Indexed OCR Text
Pages 61-80
عباس: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبيَّ ◌َيَّ فقالت: إني أُصرع، وإني أتكَشَّفُ، فادع الله لي، فقال: ((إنْ شِئْتِ صَبَّرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ أَنْ يُعافِيَكِ))، فقالت: أصبر. قالت: فإني أتكشّف، فادعُ الله أن لا أتكشف، فدعا لها(١) . قلتُ: الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرٌ من الأخلاطِ الرديئة. والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرعُ الأرواح، فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، إثبات صرع الأرواح ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيّرة العُلوية لتلك الأرواح الشِّريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتُبطلها، وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه، فذكر بعضَ علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببُه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع فيه هذا العلاج. وأما جهلة الأطباء وسَقَطُهم وسِفْلَتُهم، ومن يعتقِدُ بالزندقة فضيلة، فاؤلئك يُنكِرون صرع الأرواح، ولا يُقرون بأنها تُؤثر في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهلُ، وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك، والحسُّ والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط، هو صادق في بعض أقسامه لا في كلها. وقدماء الأطباء كانوا يُسمون هذا الصرَع: المرضَ الإِلْهيَ، وقالوا: إنه من الأرواح، وأما جالينوس وغيرُه، فتأَوَّلُوا عليهم هذه التسمية، وقالوا: إنما سموه بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس، فنضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ. (١) أخرجه البخاري ٩٩/١٠ في المرضى: باب من يصرع من الريح، ومسلم (٢٢٦٥) في البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه. ٦١ وهذا التأويل نشأ لهم مِن جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها، وتأثيراتِها، وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده. ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتِها يضحَكُ مِن جهل هؤلاء وضعف عقولهم. العلاج من صرع الأرواح وعلاجُ هذا النوع يكون بأمرين: أمرٍ من جهة المصروع، وأمرٍ من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه، وصِدق توجهه إلى فاطر لهذه الأرواح وبارئها، والتعوّذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلبُ واللسان، فإن هذا نوعُ محاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بأمرين: أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً، وأن يكون الساعد قوياً، فمتى تخلّف أحدُهما لم يُغن السلاح كثيرَ طائل، فكيف إذا عُدِمَ الأمران جميعاً: يكون القلب خراباً من التوحيد، والتوكل، والتقوى، والتوجه، ولا سلاح له. والثاني: من جهة المعالج، بأن يكون فيه هذان الأمران أيضاً، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: ((اخرُج منه)). أو بقول: ((بسم الله))، أو بقول: ((لا حول ولا قوة إلا بالله))، والنبيُّ ◌َّ كان يقول: ((اخرج عدو الله أنا رسول الله))(١). وشاهدتُ شيخنا يُرسِلُ إلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه، ويقول: قال لك الشيخُ: اخرجي، فإن هذا لا يحِلُّ لك، فيُفيق المصروعُ، وربما خاطبها بنفسه، وربما كانت الروح مارِدة فيُخرجها بالضرب، فيُفيق المصروع ولا يُحِس علاج ابن تيمية للمصروع (١) أخرجه الإمام أحمد ١٧٠/٤ و١٧١ و١٧٢ من حديث يعلى بن مرة عن النبي وَالم أنه أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم فقال له النبي مُ له: ((أخرج عدو الله أنا رسول الله)) قال: فبرأ فأهدت له كبشين وشيئاً من أقط وسمن فقال رسول الله صلصلة: (يا يعلى خذ الأقط والسمن وخذ أحد الكبشين ورد عليها الآخر)). ورجاله ثقات، وفي الباب عن عثمان بن أبي العاص عند ابن ماجه (٣٥٤٨)، وعن جابر عند الدارمي ١٠/١. ٦٢ بألم، وقد شاهدنا نحنُ وغيرُنا منه ذلك مراراً. وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وأَنَّكُم إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وحدثني أنه قرأها مرة في أذن المصروع، فقالت الروح: نعم، ومد بها صوته. قال: فأخذت له عصا، وضربته بها في عروق عنقه حتى كَلَّت يداي من الضرب، ولم يَشُكَّ الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب. ففي أثناء الضرب قالت: أنا أُحِبُّه، فقلتُ لها: هو لا يحبك، قالت: أنا أُريد أن أحُجَّ به، فقلت لها: هو لا يريد أن يَحُجَّ معك، فقالت: أنا أدعه كرامةً لك، قال: قلتُ: لا ولكن طاعة للَّهِ ولِرسوله، قالت: فأنا أخرجُ منه، قال: فقعد المصروع يلتفتُ يميناً وشمالاً، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ، قالُوا له: وهذا الضرب كُلُّه؟ فقال: وعلى أي شيء يضرِبُني الشيخ ولم أُذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب ألبتة . وكان يُعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يُعالجه بها، وبقراءة المعوِّذتين. وبالجملة فهذا النوع من الصرع، وعلاجه لا يُنكره إلا قليلُ الحظ مِن العلم والعقل والمعرفة، وأكثرُ تسلط الأرواح الخبيثة على أهله تكونُ من جهة قلة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم مِن حقائق الذكر، والتعاويذ، والتحصُّنات النبوية والإِيمانية، فَتَلْقَى الروحُ الخبيثة الرجلَ أعزلَ لا سِلاح معه، وربما كان عُرياناً فيُؤثر فيه هذا. التفات المصنف إلى خراب القلوب ولو كُشِفَ الغِطاء، لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى هذه الأرواح الخبيثة، وهي في أسرها وقبضتها تسوقُها حيث شاءت، ولا يُمكنها الامتناعُ عنها ولا مخالفتها، وبها الصرعُ الأعظم الذي لا يُفيق صاحبُه إلا عند المفارقة والمعاينة، فهناك يتحقق أنه كان هو المصروعَ حقيقة، وبالله المستعان. ٦٣ وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسلُ، وأن تكون الجنةُ والنارُ نُصبَ عينيه وقبلة قلبه، ويستحضر أهل الدنيا، وحلول المَثُلات والآفات بهم، ووقوعَها خِلال ديارهم كمواقع القطر، وهُم صَرعى لا يُفيقون، وما أشدَّ داءَ هذا الصرع، ولكن لما عمَّتِ البليَّةُ به بحيث لا يرى إلا مصروعاً، لم يصر مستغرباً ولا مستنكراً، بل صار لكثرة المصروعين عينَ المستنگر المستغرب خلافه. فإذا أراد الله بعبد خيراً أفاق من هذه الصرعة، ونظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يميناً وشمالاً على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من أطبق به الجنون، ومنهم من يُقيق أحياناً قليلة، ويعود إلى جنونه، ومنهم من يُفيق مرةً، ويُجن أخرى، فإذا أفاق عمل عمل أهل الإفاقة والعقل، ثم يُعاوِدُه الصرع فيقع في التخبط . فصل صرع الأخلاط وأما صرع الأخلاط، فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعاً غير تام، وسببُه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدة غيرَ تامة، فيمتنعُ نفوذُ الحس والحركة فيه وفي الأعضاء نفوذاً تاماً مِن غير انقطاع بالكُلية، وقد تكون لأسباب أخر كريح غليظ يحتبس في منافذ الروح، أو بُخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، أو كيفية لاذعة، فينقبضُ الدماغُ لدفع المؤذي، فيتبعه تشتّجٌّ في جميع الأعضاء، ولا يُمكن أن يبقى الإِنسان معه منتصباً، بل يسقُطُ، ويظهر في فيه الزبدُ غالباً. وهذه العلة تُعد من جملة الأمراض الحادة باعتبار وقت وجوده المؤلم خاصة، وقد تُعد من جملة الأمراض المزمنة باعتبار طول مكثها، وعُسر بُرئها، لا سيما إن تجاوز في السن خمساً وعشرين سنة، وهذه العلة في دماغه، وخاصةً في ٦٤ جوهره، فإن صرع هؤلاء يكون لازماً. قال أبقراط: إن الصرع يبقى في هؤلاء حتى يموتوا. إذا عرف هذا، فهذه المرأة التي جاء الحديث أنها كانت تُصرع وتتكشفُ، لعل صرع المرأة التي وردت في الحديث كان يجوز أن يكون صرعُها من هذا النوع، فوعدها النبي ◌َّ الجنة بصبرها على هذا صرعها من صرع الأخلاط المرض، ودعا لها أن لا تتكشف، وخيَّرها بين الصبر والجنة، وبينَ الدعاء لها بالشفاء مِن غير ضمان، فاختارت الصبر والجنة. وفي ذلك دليل على جواز تركِ المعالجة والتداوي، وأن علاج الأرواح بالدعوات والتوجه إلى الله يفعل ما لا ينالُه علاجُ الأطباء، وأن تأثيره وفعله، وتأثر الطبيعة عنه وانفعالها أعظمُ مِن تأثير الأدوية البدنية، وانفعال الطبيعة عنها، وقد جربنا هذا مراراً نحن وغيرنا، وعقلاء الأطباء معترفون بأن لفعل القوى النفسية، وانفعالاتها في شفاء الأمراض عجائب، وما على الصناعة الطبية أضرُّ مِن زنادقة القوم، وسِفْلتهم، وجهالهم. والظاهر: أن صرع هذه المرأة كان من هذا النوع، ويجوزُ أن يكونَ من جهة الأرواح، ويكون رسول الله بِ له قد خيَّرها بين الصبر على ذلك مع الجنة، وبين الدعاء لها بالشفاء، فاختارت الصبر والستر، والله أعلم. جواز ترك التداوي وأن علاج الأرواح بالتوجه إلى الله يفعل ما لا يناله علاج الأطباء فصل في هديه وَّ في علاج عِرق النَّسا روى ابن ماجه في ((سننه)) من حديث محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسول الله ◌ََّ يقول: ((دَوَاءُ عِرْق النّسا ألْيَةُ شَاةٍ أَغْرَابِيَّةٍ تُذَابُ، ثُمَّ تُجَزَّأُ ثَلاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ عَلى الرِّيقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءٌ)(١). (١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٦٣) في الطب: باب دواء عرق النسا، ورجاله ثقات، وقال البوصيري في ((الزوائد)) ٢١٦/١: إسناده صحيح. ٦٥ زاد المعاد ج٤-م٣ عِرق النساء: وجع يبتدىء مِن مَفْصِل الوَرِك، وينزِل مِن خلف على الفخذ، وربما على الكعب، وكلما طَالت مدتُه، زاد نزولُه، وتُهزل معه الرجل والفَخِذُ، وهذا الحديثُ فيه معنى لغوي، ومعنى طبي. فأما المعنى اللغوي، فدليلٌ على جواز تسمية هذا المرض بعرق النَّسا خلافاً لمن منع هذه التسمية، وقال: النساهو العرق نفسه، فيكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهو ممتنع وجواب هذا القائل من وجهين. أحدُهما: أن العرق أعم من النسا، فهو من باب إضافة العام إلى الخاص نحو: كل الدراهم أو بعضها . الثاني: أن النسا: هو المرض الحال بالعرق، والإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى محلِّهِ وموضعه. قيل: وسمي بذلك لأن ألمه يُنسِي ما سواه، وهذا العرق ممتد من مَفْصِلِ الوَرِك، وينتهي إلى آخر القدم وراءَ الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر. وأما المعنى الطبي: فقد تقدم أن كلامَ رسولِ اللَّهِ وَ ل* نوعان: أحدهما: عام بحسب الأزمان، والأماكن، والأشخاص، والأحوال. والثاني: خاص بحسب لهذه الأمور أو بضعها، وهذا من هذا القسم، فإن هذا خطاب للعرب، وأهل الحجاز، ومن جاورهم، ولا سيما أعراب البوادي، فإن هذا العِلاجَ من أنفع العلاج لهم، فإن لهذا المرض يحدث من يُيس، وقد يحدث من مادة غليظة لَزِجَة، فعِلاجُها بالاسهال والألْيَةُ فيها الخاصيتان: الإنضاج، والتليين، ففيها الإِنضاج، والإِخراج. وهذا المرضُ يحتاج عِلاجُه إلى لهذين الأمرين، وفي تعيين الشاة الأعرابية لِقلة فضولها، وصِغر مقدارها، ولُطف جوهرها، وخاصية مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشِّيح، والقَيْصُوم، ونحوهما، ولهذه النباتاتُ إذا تغذَّى بها الحيوانُ، صار في لحمه من طبعها بعد أن يُلَطِّفَها تغذيه بها، ويُكسبها مزاجاً ألطفَ منها، ولا سيما الآلية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم، ولكن الخاصية التي في الآلية من الإِنضاج ٦٦ والتليين لا تُوجد في اللبن(١)، وهذا كما تقدم أن أدوية غالب الأمم والبوادي هي الأدوية المفردة، وعليه أطباء الهند. وأما الروم واليونان، فيعتنون بالمركَّبة، وهم متفقون كُلُّهم على أن مِن مهارة الطبيب أن يداوي بالغذاء، فإن عجز فبالمُفرد، فإن عجز، فبما كان أقلَّ تركيباً. وقد تقدم أن غالب عاداتِ العرب وأهل البوادي الأمراض البسيطة، فالأدوية البسيطة تُناسبها، وهذا لبساطة أغذيتهم في الغالب. وأما الأمراضُ المركبة، فغالباً ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، فاختيرت لها الأدوية المركبة، والله تعالى أعلم. فصل في هديه ◌َ ﴾ في علاج يبس الطبع، واحتياجه إلى ما يُمشيه ويُلينه روى الترمذي في ((جامعه)) وابن ماجه في ((سننه)) من حديث أسماء بنت عميس، قالت: قال رسول الله وَلٌ: ((بِماذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ))؟ قالت: بالشُّبْرُم، قال: ((حَارٌّ جَارٌّ)، قالت: ثم استمشيتُ بالسَّنا، فقال: ((لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنَ المَوْتِ لَكَانَ السَّنا))(٢). (١) قال الدكتور عادل الأزهري: عرق النسا: هو مرض يصيب النساء والرجال على السواء، وآلامه مفرطة تبتدىء غالباً في أسفل العمود الفقري، ويمتد الألم إلى إحدى الأليتين، ثم إلى الجزء الخلفي من الفخذ، وأحياناً حتى الكعب. وينتج غالباً من انفصال غضروفي بأسفل العمود الفقري، أو التهاب روماتزمي بالعصب الإنسي، وعلاجه الأساسي الراحة التامة على الظهر لمدة خمسة عشر يوماً على الأقل مع إعطاء مهدئات للألم مثل الأسبرين ... والحجامات الجافة والكي أحياناً يساعدان على علاجه . (٢) أخرجه الترمذي (٢٠٨٢) وابن ماجه (٣٤٦١) وأحمد ٣٦٩/٦، والحاكم ٢٠٠/٤، = ٦٧ ٠ وفي ((سنن ابن ماجه)) عن إبراهيم بن أبي عَبلة، قال: سمعت عبد الله بن أمِّ حرام، وكان قد صلَّى مع رسول الله وَ لِّ القِبلتين يقول: سمعتُ رسول الله وال يقول: ((عَلَيْكُم بالسَّنا والسَّئُوت، فإنَّ فيهما شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ إِلا السَّامَ))، قيل: يا رسولَ اللَّهِ! وما السَّامُ؟ قال: ((الَمَوْتُ))(١). قوله: ((بماذا كنت تستمشين))؟ أي: تلينين الطبع حتى يمشي ولا يصير بمنزلة الواقف، فيؤذي باحتباس النجو، ولهذا سمي الدواء المسهل مَشِيّاً على وزن فعيل. وقيل: لأن المسهول يكثر المشي والاختلاف للحاجة وقد روي: ((بماذا تستشفين))؟ فقالت: بالشبرم، وهو من جملة الأدوية اليتوعية (٢)، وهو قشر عرق شجرة، وهو حارٌّ يابس في الدرجة الرابعة، وأجوده المائل إلى الحمرة، الخفيفُ الرقيق الذي يُشبه الجلد الملفوف، وبالجملة فهو من الأدوية التي أوصى الأطباءُ بترك استعمالها لخطرها، وفرط إسهالها. العلاج بالشبرم وقوله ◌َِّ: ((حارٌّ جارٌّ)) ويروى: ((حارٌ يارٌ))، قال أبو عبيد: وأكثرُ كلامهم بالياء. قلت: وفيه قولان، أحدهما: أن الحار الجار بالجيم: الشديد الإسهال، فوصفه بالحرارة، وشدة الإسهال وكذلك هو، قاله أبو حنيفة الدِّينَوَرِي. ما المقصود بالإتباع؟ والثاني - وهو الصواب - أن هذا من الإتباع الذي يُقصد به تأكيد الأول، ويكون بين التأكيد اللفظي والمعنوي، ولهذا يُراعون فيه إتباعه في أكثر حروفه، كقولهم: حَسَنٌّ بَسَن، أي: كامل الحسن، وقولهم: حَسَن قَسَن بالقاف، ومنه شيطان لَيْطَان، وحَار جَار، مع أن في الجار معنى آخر، وهو ٢٠١، وفي سنده جهالة، لكن يشهد له الحديث الآتي، فيتقوى به. (١) أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٧) والحاكم ٢٠١/٤، وفي سنده عمرو بن بكر السكسكي وهو ضعيف، وفي التهذيب: وقد تابعه عليه شداد بن عبد الرحمن الأنصاري ويشهد له الحديث السابق. (٢) اليتوع: كصبور أو تنور: كل نبات له لبن دار مُسهِل مُحرِق مقطِّع، والمشهور منه سبعة: الشبرم ... ٦٨ : الذي يجر الشيء الذي يُصيبه مِن شدة حرارته وجذبه له، كأنه ينزعه ويسلخه. ويار: إما لغة في جار، كقولهم: صِهري وصِهريج، والصهاري والصهاريج، وإما إتباع مستقل. نبات السنا وأما السنا، ففيه لغتان: المد والقصر، وهو نبت حجازي أفضلُه المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريبٌ مِن الاعتدال، حارٌّ يابس في الدرجة الأولى، يُسهِلُ الصفراء والسوداء، ويقوي جِرْمَ القلب، وهذه فضيلة شريفة فيه، وخاصيته النفعُ من الوسواس السوداوي، ومِن الشّقاق العارض في البدن، ويفتح العضل وينفع من انتشار الشعر، ومن القُمَّل والصُّداع العتيق، والجرب، والبثور، والحِكة، والصَّرع، وشرب مائه مطبوخاً أصلحُ مِن شربه مدقوقاً، ومقدارُ الشربة منه ثلاثة دراهم، ومِن مائه خمسة دراهم، وإن طبخ معه شيء من زهر البنفسج والزبيب الأحمر المنزوع العَجَم، كان أصلح. قال الرازي: السناء والشاهترج (١) يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب والحِكة، والشَّربة مِن كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأمّا السَّنوت ففيه ثمانية أقوال؛ أحدها: أنه العسل. والثاني: أنه رُبُّ عُكة السمن يخرجُ خططاً سوداء على السمن، حكاهما عمرو بن بكر السكسكي. الثالث: أنه حبٌّ يشبه الكمون وليس به، قاله ابن الأعرابي. الرابع: أنه الكَّمون الكرماني. الخامس: أنه الرازيانج. حكاهما أبو حنيفة الدِّينَوري عن بعض الأعراب. السادس: أنه الشِّبِتُّ. السابع: أنه التمر حكاهما أبو بكر بن السُّنِّي الحافظ. الثامن: أنه العسل الذي يكون في زِقاق السمن، حكاه عبد اللطيف البغدادي. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر ما هو السنوت؟ (١) هو ملك البقول، ويسمى كزبرة الحمار. ٦٩ بالمعنى، وأقرب إلى الصواب، أي: يخلط السناء مدقوقاً بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلحَ من استعماله مفرداً لما في العسل والسمن من إصلاح السنا، وإعانته له على الإسهال. والله أعلم. وقد روى الترمذيُّ وغيره من حديث ابن عباس يرفعه: ((إنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُم بِهِ السَّعُوطُ واللَّدُودُ والحِجامَةُ والمَشِيُّ))(١) والمَشِيُّ: هو الذي يمشي الطبعَ ويُلَيِّنُه ويُسَهِّلُ خُروجَ الخَارِجِ. فصل في هديه ◌َّة في علاج حِكة الجِسم وما يولد القَمل في ((الصحيحين)) من حديث قتادة، عن أنس بن مالك قال: رشخّص رسولُ اللّهِ بَّهِ لِعبد الرحمن بن عوف، والزُّبيرِ بنِ العوَّام رضي الله تعالى عنهما في لُبس الحریر لِحگّةٍ کانت بِهما. وفي رواية: أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، شَكَوَا القَمْلَ إلى النبيِنَّهَ في غزاةٍ لهما، فرخَّص لهما في قُمُصِ الحريرِ، ورأيتُه عليهما))(٢). هذا الحديثُ يتعلق به أمران: أحدهما: فقهي، والآخر طبي. حكم لبس الحرير فأما الفقهي: فالذي استقرت عليه سنَّتُهُ وَّهَ إباحةُ الحرير للنساء مطلقاً، وتحريمه على الرجال إلا لحاجة ومصلحة راجحة، فالحاجة إمَّا مِن شدة البرد، ولا يجد غيره، أو لا يجد سُترةً سواه. ومنها: لباسه للجرب، والمرض، والحِكة، وكثرة القَمْل كما دل عليه حديثُ أنس هذا الصحيح. (١) أخرجه الترمذي (٢٠٤٨) وفي سنده عباد بن منصور وهو ضعيف. (٢) أخرجه البخاري ٦/ ٧٣ في الجهاد: باب الحرير في الحرب، ومسلم (٢٠٧٦) في اللباس: باب إباحة لبس الحرير للرجال. ٧٠ والجواز: أصح الروايتين عن الإِمام أحمد، وأصحُ قولي الشافعي، إذ الأصل عدمُ التخصيص، والرخصةُ إذا ثبتت في حقِّ بعض الأمة لمعنى تعذَّت إلى كُلِّ من وُجِدَ فيه ذلك المعنى، إذ الحُكْمُ يعمُ بِعُمُومٍ سببه. ومن منع منه، قال: أحاديثُ التَّحريم عامة، وأحاديثُ الرخصة يُحتمل اختصاصُها بعبد الرحمن بن عوف والزبير، ويحتمل تعديها إلى غيرهما. وإذا احْتُمِلَ الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى، ولهذا قال بعض الرواة في هذا الحديث: فلا أدري أبلغتِ الرُّخصةُ مَنْ بعدهما، أم لا؟ والصحيح: عمومُ الرخصة، فإنه عُرف خطاب الشرع في ذلك ما لم يُصرِّحْ بالتخصيص، وعدم إلحاق غير من رخّص له أولاً به، كقوله لأبي بُردة في تضحيته بالجذعة من المَعْز: (تَجزِيكَ ولَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ))(١) وكقوله تعالى لنبيه ◌َّ في نكاح من وهبت نفسها له: ﴿خَالِصِةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وتحريم الحرير: إنما كان سداً للذريعة، ولهذا أُبِيحَ للنساء، وللحاجة، والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدةُ ما حُرِّم لسد الذرائع، فإنه يُباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حَرُمَ النظر سداً لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجةُ والمصلحةُ الراجحة، وكما حَرُمَ التنفلُ بالصلاة في أوقات النهي سداً لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة، وكما حَرُمَ ربا الفضل سداً لذريقة ربا النسيئة، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجة مِن العرايا(٢)، (١) تقدم تخريجه في هديه ومَّة في الحج، وهو صحيح. (٢) العرايا: جمع عرية، وهي النخلة يعطيها صاحبها لفقير لينتفع بثمرتها إلى سنة، فتدفعه الحاجة إلى أن يأخذ بثمرتها تمراً قبل أن يحرز ثمرتها، فلا يضر الفضل حينئذ . ٧١ وقد أشبعنا الكلام فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ من لباس الحرير في كتاب ((التَّحِير لما يَحِلُّ ویحرُم مِن لباس الحرير)». فصل فوائد الحرير وأما الأمر الطبي: فهو أن الحرير من الأدوية المتخذة من الحيوان، ولذلك يُعد في الأدوية الحيوانية، لأن مخرجَه مِن الحيوان، وهو كثيرُ المنافع، جليلٌ الموقع، ومِن خاصيته تقويةُ القلب، وتفريحُه، والنفعُ من كثير من أمراضه، ومِن غلبة المِرة السوداء، والأدواء الحادثة عنها؛ وهو مُقو للبصر إذا اكتُحِلَ به، والخام منه ـ وهو المستعمل في صناعة الطب - حار يابس في الدرجة الأولى. وقيل: حار رطب فيها: وقيل: معتدل. وإذا اتُّخِذَ منه ملبوسٌ كان معتدل الحرارة في مزاجه، مسخناً للبدن، وربما برد البدن بتسمینه إياه . قال الرازي: الإِبِرِيسَمُ أسخنُ من الكتان، وأبردُ من القطن، يربي اللحم، وكل لباس خشن، فإنه يُهزِل، ويصلب البشرة وبالعكس. أقسام الملابس من حيث تسخين البدن قلت: والملابسُ ثلاثة أقسام: قسم يُسخن البدن ويُدفئه، وقسم يُدفئه ولا یسخنه، وقسم لا يُسخنه ولا یدفئه، وليس هناك ما یسخنه ولا یدفئه، إذ ما یسخنه فهو أولى بتدفئته، فملابس الأوبار والأصواف تُسخن وتُدفىء، وملابس الكتان والحرير والقطن تُدفىء ولا تُسخن، فثيابُ الكَتَّان باردة يابسة، وثيابُ الصوف حارة يابسة، وثيابُ القطنِ معتدلةُ الحرارة، وثيابُ الحريرِ ألينُ مِن القطن وأقل حرارة منه . قال صاحب ((المنهاج)): ولُبسه لا يُسخن كالقُطن، بل هو معتدل، وكُلُّ لباس أملسَ صقيل، فإنه أقلُّ إسخاناً للبدن، وأقلُّ عوناً في تحلل ما يتحلل منه، وأحرى أن يُلبس في الصيف، وفي البلاد الحارة. ولما كانت ثيابُ الحرير كذلك، وليس فيها شيء من اليُيس والخشونة ٧٢ الكائنين في غيرها، صارت نافعة مِن الحِكة، إذ الحِكة لا تكون إلا عن حرارة وييس وخشونة، فلذلك رخّص رسولُ الله ◌َّ للزبير وعبد الرحمن في لباس الحرير لمداواة الحِكة، وثيابُ الحرير أبعدُ عن تولد القمل فيها، إذ كان مزاجُها مخالفاً لمزاج ما يتولد منه القمل. وأما القسم الذي لا يُدفىء ولا يسخن، فالمتخذ مِن الحديدِ والرصاص، علة تحريم الحرير والخشب والتُّراب، ونحوها، فإن قيل: فإذا كان لباس الحرير أعدلَ اللباس وأوفَقَه للبدن، فلماذا حرمته الشريعة الكاملة الفاضلة التي أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث؟ قيل: هذا السؤال يجيب عنه كُلُّ طائفةٍ مِن طوائف المسلمين بجوابٍ، فمنكرو الحِكَم والتَّعليل لما رُفِعت قاعدةُ التعليل من أصلها لم يحتاجوا إلى جواب عن هذا السؤال. ومثبتو التعلیل والحِگم ـ وهم الأكثرون - منهم من يُجيب عن هذا بأن الشريعَة حرَّمته لِتصبِرَ النفوسُ عنه، وتتركه لله، فتُثاب على ذلك لا سيما ولها عوض عنه بغيره. ومنهم من يجيب عنه بأنه خلق في الأصل للنساء، كالحلية بالذهب، فَحَرُمَ على الرجال لما فيه من مفسدة تشبه الرجال بالنساء، ومنهم من قال: حَرُمَ لما يُورثه مِن الفخر والخُيلاء والعُجب. ومنهم من قال: حرم لما يُورثه بملامسته للبدن من الأنوثة والتخلُّث، وضد الشهامة والرجولة، فإن لُبسه يكسب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنث والتأنث، والرَّخاوة ما لا يخفى، حتى لو كان مِن أشهم الناس وأكثرِهم فحولية ورُجولية، فلا بد أن يَنْقُصَه لبسُ الحرير منها، وإن لم يُذهبها، ومن غلظت طِباعُه وكَثُفَتْ عن فهم هذا، فليُسَلِّم للشارع الحكيم، ولهذا كان ٧٣ أصح القولين: أنه يحرم على الولي أن يُلبسه الصبيَّ لما ينشأ عليه مِن صفات أهل التأنيث. وقد روى النسائي من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبيِّ يَّ أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ أحَلَّ لإِناث أُمَتِي الحَرِيَرِ والذَّهَبَ، وحَرَّمَهُ عَلىَ ذُكُورِها)). وفي لفظ: ((حُرِّمَ لِبَاسُ الحَرِيرِ والذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لإِنَائِهِم)(١) . وفي ((صحيح البخاري)) عن حذيفة قال: نهى رسول الله وَّل عن لُبس الحرير والديباج، وأن يُجْلَسَ عليه، وقال: ((هُوَ لَهُمْ في الدُّنْيا، وَلَكُم في الآخِرَة))(٢). فصل في هديه وَّ في علاج ذاتِ الجنب روى الترمذي في ((جامعه)) من حديث زيد بن أرقم، أن النبيَّ ◌َّ قال: (تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ بِالقُسْطِ البَحْرِي والزَّيْتِ»(٣) . وذاتُ الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي وغيرُ حقيقي. فالحقيقي: ورم حار يَعْرِضُ في نواحي الجنب في الغشاء المستبطن للأضلاع. وغير الحقيقي. ألم يُشبهه يَعْرِضُ في نواحي الجنب عن رياح غليظة مؤذية تحتقِن بين الصِّفاقات، (١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٩٩٣٠) والنسائي ١٦١/٨ في الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال، والترمذي (١٧٢٠) في اللباس: الباب الأول، وهو حديث صحيح روي عن عدة من الصحابة، منهم علي، وعمر، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وواثلة بن الأسقع، وعقبة بن عامر، وقد استوفى تخريجها الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) ٢٢٢/٤، ٢٢٥. (٢) أخرجه البخاري ٢٤٢/١٠ في اللباس: باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه. (٣) أخرجه الترمذي (٢٠٨٠) في الطب: باب ما جاء في دواء ذات الجنب، وأحمد ٣٦٩/٤ والحاكم ٢٠٢/٤، وفي سنده ميمون أبو عبد الله البصري وهو ضعيف. ٧٤ فتُحْدِثُ وجعاً قريباً من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجعَ في هذا القسم ممدود، وفي الحقيقي ناخس . قال صاحبُ ((القانون)): قد يعرِضُ في الجنب، والصِّفاقات، والعَضَل التي في الصدر، والأضلاع، ونواحيها أورام مؤذية جداً موجعة، تسمى شوصة ويِرساماً، وذاتَ الجنب. وقد تكون أيضاً أوجاعاً في لهذه الأعضاء ليست مِن ورم، ولكن مِن رياح غليظة، فيظن أنها من هذه العلة، ولا تكون منها. قال: واعلم أن كُلَّ وجع في الجنب قد يُسمى ذاتَ الجنب اشتقاقاً من مكان الألم، لأن معنى ذات الجنب صاحبةُ الجنب، والغرض به ها هنا وجعُ الجنب، فإذا عَرَضَ في الجنب ألمٌّ عن أي سبب كانَ نُسِبَ إليه، وعليه حُمِلَ كلام بقراط في قوله: إن أصحابَ ذات الجنب ينتفِعُون بالحمام. قيل: المراد به كُلُّ من به وجع جنب، أو وجعُ رئة مِن سوء مزاج، أو مِن أخلاط غليظة، أو لذاعة من غير ورم ولا حُمى. قال بعضُ الأطباء: وأما معنى ذات الجنب في لغة اليونان، فهو ورم الجنب الحار، وكذلك ورم كل واحد من الأعضاء الباطنة، وإنما سمي ذاتَ الجنب ورم ذلك العضو إذا كان ورماً حاراً فقط . ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقي خمسةُ أعراض: وهي الحمى والسعال، والوجع الناخِس، وضيق النفس، والنبض المنشاري (١). والعلاج الموجود في الحديث، ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإن القسط البحري - وهو العود الهندي على ما جاء مفسراً في أحاديث أُخر - صنف من القُسط إذا دُق دقاً ناعماً، وخلط بالزيت المسخن، ودُلِكَ به مكانُ الريح المذكور، أو لعق، كان دواءً موافقاً لذلك، نافعاً (١) هذا الوصف ينطبق على الوجع الصدري نتيجة التهابات الرئة، ويعالج الآن بالأدوية المضادة للمكروبات، مثل أقراص السلفا، وحقن البنسلين. قاله الدكتور الأزهري. ٧٥ له، محللاً لمادته، مُذْهِباً لها، مقوياً للأعضاء الباطنة، مفتحاً للشُّدد، والعودُ المذکور في منافعه كذلك. قال المسبحي(١): العود: حار يابس، قابض يحبِسُ البطن، ويُقوي الأعضاء الباطنة، ويطرُد الريح، ويفتح السُّدد، نافع من ذات الجنب، ويُذهب فضلَ الرطوبة، والعُود المذكور جيد للدماغ. قال: ويجوز أن ينفع القُسط مِن ذات الجنب الحقيقيةِ أيضاً إذا كان حدوثها عن مادة بلغمية لا سيما في وقت انحطاط العلة، والله أعلم. وذاتُ الجنب: من الأمراض الخطرة؛ وفي الحديث الصحيح: عن أم سلمة، أنها قالت: بدأ رسولُ الله ◌َّه بمرضه في بيت ميمونة، وكان كلما خَفِّ عليه، خرجَ وصلَّى بالناس، وكان كلما وجدَ ثقلاً قال: ((مُرُوا أبا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بالنَّاس))، واشتد شكواه حتى غُمِرَ عليه مِن شدة الوجع، فاجتمع عنده نساؤه، وعمُّه العباس، وأم الفضل بنت الحارثِ وأسماء بنت عميس، فتشاورُوا في لدِّه، فلدُّوه وهو مغمور، فلما أفاق قال: ((مَنْ فَعَلَ بِي هُذا، هذا مِنْ عَمَلِ نِسَاءِ جِئْنَ مِنْ ها هنا، وأشار بيده إلى أرض الحبشة، وكانت أمُّ سلمة وأسماءُ لدَّتاه، فقالوا: يا رسولَ الله! خشينا أن يكون بكَ ذاتُ الجنب. قال: ((فَبِمَ لَدَدْتُموني)»؟ قالوا: بالعُود الهندي، وشيءٍ من وَرْس، وقطرات من زيت. فقال: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَقْذِفَني بذِلِكَ الدَّاءِ»، ثم قال: ((عَزَمْتُّ عَلَيْكُمْ أنْ لا يَبْقَى فِي البَيْتِ أَحَدٌ إلاَّ لُدَّ إلاَّ عَمِّيَ العَبَّاس))(٢). (١) هو عيسى بن يحيى الجرجاني، أبو سهل، طبيب حكيم، توفي سنة ٣٩٠ هـ وله في العمر ٤٠ سنة، انظر ترجمته في ((عيون الأنباء)» ٣٢٧، ٣٢٨. (٢) أخرجَهُ ابن سعد ٢٣٥/٢ من طريق الواقدي وهو ضعيف، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٥٤) من حديث أسماء بنت عميس، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٢٠٢/٤، ووافقه الذهبي، ونقله الحافظ في ((الفتح)) ١١٣/٨ عن عبد الرزاق، وصحح إسناده. وأخرج البخاري في ((صحيحه)) ١١٢/٨: حدثنا علي،= ٧٦ وفي ((الصحيحين)) عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لددنا رسولَ اللَّهِ وَّرَ، فأشار أَن لا تلدُّوني، فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ((أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُونِي، لا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إلَّ لُدَّ غَيْرَ عَمِّي العباس، فإنَّه لَمْ يَشْهَنكُم)»(١). قال أبو عبيد عن الأصعمي: اللدود: ما يُسقى الإِنسان في أحد شقي الفم، أخذ مِن لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه. وأما الوَجُور: فهو في وسط الفم. قلت: والَّلدود - بالفتح : - هو الدواء الذي يُلَدَّ به. والسَّعوط: ما أَدخل من أنفه. وفي هذا الحديث من الفقه معاقبةُ الجاني بمثل ما فعل سواء، إذا لم يكن معاقبة الجاني بمثل ما فِعلُه محرماً لحق الله، وهذا هو الصوابُ المقطوع به لبضعة عشر دليلاً قد ذكرناها فعل في موضع آخر، وهو منصوص أحمد، وهو ثابت عن الخلفاء الراشدين، وترجمة المسألة بالقصاص في اللطمة والضربة، وفيها عدةُ أحاديث لا معارِضَ لها البتة، فيتعين القولُ بها. حدثنا يحيى وزاد: قالت عائشة: ((لددناه في مرضه، فجعل يشير إلينا: لا تلدُّوني، = قلنا: كراهية المريض للدواء، فلما أفاق، قال: ألم أنهكم أن تلدوني: قلنا: كراهية المريض للدواء، قال: لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر إلا العباس، فإنه لم يشهدكم)) رواه ابن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ◌َّ، قال الحافظ: وصله محمد بن سعد عن محمد بن الصباح، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، بهذا السند ولفظه: كانت تأخذ رسول الله ◌َّة الخاصرة، فاشتدت به، فأغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: ((هذا من فعل نساء جئن من هنا، وأشار إلى الحبشة، وإن كنتم ترون أن الله يسلط علي ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها سلطاناً والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد)) فما بقي أحد في البيت إلا لد، ولددنا ميمونة، وهي صائمة . (١) أخرجه البخاري ١٤٠/١٠ في الطب: باب اللدود، ومسلم (٢٢١٣) في السلام: باب كراهة التداوي باللدود. ٧٧ فصل في هديه وَّر في علاج الصُّداع(١) والشقيقة روى ابن ماجه في ((سننه)) حديثاً في صحته نظر: أن النبي ◌َلو كان إذا صُدِعَ، غَلَّفَ رأسَه بالحناء، ويقول: ((إنَّهُ نَافِعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنَ الصُّدَاعِ»(٢) . والصُّداع: ألم في بعض أجزاء الرأس أو كله، فما كان منه في أحدٍ شِقي الرأس لازماً يُسمَّى شقيقة، وإن كان شاملاً لجميعه لازماً، يسمى بَيضةً وخُودة تشبيهاً بيضة السلاح التي تشتمل على الرأس كله، وربما كان في مؤخّر الرأس أو في مقدمه. حقيقة الصداع وأنواعه كثيرة، وأسبابه مختلفة. وحقيقة الصُّداع سخونةُ الرأس، واحتماؤه لما دار فيه مِن البخار يطلُب النفوذ من الرأس، فلا يجد منفذاً فيصدَعُه كما يصدع الوعيُّ(٣) إذا حمي ما فيه وطلب النفوذ، فكل شيء رطب إذا حمي، طلب مكاناً أوسع من مكانه الذي كان فيه، فإذا عرض هذا البخار في الرأس كله بحيث لا يمكنه التفشي والتحلل، وجال في الرأس، سمي السَّدر. (١) قال الدكتور الأزهري: الصداع: هو ألم بأي جزء الرأس، وأسبابه عديدة جداً لا يمكن حصرها، ويتميز كل مرض بصداع معين وفي مكان معين وفي أوقات معينة، وعلاج الصداع هو علاج المسبب له. الذي في ابن ماجه (٣٥٠٢) من حديث سلمى أم رافع مولاة رسول الله مص ل# قالت: (٢) كان لا يُصيب النبيِ وَ ر قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء، وهو في ((سنن أبي داود)» (٣٨٥٨) وأحمد ٤٦٢/٦، وفي سنده عبيد الله بن علي بن أبي رافع، وهو لين الحديث، وروى البزار فيما ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩٥/٥ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َ ل# إذا نزل عليه الوحي، صدع، فيغلف رأسه بالحناء. قال الهيثمي: وفيه الأحوص بن حكيم، وقد وثق، وفيه ضعف كثير، وأبو عون لم أعرفه. (٣) الوعي: القيح والمدة. ٧٨ أسباب الصداع والصَّداع يكون عن أسباب عديدة : أحدها: من غلبة واحد من الطبائع الأربعة . والخامس: يكون من قروح تكون في المعدة، فيألم الرأس لذلك الورم الاتصال العصب المنحدر من الرأس بالمعدة. والسادس: مِن ريح غليظة تكون في المعدة، فتصعَدُ إلى الرأس فتصدعه. والسابع: يكون من ورم في عروق المعدة، فيألُم الرأسُ بألم المعدة للاتصال الذي بينهما . والثامن: صُداع يحصل عن امتلاء المعدة من الطعام، ثم ينحدر ويبقى بعضُه نيئاً، فيصدع الرأس ويثقله. والتاسع: يعرض بعد الجماع لتخلخل الجسم، فيصل إليه مِن حر الهواء أکثرُ من قدره. والعاشر: صداع يحصُل بعد القيء والاستفراغ، إما لغلبة اليبس، وإما لتصاعد الأبخرة من المعدة إليه . والحادِي عشر: صُداع يعرِضُ عن شدة الحر وسخونة الهواء. والثاني عشر: ما يَعْرِضُ عن شدة البرد، وتكاثفِ الأبخرة في الرأس وعدم تحلّلها. والثالث عشر: ما يحدث من السهر وعدم النوم. والرابع عشر: ما يحدُث مِن ضغط الرأس وحمل الشيء الثقيل عليه. والخامس عشر: ما يحدُث مِن كثرة الكلام، فتضعف قوةُ الدماغ لأجله. والسادس عشر: ما يحدث من كثرة الحركة والرياضة المفرطة. والسابع عشر: ما يحدثُ من الأعراض النفسانية، كالهموم، والغموم، والأحزان، والوساوس، والأفكار الرديئة. ٧٩ والثامن عشر: ما يحدث مِن شدة الجوع، فإن الأبخرة لا تجد ما تعمل فيه، فتكثر وتتصاعد إلى الدماغ فتؤلمه. والتاسع عشر: ما يحدث عن ورم في صِفاق الدماغ، ويجد صاحبُه كأنه يُضرب بالمطارق على رأسه. والعشرون: ما يحدث بسبب الحمى لاشتعال حرارتها فيه فيتألم، والله أعلم. فصل سبب صداع الشقيقة وسبب صُداع الشقيقة مادة في شرايين الرأس وحدها حاصلة فيها، أو مرتقية إليها، فيقبلُها الجانب الأضعف من جانبيه، وتلك المادةُ إما بُخارية، وإما أخلاط حارة أو باردة، وعلامتُها الخاصة بها ضربان الشرايين، وخاصة في الدموي. وإذا ضبطت بالعصائب، ومنعت من الضَّرَبان، سكن الوجع. تعصیب الرأس یسکن الوجع وقد ذكر أبو نعيم في كتاب ((الطب النبوي)) له: أن هذا النواع كان يُصيب النبي ◌َّر، فيمكُث اليوم واليومين، ولا يخرج. وفيه: عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله وَّ﴾، وقد عَصَبَ رأسَه بِعصَابة . وفي ((الصحيح))، أنه قال في مرض موته: ((وارَأْسَاهُ))(١) وكان يُعصِّبُ رأسه (١) أخرجه البخاري ١٠٥/١٠ في المرض: باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه. من حديث عائشة قالت: وارأساه، فقال رسول الله ريم لي ذاك لو كان وأنا حيٌّ فأستغفر لك وأدعو لك. فقالت عائشة: واثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك، لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك. فقال النبي لة: ((بل أنا وارأساه)). ٨٠