي في ((جامعه)): من حديث زيد بن أرقم، عن
النبي ◌َّة، أنه كان ينعَتُ الزَّيْتَ والوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ، قال قتادةُ: يُلَدُّ بِهِ،
ويُلَدُّ مِن الجَانِبِ الذي یشتکِیه(٣).
وروى ابن ماجه في ((سننه)) من حديث زيد بن أرقم أيضاً، قال: نعتَ
رسولُ اللهِ وَهُ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ وَرْسَاً وقُسْطاً وزيتاً يُلَدُّ به.
وصح عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا
(١) العشا: سوء البصر بالليل والنهار، كالعشاوة.
(٢) الورس: نبت أصفر، مثل نبات السمسم، يصبغ به ويتخذ منه حمرة للوجه لتحسين
اللون.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٠٧٩) في الطب: باب ما جاء في دواء ذات الجنب. وابن ماجه
(٣٤٦٧) وفي سنده ميمون أبو عبد الله البصري، وهو ضعيف.
٣٦٩

أربعينَ يَوْماً، وكانتْ إحدَانَا تَطْلِي الَورْسَ عَلَى وَجْهِهَا مِن الكَلَف (١).
قال أبو حنيفة اللغوي: الورسُ يُزرع زرعاً، وليس ببري، ولستُ أعرفه بغيرِ
أرضِ العربِ، ولا مِن أرض العرب بغير بلاد اليمن.
وقوتُه في الحرارة واليبُوسة في أوَّل الدرجة الثانية، وأجودُه الأحمرُ اللين
في اليد، القليلُ النخالة، ينفع من الكَلَفِ، والحِكة، والبُثور الكائنة في سطح
البدن إذا طُلِيَ به، وله قوةٌ قابضة صابغة، وإذا شُرِبَ نفع من الوَضَحِ، ومقدارُ
الشربة منه وزنُ درهم .
وهو في مزاجه ومنافعه قريبٌ من منافع القُسط البحري، وإذا لطخ به على
البهق والحكة والبثورِ والشُّفعة نفع منها، والثوبُ المصبوغ بالورس يُقوي على
الباه .
وسْمَة: هي ورق النيل، وهي تسوِّد الشعر، وقد تقدم قريباً ذكرُ الخلاف في
جواز الصبغ بالسواد ومن فعله.
حرف الياء
يقطين : وهو الدُّبَّاء والقرع، وإن كان اليقطينُ أعمَّ، فإنه في اللغة: كل شجر
لا تقومُ على ساق، كالبطيخ والقثاء والخيار، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً
مِنْ يَقْطِين﴾ [الصافات: ١٤٦].
فإن قيل: ما لا يقومُ على ساق يُسمى نجماً لا شجراً، والشجر: ما له
ساق، قاله أهل اللغة: فكيف قال: ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِين﴾؟.
السبب في إطلاق القرآن
على اليقطين اسم الشجر
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٠٠/٦، وأبو داود (٣١١) و(٣١٢) والترمذي (١٣٩)
والدارقطني ص ٨٢ والحاكم ١٧٥/١ والبيهقي ٣٤١/١ وسنده حسن، وله شواهد
يتقوى بها، أوردها الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٠٥/١ و٢٠٦.
٣٧٠

فالجواب: أن الشجر إذا أُطلِقَ، كان ما له ساق يقوم عليه، وإذا قُيِّدَ بشيء
تقيد به، فالفرقُ بين المطلق والمقيد في الأسماء باب مهمٌ عظيم النفع في الفهم،
ومراتب اللغة.
واليقطين المذكور في القرآن: هو نبات الدُّباء، وثمره يُسمى الدباء والقرع،
وشجرة اليقطين. وقد ثبت في «الصحيحين)): من حديث أنس بن مالك، أن
خياطاً دعا رسولَ الله ◌ِّ لِطعام صنعه، قال أنسٌ رضيَ الله عنه: فذهبتُ مع
رسولِ الله ◌ِيةِ، فقرَّب إليه خُبزاً من شعير، ومرقاً فيه دُبَّاء وقديدٌ، قال أنس:
فرأيتُ رسولَ الله ◌َّهُ يَتَبَّعُ الدَُّّاء مِن حَوالي الصَّحْفَةِ، فلم أزل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِن
ذُلِك اليوم(١).
وقال أبو طالوت: دخلتُ على أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو يأكل
القرع، ويقول: يا لَك مِن شجرةٍ ما أحبَّكِ إِلَيَّ لحُبِّ رسولِ اللهِ نَّهُ إِيَّاكُ.
وفي ((الغيلانيات)): من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة
رضي الله عنها قالت: قال لي رسولُ الله ◌ِِّ: ((يَا عَائِشَة إِذَا طَبَخْتُمْ قِدْراً، فَأَكْثِروا
فِيهَا مِنَ الدُّبَّاءِ، فَإِنَّهَا تَشُدُّ قَلْبَ الحَزِين)).
اليقطين: بارد رطب، يغذو غِذاء يسيراً، وهو سريعُ الانحدار، وإن لم
يفسُد قبل الهضم، تولَّد منه خلطٌّ محمود، ومِن خاصيته أنه يتولَّد منه خلط
محمود مجانس لما يصحبُه، فإن أُكِلَ بالخردل، تولَّد منه خلط حِرِّيف، وبالملح
خلط مالح، ومع القابض قابض، وإن طُبِخَ بالسفرجل غذا البدن غذاءً جيداً.
وهو لطيفٌ مائي يغذو غذاءً رطباً بلغمياً، وينفع المحرورين، ولا يُلائم
المبرودين، ومَن الغالبُ عليهم البلغم، وماؤه يقطعُ العطش، ويُذهبُ الصُّداع
(١) أخرجه البخاري ٤٨٨/٩ في الأطعمة: باب المرق. ومسلم (٢٠٤١) في الأشربة:
باب جواز أكل المرق، واستحباب أكل اليقطين.
٣٧١

الحار إذا شرب أو غسل به الرأس، وهو مليِّن للبطن كيف استعمل، ولا يتداوى
المحرورون بمثله، ولا أعجلَ منه نفعاً.
ومن منافعه: أنه إذا ◌ُطخَ بعجين، وشُوي في الفرن أو التنور، واستخرج
ماؤه وشُرِبَ ببعض الأشربة اللطيفة، سكَّن حرارة الحمى الملتهبة، وقطع
العطش، وغذى غذاءً حسناً، وإذا شُرِبَ بترنجبين وسفرجَل مربَّى أسهل صفراء
محضة.
وإذا طُبِخَ القرُ، وشُرِبَ ماؤه بشيء من عسل، وشيءٍ من نطرون، أحدَرَ
بلغماً ومِرة معاً، وإذا دُقَّ وعُمِلَ منه ضِماد على اليافوخ، نفع من الأورام الحارة
في الدماغ.
وإذا عُصِرَت جُرادتُهُ (١)، وخُلِطَ ماؤها بدُهن الورد، وقطر منها في
الأذن، نفعت مِن الأورام الحارة، وجُرادتُه نافعة من أورام العين الحارة،
ومِن النِّقرس الحار، وهو شديدُ النفع لأصحاب الأمزجة الحارة
والمحمومين، ومتى صادف في المعدة خلطاً رديئاً، استحال إلى طبيعته،
وفسد، وولَّد في البدن خلطاً رديئاً، ودفعُ مضرته بالخلِّ والمُرِّي(٢) .
وبالجملةِ فهو مِن ألطفِ الأغذيةِ، وأسرعِهَا انفعالاً، ويُذكر عن أنس،
رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله وَّ كان يُكثِرُ من أكله.
فصل
وقد رأيتُ أن أختِمَ الكلامَ في هذا الباب بفصل مختصر عظيم النفع في
المحاذِرِ، والوصايا الكلية النافعةِ لِتتمَّ منفعةُ الكِتاب، ورأيتُ لابن ماسويه فصلاً
في كتاب ((المحاذير)) نقلته بلفظه، قال:
محاذر طبية لابن
ماسویه
(١) يريد قشر القرع. والجرادة: من يقشر من العود.
(٢) المري: إدام كالكامخ.
٣٧٢

من أكل البصلَ أربعينَ يوماً وكَلِفَ، فلا يلومَنَّ إلا نفسه.
ومن افتصَدَ، فأكل مالِحاً فأصابه بَهَقٌ أو جَرَبٌ، فلا يلومَنَّ إلا نفسَه.
ومَن جمع في معدته البيض والسمكَ، فأصابه فالج أو لَقْوَةٌ، فلا يلومَن إلا
نفسه .
ومن دخلَ الحمامَ وهو ممتلىء، فأصابه فالجٌّ، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن جمع في مَعدته اللبنَ والسمكَ، فأصابه جُذام، أو بَرَصٌ أو نِقِرِسٌ،
فلا يلومَنَّ إلا نفسَه.
ومن جمع في مَعدِتِه اللبنَ والنبيذَ، فأصابه بَرَصٌ أو نِقِرس، فلا يلومَنَّ إلا
نفسه.
ومن احتلم، فلم يغتسِلْ حتى وطىء أهله، فولدت مجنوناً أو مخبّلا، فلا
یلومنَّ إلا نفسه.
ومن أكل بيضاً مسلوقاً بارداً، وامتلأ منه، فأصابه ربَو، فلا يلومَنَّ إلا
نفسه .
ومن جامع، فلم يَصْبِر حتى يُفْرِغَ، فأصابه حصاة، فلا يلومنَّ إلا نفسه.
ومن نظر في المرآة ليلاً، فأصابه لقوة، أو أصابه داء، فلا يلومنَّ إلا نفسَه.
فصل
وقال ابن بَختَيْشُوع: احذرْ أن تجمعَ البيض والسمكَ، فإنهما يُورثان
القُولنج، والبواسير، ووجعَ الأضراس.
محاذر طبية لابن
بختيشوع
وإدامة أكلِ البيض يُولِّدُ الكَلَف في الوجه، وأكلُ الملوحة والسمك المالح
والاقتصاد بعد الحمَّامِ يُولد البَهق والجرب.
٣٧٣

إدامة أكل كُلى الغنم يعقِرُ المثانة. الاغتسالُ بالماء البارد بعد أكل السمكِ
الطريِّ يولِّدُ الفالج.
وطء المرأة الحائض يولِّدُ الجُذام، الجماعُ مِن غير أن يُهريق الماء عقيبَه
يولِّد الحصاة، طول المُكث في المخرج يُولِّد الداءَ الدويَّ.
قال أبقراط: الإقلال مِن الضار خيرٌ من الإكثار من النافع.
وصايا لأبقراط
وقال: استديمُوا الصحة بتركِ التكاسل عن التعب، وبتركِ الامتلاء مِن
الطعام والشراب.
وصايا للحارث بن كلدة
وغيره
وقال بعضُ الحكماء: من أراد الصِّحة، فليجوِّد الغِذاء، وليأكل على نقاء،
وليشرب على ظمأ، وليُقلِّل مِن شُرب الماء، ويتمدَّد بعد الغداء، ويَتَمشَّ بعدَ
العَشاء، ولا ينم حتى يَعْرِضَ نفسه على الخلاء، وليحذر دخول الحمام عقيبَ
الامتلاء، ومرة في الصيف خيرٌ من عشرٍ في الشتاء، وأكلُ القدید اليابس بالليل
معينٌ على الفناء، ومجامعةُ العجائز تُهْرِمُ أعمارَ الأحياءِ، وتسقم أبدانَ الأصحاء،
ويروى هذا عن علي رضي الله عنه، ولا يَصِحُّ عنه، وإنما بعضُه مِن كلام
الحارث بن كَلَدَة طبيبِ العرب، وكلامٍ غيره.
وقال الحارث: من سره البقاء - ولا بقاء - فليُباكِرِ الغدَاء، وليُعجل العَشَاء،
وليُخفف الرِّداء، وليُقِلَّ غشيانَ النساء.
وقال الحارث: أربعةُ أشياء تهدِمُ البدن: الجماعُ على البطنة، ودخولُ
الحمامِ على الامتلاء، وأكلُ القديد، وجماعُ العجوز.
ولما احتُضرَ الحارث اجتمع إليه الناسُ، فقالوا: مُرنا بأمر ننتهي إليه مِن
بعدك، فقال: لا تتزوجُوا مِن النساء إلا شابة، ولا تأكلوا مِن الفاكهة إلا في أوان
نُضجها، ولا يتعالجَنَّ أحدُكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بتنظيف المَعِدَة في
كل شهر، فإنها مُذيبة للبلغم، مُهلكة للمرة مُنبتة للحم، وإذا تغدَّى أحدكم، فلینم
٣٧٤

على إثر غدائه ساعة، وإذا تعشَّى فليمش أربعين خطوة.
وصايا لطبيب
وقال بعضُ الملوك لطبيبه: لعلَّك لا تبقَى لي، فصِف لي صِفة آخذُها عنك،
فقال: لا تنكِحْ إلا شابة، ولا تأكُلْ مِن اللحم إلا فتيّاً، ولا تشربِ الدواء إلا من
عِلة، ولا تأكُلِ الفاكهةَ إلا في نُضجها، وأجِدْ مضغَ الطعام. وإذا أكلت نهاراً فلا
بأس أن تنامَ، وإذا أكلتَ ليلاً فلا تنم حتى تمشي ولو خمسين خطوة، ولا تأكلنَّ
حتى تجوع، ولا تتكارَهَنَّ على الجماع، ولا تحبِس البول، وخُذ مِن الحمام قبلَ
أَنْ يأخُذَ منك، ولا تأكلَنَّ طعاماً، وفي مَعِدَتِك طعامٌ، وإياكَ أن تأكل ما تعجز
أسنانُك عن مضغِهِ، فتعجِزَ مَعِدَتُك عن هضمه، وعليك في كل أسبوعٍ بقيئة تنقّي
جسمَك، ونِعْمَ الكنزُ الدمُ في جسدك، فلا تُخرِجْه إلا عند الحاجة إليه، وعليكَ
بدخول الحمام، فإنه يُخرج مِن الأطباق ما لا تَصِلُ الأدوية إلى إخراجه.
وقال الشافعي :
وصايا للشافعي
أربعة تُقوي البدن: أكلُ اللحم، وشمُّ الطيب، وكثرةُ الغسلِ مِن غير جماع،
ولبسُ الكَتَّان.
وأربعةُ تُوهِن البدن: كثرةُ الجماع، وكثرةُ الهم، وكثرةُ شرب الماء على
الريق، وكثرةُ أكل الحامِض.
وأربعةُ تُقُوي البصر: الجلوسُ حِيالَ الكعبة، والكحلُ عند النوم، والنظرُ
إلى الخُضرة، وتنظيف المجلس.
وأربعةُ توهِنُ البصر: النظرُ إلى القذَرِ، وإلى المصلوبِ، وإلى فرج المرأة،
والقعودُ مستدبِرَ القبلة.
وأربعة تزيدُ في الجماع: أكلُ العصافير، والإطريفل، والفستق،
والخرُّوب.
٣٧٥

وأربعة تزيد في العقل: تَرْكُ الفُضول مِن الكلام، والسِّواك، ومجالسةُ
لصالحین، ومجالسةُ العلماء (١).
محاذر لأفلاطون
وقال أفلاطون: خمسٌ يُذْبنَ البدنَ وربما قتلن: قِصَرُ ذاتِ اليد، وفِراقُ
الأحبة، وتجرُّع المغايظ، وردُّ النصح، وضحكُ ذوي الجهل بالعُقلاء.
محاذر لطبيب المأمون
وقال طبيبُ المأمون: عليك بخصالٍ مَنْ حَفِظَها، فهو جدير أن لا يعتل إلا
علةَ الموت: لا تأكلْ طعاماً وفي مَعِدَتِك طعام، وإياكَ أن تأكل طعاماً يُنْعِبُ
أضراسك في مضغه، فتعجزُ معدتُك عن هضمه، وإياكَ وكثرةَ الجماع، فإنه
يُطفىء نور الحياة، وإياك ومجامعة العجوز، فإنه يُورث موتَ الفجأة، وإياكَ
والفصدَ إلا عند الحاجة إليه، وعليك بالقيء في الصَّيف.
ومن جوامع كلمات أبقراط قوله: كُلُّ كثيرٍ فهو معاد للطبيعة .
وصية لأبقراط
وقيل لجالينوس: مالك لا تمرَضُ؟ فقال: لأني لم أجمع بين طعامين
رديئين، ولم أُدْخِلْ طعاماً على طعام، ولم أَخْبِسْ في المعدةِ طعاماً تأذيت به.
وصية لجالينوس
فصل
أربعة أشياء تمرض
البدن
وأربعة أشياء تُمرض الجسم: الكلامُ الكثير، والنومُ الكثير، والأكلُ
الكثير، والجماعُ الکثیر.
حضار الكلام الكثير
فالكلام الكثير: يُقُلِّل مخَّ الدماغ ويُضعفه، ويعجِّل الشيبَ.
مضار النوم الكثير
والنومُ الكثير: يصفِّرُ الوجه، ويُعمي القلب، ويُهيِّجُ العين، ويُكسِلُ عن
العمل، ويولِّدُ الرطوبات في البدن.
(١) راجع آداب الشافعي صفحة ٣٢٣ و((الآداب الشرعية)) ٣٩٠/٢ ((وشرح القاموس))
٤١٦/٧.
٣٧٦

والأكلُ الكثيرُ يفسِدُ فم المعدة، ويُضعف الجسم، ويولِّدُ الرياح الغليظة، مضار الأكل الكثير
والأدواء العسرة.
والجماع الكثير: يهدُّ البدن، ويُضعفُ القُوى، ويجفِّ رطوباتِ البدنِ، مضار الجماع الكثير
ويُرخي العصبَ، ويُورث السُّدد، ويَعُمُّ ضررهُ جميعَ البدن، ويخصُّ الدماغ لكثرة
ما يتحلل به من الروح النفساني، وإضعافه أكثر من إضعاف جميع المستفرغات،
ويستفرغ مِن جوهر الروح شيئاً كثيراً.
أنفع الجماع
وأنفعُ ما يكون إذا صادف شهوةً صادقة مِن صورة جميلة حديثة السن حلالاً
مع سنِ الشُّبوبية، وحرارةِ المزاج ورطوبته، وبُعدِ العهد به وخَلاءِ القلب مِن
الشواغل النفسانية، ولم يُفرط فيه، ولم يُقارنه ما ينبغي تركُه معه مِن امتلاء
مفرط، أو خواء، أو استفراغ، أو رياضة تامة أو حرَّ مفرط، أو برد مفرِط، فإذا
راعى فيه هذه الأمور العشرة، انتفع به جداً، وأيها فُقِدَ فقد حصل له من الضرر
بحسبه، وإن فُقدت كلُّها أو أكثرها، فهو الهلاك المعجَّل.
فصل
والحمية المفرطة في الصحة، كالتخليط في المرض، والحمية المعتدلة
نافعة، وقال جالينوس لأصحابه: اجتنبوا ثلاثاً، وعلیکم بأربع، ولا حاجة بكم
إلى طبيب: اجتنبوا الغُبار، والدخان، والنَّن، وعليك بالدَّسم، والطِّيب،
والحَلْوى، والحمَّام، ولا تأكلوا فوقَ شِبعكم، ولا تتخللوا بالباذَرُوجِ(١)،
والرَّيحان، ولا تأكلوا الجوزَ عند المساء، ولا ینم من به زُكمة على قفاه، ولا يأكل
من به غمٌّ حامِضاً، ولا يُسرعِ المشيَ من افتصد، فإنه مخاطرةُ الموت، ولا يتقيأ
مَن تؤلمه عينُه، ولا تأكلُوا في الصيف لحماً كثيراً، ولا ينم صاحبُ الحمى الباردة
في الشمس، ولا تقربُوا الباذنجان العتيق المبزر، ومن شرب كل يوم في الشتاء
الحمية
وصايا لجالينوس
(١) بقلة معروفة تقوي القلب جداً، وتقبض، إلا أن تصادف فضلة فتسهل. قاموس.
٣٧٧

قدحاً من ماء حار، أمِن من الأعلال، ومن دَلَكَ جسمه في الحمام بقشُور الرمان
أمن من الجرب والحكة، ومن أكل خمسَ سَوْسنات مع قليل مُصْطَكى رومي،
وعود خام، ومسك بقي طولَ عمره لا تضعُفَ مَعِدَتُه ولا تفسد، ومن أكل بِزر
البطيخ مع السكر، نظف الحصى مِن معدته، وزالت عنه حُرقة البول.
فصل
أربعةٌ تهدِمُ البدن: الهمُّ، والحزن، والجوعُ، والسهر .
وصايا عامة
وأربعة تفرِحُ: النظر إلى الخُضرةِ، وإلى الماءِ الجاري، والمحبوب،
والثمار.
وأربعةُ تُظلم البصر: المشيُّ حافياً، والتصبح والتمسي بوجه البغيض
والثقيل، والعدو، وكثرةُ البكاء، وكثرةُ النظر في الخط الدقيق.
وأربعةُ تُقوي الجسم: لبسُ الثوب الناعم، ودخولُ الحمام المعتدل، وأكلُ
الطعام الحلو والدسم، وشم الروائح الطيبة .
وأربعةُ تيبس الوجه، وتذهب ماءه وبهجته وطلاوته: الكذبُ، والوقاحةُ،
وكثرة السؤال عن غير علم، وكثرةُ الفجور.
وأربعةُ تزيد في ماء الوجه وبهجِتِهِ: المروءةُ، والوفاءُ، والكرمُ، والتقوى.
وأربعة تجلِبُ البغضاء والمقت: الكِبر، والحسدُ، والكذِب، والنميمةُ.
وأربعةٌ تجلِبُ الرزق: قيامُ الليل، وكثرةُ الاستغفار بالأسحار، وتعاهُدُ
الصدقة، والذكرُ أول النهار وآخرَه.
وأربعة تمنع الرزق: نومُ الصبحة، وقلةُ الصلاة، والكَسَلُ، والخيانة.
وأربعةٌ تضُرُّ بالفهم والذهن: إدمانُ أكل الحامض والفواكه، والنومُ على
القفا، والهُّ، والغمُّ.
٣٧٨

وأربعةٌ تزيد في الفهم: فراغ القلب، وقلة التملِّي من الطعام والشراب،
وحسنُ تدبير الغذاء بالأشياء الحُلوة والدَّسمة، وإخراجُ الفضلات المثقِلَةِ للبدنِ.
ومما يضرُّ بالعقل: إدمانُ أكل البصل، والباقِلا، والزيتون، والباذنجان،
وكثرة الجماع، والوحدة، والأفكار، والسُّكْر، وكثرةُ الضحك، والغم.
قال بعض أهل النظر: قُطِعتُ(١) في ثلاث مجالس، فلم أجد لذلك عِلة إلا
أني أكثرتُ مِن أكلِ الباذنجان في أحد تلك الأيام، ومن الزيتون في الآخر، ومن
الباقلا في الثالث.
فصل
قد أتينا على جُملة نافعة من أجزاء الطبِّ العلمي والعملي، لعل الناظرَ لا
يظفرُ بكثير منها إلا في هذا الكتاب، وأريناكَ قربَ ما بينها وبينَ الشريعة، وأن
الطبَ النبوي نسبةُ طِبُّ الطبائعيين إليه أقلُّ مِن نسبة طب العجائز إلى طبهم.
فضل الطب النبوي
والأمر فوق ما ذكرناه، وأعظمُ مما وصفناه بكثير، ولكن فيما ذكرناه تنبيه
باليسير على ما وراءه، ومن لم يرزقه الله بصيرة على التفصيل، فليعلم ما بينَ القوة
المؤيَّةِ بالوحىٍ مِن عند الله، والعلوم التي رزقها الله الأنبياء، والعقول والبصائر
التي منحهم الله إياها، وبينَ ما عند غيرهم.
ولعل قائلاً يقولُ: ما لهدي الرسولِ مَّ، وما لِهذا الباب، وذكر قوى
الأدوية، وقوانين العلاج، وتدبيرِ أمر الصحة؟.
وهذا مِن تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرسولُ اَلٍّ، فإن هذا
وأضعافَه وأضعافَ أضعافه مِن فهم بعضٍ ما جاء به، وإرشاده إليه، ودلالته عليه،
وحسنُ الفهم عن الله ورسوله مَنٌّ يَمُنُّ اللهُ به على مَنْ يشاءُ من عباده.
(١) أي: غلب في المناظرة والمباحثة.
٣٧٩
١٠٠

فقد أوجدناك أصولَ الطب الثلاثة في القرآن، وكيف تُنكر أن تكونَ شريعةٌ
المبعوث بصلاح الدنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان، كاشتمالها على
صلاح القلوب، وأنها مرشدة إلى حِفظ صحتها، ودفع آفاتها بطُرق كلية قد وُكِلَ
تفصيلُها إلى العقل الصحيح، والفِطرة السليمة بطريق القياس والتنبيه والإيماء،
كما هو في كثير من مسائل فروع الفقه، ولا تكن ممن إذا جهل شيئاً عاداه.
ولو رُزِقَ العبدُ تضلعاً مِن كتاب الله وسنة رسوله، وفهماً تاماً في النصوص
ولوازمها، لاستغنى بذلك عن كُلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبطَ جميعَ العلومِ الصحيحة
منه .
فمدارُ العلوم كلها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلّم إلى الرسل
صلوات الله عليهم وسلامه، فهم أعلمُ الخلق بالله وأمرِه وخلقه وحكمته في خلقه
وأمره.
وطب أتباعهم: أصحُّ وأنفعُ مِن طب غيرهم. وطِبُّ أتباع خاتمهم وسيدهم
وإمامهم محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعليهم: أكملُ الطب
وأصحُه وأنفعُه، ولا يَعْرِفُ هذا إلا من عرف طبَّ الناس سواهم وطبَّهم، ثم وازن
بينهما، فحينئذ يظهرُ له التفاوتُ، وهم أصحُّ الأمم عقولاً وفطراً، وأعظمُهم
علماً، وأقربُهم في كل شيء إلى الحقِّ لأنهم خِيرة الله من الأمم، كما أن رسولهم
خيرتُهُ مِن الرسل. والعلمُ الذي وهبهم إياه، والحلم والحكمة أمرٌ لايدانيهم فيه
غیرُهم، وقد روى الإمام أحمد في ((مسنده)): من حديثٍ بهز بن حکیم، عن أبيه،
عن جده رضي الله عنه، قال: قال رسول الله مٍَّ: ((أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبعينَ أُمَّةً أَنْتُم
خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ))(١) فظَهرَ أثرُ كرامتها على الله سبحانه في علومهم
وعقولهم، وأحلامهم وفِطرهم، وهم الذين عُرِضَتْ عليهم علومُ الأمم قبلَهم
وعقولهم، وأعمالُهم ودرجاتُهم، فازدادوا بذلك عِلماً وحلماً وعقولاً إلى ما
(١) أخرجه أحمد ٥/٥ والترمذي (٣٠٠١) وابن ماجه (٤٢٨٨) وسنده حسن.
٣٨٠