Indexed OCR Text
Pages 81-100
في مرضه، وعَصْبُ الرأس ينفع في وجع الشقيقة وغيرها مِن أوجاع الرأس.
فصل
علاج الصداع
وعلاجه يختلف باختلاف أنواعه وأسبابه، فمنه ما علاجُه بالاستفراغ، ومنه
ما علاجُه بتناول الغذاء، ومنه ما علاجُه بالسكون والدَّعة، ومنه ما عِلاجُه
بالضِّمادات، ومنه ما علاجُه بالتبريد، ومنه ما علاجُه بالتسخين، ومنه ما علاجُه
بأن يجتنب سماعَ الأصواتِ والحركات.
إذا عُرِفَ هذا، فعِلاجُ الصُّداع في هذا الحديث بالحِناء، هو جزئي لا كُلِّي، العلاقة الحذاء جزئي
وهو علاج نوع من أنواعِه، فإن الصُّداع إذا كان مِن حرارة ملهبة، ولم يكن من
مادة يجب استفراغها، نفع فيه الحناء نفعاً ظاهراً، وإذا دُقَّ وضُمِّدَتْ به الجبهةُ مع
الخل، سكن الصُّداع، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضمد به، سكنت أوجاعُه،
وهذا لا يختصُّ بوجع الرأس، بل يعُمُّ الأعضاء، وفيه قبض تشد به الأعضاء، وإذا
ضُمِّدَ به موضعُ الورم الحار والملتهب، سکنه.
وقد روى البخاري في ((تاريخه)) وأبو داود في ((السنن)) أن رسول الله رَّ ما
شكى إليه أحد وجعاً في رأسه إلا قال له: ((احْتَجِمْ))، ولا شكى إليه وجعاً في
رجليه إلا قال له: ((اخْتَضِبْ بِالحِنَّاء)»(١).
وفي الترمذي: عن سلمى أم رافع خادمة النبي ◌َّ- قالت: كان لا يُصِيبُ
النبيَّ ◌َّهِ قرحةٌ ولا شَوكة إلا وضَع عليها الحِناءِ(٢).
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٥٨) وأحمد ٤٦٢/٦ من حديث سلمى امرأة أبي رافع، وسنده
ضعيف وقد تقدم.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٠٥٥) وابن ماجه (٣٥٠٢) وسنده ضعيف كما تقدم.
٨١
فصل
والحناء بارد في الأولى، يابسٌ في الثانية، وقوة شجر الحناء وأغصانها
مركَّبة مِن قوة محللة اكتسبتها من جوهر فيها مائي، حار باعتدال، ومِن قوة قابضة
اكتسبتها مِن جوهر فيها أرضي بارد.
منافع الحناء وخواصه
ومن منافعه أنه محلل نافع من حرق النار، وفيه قوةٌ موافقة للعصب إذا
ضُمِّدَ به، وينفع إذا مُضِغ، مِن قروح الفم والسُّلاق(١) العارض فيه، ویبریء
القُلاع(٢) الحادث في أفواه الصبيان، والضِّماد به ينفعُ مِن الأورام الحارة الملهبة،
ويفعَلُ في الجراحات فهل دم الأخوين (٣). وإذا خلط نورُه مع الشمع المصفَّى،
ودُهن الورد، ينفع من أوجاع الجنب.
ومِن خواصه أنه إذا بدأ الجُدريُّ يخرج بصبي، فخُضِبَت أسافل رجليه
بحناء، فإنه يُؤْمن على عينيه أن يخرُج فيها شيء منه، وهذا صحيح مجرَّب لا شك
فيه. وإذا جعل نَوْرُه بين طي ثياب الصوف طيبها، ومنع السوس عنها، وإذا نُقِعَ
ورقُه في ماء يغمُره، ثم عُصِرَ وشُرِبَ من صفوه أربعين يوماً كلَّ يوم عشرون
درهماً مع عشرة دراهم سكر، ويُغذّى عليه بلحم الضأن الصغير، فإنه ينفع من
ابتداء الجُذام بخاصية فيه عجيبة.
وحكي أن رجلاً تشقَّقَتْ أظافيرُ أصابع يده، وأنه بذل لمن يُبرئه مالاً، فلم
يجد، فوصفت له امرأة، أن يشرب عشرة أيام حِناء، فلم يُقْدِم عليه، ثم نقعه بماء
وشربه، فبرا ورجعت أظافیرُه إلى حسنها.
والحِناء إذا ألزمت به الأظفار معجوناً حسنها ونفعها، وإذا عُجِنَ بالسمن
(١) السلاق: بثر تخرج على أصل اللسان، وتقشر في أصول الأسنان.
(٢)
القلاع: بثرات تكون في جلدة الفم أو اللسان.
(٣) في ((التذكرة)) بعد أن تردد في بيان حقيقته: والصحيح أنا لا نعرف أصله، وإنما
يجلب هكذا من بلاد الهند.
٨٢
وضُمِّدَ به بقايا الأورام الحارة التي تَرْشَحُ ماء أصفر، نفعها ونفع مِن الجرب
المتقرِّح المزمن منفعة بليغة، وهو يُنْبت الشعرَ ويقويه، ويحسنه، ويُقوي الرأس،
وينفع من النَّفَّاطات، والبُثور العارضة في الساقين والرجلين، وسائر البدن.
فصل
في هديه وَّر في معالجة المرضى بترك إعطائهم ما يكرهونه
من الطعام والشراب، وأنهم لا يُكرهون على تناولهما
روى الترمذي في «جامعه»، وابنُ ماجه، عن عقبة بن عامر الجُهَنِي، قال:
قال رسولُ اللّهِ وَه: ((لا تُكْرِهوا مَرْضَاكُمْ عَلىُ الطَّعَامِ والشَّرابِ، فَإِنَّ اللَّهَ
عَزَّ وجلَّ يُطْعِمُهُم ويَسْقِهِمْ))(١).
قال بعضُ فضلاء الأطباء: ما أغزرَ فوائدَ لهذه الكلمة النبوية المشتملة على
حكم إلهية، لا سيما للأطباء، ولمن يُعالج المرضى، وذلك أن المريضَ إذا عاف
الطعام أو الشراب، فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض، أو لسقوط شهوته،
أو نُقْصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها، وکیفما كان، فلا يجوز حينئذ
إعطاءُ الغِذاء في هذه الحالة.
واعلم أن الجوعَ إنا هو طلبُ الأعضاء للغذاء لتُخِلفَ الطبيعة به عليها
عِوضَ ما يتحلل منها، فتجذب الأعضاء القصوى من الأعضاء الدنيا حتى ينتهيَ
(١) حديث قوي أخرجه الترمذي (٢٠٤١) وابن ماجه (٣٤٤٤) وفي سنده بكر بن
يونس بن بكير، وهو ضعيف، لكن يشهد له حديث عبد الرحمن بن عوف عند
الحاكم ٤١٠/٤، وحديث جابر بن عبد الله عند أبي نعيم في ((الحلية)) ١٠/ ٥٠، ٥١
وسنده حسن في الشواهد. وقد قال الدكتور الأزهري: ومعظم الأمراض يصحبها
عدم رغبة المريض للطعام، واطعام المريض غصباً في هذه الحالة يعود عليه
بالضرر، لعدم قيام الجهاز الهضمي بعمله كما يجب مما يتبعه عسر هضم، وسوء
حالة المريض ...
٨٣
الجذبُ إلى المعدة، فيُحِسُّ الإِنسان بالجوع، فيطلبُ الغِذاء، وإذا وُجِدَ المرض،
اشتغلت الطبيعةُ بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء، أو الشراب، فإذا
أُكْرِهَ المريضُ على استعمال شيء من ذلك، تعطّلت به الطبيعة عن فعلها،
واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه، فيكون ذلك سبباً لضرر
المريض، ولا سيما في أوقات البُحران (١)، أو ضعفِ الحار الغريزي أو خموده،
فيكون ذلك زيادةً في البلية، وتعجيل النازلة المتوقعة، ولا ينبغي أن يُستعمل في
هذا الوقتِ والحال إلا ما يحفظُ عليه قوته ويقويها مِن غير استعمال مزعج للطبيعة
ألبتة، وذلك يكونُ بما لَطُفَ قِوامه من الأشربة والأغذية، واعتدلَ مِزاجه كشراب
اللَّينوفر(٢)، والتفاح، والورد الطَّرِي، وما أشبه ذلك، ومن الأغذية مرق الفراريج
المعتدلة الطيبة فقط، وإنعاش قواه بالأرابيح العَطِرَة الموافقة، والأخبار السارة،
فإن الطبيبَ خادمُ الطبيعة، ومعينها لا معيقها .
واعلم أن الدم الجيد هو المغذي للبدن، وأن البلغم دم فج قد نضج بعضَ
النضج، فإذا كان بعض المرضى في بدنه بلغم كثير، وعدم الغذاء، عطفت الطبيعةٌ
عليه، وطبخته، وأنضجته، وصيَّرته دماً، وغذت به الأعضاء، واكتفت به عما
سواه، والطبيعةُ هي القوة التي وكلها الله سبحانه بتدبير البدن وحفظه وصحته،
وحراسته مدة حیاته.
إجبار المريض على
الطعام
واعلم أنه قد يحتاج في النَّدرة إلى إجبار المريض على الطعام والشراب،
وذلك في الأمراض التي يكون معها اختلاط العقل، وعلى هذا فيكون الحديثُ من
العام المخصوص، أو من المطلق الذي قد دل على تقييده دليل، ومعنى
الحديث: أن المريض قد يعيش بلا غذاء أياماً لا يعيش الصحيحُ في مثلها.
(١) بضم فسكون: التغير الذي يحدث دفعة في الأمراض الحادة.
(٢) في ((التذكرة)) الأشهر فيه تقديم النون، وقال فيه: فارسي معناه، ذو الأجنحة، وهو
نبت مائي له أصل كالجزر، وساق أملس يطول سجفه عمق الماء فإذا ساوى
سطحه، أورق وأزهر.
٨٤
وفي قوله رَّةُ: ((فإن الله يُطعِمُهم ويَسْقِيهِم)) معنى لطيف زائد على ما ذكره معنى: ((فإن الله يطعمهم
ويسقيهم»
الأطباء لا يعرفه إلا مَن له عناية بأحكام القُلوب والأرواح، وتأثيرها في طبيعة
البَدن، وانفعالِ الطبيعة عنها، كما تنفعل هي كثيراً عن الطبيعة، ونحن نُشير إليه
إشارة، فنقول: النفس إذا حصل لها ما يشغَلُها مِن محبوب أو مكروه أو مخوف،
اشتغلت به عن طلب الغِذاء والشراب، فلا تُحِسُّ بجوع ولا عطش، بل ولا حر
ولا برد، بل تشتغل به عن الإِحساس المؤلم الشديد الألم، فلا تُحِسُّ به، وما مِن
أحد إلا وقد وجد في نفسه ذلك أو شيئاً منه، وإذا اشتغلت النفس بما دهمها،
وورد عليها، لم تُحِسَّ بألم الجوع، فإن كان الوارد مفرِّحاً قويّ التفريح، قام لها
مقامَ الغِذاء، فشبعت به، وانتعشت قواها، وتضاعفَت، وجرت الدمويةُ في
الجسد حتى تظهر في سطحه، فيُشرِقُ وجهه، وتظهر دمويتُه، فإن الفرح يُوجب
انبساطَ دم القلب، فينبعثُ في العروق، فتمتلىء به، فلا تطلب الأعضاءُ حَظّها مِن
الغذاء المعتاد لاشتغالها بما هو أحبُّ إليها، وإلى الطبيعة منه، والطبيعةُ إذا ظَفِرَت
بما تحب، آثرته على ما هو دونه.
وإن كان الوارد مؤلماً أو محزناً أو مخوفاً، اشتغلت بمحاربته ومُقاومته
ومُدافعته عن طلب الغذاء، فهي في حال حربها في شغل عن طلب الطعام
والشراب. فإن ظفرت في هذا الحرب، انتعشت قواها، وأخلفت عليها نظيرَ ما
فاتها من قوة الطعام والشراب وإن كانت مغلوبةً مقهورة، انحطت قواها بحسب ما
حصل لها مِن ذُلك، وإن كانت الحربُ بينها وبين هذا العدوِّ سِجالاً، فالقوة تظهرُ
تارةً وتختفي أخرى، وبالجملة فالحربُ بينهما على مثال الحرب الخارج بين
العدوين المتقاتلين، والنصرُ للغالبِ، والمغلوب إما قتيل، وإما جريح، وإما
أسير.
فالمريض: له مدد مِن الله تعالى يُغذيه به زائداً على ما ذكره الأطباء مِن
تغذيته بالدم، وهذا المدد بحسب ضعفه وانكساره وانطراحِه بين يدي ربه
عز وجل، فيحصُل له من ذلك ما يُوجب له قرباً من ربه، فإن العبدَ أقرب ما يكون
٨٥
من ربه إذا انکسر قلبُهُ، ورحمةُ ربه عندئذٍ قريبة منه، فإن كان ولياً له، حصل له
من الأغذية القلبية ما تقوى به قوى طبيعته، وتنتعش به قواه أعظمَ مِن قوتها،
وانتعاشها بالأغذية البدنية، وكلما قوي إيمانه وحبُّه لربه، وأنسه به، وفرحُه به،
وقوي يقينه بربه، واشتد شوقه إليه ورضاه به وعنه، وجد في نفسه مِن هذه القوة
ما لا يُعبَّرُ عنه، ولا يُدركه وصف طبيب، ولا ينالُه علمه.
ومن غلظ طبعُه، وكثفت نفسُه عن فهم هذا والتصديق به، فلينظر حالَ كثير
مِن عُشَاقِ الصور الذين قد امتلأت قلوبُهم بحُب ما يعشقونه من صُورة، أو جاه،
أو مال، أو علم، وقد شاهد الناسُ من هذا عجائب في أنفسهم وفي غيرهم.
وقد ثبت في ((الصحيح)): عن النبي ◌َّهُ، أنه كان يُواصِلُ في الصِّيامِ الأيامَ
ذواتِ العدد، وينهى أصحابه عن الوِصال ويقول: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِي أَظَلُّ
يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِيني))(١).
وصاله {﴾ في الصوم
ومعلوم أن هذا الطعام والشراب ليس هو الطعام الذي يأكله الإنسان بفمه،
وإلا لم يكن مواصلاً، ولم يتحقق الفرق، بل لم يكن صائماً، فإنه قال: ((أَظَلُّ
◌ُطْعِمُني ربِّي ويَسْقِيني)).
وأيضاً فإنه فرق بينه وبينهم في نفس الوصال، وأنه يَقدِرُ منه على ما لا
يقدِرُون عليه، فلو كان يأكل ويشرب بفمه، لم يقل لست كهيئتكم، وإنما فهِمَ هذا
مِن الحديث مَنْ قَلَّ نصيبُه مِن غذاء الأرواح والقلوب، وتأثيره في القوة وإنعاشها،
واغتذائها به فوق تأثير الغذاء الجسماني، والله الموفق.
(١) أخرجه البخاري ١٧٩/٤ في الصيام: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، وباب الوصال
إلى السحر، ومسلم (١١٠٣) في الصيام: باب النهي عن الوصال في الصوم، وفي
الباب عن عائشة، وعبد الله بن عمر، وأنس.
٨٦
فصل
في هديه ◌َّ في علاج العُذْرة، وفي العلاج بالسّعوط
ثبت عنه في ((الصحيحين)) أنه قال: ((خَيْرُ ما تَدَاوَيْتُم بِه الحِجَامَةُ، والقُسْطُ
البَحْرِي، ولا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالغَمْزِ مِن العُذْرَةِ))(١).
وفي ((السنن)) و ((المسند)) عنه من حديث جابر بن عبد الله قال: دخلَ
رسولُ اللهِ وَّرِ على عائشة، وعندها صبي يسيلُ مَنخراه دماً، فقال: ((مَا هُذا؟)).
فقالوا: به العُذرة، أو وجعٌ في رأسه، فقال: ((وَيْلَكُنَّ لا تَقْتُلْنَ أَوْلاَدَكُنَّ، أَيُّما
امْرَأَةٍ أصابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ أَوْ وَجَعٌّ فِي رَأْسِهِ، فَلْتَأْخُذْ قُسْطاً هِنْدِياً فَلْتَحُكَّه بماءٍ، ثم
تُسْعِطْهُ إِيَّاهُ)) فأمرت عائشةُ رضي الله عنها فصُنِعَ ذلك بالصبي، فبرأ(٢).
قال أبو عبيد عن أبي عُبَيْدَة: العُذرة: تهتُّج في الحَلْقِ من الدم، فإذا عُولج
منه، قيل: قد عُذِرَ به، فهو معذور انتهى. وقيل: العذرة: قرحة تخرج فيما بين
الأذن والحلق، وتعرض للصبيان غالباً.
وأما نفع السَّعوط منها بالقُسط المحكوك، فلأن العذرة مادتها دم يغلب علاج العذرة بسعوط
عليه البلغمُ، لكن تولده في أبدان الصبيان أكثر، وفي القُسط تجفيف يَشُدُّ اللهاة
القسط
ويرفعها إلى مكانها، وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وقد ينفع في الأدواء
الحارة، والأدوية الحارة بالذات تارة، وبالعرض أخرى.
وقد ذكر صاحب ((القانون)) في معالجة سقوط اللهاة: القُسط مع الشب
اليماني، وبزر المرو.
(١) أخرجه البخاري ١٢٧/١٠ في الطب: باب الحجامة من الداء، ومسلم (١٥٧٧) في
المساقاة: باب حل أجرة الحجامة.
(٢) أخرجه أحمد ٣١٥/٣، وإسناده صحيح، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٨٩/٥،
وزاد نسبته لأبي يعلى والبزار وقال: ورجالهم رجال الصحيح.
٨٧
والقُسط البحري المذكور في الحديث: هو العود الهندي، وهو الأبيض
منه، وهو حلو، وفيه منافع عديدة، وكانوا يُعالجون أولادَهم بغمز اللهاة،
وبالعِلاق، وهو شيء يُعلِّقونه على الصبيان، فنهاهم النبيُّ ◌ََّ عن ذلك،
وأرشدهم إلى ما هو أنفعُ للأطفال، وأسهلُ عليهم.
والسَّعُوط: ما يُصَبُّ في الأنف، وقد يكون بأدوية مفردة ومركبة تُدق
وتُنخل وتُعجن وتُجفف، ثم تُحَلُّ عند الحاجة، ويُسعط بها في أنف الإِنسان،
وهو مستلق على ظهره، وبين كتفيه ما يرفعهما لتنخفض رأسه، فيتمكن السعوطُ
من الوصول إلى دماغه، ويستخرج ما فيه من الداء بالعطاس، وقد مدح النبي
التداوي بالسّعوط فیما يحتاج إليه فيه.
وذكر أبو داود في ((سننه)) أن النبي ◌َ ◌ّ استعط(١).
فصل
في هديه مَّر في علاج المفؤود
روى أبو داود في ((سننه)) من حديث مجاهد، عن سعد، قال: مرضت
مرضاً، فأتاني رسولُ اللَّهِ پلژ يَعُودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدتُ بردها
على فؤادي، وقال لي: «إِنَّكَ رَجُل مَفْؤودٌ فَأْتِ الحارث بن كَلَدَةٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَإِنَّه
رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ المَدِينَةِ، فَلْيَجَأْهُنَّ، بِنَواهُنَّ، ثُمَّ
لِيَلْذَّكَ بِهِنَّ))(٢).
المفؤود: الذي أصيب فؤادُه، فهو يشتكيه، كالمبطون الذي يشتكي بطنه .
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٦٧) من حديث ابن عباس، وسنده قوي.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٧٥) في الطب: باب في ثمرة العجوة، وسنده جيد، وقوله
((فليجأهن بنواهن)) يريد ليرضهن، والوجيئة: حساء يتخذ من التمر والدقيق، فيتحساه
المريض .
٨٨
واللدود: ما يُسقاه الإِنسان من أحد جانبي الفم.
وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، ولا سيما تمرَ المدينة، ولا سيما علاج المفؤود بالتمر
العجوةَ منه. وفي كونها سبعاً خاصية أخرى، تُدرك بالوحي، وفي ((الصحيحين)):
مِن حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول اللهِ وَّلَه: ((مَنْ
تَصَبَّحَ بِسَبْعٍ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ العَالِيَةِ لَمْ يَضُرَّهُ ذلكَ الْيَوْمَ سَمّ ولا سِحْرٌ)).
وفي لفظ: ((مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لابَيْها(١) حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ
سٌَّ حَتَّی یُمْسِي)»(٢).
فوائد التمر
والتَّمْرُ حَارٌّ في الثانية، يابس في الأولى. وقيل: رطب فيها. وقيل:
معتدل، وهو غذاء فاضل حافظ للصحة لا سيما لمن اعتاد الغذاء به، كأهلٍ
المدينة وغيرهم، وهو من أفضل الأغذية في البلاد الباردة والحارة التي حرارتها
في الدرجة الثانية، وهو لهم أنفعُ منه لأهل البلاد الباردة، لبرودة بواطن سكانها،
وحرارةٍ بواطن سكانِ البلاد الباردة، ولذلك يُكثِرُ أهلُ الحجاز واليمن والطائف،
وما يليهم مِن البلاد المشابهة لها من الأغذية الحارة ما لا يتأتى لغيرهم، كالتمر
والعسل، وشاهدناهم يضعون في أطعمتهم من الفلفل والزنجبيل فوقَ ما يضعه
غيرُهم نحوَ عشرة أضعاف أو أكثر، ويأكلون الزَّنجبيل كما يأكل غيرُهم الحَلْوى،
ولقد شاهدتُ من يَتَتَقَّل به منهم كما يتنقل بالنقْلِ (٣)، ويُوافقهم ذلك ولا يضرُّهم
البرودة أجوافهم، وخروج الحرارة إلى ظاهر الجسد، كما تُشاهد مياهُ الآبار تبرُدُ
في الصيف، وتسخن في الشتاء، وكذلك تنضج المعدة من الأغذية الغليظة في
الشتاء ما لا تنضجه في الصيف.
(١) لابتيها: ما يحيط بجانبيها من الحجارة السود البركانية تثنية لابة بزنة غابة.
(٢) أخرجه البخاري ٤٩٣/٩ في الأطعمة: باب العجوة، ومسلم (٢٠٤٧) في الأشربة:
باب فضل ثمر المدينة.
(٣) كالفستق والبزر واللوز والبندق.
٨٩
وأما أهل المدينة، فالتمر لهم يكاد أن يكونَ بمنزلة الحنطة لغيرهم، وهو
قوتُهم ومادتُهم، وتمرُ العاليةِ مِن أجود أصناف تمرهم، فإنه متينُ الجسم، لذيذُ
الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة، وهو يُوافق
أكثر الأبدان، مقو للحار الغريزي، ولا يتولد عنه من الفَضلات الرديئة ما يتولد
عن غيره من الأغذية والفاكهة، بل يمنع لمن اعتاده مِن تعفن الأخلاط وفسادِها.
اختصاص الأدوية
بالأمكنة
وهذا الحديثُ من الخطاب الذي أريد به الخاصُّ، كأهلِ المدينة ومَن
جاورهم، ولا ريبَ أن الأمكنة اختصاصاً بنفع كثير من الأدوية في ذلك المكان
دونَ غيره، فيكون الدواء الذي قد ينبت في هذا المكان نافعاً من الداء، ولا يوجد
فيه ذلك النفع إذا نبت في مكان غيره لتأثير نفس الثُّربة أو الهواء، أو هما جميعاً،
فإن للأرض خواص وطبائع يُقارب اختلافُها اختلافَ طبائع الإِنسان، وكثيرٌ من
النبات يكون في بعض البلاد غذاءً مأكولاً، وفي بعضها سُمَّاً قاتلاً، ورب أدوية
لقوم أغذية لآخرين، وأدوية لقوم من أمراض هي أدويةٌ لآخرين في أمراض
سواها، وأدوية لأهل بلدٍ لا تُناسب غيرهم، ولا تنفعهم.
وأما خاصية السَّبْع، فإنها قد وقعت قدراً وشرعاً، فخلق الله عز وجل
السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، والأيام سبعاً، والإنسان كمل خلقه في سبعة
أطوار، وشرع الله سبحانه لعباده الطواف سبعاً، والسعي بين الصفا والمروة سبعاً،
ورميَ الجمارِ سبعاً سبعاً، وتكبيرات العيدين سبعاً في الأولى. وقال مَيّ:
(مُرُوهم بالصَّلاةِ لسبع)) (١): ((وإذا صَارَ لِلْغُلامِ سَبْعُ سِنِينَ خُيَِّ بَيْنَ أَبَوَيْه)(٢) في
خاصيته عدد سبع
(١) أخرج أحمد وأبو داود (٤٩٤) والترمذي (٤٠٧) من حديث سبرة مرفوعاً («مروا
الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها)) وسنده
صحيح وأخرجه أبو داود (٤٩٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
وسنده حسن .
(٢) الذي ثبت عنه ول أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه كما أخرجه الشافعي ٤٢٢/٢، وأحمد
(٧٣٤٦) وأبو داود (٢٢٧٧) والترمذي (١٣٥٧) وابن ماجه (٢٣٥١) من حديث أبي =
٩٠
رواية. وفي رواية أخرى: ((أَبُوه أَحَقُّ بِهِ مِنْ أُمَّهِ) وفي ثالثة: (أُّهُ أَحَقُّ بِهِ) وأَمر
النبيُّ ◌َّ في مرضه أن يُصَبَّ عليه مِن سبع قِرِب (١)، وسخر الله الريحَ على قوم
عاد سبع ليال، ودعا النبيُّ ◌َ﴿ أن يُعينه اللَّهُ على قومه بسبع كسبع يوسف(٢)،
ومثَّل اللَّهُ سبحانه ما يُضاعِفُ به صدقَة المتصدِّق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل
سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رآها صاحبُ يوسف سبعاً، والسنين التي زرعوها
دأباً سبعاً، وتُضاعف الصدقةُ إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويدخل
الجنة من لهذه الأمة بغير حساب سبعون ألفاً.
فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معانيَ العدد
كله وخواصه، فإن العددَ شفع ووتر. والشفع: أول وثان. والوتر: كذلك، فهذه
أربع مراتب: شفع أول، وثان. ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتبُ في أقلَّ
مِن سبعة، وهي عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة، أعني الشفع والوتر،
هريرة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان (١٢٠٠)
=
والحاكم، وابن القطان. ولم يرد عنه 18 في تحديد السن شيء، وقد أخرج الشافعي
٤٢٣/٢ عن عُمارة الجرمي قال: خيرني علي بين أمي وعمي، ثم قال لأخ لي أصغر
مني: وهذا أيضاً لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته، وكنت ابن سبع أو ثماني سنين، وجاء
في ((المغني)) ١٤٢/٩: وإذا بلغ الغلام سبع سنين، خير بين أبويه، فكان مع من
اختار منهما إذا لم يكن معتوها، وتنازعا فيه، فمن اختاره منهما، فهو أولى به،
قضى بذلك عمر وعلي وشريح، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: لا
يخير، قال أبو حنيفة: إذا استقل بنفسه ولبس بنفسه، واستنجى بنفسه، فالأب أحق
به حتى يثَّغِرَ، وأما التخيير، فلا يصح، فإن الغلام لا قول له، ولا يعرف حظه،
وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه، ويمكن من شهواته، فيؤدي إلى إفساده،
ولأنه دون البلوغ، فلم يخير كمن دون السبع ... ثم ذكر حديث أبي هريرة وخبر
عمارة .. .
(١) أخرجه البخاري ١٠٨/٨ في المغازي: باب مرض النبي ◌ُ ◌ّ من حديث عائشة.
(٢) أخرجه البخاري ٤١٠/٢ في أول الاستسقاء، و١٦٣/١١ في الدعوات: باب الدعاء
على المشركين من حديث ابن مسعود.
٩١
والأوائل والثواني، ونغني بالوتر الأول الثلاثة، وبالثاني الخمسة، وبالشفع الأول
الاثنين، وبالثاني الأربعة، وللأطباء اعتناء عظيم بالسبعة، ولا سيما في البحارين.
وقد قال بقراط: كل شيء من هذا العالم، فهو مقدَّر على سبعة أجزاء، والنجوم
سبعة، والأيام سبعة، وأسنان الناس سبعة، أولها طفل إلى سبع، ثم صبي إلى
أربع عشرة، ثم مُرَاهِق، ثم شاب، ثم کھل، ثم شیخ، ثم هرم إلی منتھی العمر،
والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه، وقدره في تخصيص هذا العدد، هل هو لهذا
المعنى أو لِغيره؟
ونفع هذا العدد مِن هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها مِن السم
والسحر، بحيث تمنع إصابته، من الخواص التي لو قالها بقراط وجالينوس
وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن
القائل إنما معه الحَدس والتخمين والظن، فمن كلامُه كله يقين، وقطع وبرهان،
ووحي أولى أن تُتلقى أقوالُه بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض. وأدوية السموم
تارة تكون بالكيفية، وتارة تكون بالخاصية كخواص كثير من الأحجار والجواهر
واليواقيت، والله أعلم.
فصل
من شرط انتفاع العليل
بالدواء قبوله واعتقاد
النفع به
ويجوز نفعُ التمر المذكور في بعض السموم، فيكونُ الحديثُ مِن العام
المخصوص، ويجوز نفعُه لخاصية تلك البلد، وتلك التّربة الخاصة من کل سم،
ولكن ها هنا أمر لا بد مِن بيانه، وهو أن مِن شرط انتفاع العليل بالدواء قبولَه،
واعتقادَ النفع به، فتقبله الطبيعة، فتستعين به على دفع العلة، حتى إن كثيراً من
المعالجات ينفع بالاعتقاد، وحسن القبول، وكمال التلقي، وقد شاهد الناس من
ذلك عجائب، وهذا لأن الطبيعة يشتد قبولُها له، وتفرحُ النفس به، فتنتعشُ القوة،
ويقوى سلطانُ الطبيعة، وينبعث الحار الغريزي، فيُساعد على دفع المؤذي،
وبالعكس يكون كثير من الأدوية نافعاً لتلك العلة، فيقطعُ عملَه سوءُ اعتقاد العليل
فيه، وعدمُ أخذ الطبيعة له بالقبول، فلا يجدي عليها شيئاً. واعتبر هذا بأعظم
٩٢
الأدوية والأشفية، وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد، والدنيا
والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاء مِن كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا
تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضاً إلى مرضها، وليس لِشفاء القلوب
دواءٌ قط أنفعَ مِن القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يُغادر فيها سقماً إلا
أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة مِن كل مؤذ ومضر،
ومع هذا فإعراضُ أكثرِ القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه
كذلك، وعدم استعماله، والعدول عنه إلى الأدوية التي رکبها بنو جنسها حال بينها
وبين الشفاء به، وغلبت العوائد، واشتد الإعراض، وتمكنت العللُ والأدواء
المزمنة من القلوب، وتربى المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه
لهم شيوخُهم، ومَنْ يُعظمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظم المصابُ، واستحكم
الداءُ، وتركبت أمراض وعلل أعيا عليهم عِلاجُها، وكلما عالجوها بتلك
العلاجات الحادثة تفاقم أمرها، وقويت، ولسانُ الحال يُنادي عليهم:
ومِنَ العَجائبِ والعَجَائِبُ جَمَةٌ قُرْبُ الشِّفَاء وما إليه وصولُ
والمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمَولُ
كالعِيسِ في البَيْدَاءِ يَقْتُلُها الظَّما
فصل
في هديه ◌َّ في دفع ضرر الأغذية
والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها، ويقوي نفعها
ثبت في «الصحيحين)) من حديث عبد الله بن جعفر، قال: رأيتُ
رسول اللّه ◌َ لٍّ يأكل الرُّطَبَ بالقِثاء(١).
والرُّطب: حار رطب في الثانية، يُقوي المعدة الباردة، ويُوافقها، ويزيد في
(١) أخرجه البخاري ٤٨٨/٩، ٤٨٩ في الأطعمة: باب القثاء بالرطب، ومسلم (٢٠٤٣)
في الأشربة: باب أكل القثاء بالرطب.
٩٣
الباه، ولكنه سريعُ التعفن، معطش معكر للدم، مصدع مولد للسدد، ووجع
المثانة، ومضر بالأسنان، والقثاء بارد رطب في الثانية، مسكن للعطش، منعِش
للقوى بشمه لما فيه من العطرية، مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة، وإذا جفف
بزره، ودُق واستحلب بالماء، وشرب، سكَّن العطش، وأدرَّ البول، ونفع من
وجع المثانة. وإذا دُق ونُخل، ودُلك به الأسنان، جلاها، وإذا دُق ورقُه وعمل
منه ضماد مع المَيْيَخْتَج (١)، نفع من عضة الكلب الكَلِب.
وبالجملة: فهذا حار، وهذا بارد، وفي كل منهما صلاح الآخر، وإزالة
لأكثر ضرره، ومقاومة كل كيفية بضدها، ودفع سورتها بالأخرى، وهذا أصل
العِلاج كله، وهو أصل في حفظ الصحة، بل علم الطب كله يستفاد من هذا. وفي
استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل، ودفع لما فيها من
الكيفيات المضرة لِمَا يُقابلها، وفي ذلك عون على صحة البدن، وقوته وخصبه،
قالت عائشة رضي الله عنها: سمَّنوني بكُلِّ شيء، فلم أسمن، فسمنوني بالقثاء
والرُّطَب، فسمنت.
وبالجملة: فدفعُ ضرر البارد بالحار، والحار بالبارد، والرطبِ باليابس،
واليابس بالرطب، وتعديل أحدهما بالآخر مِن أبلغ أنواع العلاجات، وحفظ
الصحة، ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسَّنوت، وهو العسل الذي فيه شيء
من السمن يصلح به السنا، ويُعدله، فصلوات الله وسلامه على من بُعث بعمارة
القلوب والأبدان، وبمصالح الدنيا والآخرة.
فصل
في هديه وَّ في الحِمية
التخليط، احتيج إلى
و
الدواء كله شيئان: حمية وحفظ صحة. فإذا وقع
(١) كلمة فارسية معناها: مطبوخ العنب، وهو الرُّبُّ.
٩٤
الاستفراغ الموافق، وكذلك مدارُ الطب كله على هذه القواعد الثلاثة. والحمية:
حميتان: حمية عما يجلِبُ المرض، وحمية عما يزيده، فيقف على حاله،
فالأول: حمية الأصحاء. والثانية: حمية المرضى، فإن المريض إذا احتمى،
وقف مرضُه عن التزايد، وأخذت القوى في دفعه. والأصل في الحمية قوله
تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ
النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، فحمى
المريضَ من استعمال الماء، لأنه يضرُّه.
وفي ((سنن ابن ماجه)) وغيره عن أمّ المنذِر بنت قيس الأنصارية، قالت:
دخل عليَّ رسولُ اللهَ وَّهِ ومعه علي، وعلي نَاقِهٌ مِن مرض، ولنا دوالي معلّقة،
فقام رسولُ اللهَ وَّمَ يأكل منها، وقام علي يأكلُ منها، فطفِق رسول الله مَله يقول
لعلي: ((إِنَّك نَاقَةٌ)) حَتَّى كَفَّ. قالت: وصنعتُ شعيراً وسِلقاً، فجئت به، فقال
النبي ◌َّ لعلي: ((مِنْ هُذا أَصِبْ، فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لَكَ)) وفي لفظ فقال: ((مِنْ هُذا
فَأَصِبْ، فَإِنَّهِ أَوْفَقُ لَكَ))(١).
وفي ((سنن ابن ماجه)) أيضاً عن صُهيب قال: قدمتُ على النبيِوَّ وبين
يديه خبز وتمر، فقال: ((ادْنُ فَكُلْ))، فَأَخذتُ تمراً فأكلتُ، فقال: ((أَتَأْكُلُ تَمْراً
وبِكَ رَمَدٌ))؟ فقلت: يا رسول الله! أَمْضَعُ مِن الناحية الأخرى، فتبسَّم
رسول اللَّهِ يَّةٍ(٢).
وفي حديث محفوظ عنه بَّهِ: ((إنَّ اللَّه إذا أَحَبَّ عَبْداً، حَمَاهُ مِنَ الدُّنيا،
كمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَريضَه عَنِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ)). وفي لفظ: ((إِنَّ اللَّهَ يَحْمِي عَبْدَه
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٢)، والترمذي (٢٠٣٨) وأبو داود (٣٨٥٦) وأحمد ٣٦٤/٦،
وسنده حسن .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٤٤٣) وسنده حسن، وقال البوصيري في ((الزوائد)) ٢١٣/٢:
إسناده صحيح ورجاله ثقات.
٩٥
اَلَمُؤْمِنَ مِنَ الدّنيا))(١).
وأما الحديثُ الدائرُ على ألسنة كثير من الناس: ((الحِميةُ رأسُ الدواء،
والمَعِدَةُ بيتُ الداء، وعَوِّدُوا كُلَّ جسم ما اعتاد)) فهذا الحديث إنما هو من كلام
الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب، ولا يَصِحُّ رفعُه إلى النبي ◌ََّ، قاله غيرُ واحد من
أئمة الحديث. ويذكر عن النبي ◌َّرَ: ((أن المَعِدَة حوضُ البدن، والعُروق إليها
واردة، فإذا صحَّت المَعِدَةُ صدرت العروقُ بالصحة، وإذا سَقِمَتِ المعدَةُ،
صدرت العروقُ بالسقم))(٢).
وقال الحارث: رأس الطِّبِّ الحمية، والحمية عندهم للصحيح في
المضرة بمنزلة التخليط للمريض والنّاقِه، وأنفعُ ما تكون الحمية للنَّاقِهِ مِن
المرض، فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، والقوة الهاضمة ضعيفة،
والطبيعة قابلة، والأعضاء مستعدة، فتخليطُه يُوجب انتكاسَها، وهو أصعب
من ابتداءٍ مرضه.
واعلم أن في منع النبيِّ ◌ََّ لعلي من الأكل مِن الدَّوالي، وهو ناقِه
أحسن التدبير، فإن الدَّواليَ أَقْنَاءٌ مِن الرُّطَبِ تُعلَّق في البيت للأكل بمنزلة
عناقِيدِ العِنَب، والفاكهة تضرُّ بالناقه من المرض لسُرعة استحالتها، وضعف
الطبيعة عن دفعها، فإنها لم تتمكن بعد من قوتها، وهي مشغولة بدفع آثار
العلة، وإزالتها مِن البدن.
وفي الرُّطَبِ خاصة نوع ثقلٍ على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه
عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره، فإما أن تقف تلك البقية، وإما
(١) حديث صحيح أخرجه أحمد ٤٢٧/٥ و٤٩٨ من حديث محمود بن لبيد، وأخرجه
الترمذي (٢٠٣٦) عن محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان وحسنه، وصححه
الحاكم ٣٠٩/٤، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث أبي سعيد عند الحاكم
٢٠٨/٤.
(٢) في سنده يحيى البابلتي وهو ضعيف. ((مجمع الزوائد)) ١٨٦/٥.
٩٦
أن تتزايدَ، فلما وضع بين يديه السِّلْق والشعيرُ، أمره أن يُصيب منه، فإنه من
أنفع الأغذية للناقِه، فإن في ماء الشعير مِن التبريد والتغذية، والتلطيف
والتليين، وتقويةِ الطبيعة ما هو أصلَح للناقِه، ولا سيما إذا طُبَخَ بأصول
السلق، فهذا مِن أوفق الغذاء لمن في مَعِدَتِهِ ضعف، ولا يتولَّد عنه من
الأخلاط ما يُخاف منه.
وقال زيدُ بن أسلم: حَمَى عُمَرُ رضي الله عنه مريضاً له، حتى إنه من
شدة ما حماه كان يَمَصُّ النوى.
وبالجملة: فالحمية من أنفع الأدوية قبل الداء، فتمنع حصولَه، وإذا
حصل، فتمنع تزايدَه وانتشارَه.
فصل
ومما ينبغي أن يُعلم أَنَّ كثيراً مما يُحمى عنه العليلُ والناقِهِ والصحيحُ، إذا
اشتدت الشهوة إليه، ومالت إليه الطبيعة، فتناول منه الشيء اليسيرَ الذي لا تَعْجِزُ
الطبيعةُ عن هضمه، لم يضرَّه تناولُه، بل ربما انتفع به، فإن الطبيعة والمَعِدَة
تتلقيانه بالقبول والمحبة، فيُصلحان ما يُخشى مِن ضرره، وقد يكون أنفعَ مِن
تناول ما تكرهه الطبيعةُ، وتدفعهُ من الدواء، ولهذا أقر النبيُّ ◌ََّ صُهيباً وهو أرمدُ
على تناول التمراتِ اليسيرة، وعلم أنها لا تَضُرُّه، ومن هذا ما يُروى عن علي أنه
دخل على رسول الله ◌َّ﴾ وهو أرمدُ، وبين يدي النبيِّ مَل تمر يأكله، فقال: يا
عليُّ! تشتهيه؟ ورمى إليه بتمرة، ثم بأخرى حتَّى رمى إليه سبعاً، ثم قال: ((حَسْبُكَ
یَا عَليّ)).
لا حرج في تناول
الإنسان ما يشتهيه عن
جوع صادق وكان فيه
ضرر ما
ومن هذا ما رواه ابن ماجه في «سننهِ)) من حديث عكرمة، عن ابن عباس،
أن النبي ◌َّ﴾ عاد رجلاً، فقال له: ((مَا تَشْتَهِي))؟ فقال: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرِّ. وفي لفظ:
أشتهي كعكاً، فقال النبي ◌ََّ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرِّ فَلْيَبْعَثْ إلى أَخِيه))، ثم قال:
٩٧
زاد المعاد ج ٤ -م٤
(إِذَا اشْتَهِى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئاً، فَلْيطْعِمُهُ))(١).
ففي هذا الحديث سر طبي لطيف، فإن المريضَ إذا تناول ما يشتهيه عن
جُوع صادق طبيعي، وكان فيه ضرر ما، كان أنفعَ وأقلَّ ضرراً مما لا يشتهيه، وإن
كان نافعاً في نفسه، فإن صدق شهوته، ومحبة الطبيعة يدفع ضرره، وبُغض
الطبيعة وكراهتها للنافع، قد يَجْلِبُ لها منه ضرراً. وبالجملة: فاللذيذ المشتهى
تُقبل الطبيعة عليه بعناية، فتهضِمُه على أحمدِ الوجوه، سيما عند انبعاث النفس
إليه بصدق الشهوة، وصحة القوة، والله أعلم.
فصل
في هديه وَّ في علاج الرَّمدِ بالسكون،
والدَّعةِ، وتركِ الحركة، والحمية مما يهيج الرمد
وقد تقدَّم أن النبيَّ ◌َّ حمى صهيباً من التمر، وأنكر عليه أكله، وهو أرمد،
وحمى علياً مِن الرُّطَبِ لما أصابه الرمد.
وذكر أبو نُعيم في كتاب ((الطب النبوي)): أنه مَّ كان إذا رَمِدَت عينُ امرأةٍ
من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينُها.
حقيقة الرمد
الرمد: ورم حار يعرضُ في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضُها
الظاهر، وسببُه انصبابُ أحد الأخلاط الأربعة، أو ريح حارة تكثُر كميتها في
الرأس والبدن، فينبعِثُ منها قِسط إلى جوهر العين، أو ضربةٌ تُصيب العين،
فترسل الطبيعة إليها مِن الدم والروح مقداراً كثيراً ترومُ بذلك شفاءَها مما عَرَض
لها، ولأجل ذلك يرِمُ العضو المضروب، والقیاسُ يوجب ضده.
(١) أخرجه ابن ماجه (١٤٣٩) في الجنائز: باب ما جاء في عيادة المريض، و(٣٤٤٠)
من حديث ابن عباس وفي سنده صفوان بن هبيرة وهو لين الحديث كما في
((التقریب)).
٩٨
سببه
واعلم أنه كما يرتفعُ من الأرض إلى الجو بُخاران، أحدهما: حار يابس،
والآخر: حار رطب، فينعقدان سحاباً متراكماً، ويمنعان أبصارنا مِن إدراك
السماء، فكذلك يرتفعُ من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك، فيمنعانِ النظر،
ويتولَّد عنهما عِلل شتى، فإن قويت الطبيعةُ على ذُلك ودفعته إلى الخياشيم،
أحدث الزُّكام، وإن دفعته إلى اللهاة والمَنْخِرَين أحدث الخُناق، وإن دفعته إلى
الجَنْبِ، أحدث الشّوصة، وإن دفعته إلى الصدر، أحدث النَّزلة، وإن انحدر إلى
القلب، أحدث الخَبْطَةَ، وإن دفعته إلى العين أحدث رمداً، وإن انحدر إلى
الجوف، أحدث السَّيَلان، وإن دفعته إلى منازل الدِّماغ أحدث النسيان، وإن
ترطبت أوعيةُ الدماغ منه، وامتلأت به عروقُه أحدث النوم الشديد، ولذلك كان
النوم رطباً، والسهر يابساً. وإن طلب البخار النفوذ من الرأس، فلم يقدِرْ عليه،
أعقبه الصُّداع والسهر، وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس، أعقبه الشقيقة، وإن
ملك قِمة الرأس ووسط الهامة. أعقبه داءُ البيضة، وإن برد منه حِجابُ الدماغ، أو
سخن، أو ترطَّب وهاجت منه أرباح، أحدث العُطاس، وإن أهاج الرطوبة
البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي، أحدث الإغماء والسُّكات، وإن أهاج
المِرة السوداء حتى أظلم هواءُ الدماغ، أحدث الوسواس، وإن فاض ذلك إلى
مجاري العصب، أحدث الصَّرع الطبيعي، وإن ترطبت مجامعُ عصب الرأس
وفاض ذلك في مجاريه، أعقبه الفالج، وإن كان البُخار مِن مِرَّةٍ صفراء ملتهبة
محمية للدماغ، أحدث البِرْسام(١)، فإن شركه الصدر في ذلك، كان سرساماً (٢)،
فافهم هذا الفصل .
والمقصودُ: أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حالِ الرمد، علة الامتناع عن الجماع
حال الرمد
والجماعُ مما يَزيد حركتها وثورانها، فإنَّه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة. فأما
البدن، فيسخُن بالحركة لا محالة، والنفس تشتدُّ حركتها طلباً للذة واستكمالها،
(١) البرسام: التهاب في الحجاب الذي بين الكبد والقلب.
(٢) السرسام: ورم في حجاب الدماغ يحدث عنه حمى واختلاط في الذهن.
٩٩
والروحُ تتحرك تبعاً لحركة النفس والبدن، فإنَّ أول تعلق الروح من البدن بالقلب،
ومنه ينشأ الروحُ، وتنبَثُّ في الأعضاء. وأما حركة الطبيعة، فلأجل أن تُرسِلَ ما
يجب إرسالُهُ مِن المني على المقدار الذي يجبُ إرسالُه.
وبالجملة: فالجماعُ حركة كلية عامة يتحرَّك فيها البدن وقواه، وطبيعته
وأخلاطه، والروحُ والنفس، فكلُ حركة فهي مثيرة للأخلاط مرققة لها تُوجب
دفعها وسيلانها إلى الأعضاء الضعيفة، والعين في حال رمدها أضعفُ ما تكون،
فأضر ما عليها حركةُ الجماع.
قال بقراط في كتاب ((الفصول)): وقد يَدُلُّ ركوبُ السفن أن الحركة تُثَوِّرُ
الأبدان. هذا مع أن في الرمد منافعَ كثيرة، منها ما يستدعيه من الحِمية
والاستفراغ، وتنقيةِ الرأس والبدن مِن فضلاتهما وعُفوناتهما، والكفِّ عما يُؤذي
النفس والبدن من الغضب، والهم والحزن، والحركات العنيفة، والأعمال
الشاقة. وفي أثر سلفي: لا تكرهوا الرمد، فإنه يقطع عروق العمى.
علاجه
ومن أسباب علاجه ملازمةُ السكون والراحة، وتركُ مس العين والاشتغال
بها، فإن أضداد ذلك يُوجب انصبابَ المواد إليها. وقد قال بعضُ السلف: مَثَلُ
أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ مَثَلُ العَيْنِ، ودَوَاءُ العَيْنِ تَرْكُ مَسِّها. وقد رُوي في حديث مرفوع،
الله أعلمُ بِهِ: ((علاجُ الرمدِ تقطيرُ الماءِ الباردِ في العين)) وهو من أنفع الأدوية للرمد
الحار، فإن الماء دواء بارد يُستعان به على إطفاء حرارةِ الرمد إذا كان حاراً، ولهذا
قال عبدُ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه لامرأته زينب وقد اشتكت عينُها: لو فَعَلْتِ
كما فَعَلَ رسول اللّه ◌َلٍ كان خيراً لك وأجدرَ أَنْ تُشْفي، تنضحِينَ في عينك المَاء،
ثم تقولين: ((أَذْهِبِ البَّأْسَ رَبَّ النَّاس، واشْفِ أَنْتَ الشَّافي، لا شِفَاءَ إلا شِفَاؤُكَ،
شِفَاء لاَ يُغَادِرُ سَقَماً)) (١). وهذا مما تقدم مراراً أنه خاص ببعض البلاد، وبعضٍ
أَوجاع العين، فلا يُجعل كلامُ النبوة الجزئيُّ الخاص كُلياً عاماً، ولا الكليُّ العام
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٨٣) وابن ماجه (٣٥٣٠) ورجاله ثقات.
١٠٠