Indexed OCR Text
Pages 581-600
رسولَ الله مِن الله عز وجل، ومن رسوله، وكان زيادٌ هذا مع رسولِ اللهِصَلّ في بعض أسفاره، قال: فاعتَشى رسول الله ◌َّ أي سار ليلاً، واعتشينا معه، وكنت رجلاً قويّاً، قال: فجعل أصحابُه يتفرَّقون عنه، ولزِمْتُ غَرْزَهُ، فلما كان في السَّحر، قال: ((أَذِّن يا أخا صُداء)) فأَّنْتُ على راحلتي، ثم سرنا حتى ذهبنا، فنزل لحاجته، ثم رجع، فقال: يا أخا صُداء، هل معك ماء؟ قلت: معي شيء في إداوتي، فقال: ((هاته)) فجئت به، فقال: ((صُبَ)) فصببتُ ما في الإِداوة في القعب، فجعل أصحابُه يتلاحقون، ثم وضع كفَّه على الإِناء، فرأيت بين كل أصبعين من أصابعه عيناً تفورُ، ثم قال: ((يا أخا صُدَاء، لو لا أني أستحيي من ربِّي عز وجل، لسقينا واستقينا)) ثم توضأ وقال: ((أذن في أصحابي، من كانت له حاجة بالوضوء فَلْيَرِدْ)» قال: فوردُوا من آخرهم، ثم جاء بلال يُقيم، فقال: ((إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ، فَهُوَ يُقِيمُ)) فأقمتُ، ثم تقدَّم رسول اللهِ ﴾. فصلى بنا، وكنتُ سألتُه قَبْلُ أَن يؤمِّرَني على قومي، ويكتُبَ لي بذلك كتاباً، ففعل، فلما فرغ مِن صلاته، قام رجل يتشكى من عامله، فقال: يا رسول الله! إنه أَخذنا بذُحُولٍ كانت بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله ◌َله: ((لا خَيْرَ في الإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسلِم))، ثم قام آخر، فقال: يا رسولَ الله! أعْطني مِن الصدقة، فقال رسول الله ◌َ﴾: ((إنَّ اللَّهَ لم يَكِلْ قِسْمَتَهَا إِلى مَلَكِ مُقَرَّبٍ، ولا نَبِيِّ مُرْسَل، حتَّى جَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءِ، فإِنْ كُنْتَ جُزْءاً منها أَعْطَيْئُكَ، وإِنْ كُنْتَ غَنِيّاً عنها، فإِنَّمَا هِيَ صُدائٌ في الرَّأْسِ، وداءٌ في البَطْن))، فقُلتُ في نفسي: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة، وأنا رجل مسلم، وسألتُه مِن الصدقة، وأنا غني عنها، فقلتُ: يا رسولَ الله! هذان كتاباك فاقبلْهُما، فقال رسول الله ◌َّه: ((وَلِمَ؟)) فقلت: إني سمعتك تقولُ: ((لا خَيْرَ في الإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ))، وأنا مسلم، وسمعتُك تقول: (مَنْ سَأَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَهُوَ غَنِيٌّ عنها، فإِنَّمَا هِيَ صُدَاعٌ في الرَّأْسِ، ودَاءٌ في البَطْنِ)) وأنا غَنِيٌّ، فقالَ رسول الله ◌َّمَ: ((أَمَا إَنَّ الَّذِي قلتُ كَمَا قُلتُ))، فقبلهما رسولُ اللهَِّ، ثم قال لي: ((دُلَّني على رُجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ أَسْتَعْمِلُهُ))، فدللتُه على ٠٦م ٥٨١ رجل منهم، فاستعملَه، قلتُ: يا رسول الله! إن لنا بئراً إذا كان الشتاءُ، كفانا ماؤها، وإذا كان الصيفُ، قَلَّ علينا، فتفرقنا على المياه، والإِسلامُ اليومَ فينا قليل، ونحن نخاف، فادعُ الله عز وجل لنا في بئرنا، فقال رسول الله مَلٍ : ((ناوِلني سَبْعَ حَصَيَاتٍ)) فناولتُه، فَعَرَكَهُنَّ بيده، ثم دفعهن إليَّ وقال: إذا انتهيتَ إليها، فألقِ فيها حصاةً حصاةً، وسمِّ الله)) قال: ففعلت، فما أدركنا لهَا قعراً حتَّى الساعة (١). فصل في فقه هذه القصة ففيها: استحبابُ عقد الألوية والرايات للجيش، واستحبابُ كونِ اللواء أبيض، وجواز كونِ الراية سوداء مِن غير كراهة. وفيها: قبولُ خبرِ الواحد، فإن النَّبيَّ بِّ ردَّ الجيش من أجل خبر الصُّدَائي وحده . وفيها: جوازُ سير الليل كُلِّه في السفر إلى الأذان، فإن قوله: ((اعتشى)) أي: سار عشية، ولا يُقال لما بعد نصف الليل. وفيها: جوازُ الأذان على الراحلة. وفيها: طلبُ الإِمام الماءَ من أحد رعيته للوضوء، وليس ذلك من السؤال. وفيها: أنه لا يتيممُ حتى يطلُبَ الماء فيُعْوِزه. وفيها: المعجزةُ الظاهرة بفورانِ الماء من بين أصابعه، لما وضعها فيه، أمدَّه الله به وكثَّره، حتى جعل يفورُ مِن خلال الأصابع الكريمة، والجهال تَظُنُّ أنه فوران الماء من بين أصابعه ## لا من خلال اللحم والدم (١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٥/٢، ٢٥٦، و((شرح المواهب)) ٥٩/٤، ٦١، وابن سعد ٣٢٦/١، ٣٢٧، و((فتوح مصر)) ص ٢١٢ لابن عبد الحكم، وحديث ((من أذن فهو يقيم)) أخرجه أحمد ١٦٩/٤، وأبو داود (٥١٤) والترمذي (١٩٩)، وابن ماجه (٧١٧) وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف. ٥٨٢ كان يشق الأصابع، ويخرج من خلال اللحم والدم، وليس كذلك، وإنما بوضعه أصابعه فيه حلَّت فيه البركة من الله والمدد، فجعل يفور حتى خرج من بين الأصابع، وقد جری له هذا مراراً عديدة بمشهد أصحابه. وفيها: أن السنّة أن يتولى الإقامة من تولى الأذان، ويجوزُ أن يؤذن واحد، سنية الإقامة لمن أذن ويقيم آخر، كما ثبتت في قصة عبد الله بن زيد أنه لما رأى الأذان، وأخبر به النبي_﴾ قال: ((ألْقِهِ على بلالٍ))، فألقاه عليه، ثم أراد بلال أن يقيم، فقال عبد الله بن زيد: يا رسولَ الله! أنا رأيتُ، أريد أن أقيم، قال: ((فأقم))، فأقام هو، وأذّن بلال، ذكره الإمام أحمد رحمه الله(١) . وفيها: جوازُ تأمير الإِمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئاً، ولا يكون سؤاله مانعاً من توليته، ولا يُناقِض هذا قوله في الحديث الآخر: ((إِنَّا لَنْ نُوَلِّيَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ(٢) ، فإن الصُّدائي إنما سأله أن يؤمِّره على قومه خاصة، وكان مطاعاً فيهم، محبباً إليهم، وكان مقصودُه إصلاحَهم، ودُعاءهم إلى الإِسلام، فرأى النبيُّ ◌َ لَه أن مصلحة قومِه في توليته، فأجابه إليها، ورأى أن ذلك السائل جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئاً (١) أخرجه أحمد ٤٢/٤، وأبو داود (٥١٢)، وفي سنده محمد بن عمرو الواقفي الأنصاري البصري، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه، فقيل عن محمد بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن محمد، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك))، والحازمي في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ٢٤، والدارقطني ص ٩٠، والطحاوي ص ٨٥ من طريق أبي العميس عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه عن جده، وعبد الله بن محمد، لم یوثقه غیر ابن حبان. (٢) أخرجه البخاري ١١٢/١٣ في الأحكام: باب ما يكره من الحرص على الإمارة، ومسلم (١٤) ١٤٥٦/٣ في الإمارة: باب النهي عن طلب الإمارة، والحرص عليها من حديث أبي موسى الأشعري قال: دخلت على النبي ◌َّ أنا ورجلان من بني عمي، فقال: أحد الرجلين: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الآخر مثل ذلك، فقال: ((إنا والله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص علیه)). ٥٨٣ إنما سأله الولاية لحظُّ نفسه ومصلحته هو، فمنعه منها، فولَّى للمصلحة، ومنع للمصلحة، فكانت توليتُه لله، ومنعه لله. وفيها: جواز شِكاية العمال الظلمة، ورفعهم إلى الإِمام، والقدح فيهم بظلمهم، وأن تركَ الولاية خيرٌ للمسلم مِن الدخول فيها، وأن الرجل إذا ذكر أنه من أهل الصدقة، أعطي منها بقوله ما لم يظهر منه خلافُه. ومنها: أن الشخصَ الواحد يجوز أن يكون وحده صنفاً من الأصناف لقوله: ((إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَها ثَمانِيَة أَجْزاءٍ، فَإِنْ كنتَ جُزْءاً منها أَعْطَيْئُكَ)). ومنها: جوازُ إقالةِ الإِمامِ لولاية من ولاً، إذا سأله ذلك. ومنها: استشارةُ الإِمام لذي الرأي مِن أصحابه فيمن يُولِّيه. ومنها: جوازُ الوضوء بالماء المبارَك، وأن بركته لا تُوجب كراهةَ الوضوء منه، وعلى هذا فلا يُكره الوضوء مِن ماء زمزم، ولا مِن الماء الذي يجري على ظهر الكعبة. والله أعلم. جواز الوضوء بالماء المبارك فصل في قدوم وفد غسان وقدموا في شهر رمضانَ سنةً عشر، وهم ثلاثةُ نفر، فأسلمُوا وقالُوا: لا ندري أيتبعُنا قومُنا أم لا؟ وهم يُحبُّون بقاءَ ملكهم، وقربَ قيصر، فأجازهم رسولُ اللهِ وَّر بجوائز، وانصرفوا راجعين، فقدِمُوا على قومهم، فلم يستجيبُوا لهم، وكتمُوا إسلامهم حتى مات منهم رجلان على الإِسلام، وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة، فأخبره بإسلامه، فکان یُکرمہ(١) . (١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٦/٢، ٢٥٧، و(شرح المواهب)) ٦١/٤، وابن سعد ٣٣٠/١. ٥٨٤ فصل في قدوم وفد سلامان وقَدِمَ عليه ◌ِِّ وفد سَلامان سبعة نفر، فيهم حبيبُ بن عمرو، فأسلموا. قال حبيب: فقلت: أي رسول الله! ما أفضلُ الأعمالِ؟ قال: ((الصَّلاةُ فِي وَقْتِهَا»، ثم ذكر حديثاً طويلاً، وصلُّوا معه يومئذ الظهر والعصر، قال: فكانت صلاة العصر أخفَّ من القيام في الظهر، ثم شَكَوْا إليه جَدْبَ بِلادهم، فقال رسولُ الله ◌ِّ بيده: ((اللَّهُمَّ اسْقِهِمُ الغَيْثَ فِي دَارِهم)، فقلتُ: يا رسول الله! ارفع يديك، فإنّه أكثرُ وأطيبُ، فتبسم رسول الله ◌ََّ، ورفع يديه حتى رأيتُ بياض إبطيه، ثم قام وقُمنا عنه، فأقمنا ثلاثاً، وضِيافُته تجري علينا، ثم ودعناه، وأمر لنا بجوائز، فأعطينا خمسَ أواقٍ لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثرَ هذا وأطيبَه، ثم رحلنا إلى بلادنا، فوجدناها قد مُطِرَت في اليومِ الَّذي دعا فيه رسول الله مَّ في تلك الساعة. قال الواقدي: وكان مقدمُهم في شوال سنة عشر (١). فصل في قدوم وفد بني عَبْس وقَدِمَ عليه وفدُ بني عبس، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ! قَدِمَ علينا قُرَّاؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلامَ لمن لا هِجرة له، ولنا أموالٌ ومواشٍ، وهي معايشنا، فإن كان لا إسلامَ لمن لا هِجرة له، فلا خيرَ في أموالنا، بعناها وهاجَرْنا من آخرنا، فقال رسول الله بَّ: ((اتَّقُوا اللَّهَ حَيْثُ كُنْتُمْ، فَلَن يَلِتَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا)» وسألهم رسول الله ◌َّ عن خالد بن سنان، هل له عَقِبٌ؟ فأخبروه أنه لا عَقِبَ له، (١) انظر ابن سيد الناس ٢٥٧/٢، و((شرح المواهب)) ٦١/٤، ٦٢ وابن سعد ٣٣٢/١. ٥٨٥ كانت له ابنة فانقرضت، وأنشأ رسول الله ◌َ لا يحدث أصحابه عن خالد بن سنان، فقال: (نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُه))(١). فصل في قدوم وفد غامد قال الواقدي: وقَدِمَ على رسولِ الله ◌ِّل وفدُ غامد سنة عشر، وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغَرْقَدِ، وهو يومئذ أثْلٌ وطرفاء، ثم انطلقُوا إلى رسولِ الله ◌ِّ، وخلَّفوا عند رحلهم أحدثَهم سِنّاً، فنام عنه، وأتى سارقٌ، فسرق عيبةً لأحدهم فيها أثوابٌ له، وانتهى القومُ إلى رسول الله بَّهَ، فسلَّموا عليه، وأقرُّوا له بالإِسلام، وكتب لهم كتاباً فيه شرائعُ من شرائع الإِسلام، وقال لهم: ((مَنْ خَلَّفْتُم في ◌ِحَالِكم؟)) فقالوا: أحدثَنا يا رسولَ الله، قال: فإنَّه قَدْ نَامَ عَنْ مَتَاعِكُمْ حَتَّى أتى آَتِ فَأَخَذَ عَيْبَةَ أحَدِكُمْ)»، فقال أحدُ القوم: يا رسول الله! ما لأحد من القوم عيبةٌ غيري، فقال رسول الله وَّه: ((فَقَدْ أُخِذَتْ وَرُدَّتْ إلى مَوْضِعِها»، فخرج القومُ سِراعاً حتى أتوا رحلهم، فوجدوا صاحِبَهم، فسألوه عما أخبرَهُم رسولُ الله ◌َِه قال: فزعْتُ مِن نومي، ففقدتُ العَيبة، فقمتُ في طلبها، فإذا رجل قد كان قاعداً، فلما رآني، فثار يعدو مني، فانتهيتُ إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا بأخذها، وأنها قد رُدَّت، فرجعوا إلى النبي ◌ََّ، فأخبروه، وجاء الغلامُ الذي خلَّفوه، فأسلم، وأمر النبي بَّ أَبيَّ بن كعب، فعلمهم قرآناً، وأجازهم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا(٢). (١) حديث منكر لا يصح، وانظر ابن سيد الناس ٢٥٧/٢ و((شرح المواهب)) ٤/ ٦٢، وابن سعد ٢٩٥/١. (٢) انظر ابن سيد الناس ٢٥٧/٢، ٢٥٨، و((شرح المواهب)) ٦٣/٤ وابن سعد ٣٤٥/١ والأثل والطرفاء: نوعان من الشجر متشابهان، والعيبة: مستودع الثياب. ٥٨٦ فصل في قدوم وفد الأزد على رسول الله ◌َ﴾ ذكر أبو نعيم في كتاب ((معرفة الصحابة))، والحافظ أبو موسى المديني، من حديث أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدَّثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزديّ، قال: حدَّثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت سابعَ سبعةٍ مِن قومي على رسول اللهِنَ له، فلما دخلنا عليه، وكلمناه، أعجبَه ما رأى مِن سمتنا وزِيِّنا، فقال: ((ما أَنْتُم؟)) قلنا: مؤمنون، فتبسم رسول الله ي﴾ وقال: ((إنَّ لِكُلِّ قَوْلٍ حَقِيقَةٌ، فمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ وإِيمَانِكم؟)) قلنا: خمسَ عشرة خصلة، خمسٌ منها أمرتنا بها رُسُلُك أن نُؤْمِنَ بها، وخمسٌ أَمرتنا أَنْ نَعْمَلَ بها، وَخِمسٌ تخلقنا بها في الجاهلية، فنحن عليها الآن، إلا أن تكره منها شيئاً، فقال رسول الله يَله: ((ومَا الخَمْسُ الَّتِي أَمَرَتْكُم بها رُسُلي أَنْ تُؤْمِنُوا بها))؟ قلنا: أمرتنا أن نُؤْمِنَ باللّهِ، وملائِكَتِهِ، وكتبه، ورسله، والبعثِ بعدَ الموت. قال: ((ومَا الخَمْسُ التي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بها))؟ قلنا: أمرتنا أن نقولَ: لا إله إلا الله، ونُقِيمَ الصلاة، ونؤتيَ الزكاة، ونصومَ رمضان، ونحجَّ البيت الحرام من استطاع إليه سبيلاً، فقال: ((ومَا الخَمْسُ الَّتِي تَخَلَّقْتُم بِها في الجَاهِلِيَّة؟)) قالوا: الشكرُ عند الرخاءِ، والصبرُ عند البلاء، والرضى بمُرِّ القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال رسول الله شخصية: ((حُكَمَاءٌ عُلَمَاء كَادُوا مِنْ فِقْهِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبَاء)»، ثم قال: وأَنَا أَزِيدُكُمْ خَمْساً، فَتِمُّ لَكُمْ عِشْرُونَ خَصْلَةٌ إِنْ كُنْتِم كما تَقُولُونَ، فَلا تَجْمَعُوا ما لاَ تَأْكُلُونَ، ولا تَبْنُوا ما لا تَسْكِنُون، ولا تُنافِسُوا في شَيءٍ أَنتم عَنْه غَداً تَزُولُونَ واتَّقُوا الله الذي إليه تُرْجَعُونَ وَعَلَيْهِ تُعْرَضُون، وارْغَبُوا فِيمَا عَلَيْهِ تَقْدمُون، وفيه تَخْلُدون))، فانصرف القوم مِن عند رسول الله مَثله، وحفظوا وصيته، وعملوا بها(١). (١) سنده ضعيف، لأن علقمة بن يزيد بن سويد، قال الذهبي في ((الميزان)): لا يعرف،= ٥٨٧ فصل في قدوم وفد بني المُنْتَفِقِ على رسولِ الله ◌َِّد. روينا عن عبد الله بن الإِمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه، قال: كتب إليَّ إبراهيم بنُ حمزة بن محمد بن حمزة بن مُصعب بن الزبير الزبيري: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرضتُه وسمعته على ما كتبتُ به إليك، فحدِّث بذلك عني، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بن المغيرة الحزامي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن عياش السَّمَعي الأنصاري، عن دَلْهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتَقِق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر، قال دَلهم: وحدثنيه أيضاً، أبي الأسود بن عبد الله، عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر، خرج وافِداً إلى رَسُولِ اللهِ نَّه ومعه صَاحِبٌ له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المُنْتَفِقِ، قال لقيط: فخرجتُ أَنَا وصاحبي حتَّى قَدِمنا على رسول الله ◌َِّ، فوافيناه حينَ انصرفَ من صلاة الغداة، فقامَ في النَّاس خطيباً، فقال: ((أيُّها النَّاسُ أَلا إنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَة أَيَّام، ألا لِتَسْمَعوا اليَوْمَ، أَلاَ فَهَلْ مِنْ امْرِىءٍ بَعَثَّهُ قَوْمُه))؟ فقالوا له: اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، ((ألاَ ثَمَّ رَجُلٌ لَعَلَّهُ يُلْهِيه حَدِيثُ نَفْسِهِ، أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ، أَوْ يُلْهِهِ ضَالٌّ أَلا إِنِّي مَسْؤُولٌ، هَلْ بَلَّغْتُ، أَلا اسْمَعُوا تَعِيشُوا، أَلَا اجْلِسُوا))، فجلس الناسُ، وقمت أَنَا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤادُه ونظره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك: لَعَمْرُ اللَّهِ. عَلِمَ أَنِي أَبْتَغِي السَّقْطَةَ، فقال: ((ضَنَّ رَبُّكَ بِمَفَاتِيحٍ خَمْسٍ مِنَ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلاَّ وأتى بخبر منكر، فلا يحتج به، وأورده الحافظ في ((الإصابة)) ١٥١/٣ في ترجمة سويد بن الحارث الأزدي، ونسبه إلى أبي أحمد العسكري، وقال: وساقه الرشاطي وابن عساكر من وجهين آخرين عن أحمد بن أبي الحواري، ورواه أبو سعيد النيسابوري في ((شرف المصطفى)) من وجه آخر عن أحمد بن أبي الحواري، فقال: علقمة بن سويد بن علقمة بن الحارث، فذكر أبو موسى في ((الذيل)) علقمة بن الحارث بسبب ذلك، والأول أشهر. ٥٨٨ الله)، وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((عِلْمُ المَنِيَّة، قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيَّةُ أَحَدِكُم ولا تَعْلَمُونَه، وعِلْمُ المَنِيِّ حِينَ يَكُونُ في الرَّحِم قَدْ عَلِمَهُ ومَا تَعْلَمُونَهُ، وعِلْمُ ما في غَدٍ قَدْ عَلِمَ مَا أَنْتَ طَاعِمٌ ولا تَعْلَمُه، وعِلْمُ يَوْمِ الغَيْثِ يُشرف عَلَيْكُمْ أَزِلِين مُشْفِقِيْن فَيَظَلُّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ غَوثَكُم إلى قَرِيبٍ)). قال لقيطٌ: فقلتُ: لن نَعْدَمَ مِن ربٍّ يضحكُ خيراً يا رَسُول اللَّهِ، قال: ((وعِلْمُ يَوْمِ السَّاعَةِ))، قلنا: يا رَسولَ الله! علمنا مما تُعلِّم الناسَ وتعلم، فإنا مِن قبيل لا يُصدِّقون تصديقنا أحداً مِن مُذحج التي تربو علينا، وخثعم التي تُوالينا وعشيرتنا التي نحن منها، قال: ((تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ يُتَوَفَّى فِيُّكُمْ، ثُمَّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ، ثُمَّ تُبْعَثُ الصَّائِحَةُ، فَلَعَمْرُ إِلَهُكَ ما تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئاً إلا مَاتَ، والمَلائِكَةُ الَّذِينَ مَعَ رَبِّكَ، فَأَصْبَحَ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ يَطُوفُ فِي الأَرْضِ، وَخَلَتْ عَلَيْهِ البِلادُ، فَأَرْسَلَ رَبِّكَ السَّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ العَرْشِ، فَلَعَمْرُ إِلهُكَ ما تَدَعُ عَلَىْ ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتْيلٍ، ولا مَدْفَنِ مَيِّتٍ إلا شَقَّتِ القَبْرَ عَنْهُ حَتَّى تَخْلُفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِي جالِساً، فَيَقُولُ رَبُّك: مَهْيَم، لما كان فيه يقول: يَا رَبِّ، أَمْس، اليوم، لعهده بالحياة، يحسبه حديثاً بأهله))، فقلتُ: يا رسولَ الله! فكيف يجمعُنا بعد ما تمزّقنا الرياحُ والبِلى والسباحُ؟ قال: ((أُنْبُئُكَ بِمثلٍ ذُلِكَ في آلاءِ الله: الأَرْضُ أَشْرَفْتَ عليها وهيَ في مَدَرة بَالِيةٍ))، فقلت: لا تحبى أبداً. ثم أَرْسَل اللَّهُ عَلَيْهَا السَّمَاءَ، فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْك إلاَّ أَيَّاماً حَتَّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وهي شَرْبَةٌ واحِدَةٌ، وَعَمْرُ إِلْهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ على أَنْ يَجْمَعَكُم مِنَ المَاءِ عَلى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتِ الأَرْضِ فَتَخْرُجونَ مِنَ الأَصْواءِ، ومِنْ مَصَارِعِكُم، فتنظُرُون إِلَيْهِ ويَنْظُرُ إِلَيْكُمْ))، قال: قلت: يا رسولَ الله! كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: ((أنْبُتُك بمثل هذا في آلاءِ اللَّهِ: الشَّمُسُ والقَمَرُ آيَةٌ منه صَغِيرَةٌ تَرَونَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً واحِدَةً ولا تُضارُّون في رُؤيَتهما))، ولعمر إلهكَ لهوَ أقدرُ على أن يراكم وترونه من أن تروا نورهما ويريانكم لا تضارُّون في رؤيتهما. قلت: يا رسول اللّهِ! فما يفعل بنا ربُّنا إذا لقيناه؟ قال: ((تُعرَضُونَ عليه بادِيَةً له صَفَحَاتُكُم لا يخفى عليه منكم خَافِيةٌ، ٥٨٩ فِيأْخُذُ رَبُّكَ عَزَّ وجَلَّ بيدِهِ غُرْفَةٌ من ماءٍ، فَيَنْضَحُ بها قبلَكُمْ، فَلَعَمْرُ إِلَّهِكَ ما يُخْطِيءَ وَجْه أَحَدٍ منكم منها قَطْرَة، فأمَّا المُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرَّيْطَةِ البَيْضَاءِ، وَمَّا الكَافِرُ فَتَنْضَحُه، أَو قال: فتخطَمُه بمثل الحُمَم الأَسْود ألا ثم يَنْصِفُ نَبِّكُمْ ويفترق على أَثَرِهِ الصَّالْحُونَ فَيَسْلُكُون جِسْراً مِنَ النَّارِ يَطَأُ أَحَدُكُم الجَمْرَة يقول: حِسِّ، يقول رَبُّك عَزَّ وَجَلَّ، أَو أَنْه؛ ألا فَتَطلعون على حَوْضِ نَبيَّكُم عَلىَ أَظْمَأ - والله - نَاهِلَة عليها قَطُّ رَأَيْتُها، فَلَعَمْرُ إِلَهكَ مَا يَبْسُطُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إلاَّ وقَعَ عليها قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ والبَوْلِ، والاَذى، وتُخنس الشَّمْسُ والقَمَرُ فلا تَرَوْنَ منهما واحداً). قال: قلتُ: يا رسول الله! فبمَ نبصر؟ قال: ((بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتك هذِهِ، وذُلِكَ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ في يَوْمٍ أَشْرَقَتِ الأَرْضُ وواجَهَتْ بِهِ الجِبالَ))، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! فبم نُجزَى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال ◌َّه: ((الحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِها، والسَّيَِّةُ بِمِثْلِها إلاَّ أَنْ يَعْفُوَ))، قال قلتُ: يا رسول الله! ما الجنةُ وما النارُ؟ قال: ((لَعَمْرُ إلهكَ إِنَّ النَّارَ لها سَبْعَة أَبْوَابٍ مَا مِنْها بَابَانِ إلَّ يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَاماً، وإِنَّ الجَنَّة لها ثَمَانِيَةُ أَبَوابٍ ما منها بابان إلاَّ يَسِيرُ الرَّاكِبُ بينهما سَبْعِينَ عَامً» قلتُ: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: ((على أَنْهارِ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى، وأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ ما بِها صُدَاعٌ ولا نَدَامَةٌ، وأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنِ ما يَتَغَيِّرُ طَعْمُه، ومَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وفاكِهِةٍ، ولَعَمْرُ إِلَهكَ مَا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثَلِهِ مَعَهُ وأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ. قلت: يا رسول الله! أَوَلنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: المُصْلِحَاتُ لِلصَّالِحِين)»، وفي لفظ: الصالحاتُ لِلصَّالِحِينَ تَلَذُّونَهُنَّ ويَلَذُّونَكُم مثلَ لذَّاتكم في الدُّنْيا غَيْرِ أَنْ لا تَوَالُد))، قال لقيط: فقلت: يا رسول الله! أقصى ما نحنُ بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يُجبه النبيّ ◌َّه، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! علام أبايعُك؟ فبسط النبيُّ ◌َّل يده، وقال: ((عَلى إقام الصَّلاةِ وإِيتَاءِ الزَّكاةِ، وزِیالِ المُشْرِكِ، وَأَنْ لا تُشْرِكَ باللَّهِ إلهاً غَيْرَهُ» قال: قلت: يا رسول الله! وإنَّ لنا ما بين المشرق والمغرب، فقبض رسول الله تَّل يده، وظن أني مشترط ما لا يُعطينيه، قال: قلتُ: نحلُّ منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤٌ إلا على نفسه، فبسط يده، ٥٩٠ وقال: ((لك ذُلك تَحِلُّ حَيْثُ شِئْتَ، ولا يَجْنِي عَلَيْكَ إلاَّ نَفْسُكَ))، قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: ((ها إنَّ ذَيْن، ها إنَّ ذَيْن - مَرَّتين - لعمرُ إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخِرَة»، فقال له كعب بن الخدرية أحدُ بني بكر بن كلاب: مَنْ هُمْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((بنو المنتفِقِ، بنو المنتفِق، بنو المنتفق، أهل ذلك منهم))، قال: فانصرفنا، وأقبلتُ عليه، فقلتُ: يا رسول الله! هل لأَحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ فقال رجل مِن عُرْضٍ قريش: والله إنَّ أباكَ المنتفِقِ لفي النار، قال: فکأنه وقع حرٌ بینَ جِلد وجھي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممتُ أن أقول: وأبوك يا رسولَ الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلتُ: يا رسول الله! وأهلك؟ قال: ((وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللَّهِ، حَيْثُ ما أَتَيْتَ على قَبْرِ عامِرِيٍّ، أو قُرَشي من مشرك قُلْ: أرسلني إليك مُحَمَّدٌ، فأَبَشِّرُكَ بما يَسُوؤُكَ، تُجَرُّ عَلى وجْهِكَ وبَطْنِكَ في النَّارِ))، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! وما فعل بهم ذلك، وقد كانوا على عمل لا يُحسنون إلا إياه، وكانوا يَحسِبُون أنهم مصلحون؟ قالَ وَّ: (ذُلِكَ بَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ في آخِرِ كُلِّ سَبْع ◌ُمَمِ نَبِيَّاً، فمن عَصىُ نِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، ومَنْ أَطاعَ نِيَّهُ كان مِنَ المُهْتَدِین)» (١). هذا حديث كبير جليل، تُنادي جلالتُه وفخامته وعظمتُه على أنه قد خرج مِن مِشكاة التُّبوة، لا يُعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمامُ أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمةُ أهل السنة في كتبهم، وتلقَّوْه بالقبول، وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحدٌ منهم فيه، ولا في أحد من رُواته. (١) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في ((زوائد المسند)) ١٤،١٣/٤، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الرحمن بن عياش السمعي، ودلهم بن الأسود، فإنه لم يوثقهما غير ابن حبان على عادته في توثيق المجاهيل، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٣٣٨/١٠، وزاد نسبته إلى الطبراني. وعجب من المؤلف وغيره، كيف ذهبوا إلى تقويته وتصحيحه، وفيه ما فيه. ٥٩١ بيان من أخرجه فممن رواه: الإِمام ابن الإِمام، أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه، وفي كتاب ((السنة)) وقال: كتب إليّ إبراهيمُ بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري: كتبتُ إليك بهذا الحديث، وقد عرضتُه، وسمعتُه على ما كتبتُ به إليك، فحدِّث به عني. ومنهم: الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في کتاب «السنة» له. ومنهم: الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في كتاب ((المعرفة)). ومنهم: حافظُ زمانه، ومحدثُ أوانه، أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أیوب الطبراني في کثیر من کتبه. ومنهم: الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حَيَّان أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب ((السنة)). ومنهم: الحافظ بن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة، حافظ أصبهان. ومنهم: الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردویه. ومنهم: حافظُ عصره، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني، وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم. وقال ابن مندة: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهلٍ الدين جماعة مِن الأئمة منهم أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم يُنكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رَوَؤه على سبيل القبول والتسليم، ولا يُنْكِرِ هذا الحديثَ إلا جاحِدٌ، أو جاهل، أو مخالف للكتاب والسُنة، هذا كلام أبي عبد الله بن مندة. ٥٩٢ بيان غريب ألفاظه وقوله: تَهضِبُ: أي تُمطر. والأصواء: القبور. والشَّربة - بفتح الراء - الحوضُ الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون والياء: الحنظلة، يُريد أن الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب. وعلى رواية السكون والياء: يكون قد شبه الأرض بخُضرتها بالنبات بخضرة الحنظلة واستوائها(١) . وقوله: حس: كلمة يقولُها الإِنسانُ إذا أصابه على غفلة ما يحرِقُه أو يُؤلمه، قال الأصمعي: وهي مِثل أوه. وقوله: يقولُ ربُّك عز وجل: ((أو أنه)). قال ابنُ قتيبة: فيه قولان: أحدهما: أن يكون ((أنه)) بمعنى (نعم)). والآخر: أن يكون الخبر محذوفاً كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنه على ما يقول. والطوف: الغائط. وفي الحديث: لا «يُصَلِّ أَحَدُكم، وهو يُدافعُ الطَّوْفَ والبَوْلَ) والجسر: الصراط. وقوله: ((فيقول ربك. مَهيم)): أي: ما شأنُك وما أمرُك، وفيم كنتَ. وقوله: ((يشرف عليكم أزلين)): الأزل - بسكون الزاي ـ الشدة، والأزل على وزن گتِفٍ: هو الذي قد أصابه الأزل، واشتد به حتى كاد يقتَطُ . وقوله: ((فيظَلُّ يضحكُ)) هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يُشبهه الضحك من صفات الله فيها شيءٌ مِن مخلوقاته، كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديثَ كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلى تشبيهها وتحريفها، وكذلك «فأصبح ربك يطوفُ في الأرضِ))، هو من صفات فعله، كقوله (وَجَاءَ ربُّكَ والمَلَكُ) (هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ المَلاَئِكَةُ، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)، و ((يَنْزِلُ رَبَِّا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيا»، و «يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَيْبَاهِي بِأَهْلِ المَوْقِفِ المَلاَئِكَةَ»، والكلام في الجمیع صراط واحد مستقیم، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل. الفعلية وكذلك النزول وغيرهما وقوله: ((والملائكة الذين عند ربك)): لا أعلم موت الملائكة جاء في حدیث صریح إلا هذا، وحديث إسماعيل بن رافع الطويل، وهو حديث الصور، موت الملائكة (١) في النهاية: ((ثم أشرفت عليها وهي شرية واحدة)) هكذا رواه بعضهم: أراد أن الأرض اخضرت بالنبات فكأنها حنظلة واحدة، والرواية: شربة بالباء الموحدة. ٥٩٣ وقد يستدل عليه بقوله تعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمُوَاتِ ومَنْ في الأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]. جواز الإقسام بصفات الله وقوله: ((فلعمر إلهك)). هو قسم بحياة الرب جل جلاله، وفيه دليل على جواز الإِقسام بصفاته، وانعقادِ اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يُطلق عليه منها أسماء المصادر، ويُوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقة مِن هذه المصادر دالة عليها. وقولُه: ((ثم تجىء الصائحة)): هي صيحة البعث ونفخته. وقوله: ((حتى يخلفه مِن عند رأسه)): هو من أخلف الزرعُ: إذا نبت بعد حصاده، شبه النشأة الآخرة بعد الموت بإخلاف الزرع بعد ما حصد، وتلك الخلفة مِن عند رأسه کما ینبت الزرع. وقوله: ((فيستوي جالساً)): هذا عند تمام خلقته وكمال حياته، ثم يقومُ بعد جلوسه قائماً، ثم يُساق إلى موقف القيامة إما راكباً وإما ماشياً. وقوله: ((يقول: يا رب أمس، اليوم))، استقلال لمدة لبثه في الأرض، كأنه لبث فيها يوماً، فقال: أمس، أو بعضَ يوم، فقال: اليوم، يحسب أنه حديثُ عهد بأهله، وأنه إنما فارقهم أمسٍ أو اليوم. كان الصحابة يخوضون في دقائق المسائل وقوله: ((كيف يجمعنا بعد ما تمزِّقنا الرياحُ والبلى والسباع؟)) وإقرار رسول الله بَّ له على هذا السؤال، رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضُون في دقائق المسائل، ولم يكونوا يفهمون حقائقَ الإِيمان، بل كانوا مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس مِن الجهمية والمعتزلة والقَدَرية أعرفُ منهم بالعلميات. كان الصحابة يوردون عليه ** ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات وفيه دليل على أنه كانوا يُورِدُون على رسول الله بََّ ما يُشْكِلُ عليهم من الأسئلة والشبهات، فيُجيبهم عنها بما يُتْلِجُ صدورهم، وقد أَورد عليه بَّ الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه: للتعنت والمغالبة، وأصحابه: للفهم والبيان وزيادة الإِيمان، وهو يُجيب كلاً عن سؤاله إلا ما لا جواب عنه، كسؤاله عن وقت ٥٩٤ الساعة، وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرَّقها، وينشئها نشأة أخرى، ويخلقه خلقاً جديداً كما سماه في كتابه، كذلك في موضعين منه. وقوله: ((أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله))، آلاؤه: نِعمه وآياتُه التي تعرَّف بها إلى عباده. وفيه: إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآن مملوء منه. وفيه: أن حكمَ الشيء حكمُ نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادراً على شيء، حكم الشيء حكم نظيره فكيف تعجِزُ قدرتُه عن نظيره ومثله؟ فقد قرر اللَّهُ سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسنَ تقرير وأبينَه وأبلغَه، وأَوصلَه إلى العقول والفِطر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيباً له، وتعجيزاً له، وطعناً في حِكمته، تعالى عما يقولون علواً كبيراً. وقوله في الأرض: ((أشرفت عليها، وهي مدرة بالية)). هو كقوله تعالى: ﴿يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ١٩]. وقوله: ﴿ومِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فإذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجِ بَهِيجِ﴾ [فصلت: ٣٩]، ونظائره في القرآن كثيرة. وقوله: ((فتنظرون إليه وينظر إليكم))، فيه إثبات صفة النظر لله عز وجل، وإثباتُ رؤيته في الآخرة. وقوله: ((كيف ونحن ملءُ الأرض وهو شخص واحد))، قد جاء هذا في هذا الحديث. وفي قوله في حديث آخر: ((لا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ)(١) والمخاطبون بهذا قوم عرب يعلمون المرادَ منه، ولا يقع في قلوبهم تشبيهُه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرفُ عقولاً، وأصحُّ أذهاناً، وأسلمُ قلوباً من ذلك، وحقق ◌َ﴾ وقوعَ الرؤية عياناً برؤية الشمس والقمر تحقيقاً لها، ونفياً لتوهم المجاز الذي يظنه المعطّلون. وقوله: ((فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم))، فيه إثبات صفة إثبات صفة اليد لله (١) أخرجه مسلم (١٤٩٩) في اللعان من حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه. ٥٩٥ اليد له سبحانه بقوله، وإثبات الفعل الذي هو النضحُ. والريطة: الملاءة. والحمم: جمع حممة، وهي الفحمة . وقوله: ((ثم ينصرفُ نبيكم))، هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة. وقوله: ((ويَفْرَقُ على أثره الصالحون)): أي يفزعون ويمضون على أثره. هل الحوض قبل الصراط؟ وقوله: ((فتطلعون على حوض نبيكم)): ظاهر هذا أن الحوض من وراء الجِسرِ، فكأنهم لا يصلون إليه حتى يقطعوا الجسر، وللسلف في ذلك قولان حكاهما القرطبي في ((تذكرته))، والغزالي، وغلَّطا من قال: إنه بعد الجسر، وقد روى البخاري: عن أبي هريرة، أن رسول الله بَ ﴿ قال: ((بَيْنا أَنَا قَائِمٌ على الحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذا عَرَفْتُهُم خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وبَيْنِهِم، فقال لهم: هَلُمَّ، فقلتُ: إلى أين؟ فقال: إلى النَّارِ واللَّهِ، قلتُ: ما شأنهم؟ قال: إنَّهُم ارْتَدُوا عَلى أَذْبارِهِم، فَلا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُم إلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَم))(١). قال: فهذا الحديث مع صحته أدلُّ دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصِّراط، لأن الصراط إنما هو جسر ممدود علی جهنم، فمن جازه سلم من النار. قلتُ: ولیس بین أحاديث رسول الله مل# تعارض ولا تناقض ولا اختلاف، وحديثُه كُلُّه يصدِّقُ بعضه بعضاً، وأصحابُ هذا القول إن أرادوا أن الحوض لا يُرى ولا يُوصل إليه إلا بعد قطع الصِّراط، فحديث أبي هريرة هذا وغيره يردُّ قولَهم، وإن أرادوا أن المؤمنين إذا جازوا الصراط وقطعوه بدا لهم الحوضُ فشربوا منه، فهذا يدل عليه حديث لقيط هذا، وهو لايُناقض كونَه قبل الصراط، فإن قوله: طولُه شهر، وعرضُه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة، فما الذي يُحيل امتدادَه إلى وراء الجسر، فيرده المؤمنون قبل الصراط وبعدَه، فهذا في حيز الإِمكان، ووقوعه موقوفٌ على خبر الصادق، والله أعلم. وقوله: ((- والله على أظمأ - ناهلة قط)): الناهلة: العطاش الواردون (١) أخرجه البخاري ٤١٤/١١ في الرقاق: باب في الحوض. ٥٩٦ الماء، أي: يردونه أظمأ ما هم إليه، وهذا يُناسب أن يكون بعد الصراط، فإنه جسرُ النار، وقد وردوها كُلُّهم، فلما قطعوه، اشتد ظمؤُهم إلى الماء، فوردوا حوضَه ◌َّ، كما وردوه في موقف القيامة. وقوله: ((تخنس الشمس والقمر)): أي: تختفيان فتحتبسان، ولا يُريان. والاختناس: التواري والاختفاء. ومنه: قول أبي هريرة: فانخنستُ منه. وقوله: ((ما بين البابين مسيرةُ سبعين عاماً))، يحتمِلُ أن يُريد به أن ما بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتملُ أن يريد بالبابين المصراعين، ولا يُناقِضُ هذا ما جاء مِن تقديره بأربعين عاماً لوجهين: أحدهما: إنه لم يُصرِّخ فيه راويه بالرفع، بل قال: ولقد ذُكِرَ لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً. والثاني: إن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه والله أعلم. معنى ما بين البابين مسيرة سبعين عاماً وقوله: ((في خمر الجنة أنه ما بها صداع ولا ندامة))، تعريض بخمر الدنيا وما يلحقُها مِن صُداع الرأس، والندامة على ذهابِ العقلِ والمال، وحصول الشر الذي يُوجبه زوالُ العقل. والماء غير الآسن: هو الذي لم يتغير بطول مکثه. صفة خمر الجنة وقوله في نساء أهل الجنة: ((غير أن لا توالد)»: قد اختلف الناس، هل هل تلد نساء أهل الجنة؟ تلدُ نساءُ أهلِ الجنة؟ على قولين، فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث، وبحديث آخر أظنه في ((المسند)) وفيه: ((غير أن لا مني ولا منية))(١)، وأثبتت طائفة من السلف، الولادة في (١) أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة فيما ذكره المؤلف في ((حادى الأرواح) ص: ١٧٩ أن رسول الله وَّة، سئل: أيجامع أهل الجنة؟ قال, دحاً دحاً، ولكن لا مني ولا منية. وفي سنده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، ضعيف، وقد اتهمه ابن معين. وأخرجه الحسن بن سفيان في مسنده عن أبي أمامة أيضاً، وفي سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. وقوله: ولا مني ولا منية، أي: لا إنزال = ٥٩٧ الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في ((جامعه)) من حديث أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌ِّ: ((المُؤْمِنُ إذا اشْتَهَى الوَلَدَ في الجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وسِتُهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي)). قال الترمذي: حسن غريب، ورواه ابن ماجه(١) . قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة، فإنه علقه بالشرط، فقال: إذا اشتهى، ولكنه لا يشتهي، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه، حكاه البخاري عنه. قالوا: والجنةُ دارُ جزاء على الأعمال، وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء، قالوا: والجنة دارُ خلود لا موتَ فيها، فلو توالد فيها أهلُها على الدوام والأبد، لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموتِ. وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كُلِّه وقالت: ((إذا)) إنما تكون لمحقَّقٍ الوقوع، لا المشكوك فيه، وقد صح أنه سبحانه يُنشىء للجنة خلقاً يسكنهم إياها بلا عمل منهم، قالوا: وأطفالُ المسلمين أيضاً فيها بغير عمل. وأما حديث سعتها: فلو رزق كُلُّ واحد منهم عشرة آلاف من الولد وسعتهم، فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. وقوله: ((يا رسول الله! أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه))، لا جواب لهذه المسألة، لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها، فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد: أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار، فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهي إليه من ذلك، وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يُجبه النبي وقوله في عقد البيعة: ((وزيال المشرك)): أي: مفارقته ومعاداته، فلا ولا موت. (١) أخرجه الترمذي (٢٥٦٦) في صفة الجنة، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة، وابن ماجه (٤٣٣٨) في الزهد: باب صفة الجنة، وأحمد ٩/٣، والدارمي ٣٣٧/٢، وسنده جيد، وصححه ابن حبان (٢٦٣٦). ٥٩٨ يُجاورُه ولا يُواليه كما جاء في الحديث الذي في السنن: ((لا تراءى ناراهما)) (١)، يعني المسلمين والمشركين. وقوله: ((حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد)): هذا من مات مشركاً قبل إرسال تقريع وتوبيخ، لا تبليغُ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أصحاب أهل البعثة فهو في النار القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم، ودليلُ على أن من مات مشركاً فهو في النار، وإن مات قبل البعثة لأن المشركين كانُوا قد غيّروا الحنيفية دينَ إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك، وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحُه والوعيدُ عليه بالنار لم يزل معلوماً مِن دين الرسل كُلِّهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبارُ عقوباتِ الله لأهله متداولة بين الأمم قرناً بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فَطَرَ عِبَادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لِتوحيد إلهيته، وأنه يستحيلُ في كل فِطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يُعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدَها، فلم تزل دعوةُ الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم. فصل في قدوم وفدِ النخع على رسول الله لّهِ وقَدِمَ عليهِ وَفْدُ النَّخْعِ، وهُمْ آخِرُ الوفود قدوماً عليه في نصف المحرم سنةً إحدى عشرة في مائتي رجل، فنزلُوا دار الأضياف، ثم جاؤوا رسول الله وَالثّ مقرِّينَ بالإِسلام، وقد كانُوا بايعوا معاذ بن جبل، فقال رجل منهم، يقال له: زرارة بن عمرو: يا رسولَ الله! إني رأيتُ في سفري هذا عجباً، قال: ((وما (١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والنسائي ٣٦/٨ من حديث جرير بن عبد الله أن رسول الله قال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله، لم؟ لا تراءی ناراهما، وسنده حسن، وله طریق اخر بإسناد صحيح عند أحمد ٣٦٥/٤، والنسائي، والبيهقي ٩/ ١٣ بلفظ: ((وتفارق المشرك)). ٥٩٩ رأيتَ))؟ قال: رأيتُ أتاناً تركتُها في الحيِّ كأنها ولدت جدياً أسفَع (١) أحوَى، فقال له رسولُ الله ◌َ: ((هَلْ تَرَكْتَ أَمَةً لَكَ مُصِرَّةً عَلى حَمْلٍ»؟ قال: نعم، قال: ((فإنَّها قَدْ وَلَدَتْ غُلاماً وهُوَ أَبْنُكَ))، قال: يا رسولَ الله! فما بالُه أسفعَ أحوى؟ فقال: ((اذْنُ مِنِّي))، فدنا منه، فقال: ((هَلْ بِكَ مِنْ بَرَصٍ تَكَتْمُه؟))، قال: والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ مَا عَلِمَ بِهِ أَحَدٌ، ولا اطَلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُكَ، قال: ((فَهُوَ ذُلِكَ))، قال: يا رسولَ الله! ورأيتُ النعمان بن المنذر عليه قُرطان مُدَملجَانٍ ومَسكتان، قال: ((ذُلكَ مَلِكُ العَرَبِ، رَجَعَ إلى أَحْسَنْ زِيِّهِ وبَهْجَتِهِ))، قال: يا رسولَ الله! ورأيتُ عجوزاً شمطاء قد خرجت مِن الأرض، قال: ((تِلْكَ بَقِيَّةُ الدُّنْيَا))، قال: ورأيتُ ناراً خرجت من الأرض، فحالَتْ بيني وبين ابنٍ لي يُقال له: عمرو وهي تقولُ: لَظَى لَظَى، بصير، وأعمى، أطعموني آكلُكم أهلَكم ومالَكم. قال رسول الله ◌ِّ: (تِلْكَ فِتْنَةٌ تَكُونُ في آخِرِ الزَّمان)) قال: يا رسولَ الله! وما الفتنةُ؟ قال: ((يَقْتُلُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ، وَيَشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أَطْبَاقِ الرَّأْس)»(٢)، وخالفَ رسولُ الله ◌َِّ بين أصابعه - يَحسبُ المسيءُ فيها أنه محسن - ((ويَكُونُ دَمُ المُؤْمِنِ عِنْدَ المُؤْمِن فيها أَحْلَى مِنْ شُرْبِ المَاءِ، إِنْ مَاتَ ابنُكَ أَدْرَكْتَ الفِتْنَة، وإِن مِتَّ أنت أَذْركَها ابْنك)» فقال: يا رسولَ الله! ادعُ الله أن لا أدركها، فقالَ له رسول الله وَّ: «اللَّهُمَّ لا يُدْرِكُها)»، فمات وبقي ابنه، وكان ممن خلعَ عثمان(٣) . فصل ذكر هديه ◌ٍ في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم الكتاب إلى هرقل ثبت في (الصحيحين)) عنه بَّهَ، أنه كتب إلى هِرَقل: ((بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الأسفع بوزن أحمر: الأسود المشرب بحمرة، والأحوى كالتأكيد للأسفع، إذ الحوة سواد (١) إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد، وقوله مصرة: اسم فاعل من أصر على الشيء: أقام عليه، والمراد حملها محقق ثابت . (٢) الاشتجار: الاشتباك والاختلاف، وأطباق الرأس: عظامه. انظر ابن سيد الناس ٢٥٨/٢، ٢٥٩، و((شرح المواهب)) ٦٩،٦٧/٤، وابن سعد ٣٤٦/١. (٣) ٦٠٠ :